٢٨١٠ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى - ﵁ - قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فَقَالَ: الرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِلْمَغْنَمِ، وَالرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِلذِّكْرِ، وَالرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِيُرَى مَكَانُهُ، فَمَنْ فِي سَبِيلِ اللهِ؟ قَالَ: "مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللهِ". [انظر: ١٢٣ - مسلم: ١٩٠٤ - فتح: ٦/ ٢٧]
ذكر فيه حديث أَبِي مُوسَى - ﵁ - قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إلى رسول الله - ﷺ - فَقَالَ: الرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِلْمَغْنَمِ، وَالرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِلذِّكْرِ، وَالرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِيُرى مَكَانُهُ، فَمَنْ فِي سَبِيلِ اللهِ؟ قَالَ: "مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ العُلْيَا فَهْوَ فِي سَبِيلِ اللهِ".
هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا، وفي لفظ له: الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل رياءً أي ذَلِكَ في سبيل الله؟ فذكره (^١). وفي آخر: يقاتل غضبًا، فرفع إليه رأسه، وما رفع إليه رأسه إلا أنه كان قائمًا (^٢).
وهذا السائل ورد في "الصحيح" أنه من الأعراب (^٣)، ولا يحضرني اسمه (^٤)، والمراد: بالذَّكْرِ: الشجاعةُ، وهي ضد الجُبْن، وهي شدة القلب عند البأس.
_________________
(١) سيأتي برقم (٧٤٥٨) كتاب: التوحيد، باب: قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١)﴾.
(٢) سلف برقم (١٢٣) كتاب: العلم، باب: من سأل -وهو قائم- عالمًا جالسا.
(٣) سيأتي برقم (٣١٢٦) كتاب: فرض الخمس، باب: من قاتل للمغنم، هل ينقص من أجره.
(٤) ذكره الحافظ في "الفتح" ٦/ ٢٨ أن الأعرابي يصلح أن يكون لاحق بن ضميرة، وحديثه ذكره المديني في "الصحابة" وقال: وفي إسناده ضعف.
[ ١٧ / ٣٩٢ ]
وقوله: (ليرى مكانه (في سبيل الله) (^١»: أي: للإخلاص.
والحديث دال على وجوب الإخلاص في الجهاد، ومصرح بأن القتال للذكر، ونحوه (خارج) (^٢) عن ذَلِكَ ودال أيضًا على أن الإخلاص هو العمل على وفق الأمر.
ودال أيضًا على تحريم الفخر بالذكر، اللَّهُمَّ إلا أن يقصد بذلك إظهار النعمة.
ودال أيضًا على حرمة الرياء وعلى السؤال عن الأعمال القلبية.
وبيان أحوال الناس في جهادهم ونياتهم، واعلم أن القتال للذكر إن قصد به إظهار ليقال: إن فلانًا شجاع فهذا ليس بمخلص، وهو الذي يقال فيه في الحديث الصحيح: "لكي يقال، وقد قيل" (^٣)، ويكون الفرق بين هذا القسم وبين قوله بعد: (والرجل يقاتل ليُرى) أن يكون المرادُ به إظهار المقاتلة لإعلاء كلمة الله، وبذل النفس في رضاه، والرغبة فيما عنده، وهو في الباطن بخلاف ذلك، فيقال: إنه شجاع، والذي قلنا: إنه قاتل إظهارًا للشجاعة ليس مقصوده إلا تحصيل المدح على الشجاعة من الناس فافترقا إذًا، وإن كان طبعًا لا قصدًا فهذا لا يقال: إنه كالأول؛ لعدم قصده الإظهار، ولا أنه أخلص، وإن كان يقصد إعلاء كلمة الله تعالى به فهو أفضل من القسم الذي قبله.
_________________
(١) عليها في الأصل: (كذا .. إلى). وفي هامشها: كذا في أصله: في سبيل الله، والظاهر أنها زائدة. قلت: لعله سقط (فيمن) أو (إلى قوله).
(٢) من (ص ١).
(٣) رواه مسلم (١٩٠٥) كتاب: الإمارة، باب: من قاتل للرياء والسمعة استحق النار؛ من حديث أبي هريرة.
[ ١٧ / ٣٩٣ ]
قَالَ المهلب: إذا كان في أجل النية إعلاء كلمة الله تعالى ثم دخل عليها من حب الظهور والمغنم ما دخل فلا يضرها ذلك "ومن قاتل لتكون كلمة الله هي العليا" فخليق أن يحب الظهور بإعلاء كلمة الله وأن يحب الغني لإعلاء كلمة الله فهذا لا يضره إن كان عقده صحيحًا، (والحمية) في الرواية التي أوردناها هي الأنفة، والغيرة عن عشيرته والغضب وحميت عن كذا حمية بالتشديد وتحمية إذا أنفت منه، والرياء أيضًا يمد وقد يقصر وهو قليل، وقد أسلفنا أنه ضد الإخلاص. وقال الغزالي: إنه إرادة نفع الدنيا بعمل الآخرة (^١)، أي: إما متمحضا أو مشاركًا.
_________________
(١) انظر: "الإحياء" ٣/ ٣٦٨.
[ ١٧ / ٣٩٤ ]