وَقَالَ عُمَرُ - ﵁ -: ارْزُقْنِي شَهَادَةً فِي سبيلك.
٢٧٨٨، ٢٧٨٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -﵁ - أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يدخلُ على أُمِّ حَرَامٍ بِنْتِ مِلْحَانَ، فَتُطْعِمُهُ، وَكَانَتْ أُمُّ حَرَامٍ تَحْتَ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، فَدَخَلَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فَأَطْعَمَتْهُ وَجَعَلَتْ تَفْلِي رَأْسَهُ، فَنَامَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - ثُمَّ اسْتَيْقَظَ وَهُوَ يَضْحَكُ. قَالَتْ: فَقُلْتُ: وَمَا يُضْحِكُكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ، غُزَاةً في سَبِيلِ اللهِ، يَرْكَبُونَ ثَبَجَ هَذَا الْبَحْرِ، مُلُوكًا عَلَى الأَسِرَّةِ"، أَوْ: "مِثْلُ الْمُلُوكِ عَلَى الأَسِرَّةِ". شَكَّ إِسْحَاقُ. قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ. فَدَعَا لَهَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - ثُمَّ وَضَعَ رَأْسَهُ، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ وَهُوَ يَضْحَكُ فَقُلْتُ وَمَا يُضْحِكُكَ يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ: "نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ، غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللهِ". كَمَا قَالَ فِي الأَوَّلِ. قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ. قَالَ: "أَنْتِ مِنَ الأَوَّلِينَ". فَرَكِبَتِ البَحْرَ في زَمَانِ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، فَصُرِعَتْ عَنْ دَابَّتِهَا حِينَ خَرَجَتْ مِنَ الْبَحْرِ، فَهَلَكَتْ.
٢٧٨٨ - [٢٧٩٩/ ٢٨٧٧، ٢٨٩٤، ٦٢٨٢، ٧٠٠١ - مسلم: ١٩١٢]
٢٧٨٩ - [٢٨٠٠، ٢٨٧٨، ٢٨٩٥، ٦٢٨٣، ٧٠٠٢ - مسلم: ١٩١٢ - فتح: ٦/ ١٠]
ثم ساق عن أنس دخوله - ﷺ - على أم حرام ودعاءه لها بالشهادة بطوله.
وأثر عمر أسنده آخر الحج كما مضى (^١)، وأخرجه ابن سعد في "طبقاته" أيضًا عن محمد بن إسماعيل بن أبي فديك، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن حفصة أم المؤمنين أنها
_________________
(١) سلف برقم (١٨٩٠) باب: كراهية النبي - ﷺ - أن تعرى المدينة.
[ ١٧ / ٣٣٢ ]
سمعت أباها يقول: اللَّهُمَّ ارزقني قتلًا في سبيلك، ووفاةً في بلد نبيك. قالت: قلتُ: وأنى ذاك؟ قَالَ: إن الله يأتي بأمره أنى شاء.
وأنا معن بن عيسى، ثنا مالك، عن زيد بن أسلم أن عمر كان يقول في دعائه: اللَّهُمَّ إني أسألك شهادة في سبيلك ووفاة ببلد رسولك.
وأنا عبد الله بن جعفر الرقي، ثنا عبيد الله بن عمرو، عن عبد الملك بن عمير، عن أبي بردة، عن أبيه قَالَ: رأى عوف بن مالك منامًا قصه على عمر بالشام فيها: وإن عمر شهيد مستشهد، فقال عمر: أنى لي الشهادة وأنا بين- ظهراني جزيرة العرب، ولست أغزو والناس حولي؛ ثم قَالَ: ويلي! ويلي! يأتي الله -﷿- بها إن شاء الله (^١)، زاد بعضهم: على يدي عدوك.
وفي "الموطأ": اللَّهُمَّ لا تجعل قتلي بيد رجل صلى لك سجدة واحدة يحاجني بها يوم القيامة عندك (^٢).
وجاء -كما قَالَ ابن العربي- مرفوعًا: "خير الشهداء من قتله أهل ملته فيأخذ من حسناته".
إذا تقرر ذَلِكَ؛ فالكلام على حديث الباب من وجوه - وقد أخرجه مسلم أيضًا (^٣).
وذكره في قتال الروم (^٤)، والرؤيا أيضًا (^٥).
