٢٨٤١ - حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ - ﵁ - عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: "مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ فِي سَبِيلِ اللهِ دَعَاهُ خَزَنَةُ الجَنَّةِ، كُلُّ خَزَنَةِ بَابٍ: أَيْ فُلُ، هَلُمَّ". قَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللهِ، ذَاكَ الذِي لَا تَوَى عَلَيْهِ. فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: "إِنِّي لأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ". [انظر: ١٨٩٧ - مسلم: ١٠٢٧ - فتح: ٦/ ٤٨]
٢٨٤٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ، حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ، حَدَّثَنَا هِلَالٌ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَامَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ: "إِنَّمَا أَخْشَى عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِي مَا يُفْتَحُ عَلَيْكُمْ مِنْ بَرَكَاتِ الأَرْضِ". ثُمَّ ذَكَرَ زَهْرَةَ الدُّنْيَا، فَبَدَأَ بِإِحْدَاهُمَا وَثَنَّى بِالأُخْرَى، فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَوَ يَأْتِي الخَيْرُ بِالشَّرِّ؟ فَسَكَتَ عَنْهُ النَّبِيُّ - ﷺ - قُلْنَا يُوحَى إِلَيْهِ. وَسَكَتَ النَّاسُ كَأَنَّ عَلَى رُءُوسِهِمِ الطَّيْرَ، ثُمَّ إِنَّهُ مَسَحَ عَنْ وَجْهِهِ الرُّحَضَاءَ، فَقَالَ: " أَيْنَ السَّائِلُ آنِفًا أَوَخَيْرٌ هُوَ؟ -ثَلَاثًا- إِنَّ الخَيْرَ لَا يَأْتِي إِلاَّ بِالْخَيْرِ، وَإِنَّهُ كُلُّ مَا يُنْبِتُ الرَّبِيعُ مَا يَقْتُلُ حَبَطًا أَوْ يُلِمُّ كُلَّمَا أَكَلَتْ، حَتَّى إِذَا امْتَلأَتْ خَاصِرَتَاهَا اسْتَقْبَلَتِ الشَّمْسَ، فَثَلَطَتْ وَبَالَتْ ثُمَّ رَتَعَتْ، وَإِنَّ هَذَا المَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، وَنِعْمَ صَاحِبُ المُسْلِمِ لِمَنْ أَخَذَهُ بِحَقِّهِ، فَجَعَلَهُ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ، وَمَنْ لَمْ يَأْخُذْهُ بِحَقِّهِ فَهْوَ كَالآكِلِ الذِي لَا يَشْبَعُ، وَيَكُونُ عَلَيْهِ شَهِيدًا يَوْمَ القِيَامَةِ". [انظر: ٩٢١ - مسلم: ١٠٥٢ - فتح: ٦/ ٤٨]
ذكر فيه حديث أبي هُرَيْرَةَ قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: "مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ فِي سَبِيلِ اللهِ دَعَاهُ خَزَنَةُ الجَنَّةِ، كُلُّ خَزَنَةِ بَاب: أَيْ فُلُ، هَلُمَّ". قَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللهِ، ذَاكَ الذِي لَا تَوى عَلَيْهِ. فَقَالَ رسول الله - صلي الله عليه وسلم -: "إِنِّي لأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ".
وحديث أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قامَ عَلَى المِنْبَرِ فَقَالَ: "إِنَّمَا أَخْشَى عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِي مَا يُفْتَحُ عَلَيْكُمْ مِنْ بَرَكَاتِ الأَرْضِ". ثُمَّ ذَكَرَ
[ ١٧ / ٤٧٦ ]
زَهْرَةَ الدُّنْيَا .. الحديث إلى قوله: "وَإِنَّ هذا المَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، وَنِعْمَ صَاحِبُ المُسْلِمِ لِمَنْ أَخَذَهُ بِحَقِّهِ، فَجَعَلَهُ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالمَسَاكينِ وابْنِ السَّبِيلِ".
الشرح:
الحديث الأول سلف في الصوم، والثاني سلف في الزكاة (^١).
وقوله: ("من أنفق زوجين") أراد أن يشفع المنفق ما ينفقه من دينار أو درهم أو سلاح أو غير ذَلِكَ، قَالَ الداودي: يقع الزوج على الواحد والاثنين، وهو هنا على الواحد، واحتج بقوله تعالى: ﴿خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ﴾ [النجم: ٤٥] واعترضه ابن التين فقال: ليس قوله ببين، وقد ذكره ابن قتيبة أيضًا فقال: (إن) (^٢) الزوج يقع على الواحد والاثنين.
