وَقَوْلُ اللهِ -﷿-: ﴿إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. قَالَ ابن عباس الحدود: الطاعة.
٢٧٨٢ - حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ صَبَّاحٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَابِقٍ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ قَالَ: سَمِعْتُ الْوَلِيدَ بْنَ الْعَيْزَارِ ذَكَرَ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ -﵁: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ العَمَلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: "الصَّلَاةُ عَلَى مِيقَاتِهَا". قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: "ثُمَّ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ". قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: "الْجِهَادُ في سَبِيلِ اللهِ". فَسَكَتُّ عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَلَوِ اسْتَزَدْتُهُ لَزَادَنِي. [انظر: ٥٢٧ - مسلم: ٨٥ - فتح: ٦/ ٣]
٢٧٨٣ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَنْصُورٌ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ، وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا". [انظر: ١٣٤٩ - مسلم: ١٣٥٣ (وسيأتي بعد الحديث ١٨٦٣) - فتح ٦/ ٣]
٢٧٨٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، حَدَّثَنَا حَبِيبُ بْنُ أَبِي عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ، عَنْ عَائِشَةَ -﵂ - أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، تُرَى الْجِهَادَ أَفْضَلَ الْعَمَلِ، أَفَلَا نُجَاهِدُ؟ قَالَ: "لَكِنَّ أَفْضَلَ الجِهَادِ حَجٌّ مَبْرُورٌ". [انظر: ١٥٢٠ - فتح: ٦/ ٤]
٢٧٨٥ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جُحَادَةَ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو حَصِينٍ، أَنَّ ذَكْوَانَ حَدَّثَهُ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ -﵁ - حَدَّثَهُ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَقَالَ: دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ يَعْدِلُ الْجِهَادَ. قَالَ: "لَا أَجِدُهُ" قَالَ: "هَلْ تَسْتَطِيعُ إِذَا خَرَجَ المُجَاهِدُ أَنْ تَدْخُلَ مَسْجِدَكَ فَتَقُومَ وَلَا تَفْتُرَ وَتَصُومَ وَلَا تُفْطِرَ؟ ". قَالَ: وَمَنْ يَسْتَطِيعُ ذَلِكَ؟ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: إِنَّ فَرَسَ المُجَاهِدِ لَيَسْتَنُّ فِي طِوَلِهِ فَيُكْتَبُ لَهُ حَسَنَاتٍ. [مسلم: ١٨٧٨ - فتح: ٦/ ٤]
[ ١٧ / ٣٢٠ ]
ثم ذكر فيه أربعة أحاديث:
أحدها: حديث ابن مَسْعُودٍ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: "الْجِهَادُ في سَبِيلِ اللهِ". ذكره من طريق مَالِك بْنِ مِغْوَلٍ قَالَ: سَمِعْتُ الوَلِيدَ بْنَ العَيْزَارِ ذَكَرَ عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ فذكره.
ثانيها: حديث ابن عَبَّاسٍ - ﵄ -: "لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ ولكن جِهَادٌ وَنِيَّةٌ".
ثالثها: حديث عَائِشَةَ: يَا رَسُولَ اللهِ، تُرى الجِهَادَ أَفْضَلَ العَمَلِ، أَفَلَا نُجَاهِدُ؟ قَالَ: "لكن أَفْضَلَ الجِهَادِ حَجٌّ مَبْرُورٌ".
رابعها: حديث أبي هُرَيْرَةَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَقَالَ: دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ يَعْدِلُ الجِهَادَ. قَالَ: "لَا أَجِدُهُ" قَالَ: "هَلْ تَسْتَطِيعُ إِذَا خَرَجَ المُجَاهِدُ أنْ تَدْخُلَ مَسْجِدَكَ فَتَقُومَ وَلَا تَفْتُرَ وَتَصُومَ وَلَا تُفْطِرَ؟ ". قَالَ: وَمَنْ يَسْتَطِيعُ ذَلِكَ؟ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: إِنَّ فَرَسَ المُجَاهِدِ لَيَسْتَنُّ فِي طِوَلِهِ فَيُكْتَبُ لَهُ حَسَنَاتٍ.