_________________
(١) "الطبقات الكبرى" ٣/ ٣٣١.
(٢) "الموطأ" ص ٢٨٥.
(٣) "صحيح مسلم" (١٩١٢) كتاب: الإمارة، باب: فضل الغزو في البحر.
(٤) سيأتي برقم (٢٩٢٤) باب: ما قيل في قتال الروم، من حديث أم حرام، بنحوه.
(٥) سيأتي برقم (٧٠٠١ - ٧٠٠٢) باب: الرؤيا بالنهار.
[ ١٧ / ٣٣٣ ]
وأخرجه الأربعة في الجهاد أيضًا (^١)، وقال الترمذي: حسن صحيح.
أحدها: هذا الحديث ذكره (أيضًا) (^٢) في باب: ركوب البحر. عن (أبي) (^٣) النعمان، عن حماد، عن يحيى، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن أنس قَالَ: حدثتني أم حرام فذكره (^٤)، جعله من مسند أم حرام.
وفي حديث عمير بن الأسود العنسي أنه أتى عبادة بن الصامت وهو نازل في ساحل حمص في بناءٍ له ومعه أم حرام، قَالَ عمير: فحدثتنا أم حرام عن النبي - ﷺ - بنحوه (^٥)، وأخرجه أيضًا في باب: غزو المرأة في البحر، عن عبد الله بن محمد، ثَنَا معاوية بن عمرو، حَدَّثَنَا أبو إسحاق، عن عبد الله بن عبد الرحمن، عن أنس به (^٦).
قَالَ الجياني: كذا رويناه من جميع طرق البخاري.
وقال أبو مسعود: سقط بين أبي إسحاق الفَزَاري وبين أبي طوالة عبد الله بن عبد الرحمن زائدة بن قدامة (^٧).
قَالَ الجياني: قابلته في "مسند أبي إسحاق الفزاري" فوجدته كما عند البخاري، وكذا رواه ابن وضاح عن أبي مروان المصيصي، عن أبي إسحاق.
_________________
(١) رواه أبو داود (٢٤٩٠)، والترمذي (١٦٤٥)، والنسائي ٦/ ٤٠ - ٤١، وابن ماجه (٢٧٧٦).
(٢) من (ص ١)، وقبلها في الأصل (يعني: البخاري) مكتوبة فوق السطر.
(٣) من هامش الأصل وفوقها: سقط.
(٤) سيأتي قريبا برقم (٢٨٩٤ - ٢٨٩٤).
(٥) سيأتي برقم (٢٩٢٤) وسلفت الإشارة إليه قريبا.
(٦) سيأتي برقم (٢٨٧٧ - ٢٨٧٨).
(٧) ونقله عنه المزي في "التحفة" ١٣/ ٧٣.
[ ١٧ / ٣٣٤ ]
قَالَ الجياني: ومع هذا فالحديث محفوظ الزائدة، عن أبي طوالة رواه عنه حسين بن علي (الجعفي) (^١) ومعاوية بن عمرو، ورواه الإسماعيلي من حديث حسين بن علي، عن زائدة (^٢).
وقال الدارقطني: روى بشر بن عمر الزهراني هذا عن مالك، عن إسحاق عن أنس، عن أم حرام.
ثانيها: في رواية في "الصحيح" تأتي قريبًا: "يركبون هذا البحر الأخضر" (^٣).
وفي رواية: فخرجت مع زوجها غازية أول ما ركب المسلمون البحر مع معاوية، فلما انصرفوا من غزاتهم قربت لها دابتها (^٤)، ولابن حبان: قبرها في جزيرة في بحر الروم يقال لها: قبرس من المسلمين إليها ثلاثة أيام (^٥). وللدارقطني رواه عنها أيضًا عطاء بن يسار.
ثالثها: قَالَ ابن عبد البر: أم حرام هذِه خالة أنس، ولا أقف لها على اسم (^٦). وأظنها أرضعت النبي - ﷺ -، وأم سليم أرضعته أيضًا إذ لا يشك مسلم أنها كانت منه بمحرم، وقد أخبرنا غير واحد من شيوخنا، عن أبي
_________________
(١) في (ص ١): الحنفي.
(٢) انتهى من "تقييد المهمل" ٢/ ٦٢٩ - ٦٣٠. بتصرف.
(٣) يأتي قريبا برقم (٢٨٧٧، ٢٨٧٨).
