وَقَوْلِ النَّبِيِّ - ﷺ -: "وَصِيَّةُ الرَّجُلِ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ". وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَي: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ المَوْتُ﴾: إلي قوله ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٨٠ - ١٨٢].
﴿جَنَفًا﴾: مَيْلًا، ﴿مُتَجَانِفٍ﴾ مَائِلٌ.
٢٧٣٨ - حَدَّثَنَا عبد اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: "مَا حَقُّ آمْرِئٍ مُسْلِمِ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ، إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَة عِنْدَهُ". [مسلم: ١٦٢٧ - فتح: ٥/ ٣٥٥]
تَابَعَهُ محَمَّدُ بْن مُسْلِمٍ، عَنْ عَمْرٍو، عَنِ ابن عُمَرَ، عَنِ النَّبِيَّ - ﷺ -.
٢٧٣٩ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الحَارِثِ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الجُعْفِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الحَارِثِ، خَتَنِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، أَخِي جُوَيْرِيَةَ بِنْتِ الحَارِثِ قَالَ: مَا تَرَكَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عِنْدَ مَوْتِهِ دِرْهَمًا وَلَا دِينَارًا وَلَا عَبْدًا
[ ١٧ / ١٦٩ ]
وَلَا أَمَةً وَلَا شَيْئًا، إِلَّا بَغْلَتَة البَيْضَاءَ وَسِلَاحَة وَأَرْضًا جَعَلَهَا صَدَقَةً. [٢٨٧٣، ٢٩١٢، ٣٠٩٨، ٤٤٦١ - فتح: ٥/ ٣٥٦]
٢٧٤٠ - حَدَّثَنَا خَلاَّدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، حَدَّثَنَا طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ قَالَ: سَأَلْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى ﵄ هَلْ كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - أَوْصَى؟ فَقَالَ: لَا. فَقُلْتُ: كَيْفَ كُتِبَ عَلَى النَّاسِ الوَصِيَّةُ أَوْ أُمِرُوا بِالوَصِيَّةِ؟ قَالَ: أَوْصَى بِكِتَابِ اللهِ. [٤٤٦٠، ٥٠٢٢ - مسلم: ١٦٣٤ - فتح: ٥/ ٣٥٦]
٢٧٤١ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الأَسْوَدِ قَالَ: ذَكَرُوا عِنْدَ عَائِشَةَ أَنَّ عَلِيًّا ﵄ كَانَ وَصِيًّا. فَقَالَتْ: مَتَى أَوْصَى إِلَيْهِ وَقَدْ كُنْتُ مُسْنِدَتَهُ إِلَى صَدْرِي -أَوْ قَالَتْ: حَجْرِي- فَدَعَا بِالطَّسْتِ، فَلَقَدِ انْخَنَثَ فِي حَجْرِي، فَمَا شَعَرْتُ أَنَّهُ قَدْ مَاتَ، فَمَتَى أَوْصَى إِلَيْهِ؟ [٤٤٥٩ - مسلم: ١٦٣٦ - فتح: ٥/ ٣٥٦]
ثم ساق أربعة أحاديث:
أحدها: حديث ابن عُمَرَ -تابعه محمد بن مسلم عن عمرو، عن ابن عمر- عن رسول الله - ﷺ -: "مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمِ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ، إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَة عِنْدَهُ". من طريق مَالك عن نافع، عنه.
ثانيها: حديث عَمْرِو بْنِ الحَارِثِ، خَتَنِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، أَخِي جُوَيْرِيَةَ بِنْتِ الحَارِثِ قَالَ: مَا تَرَكَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عنْدَ مَوْتِهِ دِرْهَمًا وَلَا دِينَارًا وَلَا عَبْدًا وَلَا أَمَةً وَلَا شَيْئًا، إِلَّا بَغْلَتَهُ البَيْضَاءَ وَسِلَاحَهُ وَأَرْضًا جَعَلَهَا صَدَقَةً.
ثالثها: حديث طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ: سَأَلْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى ﵄ هَلْ كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - أوْصَى؟ فَقَالَ: لَا. فَقُلْتُ: كَيْفَ كُتِبَ عَلَى النَّاسِ الوَصِيَّةُ أَوْ أُمِرُوا بِالوَصِيَّةِ؟ قَالَ: أَوْصَى بِكِتَابِ اللهِ.
رابعها: حديث عَائِشَةَ ذكر عندها أَنَّ عَلِيًّا كَانَ وَصِيًّا. فَقَالَتْ: مَتَى
[ ١٧ / ١٧٠ ]
َأَوْصَى إِلَيْهِ وَقَدْ كُنْتُ مُسْنِدَتَهُ إلى صَدْرِي -أَوْ قَالَتْ: حجْرِي- فَدَعَا بالطَّسْتِ، فَلَقَدِ أنْخَنَثَ فِي حجْرِي، فَمَا شَعَرْتُ أَنَّهُ قَدْ مَاتَ، فَمَتَى أوْصَى إِلَيْهِ؟
الشرح:
(الوَصَايَا): جمع وصية، أصلها من وصيت الشيء أصيه إذا وصلته، فكأنه وصل ما بعد مماته بحياته. وفي "الباهر" لابن عديس: الوصية و(الوصاية) (^١).