الشرح:
هذا الباب مذكور هنا في جميع النسخ والشروح خلا ابن بطال فإنه ذكره عقيب الحج والصوم قبل البيوع، ولما وصل إلى هنا وصل بكتاب الأحكام.
وأحاديث الباب تقدمت إلا حديث أبي هريرة، وقد أخرجه مسلم والأربعة (^١).
_________________
(١) رواه مسلم برقم (١٨٧٨) كتاب: الإمارة، باب: فضل الشهادة في سبيل الله، والترمذي (١٦١٩)، والنسائي ٦/ ١٩، ولم أقف عليه عند أبي داود، ولا ابن ماجه، وانظر: "تحفة الأشراف" (١٢٨٤٢)
[ ١٧ / ٣٢١ ]
وأما الآية فهي تمثيل مثل ﴿اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾ ولما جوزوا بالجنة على ذَلِكَ عبر عنه بلفظ الشراء تجوز.
وقوله: ﴿فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾ فيه بشرى، وهي أن القاتل والمقتول معًا في الجنة، وقال بعض الصحابة: ما أبالي قتلت في سبيل الله أو قُتلت وتلا هذِه الآية، وهذا يرد على الشعبي في قوله: إن الغالب في سبيل الله أعظم أجرًا من المقتول (^١).
﴿التَّائِبُونَ﴾ من الذنوب، ﴿الْعَابِدُونَ﴾ بالطاعة، أو بالتوحيد أو بطول الصلاة، أقوال. وقال الحسن: ﴿التَّائِبُونَ﴾ من الشرك ﴿الْعَابِدُونَ﴾ لله وحده (^٢). وقال الداودي: كلما كانت منهم غفلة أو سهو أو خطئة ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم.
﴿الْحَامِدُونَ﴾ مهج على السراء والضراء أو على الإسلام (^٣).
﴿السَّائِحُونَ﴾ المجاهدون، أو الصائمون واستؤذن - ﷺ - في السياحة فقال: "سياحة أمتي الجهاد" (^٤)، وفي رواية: "الصوم" وصح عن ابن
_________________
(١) رواه ابن أبي شيبة ٤/ ٢٣٧ (١٩٥٥٩)، من طريق علي بن صالح، عن أبيه، عن الشعبي، به.
(٢) رواه الطبري في "التفسير" ٦/ ٤٨٣ (١٧٢٩٠، ١٧٢٩٥)، وابن أبي حاتم في "التفسير" ٦/ ١٨٨٨ (١٠٠١٦)، وبنحوه رواه ابن أبي شيبة ٧/ ٢٠٤ (٣٥٣٠٨).
(٣) هو من تفسير الحسن، رواه عنه الطبري ٦/ ٤٨٣ (١٧٢٩٧، ١٧٢٩٨)، وابن أبي حاتم ٦/ ١١٨٨٩ (١٠٠٢٥، ١٠٠٢٦).
(٤) روي ذلك عن رسول الله - ﷺ -، كما في "تفسير الطبري" ٦/ ٤٨٤ (١٧٣٠٠)، و"الشعب" للبيهقي ٣/ ٢٩٣ (٣٥٧٨)، كما روى ذلك جمع من الصحابة، منهم: أبو هريرة وابن مسعود وابن عباس، وكذلك عن سعيد بن جبير، ومجاهد. انظر: "تفسير الطبري" ٦/ ٤٨٤ - ٤٨٦ (١٧٢٩٩ - ١٧٣٢٧)، و"تفسير ابن أبي حاتم" ٦/ ١٨٨٩ - ١٨٩٠ (١٠٠٢٧ - ١٠٠٣٣)، "الحلية" لأبي نعيم ٩/ ٤٤.