(٤) سيأتي برقم (٢٨٩٤).
(٥) "صحيح ابن حبان" ١٠/ ٤٦٩ (٤٦٠٨)، وكانت هذِه الغزوة في خلافة عثمان بن عفان -﵁ - سنة ثمان وعشرين، كما في "السيرة النبوية وأخبار الخلفاء" لابن حبان ص ٥٠٥ "البداية والنهاية" ٧/ ١٦٤، وذكر ابن الأثير أقوالًا في توقيت هذِه الغزوة كما في "الكامل" ٣/ ٩٥، وقبرس جزيرة في بحر الروم. انظر: "معجم البلدان" ٤/ ٣٠٥.
(٦) "الاستيعاب" ٤/ ٤٨٤.
[ ١٧ / ٣٣٥ ]
محمد بن فطيس، عن يحيى بن إبراهيم بن مُزين قَالَ: إنما استجاز رسول الله - ﷺ - أن تفلي أم حرام رأسه؛ لأنها كانت منه ذات محرم من قبل خالاته؛ لأن أم عبد المطلب كانت من بني النجار، وقَالَ يونس بن عبد الأعلى: قَالَ لنا ابن وهب: أم حرام إحدى خالات رسول الله - ﷺ - من الرضاعة. قَالَ ابن عبد البر: فأي ذَلِكَ كان فأم حرام محرم منه (^١).
ونقل ابن التين، عن ابن وهب أنها كانت خالته ولم يزد، ثم قَالَ: وقال جماعة غيره: كانت خالته من الرضاعة.
وقال ابن الحذاء: قَالَ لنا أبو القاسم بن الجوهري: وأم حرام هي إحدى خالاته من الرضاعة، وكذا قاله المهلب.
قَالَ ابن بطال: وقال غيره: إنها كانت خالة لأبيه أو لجده؛ لأن أم عبد المطلب كانت من بني النجار، وكان يأتيها زائرًا لها والزيارة من صلة الرحم (^٢)، وذكر ابن العربي عن بعض العلماء أن هذا مخصوص برسول الله - ﷺ -، أو يحمل على أنه كان قبل الحجاب إلا أن (تفلي رأسه) يضعف هذا (^٣).
وزعم ابن الجوزي أنه سمع بعض الحفاظ يقول: كانت أم سليم أخت آمنة من الرضاعة، وقد أسلفنا كلام الدمياطي في دخوله على أم سليم.
وقوله: ليس في الحديث ما يدل على الخلوة بها. فلعل ذاك كان مع ولد أو خادم أو زوج أو تابع، والعادة تقتضي المخالطة بين المخدوم وأهل الخادم لا سيما إذا كن مسنات مع ما ثبت له - ﷺ - من العصمة،
_________________
(١) "التمهيد" ١/ ٢٢٦ - ٢٢٧. بتصرف.
(٢) "شرح ابن بطال" ٥/ ١٠.
(٣) "عارضة الأحوذي" ٧/ ١٤٦.
[ ١٧ / ٣٣٦ ]
ولعل هذا قبل الحجاب؛ فإنه كان في سنة خمس وقتل أخيها حرام الذي كان يرحمها لأجله كان سنة أربع.
رابعها: فيه إباحة ما قدمته المرأة إلى ضيفها من مال زوجها؛ لأن الأغلب أن ما في البيت من الطعام هو للرجل.
وقال ابن التين: يحتمل أن يكون ذلك من مال زوجها (لعلمها) (^١) أنه كان يُسر بذلك، ويحتمل أن يكون من مالها. قال ابن بطال (^٢)، وقال ابن العربي: ومن المعلوم أن عبادة وكل المسلمين يسرهم أكل سيدنا رسول الله - ﷺ - في بيته.
واعترضه القرطبي فقَالَ: حين دخوله - ﷺ - على أم حرام لم تكن زوجًا لعبادة كما يقتضيه ظاهر اللفظ إنما تزوجته بعد ذَلِكَ بمدة كما جاء في رواية عند مسلم (^٣): فتزوجها عبادة بعد (^٤).
خامسها: (تفلي) بفتح التاء وسكون الفاء، وقتل القمل وغيره من المؤذيات، مستحب.