والوصاية -بفتح الواو وكسرها: الاسم من أوصى الرجل ووصاه، وحكاهما الجوهري أيضًا (^٢)، أعني: الوصايا بفتح الواو وكسرها.
والحديث المعلق أسنده بعد.
ومعنى (﴿كُتِبَ﴾): فرض أو ندب، المعنى: إذا كنتم في حال تخافون منها الموت فأوصوا.
و(الخَيْر): المال الكثير، قالته عائشة وجماعة (^٣).
وعن علي أنه أربعة آلاف فما دونها نفقة (^٤)، وتُوقِّف في صحته عنه.
_________________
(١) في (ص): الوصاة.
(٢) "الصحاح" ٦/ ٢٥٢٥، مادة: (وصى).
(٣) قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي والربيع والضحاك وعطاء. رواه عنهم الطبري في "تفسيره" ٢/ ١٢٥ - ١٢٦ (٢٦٧٢ - ٢٦٨٠). ورواه ابن أبي حاتم في "تفسير القرآن العظيم" ١/ ٢٩٩ (١٦٠٠، ١٦٠٣) عن ابن عباس وقتادة. ورواه ابن أبي شيبة ٦/ ٢٣٠ (٣٠٩٤٣٥) عن قتادة.
(٤) رواه عبد الرزاق في "المصنف" ٤/ ١٠٩ (٧١٥٠) والطبري ٦/ ٣٥٨ (١٦٦٧٢ - ١٦٦٧٤)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" ٦/ ١٧٨٨ (١٠٠٨٢)، وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" ٣/ ٤١٩ لابن أبي حاتم وأبي الشيخ.
[ ١٧ / ١٧١ ]
وعن عائشة: من له أربعمائة دينار وله عدة من الولد، قالت: باقي هذا فضل عن ولده (^١).
(﴿حَقًّا عَلَى المُتَّقِينَ﴾): قَالَ: كانت الوصية للولد والوالدين والأقربين فنسخ الله من ذَلِكَ ما أحب إلى من يرث، وقال الحسن وجماعة: هي واجبة للقرابة (غير) (^٢) الوارثين (^٣)، وقيل: المراد بها من لا يرث من الأبوين كالكافر والعبد. وقال الشعبي والنخعى: إنما كانت للندب (^٤). قَالَ طاوس: إن أوصى لأجنبي وترك قريبه محتاجًا نزعت منه ورُدَّت على القريب (^٥). وقال الحسن وإسحاق: إذا أوصى لغير وارثه بالثلث جاز له ثلث المال، وأخذ أقاربه الثلثين (^٦).
(والجَنَف): الميل، كما ذكره البخاري، وهو ما ذكره أكثرهم كما قاله ابن التين، وقال الضحاك: الخطأ والإثم العمد (^٧)، وقال طاوس: هو الرجل يوصي لولد ابنته (^٨). يريد ابنته.
_________________
(١) رواه عبد الرزاق ٩/ ٦٣ (١٦٣٥٤).
(٢) في (ص): عند.
(٣) "تفسير الطبري" ٢/ ١٢٢.
(٤) رواه عن الشعبي: عبد الرزاق ٩/ ٥٧ (١٦٣٢٩). ورواه عن النخعي: عبد الرزاق ٩/ ٥٧ (١٦٣٣٢)، والطبري ٢/ ١٢٥ (٢٦٧٠ - ٢٦٧١).
(٥) رواه عبد الرزاق ٩/ ٨١، ٨٢ (١٦٤٢٦ - ١٦٤٢٧)، وابن أبي شيبة ٦/ ٢١٥ (٣٠٧٧٤) والطبري ٢/ ١٢٢ (٢٦٤٦)، وعزاه في "الدر المنثور" ١/ ٣١٩ لعبد الرزاق وعبد بن حميد.
(٦) رواه عبد الرزاق ٩/ ٨٣ (١٦٤٣٣)، وابن أبي شيبة ٦/ ٢١٥ (٣٠٧٧٣)، والطبري ٢/ ١٢٢ (٢٦٤٤ - ٢٦٤٥) عن الحسن، وعزاه في "الدر" ١/ ٣١٩ لعبد الرزاق وعبد بن حميد.
(٧) رواه الطبري ٢/ ١٣٣ (٢٧١٥، ٢٧٢٦).
(٨) الطبري ٢/ ١٣٠ (٢٧٠٨) وابن أبي حاتم ١/ ٣٠١ (١٦١٣).
[ ١٧ / ١٧٢ ]
قال ابن بطال: وذلك مردود بإجماع. فإن لم يرد فوصيته من الثلث، ذكره في باب: الصدقة عند الموت (^١).
