٢٨٠٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَبُو أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ قَتَادَةَ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، أَنَّ أُمَّ الرُّبَيِّعِ بِنْتَ البَرَاءِ -وَهْيَ أُمُّ حَارِثَةَ بْنِ سُرَاقَةَ- أَتَتِ النَّبِيَّ - ﷺ - فَقَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللهِ، أَلَا تُحَدِّثُنِي عَنْ حَارِثَةَ -وَكَانَ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ أَصَابَهُ سَهْمٌ غَرْبٌ، فَإِنْ كَانَ فِي الجَنَّةِ صَبَرْتُ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ اجْتَهَدْتُ عَلَيْهِ فِي الْبُكَاءِ؟ قَالَ: "يَا أُمَّ حَارِثَةَ، إِنَّهَا جِنَانٌ فِي الجَنَّةِ، وَإِنَّ ابْنَكِ أَصَابَ الْفِرْدَوْسَ الأَعْلَى". [٣٩٨٢، ٦٥٥٠، ٦٥٦٧ - فتح: ٦/ ٢٥]
ذكر فيه حديث شَيْبَانَ، عَنْ قَتَادَةَ، عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ أُمَّ الرُّبَيِّعِ بنْتَ البَرَاءِ -وَهْيَ أُمُّ حَارِثَةَ بْنِ سُرَاقَةَ- أَتَتِ النَّبِيَّ - صلي الله عليه وسلم - فَقَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللهِ، ألَا تُحَدِّثُنِي عَنْ حَارِثَةَ -وَكَانَ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ أَصَابَهُ سَهْم غَرْبٌ- فَإِنْ كَانَ فِي الجَنَّةِ صَبَرْتُ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ اجْتَهَدْتُ عَلَيْهِ فِي البُكَاءِ؟ فَقَالَ: "يَا أُمَّ حَارِثَةَ، إِنَّهَا جِنَان فِي الجَنَّةِ، وَإِنَّ ابنكِ أَصَابَ الفِرْدَوْسَ الأَعْلَى".
هذا الحديث من أفراده، وفي لفظ له في المغازي: "أهبلتِ أجنةٌ واحدة هي إنها جنان كثيرة، وإنه في الفردوس الأعلى"، وقال الترمذي: حسن صحيح غريب من حديث أنس (^١).
والكلام عليه من وجوه:
أحدها: قوله: (أن أم الربيع بنت البراء) (^٢) غيرُ جيد إنما هي: أم
_________________
(١) "جامع الترمذي" (٣١٧٤).
(٢) قال الحافظ في "الفتح" ٦/ ٢٦ معقبا: كذا لجميع رواة البخاري؛ وقال بعد ذلك: وهي أم حارثة، وهذا الثاني هو المعتمد، والأول وَهَمٌ نبه عليه غير واحد من آخرهم الدمياطي؛ فقال: قوله: أم الربيع بنت البراء وَهَمٌ، وإنما هي الربيع بنت النضر، عمة أنس بن مالك. اهـ. أما الكرماني في "شرحه" ١٢/ ١١٢ فرجح رواية البخاري، وأورد احتمالات لصحتها، وتعقبه الحافظ فليراجع.
[ ١٧ / ٣٨٧ ]
حارثة بن سراقة بن الحارث بن عدي بن مالك بن عدي بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار.