ونوم القائلة أصله في (معونة) (^٥) البدن لقيام الليل، وفرحه - ﵇ - لما عاين من ظهور أمته اتساع ملكهم حَتَّى يغزوا في البحر وتفتح البلاد. قال أبو عمر: أراد أنه رأى الغزاة في البحر على الأسرة في الجنة، ورؤيا الأنبياء وحي، يشهد له قوله تعالى: ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾ [يس: ٥٦].
_________________
(١) في الأصل: (لعلمه)، والمثبت هو الصواب.
(٢) "شرح ابن بطال" ٥/ ١٠.
(٣) "صحيح مسلم" (١٩١٢/ ١٦١) كتاب: الإمارة، باب: فضل الغزو في البحر.
(٤) "المفهم" ٣/ ٧٥٢.
(٥) في (ص ١): تقوية.
[ ١٧ / ٣٣٧ ]
وبه جزم ابن بطال حيث قَالَ: إنما رآهم ملوكًا على الأسرة في الجنة في رؤياه، ويحتمل كما قال القرطبي: أن يكون خبرًا عن حالهم في غزوهم أيضًا (^١).
سادسها: فيه دلالة على ركوب البحر للغزو، قَالَ ابن المسيب: كان أصحاب النبي - ﷺ - يتجرون في البحر منهم طلحة وسعيد بن زيد (^٢)، وهو قول جمهور العلماء إلا عمر بن الخطاب وابن عبد العزيز فإنهما منعا من ركوبه مطلقًا، ومنهم من حمله على ركوبه لطلب الدنيا لا الآخرة، وكره مالك ركوبه للنساء مطلقًا لما يخاف عليهن من أن يطلع منهن أو يطلعن على عورة، وخصه بعضهم بالسفن الصغار دون الكبار والحديث يخدش فيه (^٣).
وأما حديث ابن عمرو مرفوعًا: "لا يركب البحر إلا حاجًا أو معتمرًا أو غازيًا فإن تحت البحر نارًا وتحت النار بحرًا" فأخرجه أبو داود وهو ضعيف (^٤)، ولما ذكره الخلال (^٥) من حديث ليث، عن مجاهد، عنه؛ قَالَ ابن معين: هذا عن رسول الله - ﷺ - منكر.
_________________
(١) "التمهيد" ١/ ٢٣٤ - ٢٣٥ بتصرف، "شرح ابن بطال" ٥/ ١١، "المفهم" ٣/ ٧٥٣.
(٢) "العلل ومعرفة الرجال" ٢/ ٤٢. (١٤٩٣).
(٣) "التمهيد" ١/ ٢٣٣ - ٢٣٤.
(٤) "سنن أبي داود" (٢٤٨٩)، وقال المنذري في "مختصره" ٣/ ٣٥٩: الحديث فيه اضطراب. وقال المصنف في "خلاصة البدر المنير" ١/ ٣٤٤: هو ضعيف باتفاق الأئمة؛ قال البخاري: ليس بصحيح. وقال أحمد: غريب. وقال أبو داود: رواته مجهولون. وقال الخطابي: ضعفوا إسناده. وقال صاحب "الإمام": اختلف في إسناده. اهـ. وانظر: "تلخيص الحبير" ٢/ ٢٢١، وكذا "الضعيفة" (٤٧٩).
(٥) رواه الخلال في "علله" كما أفاده العيني في "عمدة القاري" ١١/ ٣٢٦، ولم أقف عليه.
[ ١٧ / ٣٣٨ ]
سابعها: فيه أيضًا إباحة الجهاد للنساء في البحر، وقد ترجم له بذلك كما ستعلمه (^١).
قالت أم عطية: كنا نغزوا مع رسول الله فنداوي الكلمى ونقوم على المرضى (^٢).
ثامنها: فيه أن الوكيل والمؤتمن إذا علم أنه يسر صاحب المنزل مما يفعله في ماله جاز له فعل ذلك، ومعلوم أن عُبادة كان يسره نزول رسول الله - ﷺ - في بيته، واختلف العلماء في عطية المرأة من مال زوجها بغير إذنه، وسيأتي إيضاحه في موضعه وسلف في الزكاة أيضًا (^٣).
تاسعها: ثبج -بثاء مثلثة ثم باء موحدة ثم جيم- وهو الظهر، وقال الخطابي: أعلى متن الشيء ومعظمه، وثبج كل شيء وسطه (^٤)، ويؤيد الأول رواية: "يركبون ظهر هذا البحر"، والثبج ما بين الكتفين (^٥)، وفي "أمالي القالي" ثبج البحر ظهره، وقيل: معظمه، وقيل: قوته.