ومعنى ﴿غَيْرَ مُتَجَانِفٍ﴾: أي غير مائل إلى حرام، كما ذكره البخاري حيث قَالَ: (﴿مُتَجَانِفٍ﴾): مائل. وهو ما ذكره الطبري عن عطاء (^٢)، وقال أبو عبيدة: جورًا عن الحق وعدولًا (^٣).
إذا تقرر ذَلِكَ:
فحديث ابن عمر أخرجه عن عبد الله بن يوسف، عن مالك، عن نافع عنه كما سلف به، ورواه عبد الله بن نمير وعبدة بن سليمان، عن عبيد الله، عن نافع (^٤)، كما رواه مالك، أفاده ابن حزم قَالَ: ورواه (يونس) (^٥) بن يزيد عن نافع أيضًا كذلك (^٦)، وكذا رواه ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، [عن ابن شهاب] (^٧) عن سالم بن عبد الله، عن أبيه (^٨).
_________________
(١) "شرح ابن بطال" ٨/ ١٥٥.
(٢) الطبري ٢/ ١٣٢ (٢٧١٢ - ٢٧١٤).
(٣) "مجاز القرآن" ١/ ٦٦.
(٤) رواه من هذا الطريق: مسلم (١٦٢٧/ ٢) كتاب: الوصية.
(٥) في الأصل: (يوسف)، وهو تحريف، والصواب ما أثبتناه؛ اعتمادًا على ترجمته كما في "تهذيب الكمال" ٣٢/ ٥٥١ (٧١٨٨)، وغيره؛ فضلًا عن أنه عند ابن حزم -الذي ينقل عنه هنا-: (يونس) كما أثبتناه!:
(٦) رواه مسلم (١٦٢٧/ ٣).
(٧) ما بين المعقوفين سقط من الأصل، ولعله تبع في ذلك ما عند ابن حزم؛ فقد سقط من عنده أيضًا، والمثبت هو الصواب، وبإثباته رواه مسلم (١٦٢٧/ ٤). وانظر ترجمة عمرو في "تهذيب الكمال" ٢١/ ٥٧٠ (٤٣٤١).
(٨) "المحلى" ٩/ ٣١٢.
[ ١٧ / ١٧٣ ]
وأخرجه مسلم من حديث أيوب عن نافع: "ما حق امرئ يوصي بالوصية وله مال يوصي فيه؛ تأتي عليه ليلتان إلا ووصيته مكتوبة عنده" ومن حديث يحيى بن سعيد القطان، عن عبيد الله، عن نافع أيضًا، وفي لفظ: "يبيت ثلاث ليالٍ" (^١) وروى ابن عون عن نافع: "لا يحل لامرئ مسلم له مال" (^٢)
قَالَ أبو عمر: لم يتابع ابن عون على هذِه اللفظة. ورواه سليمان بن موسى عن نافع، وعبد الله بن نمير عن عبيد الله عن نافع: "وعنده مال" قَالَ أبو عمر: وهذا أولى عندي من قول من قَالَ: شيء؛ لأن الشيء قليل المال وكثيره، وقد أجمع العلماء على أن من لم يكن عنده إلا الشيء اليسير التافه من المال أنه لا يندب إلى الوصية (^٣).
قلتُ: في هذا شيء ستعرفه قريبًا عن الزهري، وذكر أبو مسعود في "تعليقه" أن مسلمًا عنده: "يبيت ليلة" ولم (يؤخذ) (^٤) فيه كما نبه عليه ابن الجوزي وغيره، قَالَ ابن عمر: ما مرت علي ليلة منذ سمعت رسول الله - ﷺ - قَالَ ذَلِكَ إلا وعندي وصيتي (^٥).
وقد اختلف العلماء في وجوب الوصية على من خلف مالًا بعد أن تعلم أن حديث ابن عمر، فيه الحض على الوصية؛ خشية فجأة الموت، والإنسان على غير عدة ونسيان- فقالت طائفة: الوصية واجبة على ظاهر الآية.
_________________
(١) مسلم (١٦٢٧) ورواياته.
(٢) رواه الطحاوي في "شرح مشكل الآثار" ٩/ ٢٦١ (٣٦٢٧).
(٣) "التمهيد" ١٤/ ٢٩١.
(٤) كذا بالأصل، ولعلها يؤاخذ.
(٥) مسلم (١٦٢٧/ ٤).
[ ١٧ / ١٧٤ ]
قَالَ الزهري: جعل الله الوصية حقًا مما قل أو كثر (^١).
قيل لأبي مجلز: على كل عشر وصية؟ قَالَ: كل من ترك خيرًا (^٢).
وبهذا قَالَ ابن حزم (^٣)؛ تمسكًا بحديث مالك. قَالَ: وروينا من طريق عبد الرزاق، عن الحسن بن عبيد الله. قَالَ: كان طلحة بن عبيد الله والزبير يشددان في الوصية (^٤)، وهو قول عبد الله بن أبي أوفى، وطلحة بن مصرف، والشعبي، وطاوس (^٥)، وغيرهم. قَالَ: وهو قول أبي سليمان وجميع أصحابنا. وقالت طائفة: ليست واجبة، كان الموصي موسرًا أو فقيرًا، هو قول النخعي (^٦) والشعبي (^٧)، وهو قول مالك والثوري والشافعي.
