وَقَالَ المُغِيرَةُ: بْنُ شُعْبَةَ أَخْبَرَنَا نَبِيُّنَا - ﷺ - عَنْ رِسَالَةِ رَبِّنَا: "مَنْ قُتِلَ مِنَّا صَارَ إِلَى الجَنَّةِ".
وَقَالَ عُمَرُ - ﵁ - لِلنَّبِيِّ - ﷺ - أَلَيْسَ قَتْلَانَا فِي الجَنَّةِ وَقَتْلَاهُمْ في النَّارِ؟ قَالَ: "بَلَى".
٢٨١٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ سَالِمٍ أَبِي النَّضْرِ -مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ، وَكَانَ كَاتِبَهُ- قَالَ: كَتَبَ إِلَيْهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى - ﵄ - أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: "وَاعْلَمُوا أَنَّ الجَنَّةَ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ". تَابَعَهُ الأُوَيْسِيُّ عَنِ ابْنِ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ. [٢٨٣٣، ٢٩٣٣، ٢٩٦٥، ٢٩٦٦، ٣٠٢٥، ٣٠٢٥، ٤١١٥، ٦٣٩٢، ٧٢٣٧، ٧٤٨٩ - مسلم: ١٧٤٢ - فتح: ٦/ ٣٣]
ثم ساق حديث عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: "وَاعْلَمُوا أَنَّ الجَنَّةَ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ".
قال أبو عبد الله: تَابَعَهُ الأيويسِيُّ، عَنِ ابن أَبِي الزّنَادِ، عَنْ مُوسَي بْنِ عُقْبَةَ.
الشرح:
التعليق الأول: أسنده في الجزية عن الفضل بن يعقوب، عن عبد الله بن جعفر الرقي، عن المعتمر بن سليمان، عن سعيد بن عبيد الله الثقفي، عن بكر بن عبد الله المزني وزياد بن جبير كلاهما، عن جبير بن حية الثقفي عنه مطولًا يذكر إسلام المرزبان ومشاورة عمر له في أمر القتال (^١).
_________________
(١) سيأتي برقم (٣١٥٩).
[ ١٧ / ٤١٥ ]
و(المعتمر) (هذا) (^١) هو ابن سليمان بن طرخان التيمي كما قاله أصحاب الأطراف، والمستخرجات والمترجمون.
وأما الحافظ الدمياطي فقال: إنه وَهَمٌ، والصواب: المُعَمَّرُ بنُ سليمان الرَّقِّي؛ لأن عبد الله بن جعفر الرقي لا يروي عن التيمي (^٢).
ولم نره لغيره؛ بل ولا ذكر المعمر في رجالج البخاري (^٣) ولما ذكروا ابن جعفر قالوا: روى عن المعتمر التيمي (^٤).
والتعليق الثاني: عن عمر خرجه أيضًا عن أحمد بن إسحاق، عن يعلق بن عبيد، حَدَّثَنَا عبد العزيز بن سياه، عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي وائل، عن سهل بن حنيف قَالَ: قَال عمر .. فذكره (^٥).
وحديث ابن أبي أوفى متفق عليه.
وقوله: (تابعه .. إلى آخره): يعني: أن الأويسي تابع معاوية بن عمر، والذي رواه عن أبي إسحاق، عن موسى بن عقبة.
_________________
(١) من (ص ١).
(٢) وتعقب الدمياطيَّ أيضًا الحافظُ ابن حجر في "الفتح" ٦/ ٢٦٣ بأن ذلك ليس بكاف في رد الروايات الصحيحة؛ وهَبْ أن أحدهما لم يدخل بلد الآخر، أما يجوز أن يكونا التقيا مثلا في الحج أو في الغزو؟ وما ذكره معارض بمثله فإن المعتمر بن سليمان رقي، وسعيد بن عبيد الله بصري؛ فمهما استبعد من لقاء الرقي البصري، جاء مثله في لقاء الرقي للبصري ..