وضحكه سرور منه مما يدخله الله على أمته من الأجر وما ينالونه من الخير كما سلف.
العاشر: فيه أيضًا أنَّ الجهاد تحت راية كل إمام جائر ماضٍ إلى يوم القيامة؛ لأنه رأى الآخرين ملوكًا على الأسرة كما رأى الأولين ولا نهاية للآخرين إلى يوم القيامة، قَالَ تعالى: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ
_________________
(١) سيأتي برقم (٢٨٧٧ - ٢٨٧٨) باب: غزو المرأة في البحر.
(٢) سلف برقم (٣٢٤) مطولا، كتاب: الحيض، باب: شهود الحائض العيدين، وفي نسبة القول إلى أم عطية خلاف، انظر: "فتح الباري" ١/ ٤٢٣.
(٣) سلف برقم (١٤٢٥) باب: من أمر خادمه بالصدقة، ولم يناول بنفسه.
(٤) "أعلام الحديث" ٢/ ١٣٥٦.
(٥) انظر: "مجمل اللغة" ١/ ١٦٦، "الصحاح" ١/ ٣٠١، مادة: ثبج.
[ ١٧ / ٣٣٩ ]
الْآخَرِينَ (٤٠)﴾ [الواقعة: ٣٩ - ٤٠] (^١).
الحادي عشر: قولها: (ادع الله أن يجعلني منهم) فيه تمني الغزو والشهادة وهو موضع تبويب البخاري الشهادة للرجال والنساء؛ وقال غيره أيضًا: إن فيه تمني الشهادة وليس في الحديث، وإنما فيه تمني الغزو لا تمني الشهادة. كذا قاله ابن التين (^٢).
وقال ابن المنير: حاصل الدعاء بالشهادة أن يدعو الله أن يمكن منه كافرًا يعصي الله فيقتله، وهذا مشكل على القواعد؛ إذ مقتضاها ألا يتمنى معصية الله لا له ولا لغيره، ووجه تخريجه أنَّ الدعاء قصدًا إنما هو نيل الدرجة المرفوعة المعدة للشهداء، وأما قتل الكافر فليس مقصود الداعي وإنما هو من ضروريات الوجود؛ لأن الله تعالى أجرى حكمه ألا ينال تلك الدرجة إلا شهيد (^٣).
قلتُ: قد أسلفنا أن عمر -﵁ - تمناها على يد كافر (^٤).
الثاني عشر: قيل: إن رؤياه - ﵇ - الثانية كانت في (شهيد) (^٥) البر فوصف حال البر والبحر بأنهم ملوكٌ على الأسرة، حكاه ابن التين وغيره، قَالَ: وقيل: يحتمل أن يكون حالهم في الدنيا كالملوك على الأسرة ولا يبالون بأحد.
الثالث عشر: هذا الحديث من أعلام نبوته وذلك أنه أخبر فيه
_________________
(١) "التمهيد" ١/ ٢٣٤.
(٢) رد الحافظ في "الفتح" ٦/ ١١ على ابن التين بقوله: إن الشهادة هي الثمرة العظمى المطلوبة في الغزو.
(٣) "المتواري" ص ١٤٩.
(٤) سلف من رواية مالك في "الموطأ" ص ٢٨٥.
(٥) في (ص ١): شهداء.
[ ١٧ / ٣٤٠ ]
بضروب من الغيب قبل وقوعها، منها: جهاد أمته في البحر، وضحكه دال على أن الله تعالى يفتح لهم ويغنمهم.
ومنها: الإخبار بصفة أحوالهم في جهادهم، وهو قوله: "يركبون ثبج هذا البحر ملوكًا على الأسرة".
ومنها: قوله لأم حرام: ("أنت من الأولين") فكان كذلك، غزت مع زوجها في أول غزوة كانت إلى الروم في البحر مع معاوية زمن عثمان، سنة ثمان وعشرين وقال ابن (زيد) (^١): سنة سبع وعشرين، وقيل: بل كان ذَلِكَ في خلافة معاوية على ظاهره، والأول أشهر وهو ما ذكره أهل السير، وفيه هلكت.