قالَ: -أعني الشافعي- قوله: "مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمِ" يحتمل ما الحزم، ويحتمل ما المعروف في الأخلاق إلا هذا من جهةَ الفرض. واحتجوا برواية يحيى بن سعيد التي فيها: يريد أن يوصي فيه (^٨). فرد الأمر إلى إرادته، والشارع لم يوص، ورووا أن ابن عمر لم يوص (^٩)، وهو
_________________
(١) رواه الطبري ٢/ ١٢٧ (٢٦٨٧)، وقال الحافظ في "الفتح" ٥/ ٣٥٦: ثابت عن الزهري.
(٢) رواه الطبري ٢/ ١٢٢ (٢٦٤١).
(٣) "المحلى" ٩/ ٣١٢.
(٤) رواه عبد الرزاق في "المصنف" ٩/ ٥٨٠٥٧ (١٦٣٣٢)، والطبري ٢/ ١٢٥ (٢٦٧٠)، (٢٦٧١).
(٥) رواه عنهم ابن أبي شيبة ٦/ ٢٢٩ - ٢٣٠ (٣٠٩٢٣، ٣٠٩٢٨، ٣٠٩٣٠).
(٦) رواه عبد الرزاق "المصنف" ٩/ ٥٧ - ٥٨ (١٦٣٣٢)، وابن أبي شيبة ٦٠/ ٢٣٠ (٣٩٢٩).
(٧) رواه عبد الرزاق ٩/ ٥٧ (١٦٣٢٩).
(٨) مسلم (١٦٢٧).
(٩) رواه الطبري ٢/ ١٢٥ (٢٦٦٨).
[ ١٧ / ١٧٥ ]
الراوي، وأن حاطب بن أبي بلتعة بحضرة عمر لم يوص، وأن ابن عباس قَالَ فيمن ترك ثمانمائة درهم: ليس فيها وصية. وأن عليًا نهى من لم يترك إلا من السبعمائة إلى التسعمائة عن الوصية (^١)، وأن عائشة قالت فيمن ترك أربعمائة دينار: ما في هذا فضل عن ولده (^٢). وعن النخعي: ليست الوصية فرضًا (^٣)، وهو قول أبي حنيفة والشافعي ومالك.
قَالَ ابن حزم: وكل هذا لا حجة لهم في شيء منه، أما من زاد -يريد: مالكًا ومن أسلفناه- رووه بغير هذا اللفظ، لكن بلفظ الإيجاب فقط. وأما قولهم: إنه - ﷺ - لم يوص. فقد كانت تقدمت وصيته بقوله الثابت يقينًا: "إنا معشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة" (^٤) وهذِه وصية صحيحة بلا شك؛ لأنه أوصى بصدقة كل ما يترك إذا مات، وإنما صح الأثر بنفي الوصية التي تدعيها الرافضة إلى علي فقط.
وأما ما رووا أن ابن عمر لم يوص فباطل؛ لأن هذا إنما روي من طريق أشهل بن حاتم، وهو ضعيف، ومن طريق ابن لهيعة، وهو لا شيء، والثابت عنه ما أسلفناه.
وأما خبر حاطب وعمر فمن رواية ابن لهيعة، وأما خبر ابن عباس ففيه ليث بن أبي سليم، وهو ضعيف.
وأما حديث علي فإنه حد القليل ما بين السبعمائة إلى التسعمائة، وهم لا يقولون بهذا، وليس في حديث أم المؤمنين بيان ما ادعوا، بل لو صح كل ذَلِكَ ما كانت فيه حجة؛ لأنهم قد عارضهم صحابة،
_________________
(١) رواه عبد الرزاق ٩/ ٦٣ (١٦٣٥٣).
(٢) رواه عبد الرزاق ٩/ ٦٣ (١٦٣٥٤).
(٣) تقدم تخريجهما.
(٤) سيأتي برقم (٤٠٤٣).
[ ١٧ / ١٧٦ ]
كما أوردنا، وإذا وقع التنازع لم يكن قول طائفة أولى من قول أخرى، والفرض حينئذ هو الرجوع إلى الكتاب والسنة، وكلاهما يوجب فرض الوصية (^١).
قلتُ: [و] (^٢) ذكر النخعي لما نقل أن طلحة والزبير كانا يشددان في الوصية، فقال: ما كان عليهما أن لا يفعلا، توفي رسول الله وما أوصى، وأوصى أبو بكر، فإن أوصى فحسن، وإن لم يوص فلا بأس (^٣).
قَالَ ابن العربي (^٤): السلف الأول لا نعلم أحدًا قَالَ بوجوبها، وأما الحسن بن عبيد الله فلم يسمع أحدًا من الصحابة (^٥) ولا سيما هذين القديمين الوفاة. وأظنه استنبط من حديث ابن أبي أوفى في الباب، وقول طلحة له: إن هذا مذهبهما والأمر فمحمول على الندب، وقد أوصى - ﷺ - عدة وصايا منها ما سلف (^٦).