(٣) ورد في هامش الأصل: الصحيح، وقد ذكرها مطولة ابن قرقول في "مطالعه" في حرف الميم.
(٤) قال الحافظ في "الفتح" ٦/ ٢٦٣: أغرب الكرماني فحكى أن قيل: الصواب في هذا معمر بن راشد يعني شيخ عبد الرزاق. قال الحافظ: وهذا هو الخطأ بعينه.
(٥) سيأتي برقم (٤٨٤٤) كتاب: التفسير.
[ ١٧ / ٤١٦ ]
قَالَ ابن المنير (^١): كأن البخاري أراد بالترجمة أن السيوف لما كانت لها بارقة شعاع كان لها أيضًا ظل تحتها، وترجم ببارقة، يريد لمع السيوف، من قولهم ناقة بروق إذا لمعت بذنبها من غير لقاح وهو مثل: "الجنة تحت ظلال السيوف" وكذا قَالَ ابن بطال (^٢): هو من البريق، وهو معروف. قَالَ الخطابي: يقال: أبرق الرجل بسيفه إذا لمع به، ويسمى السيف إبريقًا، وهو أفعل من البريق (^٣).
إذا تقرر ذَلِكَ؛ فالكلام عليه من وجهين:
أحدهما: قَالَ المهلب: فيه: أنه قد يجوز أن يُقطع لقتلى المسلمين كلهم بالجنة؛ لقول عمر على الجملة من غير أن يُشخص من هذِه الجملة واحد فيقال: إن هذا في الجنة إلا بخبر فيه بعينه لقوله - صلي الله عليه وسلم -: "والله أعلم بمن يجاهد في سبيله" (^٤)، فنحن نقطع بظاهر الحديث في الجملة ونكل التفصيل والغائب من النيات لله تعالى؛ لئلا يقطع في علم الله بغير (خبر) (^٥) ألا ترى أنه - ﷺ - حين سُئل فقيل له: منا من يقاتل للمغنم، وليُرى مكانه، وللدنيا. وغير ذَلِكَ فلما فصل له تَبرأ من القطع على الغيب فقال: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله" (^٦).
وهذا القول يقضي على سائر معاني الحديث، والمسألة والترجمة صحيحة، وأن من قَتَل أو قُتِل في إعلاء كلمة الله فهو في الجنة.
_________________
(١) "المتواري" ص ١٥٣.
(٢) "شرح ابن بطال" ٥/ ٣١.
(٣) "غريب الحديث" ٢/ ١٥٣.
(٤) سلف برقم (٢٧٨٧).
(٥) في (ص ١): جزاء.
(٦) سلف قريبًا.
[ ١٧ / ٤١٧ ]
ثانيهما: قوله: ("واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف") أي: ثواب الله، والسبب الموصل إلى الجنة عند الضرب بالسيوف في سبيل الله ومشي المجاهدين في سبيله، فأحضروا فيه بصدق وأثيبوا، وهذا من كلامه البديع النفيس الذي جمع ضروب البلاغة من جزالة اللفظ وعذوبته، فإنه استفيد منه مع وجازته الحض على الجهاد، والإخبار بالثواب عليه، والحض على مقارنة العدو واستعمال السيوف والاعتماد عليها، واجتماع المقاتلين حين الزحف حَتَّى تكون سيوفهم بعضها يقع على العدو، وبعضها يرتفع عنهم حَتَّى كأن السيوف أظلت الضاربين بها، قَالَ ابن الجوزي: والمراد أن دخوله الجنة يكون بالجهاد، والظلال: جمع ظل، فإذا دنا الشخص من الشخص صار تحت ظل سيفه، وقَالَ في موضع آخر: وإذا تدانا الخصمان صار كل واحد منهما تحت ظل سيف الآخر، فالجنة تنال بهذا.
[ ١٧ / ٤١٨ ]