ومنها: الإخبار ببقاء أمته من بعده وأن تكون لهم شوكة، وأن أم حرام تبقى إلى ذلك الوقت، وكل ذلك لا يعلم إلا بوحي على ما أوحي به إليه في نومه.
وفيه: أن رؤيا الأنبياء وحي، وقد سلف (^٢).
وفيه: ضحك المبشر إذا بشر مما يسره كما فعل الشارع.
وفيه: كما قَالَ المهلب: فضل لمعاوية وأن الله قد بشر به نبيه في النوم؛ لأنه أول من غزا في البحر وجعل من غزا تحت رايته من الأولين (^٣).
_________________
(١) كذا في الأصل، ولَيُراجع: "تاريخ مولد العلماء ووفياتهم" ١/ ١١٣.
(٢) سلف برقم (١٣٨) كتاب: الوضوء، باب: التخفيف في الوضوء؛ آخر حديث ابن عباس، من طريق عبيد بن شمير فذكره، ثم قرأَ ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ وانظر: "الفتح" ١/ ٢٣٩.
(٣) نقله عنه ابن بطال في "شرحه" ٥/ ١١.
[ ١٧ / ٣٤١ ]
وفيه: أن الموت في سَبيل الله شهادة. قَالَ ابن أبي شيبة: حَدَّثَنَا يزيد بن هارون: ثنا ابن عون، عن ابن سيرين، عن أبي العجفاء السلمي قَالَ: قَالَ عمر: قَالَ محمد - ﷺ -: "من قتل في سَبيل الله أو مات فهو في الجنة" (^١).
الرابع عشر: فيه دلالة على أن من مات في طريق الجهاد من غير مباشرة ومشاهدة له من الأجر مثل ما للمباشر، (وكن) (^٢) النساء إذا غزون يسقين الماء ويداوين الكلمى ويصنعن لهم طعامهم وما يصلحهم، كما سلف.
قَالَ ابن عبد البر: وفيه أن الموت في سَبيل الله والقتل سواء أو قريب من السواء في الفضل، قَالَ: وإنما قلتُ أو قريب من السواء لاختلاف الناس في ذَلِكَ، فمن أهل العلم من جعل الميت في سبيل الله والمقتول سواء، واحتج بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ الله رِزْقًا حَسَنًا﴾ [الحج: ٥٨] الاثنين جميعًا، وبقوله: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللهِ﴾ [النساء: ١٠٠] (^٣)، وبقوله - ﷺ - في حديث عتيك: "من خرج مجاهدًا في سَبيل الله فخر عن دابته فمات أو لدغته حية فمات أو مات حتف أنفه فقد وقع أجره على الله" (^٤).
_________________
(١) "المصنف" ٤/ ٢٣١ (١٩٥٠٤)، وصححه ابن حبان ١٠/ ٤٨٠ (٤٦٢٠) والحاكم ٢/ ١٠٩.
(٢) في (ص ١): وكذا.
(٣) "التمهيد" ١/ ٢٣٥.
(٤) رواه أحمد ٤/ ٣٦، وابن أبي عاصم في "الجهاد" ١/ ٥٧٧ (٢٣٦)، والطبراني ٢/ ١٩١ (١٧٧٨)، قال الهيثمي في "المجمع" ٥/ ٢٧٧: فيه محمد بن إسحاق، مدلس، وبقية رجاله ثقات.
[ ١٧ / ٣٤٢ ]
وفي "صحيح مسلم" من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "من قتل في سَبيل الله فهو شهيد، ومن مات في سبيل الله فهو شهيد" (^١)، ومن حديث عقبة بن عامر مرفوعًا: "من صرع عن دابته في سبَيل الله فمات فهو شهيد" (^٢).
وفي أبي داود من حديث بقية، عن عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، عن أبيه، عن مكحول، عن ابن غنم، عن أبي مالك الأشعري مرفوعًا: "من وقصه فرسه أو بعيره أو لدغته هامة أو مات على فراشه على أي حتف شاء الله فهو شهيد"، واستدركه الحاكم؛ وقال: صحيح على شرط مسلم (^٣).
قَالَ ابن عبد البر: وقد ثبت عن سيدنا رسول الله - ﷺ - أنه سُئل: أي الجهاد أفضل؟ فقال: "من أهريق دمه وعقر جواده" (^٤)، فإذا كان هذا أفضل الشهداء؛ اعلم أن من ليس كذلك أنه مفضول (^٥).