_________________
(١) هنا انتهى قول ابن حزم في "المحلى" ٩/ ٣١٢ - ٣١٣.
(٢) من (ص).
(٣) رواه عبد الرزاق في "المصنف" ٩/ ٥٧ (١٦٣٣٢) والطبري في "تفسيره" ٢/ ١٢٥ (٢٦٧٠، ٢٦٧١).
(٤) "عارضة الأحوذي" ٨/ ٢٧٤.
(٥) هو الحسن بن عبيد الله بن عروة النخعي أبو عروة الكوفي. روى عن: إبراهيم بن يزيد النخعي، وأبي بكر بن أبي موسى الأشعري، وروى عنه: أبو إسحاق الفزاري، وسفيان الثوري، وسفيان بن عيينة، وشعبة بن الحجاج. وثقه العجلي، وأبو حاتم، والنسائي، وقال يحيى بن معين: ثقة صالح. مات سنة تسع وثلاثين ومائة. انظر ترجمته في "تهذيب الكمال" ٦/ ٩٩ - ٢٠١ ترجمة (١٢٤٢)، "الجرح والتعديل" ٣/ ٢٣ ترجمة (٩٦)، "الثقات" ٦/ ١٦٠.
(٦) كما في حديث الباب.
[ ١٧ / ١٧٧ ]
ومنها: "لا يبقين دينان بجزيرة العرب" (^١)، وإجازة الوفد (^٢)، و"الصلاة وما ملكت أيمانكم" (^٣). وحديث عمرو بن الحارث السالف (^٤)، وعند ابن إسحاق: أوصى عند موته لجماعة من قبائل العرب بجداد أوساق من تمر سهمه بخيبر (^٥)، وأوصى بالأنصار خيرًا (^٦)، نعم مات ودرعه مرهونة ولم يوص بفكها (^٧).
وأما ما ذكره ابن حزم عن طاوس، فذكر سعيد بن منصور في "سننه" عن ابن عيينة، عن ابن طاوس عنه أنه كان يقول: إن الوصية كانت قبل الميراث، فلما نزل الميراث نسخ من يرث وبقيت الوصية لمن لا يرث، فهي ثابتة، فمن أوصى لغير ذي قرابة (^٨) لم تجز وصيته (^٩).
قلتُ: فهذا كما ترى، قَالَ: ثابتة. ولم يقل: واجبة.
_________________
(١) رواه مالك في "الموطأ" ص ٥٥٦، والبيهقي في "السنن" ٦/ ١٣٥ مرسلًا من حديث عمر بن عبد العزيز، ورواه مالك ص ٥٥٦ والبيهقي ٩/ ٢٠٨ أيضًا مرسلًا من حديث ابن شهاب. وأخرجه البخاري (٣١٦٨) بلفظ: "أخرجوا المشركين من جزيرة العرب".
(٢) سيأتي برقم (٣١٦٨) كتاب الجزية والموادعة.
(٣) رواه ابن ماجه (٢٦٩٧)، أحمد ٣/ ١١٧ والنسائي في "الكبرى" ٤/ ٢٥٨، وأبو يعلى ٥/ ٣٠٩ - ٣١٠ والحاكم ٣/ ٥٧ من طرق عن أنس مرفوعًا وصححه الألباني في "الإرواء" (٢١٧٨).
(٤) حديث الباب رقم (٢٧٣٩).
(٥) "سيرة النبي" لابن هشام ٣/ ٤٠٧ - ٤٠٨.
(٦) سيأتي عند البخاري برقم (٣٧٩٩).
(٧) سيأتي عند البخاري برقم (٤٤٦٧).
(٨) أي ممن لا يرث من قرابته المحتاجين، فهم أحق بالوصية من غيرهم على هذا القول.
(٩) "سنن سعيد ابن منصور" ٢/ ٦٦٥ (٢٥٣).
[ ١٧ / ١٧٨ ]
وقال الشافعي: لما احتملت الآية ما ذهب إليه طاوس، وجب عندنا على أهل العلم طلب الدلالة على خلاف قوله أو موافقته، فوجدنا الشارع حكم في ستة مملوكين، كانوا لرجل لا مال له غيرهم فأعتقهم، فجزأهم ثلاثة أجزاء، فأعتق اثنين وأرق أربعة (^١)، فكانت دلالة السنة في هذا بينة؛ لأنه - ﷺ - أنزل عتقهم في المرض وصية، والذي أعتقهم رجل من العرب، والعربي إنما يملك من لا قرابة بينه وبين العجم، فأجاز - ﷺ - الوصية، فدل ذَلِكَ على أن الوصية لو كانت تبطل لغير قرابة بطلت للعبيد المعتقين (^٢).