[ ١٧ / ٣٢٢ ]
مسعود أنها الصوم (^١)، قيل له سائح؛ لأنه تارك للمفطرات فهو كهو، وقيل: السائحون: المهاجرون (^٢)، وقيل: طلبة العلم (^٣).
﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ التوحيد أو الإسلام.
﴿الْمُنْكَرِ﴾ الشرك، أو الذين لم ينهوا عنه حَتَّى انتهوا عنه (^٤).
﴿وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللهِ﴾ القائمون بأمره، والعاملون بأمره ونهيه، أو بفرائض الله حلاله وحرامه، أو لشرطه في الجهاد (^٥).
قَالَ بعض العلماء: إذا كان (الناهون) (^٦) عن المنكر الثلثَ، والعاملون له الثلثين؛ وجب على الناهين جهاد الفاعلين قياسًا على أهل الكفر (^٧).
وقَالَ (ابن) (^٨) مجاهد: إنما يكون باليد واللسان لا بالسيف؛ إلا في
_________________
(١) رواه أبو داود (٢٤٨٦)، والطبراني ٨/ ١٨٣ (٧٧٦٠)، والحاكم ٢/ ٧٣، والبيهقي في "السنن" ٩/ ١٦١، وفي "الشعب" ٤/ ١٤ كلهم من حديث العلاء بن الحارث، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبي أمامة، به. وصححه الحاكم. وانظر: "صحيح أبي داود" (٢٢٤٧).
(٢) رواه عنه الطبري ٦/ ٤٨٤ (١٧٣٠٣)، وابن أبي حاتم ٦/ ١٨٨٩ (١٠٠٢٨)، والطبراني ٩/ ٢٢٥ (٩٠٩٥)، وقال الهيثمي في "المجمع" ٧/ ٣٤: فيه عاصم بن بهدلة، وثقه جماعة وضعفه آخرون، وبقية رجاله رجال الصحيح.
(٣) رواه ابن أبي حاتم ٦/ ١٨٩٠ (١٠٠٣٣)، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم.
(٤) رواه ابن أبي حاتم ٦/ ١٨٩٠ (١٠٠٣٢).
(٥) رواه الطبري ٦/ ٤٨٦ (١٧٣٢٩) عن الحسن، ورواه ابن أبي حاتم ٦/ ١٨٩١ (١٠٠٣٧ - ١٠٠٣٨)، عن سعيد بن جبير، والحسن.
(٦) في (ص ١): النهي.
(٧) رواه الطبري عن ابن عباس والحسن ٦/ ٤٨٦ - ٤٨٧ (١٧٣٣٢ - ١٧٣٣٥)، ورواه ابن أبي حاتم ٦/ ١٨٩٢ (١٠٠٤٣ - ١٠٠٤٤)، عن قتادة ومقاتل.
(٨) عليها في الأصل: كذا.
[ ١٧ / ٣٢٣ ]
المحاربين، وأتى بالواو في قوله: ﴿وَالنَّاهُونَ﴾ وما بعده؛ لأن ما بعد السبع من النعوت يأتي بالواو ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾: المصدقين بما وعدوا في هذِه الآيات، أو مما ندبوا إليه فيها (^١)، فلما نزلت ﴿إِنَّ اللهَ اشْتَرَى﴾ جاء رجل من المهاجرين؛ فقال: يا رسول الله، وإن زنا وإن سرق وإن شرب الخمر؟ فنزلت ﴿التَّائِبُونَ﴾.
وما ذكره عن ابن عباس في تفسير الحدود أنها الطاعة (^٢)، ذكره إسماعيل بن أبي زياد الشامي في "تفسيره" عنه، وذكر الحاكم في "إكليله" أن هذِه الآية الكريمة هي أول آية نزلت في الإذن بالقتال، وفي "مستدركه" عنه على شرطهما أول آية نزلت فيه: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ﴾ الآية (^٣).
وحديث ابن مسعود سلف شرحه في الصلاة (^٤)، وأن اختلاف الأحاديث كان لاختلاف السائلين ومقاصدهم.