وقوله: ("أَيْ فُل هلم") أي: يا فلان، فرخم كقولك: يا حار إذا رخمت حارثًا، وكقول الشاعر في محمد: أمسك فلانًا عن فل، والعرب تقول في النداء: يا فلان، وأي فلان وأفلان.
ومعنى: (لا توى) لا ضياع، وقيل: لا هلاك، من قولك: توى المال يتوى تواء، قَالَ ابن فارس: والتوى يمد ويقصر وأكثرهم على أنه مقصور (^٣).
ومعنى الكلام أن هذا الرجل لا بأس عليه أن يترك بابًا ويدخل آخر.
و(الرُّحَضَاء) -في حديث أبي سعيد-: العرقال في أدره عند نزول الوحي عليه، يقال: رحض الرجل إذا أصابه ذلك، فهو مرحوض ورحيض.
_________________
(١) سلف برقم (١٤٦٥) باب الصدقة على اليتامى.
(٢) من (ص ١)
(٣) "مجمل اللغة" ١/ ١٥١.
[ ١٧ / ٤٧٧ ]
وقوله: (كأن على رءوسهم الطير). قَالَ الداودي: يعني: أن كل واحد صار كمن على رأسه طائر يريد صيده فلا يتحرك لئلا يطير به.
وقوله: ("يقتل حبطا أو يلم") كذا هو في الأصول، وذكره ابن التين بحذف "حبطا" ثم قَالَ: هذا محذوف منه. وروي تامًّا فذكره، والحبط: انتفاخ البطن من داء يصيب الآكل من أكله.
وفيه: كما قَالَ المهلب: فضل الجهاد على سائر الأعمال، وأن للمجاهد أجر المصلي والصائم والمتصدق، وإن لم يفعل ذلك، ألا ترى أن باب الريان هو للصائمين خاصة، وقد قَالَ في هذا الحديث: "يدعى من كل باب" فاستحق ذَلِكَ بإنفاق قليل من مال الله في سبيله، ففيه أن الغني إذا أنفق في سبيل الله أفضل الأعمال، قَالَ: إلا أن طلب العلم ينبغي أن يكون أفضل من الجهاد وغيره؛ لأن الجهاد لا يكون إلا بعلم حدوده وما أحل الله منه وحرم، ألا ترى أن المجاهد متصرف بين أمر العالم ونهيه، ففضل عمله كله في ميزان العالم الآمر له بالمعروف، والناهي له عن المنكر، والهادي له إلى السبيل، فكما أن أجر المسلمين كلهم مدخور لرسول الله - ﷺ - من أجل تعلمه لهم وهدايته إياهم سبيل العلم، فكذلك يجب أن يكون أجر العالم فيه أجر من عمل بعلمه.
وفيه: دليل على أن من دعي من أبواب الجنة كلها لم يكن ممن استحق عقوبة في نار -والله أعلم- لقول أبي بكر: (ذَلِكَ الذي لا توى عليه) أي: لا هلاك، فلم ينكره رسول الله - ﷺ -.
وفيه: القول بالدليل في أحكام الدنيا والآخرة لاستدلال أبي بكر وبالدعاء له من كل باب أنه لا هلاك عليه، ولتصديق رسول الله - ﷺ -
[ ١٧ / ٤٧٨ ]
ذَلِكَ الاستدلال وتبشيره لأبي بكر أنه منهم من أجل أنه أنفق في سبيل الله كلها أزواجًا كثيرة من كل شيء، وروى ابن المنذر من حديث أبي عبيدة بن الجراح مرفوعًا: "من أنفق في سبيل الله فسبعمائة ضعف".
ومن حديث خريم بن فاتك مرفوعًا مثله (^١)، وقد جاء أن الذكر وأعمال البرقي سبيل الله أفضل من النفقة؛ فيه من حديث معاذ بن أنس الجهني أنه قَالَ: "يضعف الذكر والعمل في سبيل الله على تضعيف الصدقة سبعمائة ضعف" (^٢)، وعن ابن المسيب مثله.
_________________
(١) رواه الترمذي (١٦٢٥)، والنسائي ٦/ ٤٩، وأحمد ٤/ ٣٤٥.
(٢) رواه أبو داود (٢٤٩٨)، وأحمد ٣/ ٤٣٨.
[ ١٧ / ٤٧٩ ]