قلتُ: وأسند أبو داود في "ناسخه ومنسوخه" عن ابن عباس: أنها منسوخة بآية الميراث (^٣). قلتُ: وقاله ابن عمر أيضًا (^٤)، وهو قول مالك والشافعي وجماعة. ونقل العدوي البصري في "ناسخه" عن بعض أهل العلم نسخ الوالدين وثبت الأقربون، وهو قول الحسن وطاوس وجماعة (^٥)، وليس العمل عليه، وقال بعضهم: والعمل به، نسخها: ﴿يُوصِيكُمُ اللهُ﴾ [النساء: ١١] ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ﴾ [النساء: ٧] وهو قول ابن عباس وجماعة (^٦).
_________________
(١) مسلم (١٦٦٨) كتاب: الإيمان، باب: من أعتق شركًا له في عبد.
(٢) الرسالة ص ١٤٣: ١٤٥.
(٣) رواه أبو داود في "سننه" (٢٨٦٩) والطبري ٢/ ١٢٤ (٢٦٦٠)، والبيهقي ٦/ ٢٦٥ وأورده السيوطي في "الدر المنثور" ١/ ٣٢٠ وعزاه إلى أبي داود في "سننه" و"ناسخه" والبيهقي.
(٤) رواه ابن أبي شيبة ٦/ ٢٣١ (٣٠٩٣٩)، والطبري ٢/ ١٢٤ (٢٦٦١)، والبيهقي في "سننه" ٦/ ٢٦٥.
(٥) رواه عنهما ابن جرير ٢/ ١٢٣ (٢٦٥٠، ٢٦٥١، ٢٦٥٢)، وبمعناه البيهقي في "سننه" ٦/ ٢٦٥.
(٦) سيأتي برقم (٢٧٤٧) باب: لا وصية لوارث.
[ ١٧ / ١٧٩ ]
وقال النحاس في "ناسخه": في هذِه الآية خمسة أقوال.
فمن قَالَ: القرآن يجوز أن ينسخ بالسنة قال: نسخها: "لا وصية لوارث" (^١) ومن منع قَالَ: نسخها الفرائض.
قَالَ ابن عباس: نسخها: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ﴾ [النساء: ٧] (^٢). وقال مجاهد: ﴿يُوصِيكُمُ اللهُ﴾ (^٣).
وقال الحسن: نسخت للوالدين وثبتت للأقربين الذين لا يرثون (^٤)، وكذا روي عن ابن عباس (^٥).
وقال النخعي والشعبي: الوصية للوالدين، والأقربين على الندب (^٦).
وقال الضحاك وطاوس: الوصية للوالدين والأقربين واجبة بنص القرآن إذا كانوا لا يرثون. قَالَ طاوس: من أوصى لأجانب وله أقرباء فردت للأقرباء (^٧).
_________________
(١) سيأتي تخريج المصنف له عند شرح ترجمة الحديث (٢٧٤٧).
(٢) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" ١/ ٢٩٩ (١٦٠٤) والنحاس في "ناسخه" ١/ ٤٨٢ (٤٤) وأورده السيوطي في "الدر المنثور" ١/ ٣١٩ وعزاه إلى أبي داود والنحاس معًا في "الناسخ" وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(٣) رواه الطبري ٢/ ١٢٥ (٢٦٦٦).
(٤) رواه الطبري ٢/ ١٢٣ (٢٦٥١، ٢٦٥٢).
(٥) رواه الطبري ٢/ ١٢٣ (٢٦٥٤).
(٦) رواه عن النخعي عبد الرزاق في "مصنفه" ٩/ ٥٧ - ٥٨ (١٦٣٣٢)، وفي "تفسيره" ١/ ٨٩ (١٧٣)، والطبري ٢/ ١٢٥ (٢٦٧٠، ٢٦٧١) وعن الشعبى رواه عبد الرزاق في "مصنفه" ٩/ ٥٧ (١٦٣٢٩).
(٧) روى نحوه عبد الرزاق في "مصنفه" ٩/ ٨١ - ٨٢ (١٦٤٢٦، ١٦٤٢٧)، وابن أبي شيبة ٦/ ٢١٥ (٣٠٧٧٤)، والبيهقي ٦/ ٦٦٥.
[ ١٧ / ١٨٠ ]
وقال الضحاك: من مات وله شيء ولم يوص لأقربائه فقد مات عن معصية لله (^١). وقال الحسن وجابر بن زيد وعبد الملك بن يعلى فيما ذكره الطبري: إذا أوصى رجل لقوم غرباء بثلثه وله أقرباء أعطى الغرباء ثلث المال، ورد الباقي على الأقرباء (^٢).
قَال الطبري: وحكي عن طاوس أن جميع ذَلِكَ ينتزع من الموصى لهم ويدفع لقرابته؛ لأن آية البقرة عندهم محكمة (^٣). قَال النحاس: فالواجب أن لا يقال: إنها منسوخة؛ لأن حكمها ليس بناف حكم
ما فرض الله من الفرائض، فوجب أن يكون ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ﴾ الآية. كقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣] (^٤).
وقال أبو إسحاق في قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ المَوْتُ﴾ [البقرة: ١٨٠] هذا الفرض بإجماع نسخته آيات المواريث التي في النساء، وهذا مجمع عليه. وقال قوم: إن المنسوخ من هذا ما نسخته المواريث، وأمر الوصية في الثلث باق. وهذا ليس بشيء؛ لأن الإجماع أن ثلث الرجل إن شاء أن يوصي فيه بشيء فله، وإن ترك ذَلِكَ فجائز، والآية في قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٠] الوصية منسوخة بإجماع كما وصفنا. وقال الطبري بإسناده إلى جهضم، عن عبد الله بن بدر، عن
ابن عمر في قوله: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الوَصِيَّةُ﴾ [البقرة: ١٨٠] نسختها آية المواريث. قَال ابن يسار: قَال ابن مهدي: فسألت جهضمًا عنه فلم يحفظه (^٥).
_________________
(١) رواه الطبري ٢/ ١٢١ (٢٦٣٥، ٢٦٣٧).
(٢) رواه الطبري ٢/ ١٢٢ (٢٦٤٤).
(٣) رواه الطبري ٢/ ١٢٢ (٢٦٤٦).
(٤) "الناسخ والمنسوخ" لأبي جعفر النحاس ١/ ٤٨٠ - ٤٨٦.
(٥) الطبري ٢/ ١٢٤ (٢٦٦١).
[ ١٧ / ١٨١ ]
ولما ذكر ابن الحصار في "ناسخه" قول ابن عباس وابن عمر قَالَ: هذا إنما هو نقل وتصريح بالنسخ، وليس برأي ولا اجتهاد. وفي ابن ماجه بإسناد ضعيف من حديث جابر مرفوعًا: "من مات على وصية مات على سبيل وسنة وتقى وشهادة، ومات مغفورًا له" (^١) ومن حديث أنس مرفوعًا: "المحروم من حرم وصيته" (^٢).
وفي المسألة قول ثالث، قاله أبو ثور: إنها ليست واجبة إلا على رجل عليه دين أو عنده مال لقوم، فواجب أن يكتب وصيته ويخبر بما عليه؛ لأن الله فرض أداء الأمانات، فمن لا حق عليه ولا أمانة قبله فليس. بواجب عليه أن يوصي (^٣)، يقويه قوله: "مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمِ" (^٤) فأضاف الحق إليه؛ كقوله: هذا حق زيد فلا ينبغي أن يتركه، فإذا تركه لم يلزمه.
وقد سلف رواية: يريد الوصية، فعلق ذَلِكَ بإرادة الموصي، ولو كانت واجبة لم يعلقها بإرادته، وهو رأي الجماعة.
_________________
(١) رواه ابن ماجه (٢٧٠١). وقال البوصيري في "زاوائد ابن ماجه" ص ٣٦٥: فيه بقية بن الوليد وهو يدلس وشيخه يزيد بن عوف أبي النضير، وقيل: عمرو بن صبيح بن أبي الزبير ولم أر من تكلم فيه، وضعفه الألباني في "ضعيف الجامع" برقم (٥٨٤٨).
(٢) رواه ابن ماجه (٢٧٠٠)، قال البوصيري في "زوائد ابن ماجه" ص ٣٦٥: قلت: له شاهد في الصحيحين، وغيرهما من حديث ابن عمر، إسناد حديث أنس بن مالك، فيه يزيد بن أبان الرقاشي وهو ضعيف، وضعفه الألباني في "ضعيف الجامع" (٥٩١٦).
(٣) وهو قول الجمهور والشعبي والنخعي والثوري ومالك والشافعي كما بينه ابن قدامة في "المغني" ٨/ ٣٩٠.
(٤) مسلم (١٦٢٧).
[ ١٧ / ١٨٢ ]
قَالَ ابن بطال: ومما يدل على ذَلِكَ أيضًا أن ابن عمر راوي الحديث لم يوص، ومحال أن يخالف ما رواه لو كان واجبًا، ولكنه عقل منه للاستحباب (^١). وقد أسلفنا رد هذا.
ثم اعلم أن الحق في اللغة هو الثابت مطلقًا، فإذا أطلق في الشرع فالمراد به ثبوت الحق فيه، ثم الحكم الثابت في الشرع أعم من كونه واجبًا أو مندوبًا أو مباحًا إذ كل واحد منها ثابت وموجود فيه، لكن إطلاق الحق على المباح قلما يقع في الشريعة، وإنما يؤخذ فيه بمعنى الواجب والندب، فإن اقترن به على ما في معناها ظهر فيه قصد الوجوب وإلا فهو محتمل كما جاء في هذا الحديث.
وعلى هذا فلا حجة لداود وأتباعه في التمسك به على الوجوب (^٢)؛ لأنه لم تقترن به قرينة تزيل إجماله، فإن أبي إلا دعوى ظهوره قابلناه بما قاله بعض أصحابنا في هذا الحق، أنه قد اقترن به ما يدل على الندب، وهو تعلقها على الإرادة، فإقرار مثل هذا يقوي إرادة الندب، ولو أنَّا سلمنا أن ظاهره الوجوب، نقول بموجبه فيمن كان عليه حقوق يخاف ضياعها، أو له حقوق كما قال أبو ثور.