وجمع الداودي أيضًا بأن لا اختلاف إن أوقع الصلاة في ميقاتها كان الجهاد مقدمًا على برِّ أبويه وإن أخرها عن وقتها كان بر أبويه مقدمًا على الجهاد.
وقال الطبري: ومعنى الحديث أن هذِه الخصال أفضل الأعمال بعد الإيمان بالله ورسوله، وذلك أن من ضيع الصلاة المفروضة حتَّى خرج وقتها بغير عذر يعذر منه مع خفة مؤنتها وعظم فضلها فهو لا شك لغيرها
_________________
(١) رواه ابن أبي حاتم في "التفسير" ٦/ ١٨٩٢ (١٠٠٤٧).
(٢) "صحيفة ابن أبي طلحة، عن ابن عباس" في التفسير ص ٢٧٥ (٦٠٠)، ومن طريق علي بن أبي طلحة رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" ٦/ ١٨٩٢ (١٠٠٤٥).
(٣) "المستدرك" ٢/ ٣٩٠، وصححه على شرط الشيخين.
(٤) سلف برقم (٥٢٧) باب: فضل الصلاة لوقتها.
[ ١٧ / ٣٢٤ ]
من أمر الدين والإِسلام أشد تضييعًا، وبه أشد تهاونًا واستخفافًا، وكذلك من ترك بر والديه وضيع حقوقهما مع عظم حقهما عليه، وتربيتهما إياه، وتعطفهما عليه، ورفقهما به صغيرًا، وإحسانهما إليه كبيرًا، وخالف أمر الله ووصيته إياه فيهما فهو لغير ذَلِكَ من حقوق الله أشد تضييعًا.
وكذلك من ترك جهاد أعداء الله تعالى وخالف أمره في قتاله مع كفرهم بالله، ومناصبتهم أنبياءه وأولياءه للحرب فهو كجهاد من هو دونه من فساق أهل التوحيد، ومحاربة من سواه من أهل الزيغ والنفاق أشد تركًا، فهذِه الأمور الثلاثة تجمع المحافظة عليهن الدلالة لمن حافظهن أنه محافظ على ما سواهن، ويجمع تضييعهن الدلالة على تضييع ما سواهن من أمر الدين والإسلام، فلذلك خصهن - ﷺ - بأنهن أفضل الأعمال (^١).
وحديث ابن عباس: "لا هجرة بعد الفتح" أسلفنا تأويله (^٢)، وقال ابن التين: (يريد) (^٣) لمن لم يكن هاجر؛ دليله الحديث الآخر: "أذن للمهاجر أن يقيم بمكة ثلاثًا بعد الصدر" (^٤)، وكذلك في حديث سعد: أخلف بعد أصحابي فقال: "اللَّهُمَّ أمض لأصحابي هجرتهم" (^٥).
وقيل: كانت الهجرة (ضربان) (^٦):
_________________
(١) نقله عن الطبري ابن بطال في "شرحه" ٥/ ٦.
(٢) سلف أصله برقم (١٣٤٩) كتاب: الجنائز، باب: الإذخر والحشيش في القبر.
(٣) من (ص ١).
(٤) سيأتي برقم (٣٩٣٣) من حديث العلاء بن الحضرمي، كتاب: مناقب الأنصار، باب: إقامة المهاجر بمكة بعد قضاء نسكه بلفظ: "ثلاث للمهاجر بعد الصدر".
(٥) سيأتي برقم (٣٩٣٦) باب: قول النبي - ﷺ -: "اللهم أمض لأصحابي هجرتهم".
(٦) كذا بالأصل، والجادة أن تكتب بالياء؛ إذ إنها خبر كان، وحقه النصب بالياء لأنه مثنى. =
[ ١٧ / ٣٢٥ ]
أحدهما: أن الآحاد من القبائل كانوا إذا أسلموا وأقاموا في ديارهم بين ظهراني قومهم أوذوا فأمروا بالهجرة؛ ليسلم لهم دينهم.