قلتُ: وفي "صحيح الحاكم": وقال: صحيح الإسناد من حديث
_________________
(١) "صحيح مسلم" (١٩١٥) كتاب: الإمارة، باب: بيان الشهداء.
(٢) رواه ابن أبي عاصم في "الجهاد" ٢/ (٢٣٧)، وأبو يعلى ٣/ ٢٩٠ (١٧٥٢)، قال الهيثمي في "المجمع" ٥/ ٢٨٣: رواه أبو يعلى، وفيه من لم أعرفه. ثم ذكره بَعْدُ ٥/ ٣٠ أو قال: رواه الطبراني ورجاله ثقات. وصححه الألباني في "الصحيحة" (٢٣٤٦).
(٣) "سنن أبي داود" (٢٤٩٩)، "المستدرك" ٢/ ٧٨، وتعقبه الذهبي بأن فيه من لم يحتج به مسلم. وضعفه الألباني في "الضعيفة" (٥٣٦١).
(٤) رواه أبو داود (١٤٤٩)، والنسائي ٥/ ٥٨ من حديث عبد الله بن حبشي الخثعمي، مرفوعًا. وفي الباب: عن عمرو بن عبسة وجابر وغيرهما. وانظر: "الصحيحة" (٥٥١ - ٥٥٢).
(٥) "التمهيد" ١/ ٢٣٧.
[ ١٧ / ٣٤٣ ]
كعب بن عجرة قَالَ النبي - ﷺ - لعمر يوم بدرٍ ورأى قتيلًا: "يا عمر إنَّ للشهداء سادة وأشرافًا وملوكًا، وإن هذا منهم" (^١).
وروى الحلواني في "معرفته": حدثنا أبو على الحنفي، ثَنَا إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر، عن عبد الملك بن عمير قال: قَالَ علي بن أبي طالب: من حبسه السلطان وهو ظالم له فمات في محبسه ذَلِكَ فهو شهيد، ومن ضربه السلطان ظالمًا فمات من ضربه (ذَلِكَ) (^٢) فهو شهيد وكل (موت) (^٣) يموت بها المسلم فهو شهيد غير أن الشهادة تتفاضل (^٤).
قَالَ ابن عبد البر: وكان عمر بن الخطاب يضرب من يسمعه يقول: من قتل في سبيل الله فهو شهيد. ويقول لهم: قولوا: في الجنة، قَالَ أبو عمر: وذَلِكَ أن شرط الشهادة شديد فمن ذَلِكَ ألا يغل ولا يجبن، وأن يُقتل مقبلًا غير مدبر، وينفق (الكريمة) (^٥) وألا يؤدي جارًا ولا رفيقًا ولا ذميًّا ولا يخفي (غلولا) (^٦)، ولا يسب إمامًا ولا يفر من الزحف (^٧).
قلت: ومقالة عمر أخرجها الحاكم عنه، ولفظه: لعله يكون قد أوقر دابته ذهبًا أو ورقًا يلتمس التجارة، فلا تقولوا ذاكم، ولكن قولوا كما قَالَ النبي - ﷺ -: "من قتل في سبيل الله أو مات فهو في الجنة" ثم قَالَ: حديث
_________________
(١) "المستدرك" ٢/ ٧٦، وتعقبه الذهبي قائلا: لا والله؛ إبراهيم بن إسحاق بن نسطاس واهٍ.
(٢) من (ص ١).
(٣) كذا في الأصول، وفوقها في (نسخة س): كذا.
(٤) ذكره الغزالي في "الإحياء" ٤/ ١٦٤. عن علي.
(٥) في الأصل: اللكمة.
(٦) في الأصل: عدوا. وعلم عليها: كذا.
(٧) "التمهيد" ١/ ٢٣٧.
[ ١٧ / ٣٤٤ ]
صحيح ولم يخرجاه (^١).
وعن أبي عبيدة، عن أبيه: إياكم وهذِه الشهادات أن يقول الرجل: قتل فلان شهيدًا، فإن الرجل يقاتل حمية، ويقاتل في طلب الدنيا، ويقاتل وهو جريء الصدر (^٢).
قَالَ: واختلفوا في شهيد البحر أهو أفضل أم شهيد البر؟ فقال: قوم: شهيد البر، وقال قوم: شهيد البحر (^٣).