والترخيص في الليلتين أو الثلاث رفع الحرج والعسر أو أراد الموصي يتأمل ويقدم في هذِه الليالي ما يريد الوصاة به.
وقوله: ("مَكْتُوبَة عِنْدَهُ") فيه: أن الوصية نافذة وإن كانت عند صاحبها، ولم يجعلها عند غيره، وكذلك إن جعلها عند غيره وارتجعها.
_________________
(١) "شرح ابن بطال" ٨/ ١٤٢.
(٢) قال بالوجوب أيضًا ابن حزم في "المحلى" ٩/ ٣١٢ فقال: الوصية فرض على كل من ترك مالًا.
[ ١٧ / ١٨٣ ]
وفيه: أن الكتاب يكفي من غير إشهاد، وبه قَالَ محمد بن نصر المروزي، وهو ظاهر الحديث، ولولا أنه كاف لما كان لذكره فائدة. وحمله المتأخرون، منهم النووي على أن المراد: إذا أشهد عليه بها لا أنه يقتصر على مجرد الكتابة، بل لايعمل بها ولا ينتفع إلا إذا كانت بإشهاد، وهذا مذهبنا ومذهب الجمهور (^١)، وكذا قَالَ القرطبي: ذكر الكتابة مبالغة في زيادة الاستيثاق، فلو كتبها ولم يشهد بها فلم يختلف قول مالك أنه لا يعمل بها إلا فيما يكون فيها من إقرار بحق لمن لا يتهم عليه، يلزمه تنفيذه (^٢).
وأما حديث عمرو بن الحارث: فقد أسلفته في الكلام على أم الولد وكونه ختنه؛ لأنه أخو جويرية أم المؤمنين، وهذا قول ابن الأعرابي وابن فارس والأصمعي أن الختن من قبل المرأة، والصهر من قبل الزوج. وقال محمد بن الحسن: الختن: الزوج ومن كان من ذوي رحمه، والصهر من قبل المرأة (^٣).
وقوله: (أَرْضًا جَعَلَهَا صدَقَة) إنما تصدق بها في صحته وأخبر بالحكم بعد وفاته، وهي: فدك والتي بخيبر، قاله ابن التين وقد أسلفنا هناك أن فيه دلالة على أن أم الولد تعتق بموت السيد، وقال ابن المنير: ووجه دخوله هنا احتمال كون الصدقة هنا موسى بها (^٤)، وهو مخالف لما ذكره ابن التين.
_________________
(١) "مسلم بشرح النووي" ١١/ ٧٥ - ٧٦.
(٢) "المفهم" ٤/ ٥٤٢.
(٣) "لسان العرب" ٢/ ١١٠٢، مادة (ختن)، و"مجمل اللغة" ١/ ٣١٣ مادة (ختن)، ١/ ٥٤٣ مادة (صهر).
(٤) "المتواري" ص ٣١٥.
[ ١٧ / ١٨٤ ]
وأما حديث ابن أبي أوفى: فقد سلف الجواب عنه، والمراد فيه أنه لم يوص، إنما أراد الوصية التي زعم بعض الشيعة أنه أوصى بالأمر إلى علي، وقد تبرأ علي من ذَلِكَ حين قَالَ له: أعهد إليك رسول الله بشيء لم يعهده إلى الناس؟ فقال: لا، والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما عندنا إلا كتاب الله وما في هذِه الصحيفة (^١). وهو راد لما أكثره الشيعة من الكذب على أنه أوصى له بالخلافة (^٢). وأما أرضه وسلاحه وبغلته، فلم يوص فيها على جهة ما يوصي الناس في أموالهم؛ لأنه قَالَ: "لا نورث، ما تركناه صدقة" (^٣) ورفع الميراث عن أزواجه وأقاربه، وإنما تجوز الوصية لمن لا يجوز لأهله وراثته.
وأما حديث عائشة: فيه: أنه انخنث. أي: انثنى. ومنه سمي: المخنث؛ لتثنيه وتكسره. قَالَ صاحب "العين": الخنث: السقاء (^٤). وخنث: إذا سأل. وخنثته أنا.
ووصيته بكتاب الله في الحديث الذي قبله غير معنى قول عائشة: بما أوصى؟
وقوله فيه: (أَوْصَى بِكِتَابِ اللهِ). قد فسره علي بقوله: ما عندنا إلا كتاب الله. وكذلك قَالَ عمر: حسبنا كتاب الله حين أراد أن يعهد عند موته (^٥).
_________________
(١) سيأتي برقم (٦٩٠٣).
(٢) قلت: وقد تعلق الشيعة أيضًا بحديث يأتي في "الصحيح" برقم (٣٧٠٦) وفيه: "أنت مني بمنزلة هارون من موسى" ورد القاضي عياض هذِه الحجة، وفصَّل الكلام في ذلك. انظر "إكمال المعلم" ٧/ ٤١١ - ٤١٢.
(٣) تقدم تخريجه.
(٤) "العين" ٤/ ٢٤٨.
(٥) سيأتي برقم (٥٦٦٩).
[ ١٧ / ١٨٥ ]