ثانيهما: أن أهل الدين بالمدينة كانوا في قلة من العدد وضعف من القوة، فوجب على من أسلم أن يحضر النبي - ﷺ -؛ ليستعين به في حدوث حادثة، وليتفقهوا في الدين ويعلموا قومهم عند رجوعهم، فلما فتحت مكة (استغنوا) (^١) عن ذَلِكَ؛ إذ كان معظم الخوف على المسلمين من أهل مكة فلما أسلموا أُمر المسلمون أن يغزوا في عقر دراهم، فقيل لهم: أقيموا في أوطانكم وقروا على نية الجهاد فإن فرضه غير منقطع مدى الدهر، وكان الجهاد في زمنه فرض كفاية، وقيل: عين. وقيل: على الأنصار. والخلاف في كونه كان فرض كفاية حكاه المالكية أيضًا.
وقال سحنون: كان في أول الإسلام فرض عين والآن هو مرغب فيه (^٢).
وقال المهلب: كانت الهجرة فرضًا في أول الإسلام على من أسلم؛ لقلتهم وحاجتهم إلى الاجتماع والتأليف، فلما فتح الله تعالى مكة دخل الناس في دينه أفواجا؛ سقط فرض الهجرة وبقي فرض الجهاد والنية على من قام به، أو نزل به عدو (^٣).
وحديث عائشة ضبطه عند أبي ذر (لكن) بضم الكاف على معنى ضمير جماعة النساء، وعند غيره بكسرها، ويبين الأول حديث: يأتي
_________________
(١) = وهي لغة صحيحة لبعض العرب، منهم: خثعم وفزارة وعذرة، يلزمون المثنى الألف مطلقا، رفعا ونصبا وجرًّا، وقد تقدم الكلام على هذِه الظاهرة فيما سبق.
(٢) في (ص ١): استعفوا.
(٣) انظر: "المنتقى" للباجي ٣/ ١٥٩.
(٤) نقله عن المهلب ابن بطال في "شرحه" ٥/ ٦.
[ ١٧ / ٣٢٦ ]
بعد هذا "جهادكن الحج" (^١)، وقد سلف فيه أيضًا (^٢).
والمبرور: الذي لا رفث فيه ولا فسوق ولا جدال، وإنما جعل الحج أفضل للنساء من الجهاد لقلة (غنائهن) (^٣) فيه.
وحديث أبي هريرة فيه أن المجاهد على كل أحواله يكتب له ما كان يكتب للمتعبد، فالجهاد أفضل من التنفل بالصلاة والصيام
وقول أبي هريرة: (إن فرس المجاهد ليستن في طوله) أي: ليمرح قَالَه ابن التين (وقال ابن بطال: ليأخذ في السنن على وجه واحد ماضيًا) (^٤) وهو يفتعل من السنن" يقال: فلان سنن الريح والسيل إذا كان على جهتهما (وممرها) (^٥)، وأهل الحجاز يقولون: سُنن بضم السين (^٦).
والطول هنا -بكسر الطاء وفتح الواو-: الحبل تشد به الدابة ويمسك صاحبها بطرقه ويرسلها (ترعى) (^٧) (^٨).
وقوله: (دلني على عمل يعدل الجهاد قَالَ: "لا أجد") يريد: إذا أتى المجاهد بالصلاة في (ميقاتها) (^٩).
_________________
(١) سيأتي برقم (٢٨٧٥) باب: جهاد النساء.
(٢) سلف برقم (١٥٢٠) كتاب: الحج، باب: فضل الحج المبرور.
(٣) في (ص ١): (غيابهن).
(٤) من (ص ١).
(٥) من (ص ١).
(٦) "شرح ابن بطال" ٥/ ٧.
(٧) في (ص ١): تسعى.
(٨) قاله ابن فارس في "مجمل اللغة" ١/ ٥٩٠. مادة: طول.
(٩) في (ص ١): أوقاتها.
[ ١٧ / ٣٢٧ ]