قَالَ: ولا خلاف بين أهل العلم أن البحر إذا ارتج لم يجز ركوبه لأحد بوجه من الوجوه في حين ارتجاجه (^٤).
والذين رجحوا شهيد البحر؛ احتجوا مما رواه الطبراني في أكبر معاجمه من حديث أبي أمامة مرفوعًا: "يغفر لشهيد البر الذنوب كلها إلا الدين، ويغفر لشهيد البحر الذنوب كلها والدين" (^٥).
ورواه ابن أبي عاصم في كتاب "الجهاد" عن الحسن بن الصباح، ثَنَا يحيى بن عباد، ثَنَا يحيى بن عبد العزيز، (عن عبد العزيز) (^٦) بن يحيى، ثَنَا سعيد بن صفوان، عن عبد الله بن المغيرة، عن عبد الله بن أبي بردة، سمعت عبد الله بن عمرو يقول: قال رسول الله - ﷺ -: "الشهادة تكفر كل
_________________
(١) "المستدرك ٢/ ١١٩.
(٢) رواه أبو يعلى ٩/ ٢٥٥ (٥٣٧٦)، والحاكم ٢/ ١١٠ - ١١١١ مطولًا، وفيه قصة؛ قال الحاكم: هذا حديث صحيح؛ إن سلم من الإرسال، فقد اختلف مشايخنا في سماع أبي عبيدة من أبيه [يعني: ابن مسعود].
(٣) "التمهيد" ١/ ٢٣٤.
(٤) قاله ابن عبد البر في "التمهيد" ١/ ٢٣٨.
(٥) "المعجم الكبير" ٨/ ١٧٠ (٧٧١٦)، وحكم عليه الألباني بالوضع في "الضعيفة" (٨١٧).
(٦) من (ص ١).
[ ١٧ / ٣٤٥ ]
شيء إلا الدين (والغزو) (^١) في البحر يكفر ذلك كله" (^٢).
ومن حديث عبد الله بن صالح، عن يحيى بن أيوب، عن يحيى بن سعيد، عن عطاء بن يسار، عن ابن عمرو مرفوعًا: "غزوة في البحر خير من عشر غزوات في البر" (^٣). ومن حديث هلال بن ميمون، عن أبي ثابت يعلي بن شداد بن أوس، عن أم حرام قالت: ذكر رسول الله - ﷺ - غزاة البحر فقال: "إن للمائد فيه أجر شهيد، وإن للغريق أجر شهيدين" (^٤).
ولابن ماجَهْ من حديث أبي أمامة مرفوعًا: "لشهيد البحر مثل شهيد البر والمائد في البحر كالمتشحِّط في دمه في البر، وما بين الموجتين كقاطع الدنيا في طاعة الله، وإن الله تعالى وكل ملك الموت بقبض الأرواح إلا شهيد البحر فإنه يتولى قبض روحه، ويغفر لشهيد البر الذنوب كلها إلا الدين، ولشهيد البحر الذنوب كلها والدين" (^٥)، وقد سلف هذا عن الطبراني أيضًا (^٦).
_________________
(١) كذا في الأصول، وفي "الجهاد": الغرق.
(٢) "الجهاد" ٢/ ٦٥٥ (٢٧٩) وأورده الحافظ في "تهذيب التهذيب" ٢/ ٥٩٨ وقال متن باطل إسناده مظلم.
(٣) "الجهاد" ٢/ ٦٥٦ (٢٨٠)، وصححه الحاكم ٢/ ١٤٣ على شرط البخاري. غير أن عبد الله بن صالح الجهني كاتب الليث، ليس على شرطه فهو لم يورد عنه إلا حديثا واحدا وعلق عنه غير ذلك كما ذكره الحافظ في "المقدمة" ص ٤١٣؛ والحديث ضعفه الألباني في "الضعيفة" (١٢٣٠).
(٤) "الجهاد" ٢/ ٦٦٣ (٢٨٥)، ورواه أبو داود (٢٤٩٣)، وحسنه الألباني في "الإرواء" (١١٩٤).
(٥) "سنن ابن ماجَهْ" (٢٧٧٨)، وضعف البوصيري إسناده في "زوائده" ص ٣٧٥ (٩٣٣)، وقال الألباني في "الإرواء" (١١٩٥): ضعيف جدا.
(٦) "الكبير" ٨/ ١٧٠.
[ ١٧ / ٣٤٦ ]