الرُّبيع بنت النضر أخت أنس بن النضر بن ضمضم بن زيد بن حرام بن جندب بن عامر بن غنم بن عدي، وهي عمة أنس بن مالك بن النضر بن مالك بن النضر هي التي كسرت ثنية امرأة؛ بَيَّن ذَلِكَ الترمذي في التفسير من حديث سعيد، عن قتادة، عن أنس أن الربيع بنت النضر أتت رسول الله - ﷺ - وكان ابنها حارثة أصيب يوم بدر، وكذا نبه الإسماعيلي في "مستخرجه"، وأبو نعيم وغيرهما وحارثة هو الذي قَالَ له رسول الله - ﷺ -: "كيف أصبحت يا حارثة" فقال: أصبحت مؤمنًا بالله حقًّا .. الحديث (^١)، وفيه: يا رسول الله ادع لي
_________________
(١) رواه الطبراني ٣/ ٢٢٦ (٣٣٦٧)، والبيهقي في "الشعب" ٧/ ٣٦٣ من حديث الحارث بن مالك الأنصاري، أنه مر برسول الله - ﷺ - فقال له .. الحديث. قال الهيثمي في "المجمع" ١/ ٥٧: فيه ابن لهيعة، وفيه من يحتاج إلى الكشف عنه، وقد قال العقيلي بعد ما رواه من حديث أنس: ليس لهذا الحديث إسناد يثبت. "الضعفاء" ٤/ ٤٥٥ (٢٠٨٥)، وحديث أنس هذا رواه البيهقي أيضًا في "الشعب" ٧/ ٣٦٢، ونقل عنه الحافظ ابن حجر أنه قال: هذا منكر، وقد خبط فيه يوسف. "الإصابة" ١/ ٢٨٩ (١٤٧٨)، وفي الباب: عن أبي هريرة أيضًا، وفيه كذاب. انظر: "المجروحين" ١/ ١٤٩ - ١٥٠. وليراجع "الإصابة" لمزيد بيان. تنبيه: قول المصنف أن حارثة الذي في حديث الباب، هو الذي قيل له: كيف أصبحت، فيه نظر؛ فقد قال البيهقي بعد إخراجه في "الشعب": هذِه القصة في الحارث بن مالك. اهـ، والحديث كما تقدم ذكره الحافظ ابن حجر في "الإصابة" في ترجمة الحارث بن مالك، ولم يشر من قريب ولا بعيد إلى أي شيء في ترجمة حارثة بن سراقة، وفرق غير واحد بينهما. وانظر: "الاستيعاب" ١/ ٣٧٠ (٤٥٩) ثم إنه وقع عند البيهقي من حديث أنس أنه حارثة بن النعمان، لا الحارث بن مالك، لكن سلف أن البيهقي جزم أن القصة معروف بها الحارث بن مالك، وهكذا رواه غير واحد، فليتأمل.
[ ١٧ / ٣٨٨ ]
بالشهادة فجاء يوم بدر ليشرب من الحوض فرماه حِبَّان بن العرقة بسهم فأصاب حنجرته فقتله.
قَالَ أبو موسى المديني: وكان خرج نظارًا وهو غلام؛ ولما قَالَ رسول الله لأمه ما قَالَ رجعت وهي تضحك وتقول: بخ بخ لك يا حارثة، وهو أول قتيل من الأنصار ببدر.
وأما قول ابن منده: أنه شهد بدرًا واستشهد بأحد فغير جيد (^١)، وعند أبي نعيم (^٢): كان كثير البر بأمه قَالَ - صلي الله عليه وسلم -: "دخلت الجنة فرأيت حارثة كذلك البر"، هو غير جيد؛ لأن المقتول فيه هنا هو حارثة بن النعمان كما بينه أحمد في "مسنده" وغيره (^٣).
ثانيها: قوله: (سهم غريب): هو الذي لا يعلم راميه ولم يدر من حيث أتاه، قَالَ أبو عبيد: يقال: أصابه سَهم غريب إذا كان لا يعلم من رماه (^٤).
وقال ابن السكيت: سهم غربٍ، وسهم غرَّب وغَرَب إذا لم يدر من أي جهة رمي به (^٥)، وقال غيره: سهم غربٍ.
وحكى الخطابي عن أبي زيد قَالَ: سهم غرْب ساكنة الراء إذا أتاه من حيث لا يدري، وسهم غَرب -بفتح الراء- إذا رماه فأصاب غيره (^٦)،
_________________
(١) مما يؤيد قول المصنف ما ذكره الحافظ في "الإصابة" ١/ ٣٩٧ (١٥٢٤)، عن غير واحد أن حارثة ممن شهد بدرا وقتل بها؛ ثم قال: ولم يختلف أهل المغازي في ذلك؛ ثم ذكر قول ابن منده، ثم اعتمد الحافظ أنه استشهد ببدر.
(٢) "معرفة الصحابة" ٢/ ٧٤٠ (٦٠٧).
(٣) رواه أحمد ٦/ ٣٦، وصححه الحاكم ٣/ ٢٠٨، والحافظ في "الإصابة" ١/ ٣٩٨ (١٥٣٢) ترجمة حارثة بن النعمان؛ والألباني في "الصحيحة" (٩١٣).
(٤) "غريب الحديث" ٢/ ٣٧١.
(٥) "إصلاح المنطق" ص ١٧٣.
(٦) "غريب الحديث" ١/ ٢٢١.
[ ١٧ / ٣٨٩ ]
وقال ابن دريد: سهم غائر لا يدرى من رماه، وقال ابن فارس: يقال: سهم غريب وغرب إذا لم يدر راميه (^١)، وقال ابن الجوزي: روي لنا سهم بالتنوين وغرب بإسكان الراء مع الرفع والتنوين. وقال ابن قتيبة: كذا تقوله العامة، والأجود سهم غريب بفتح الراء، وإضافة الغرب إلى السهم، وذكره الأزهري بفتح الراء لا غيره (^٢).
وقال ابن سيدَهْ: يقال: أصابه سهم غرْب وغرَب إذا كان لا يدرى من رماه (^٣). وقيل: إذا أتاه من حيث لا يدري، وقيل: إذا تعمد غيره فأصابه، وقد يوصف به. وفي "المنتهى": سهم غرْب وغرَب بفتح الراء وسكونها يضاف ولا يضاف، إذا أصابه سهم لا يعرف من رماه، ومثله سهم عرض، فإن عرف فليسَ بغرب ولا عرض، وبنحوه ذكره القزاز وغيره، فعلى هذا لا يقال في السهم الذي أصاب حارثة: غَرْب؛ لأن راميه قد عرف.
ثالثها: هذا الحديث نحو حديث أم حرام إذ سقطت عن دابتها فماتت، وهذا وشبهه مما يستحق به الجنة، إذا صحت فيه النية.
وقولها: (اجتهدت في البكاء) قَالَ الخطابي: لم يعنفها عليه (^٤)، قلتُ: لعله المقصود الذي لا حرج على فاعله فهو مباح، فكذا لم يعنفها بل هو رحمة، ويجوز أن يحمل البكاء هنا على الدعاء والرقة (^٥)،
_________________
(١) "جمهرة اللغة" ١/ ٣٢١، "مجمل اللغة" ٢/ ٦٩٥، مادة: (غريب).
(٢) "تهذيب اللغة" ص ٢٦٤٤.
(٣) "المحكم" ٥/ ٢٩٩، مادة: (غريب).
(٤) "أعلام الحديث" ٢/ ١٣٦٢.
(٥) وقد ذكر الحافظ في "الفتح" ٦/ ٢٧ أن ذلك كان قبل تحريم النوح؛ لأن تحريمه كان عقب غزوة أحد، والحادثة كانت عقب غزوة بدر.
[ ١٧ / ٣٩٠ ]
يؤَيده رواية الترمذي: اجتهدت في الدعاء (^١). وهو نص في وصوله له وهو إجماع، ولهذا شرعت الصلاة عليه، والجنان: جمع جنة: وهي البستان، ويقال: هي النخل الطوال، وقال الأزهري: كل شجر متكاثف يستر بعضه بعضًا فهو جنة، مشتق من جننته إذا سترته (^٢).
_________________
(١) "جامع الترمذي" (٣١٧٤).
(٢) "تهذيب اللغة" ١/ ٦٧٢. مادة: (جن).
[ ١٧ / ٣٩١ ]