وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل: ٨]
٢٨٦٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: "الْخَيْلُ لِثَلَاثَةٍ: لِرَجُلٍ أَجْرٌ، وَلِرَجُلٍ سِتْرٌ، وَعَلَى رَجُلٍ وِزْرٌ، فَأَمَّا الذِي لَهُ أَجْرٌ فَرَجُلٌ رَبَطَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ، فَأَطَالَ فِي مَرْجٍ أَوْ رَوْضَةٍ، فَمَا أَصَابَتْ فِي طِيَلِهَا ذَلِكَ مِنَ المَرْجِ أَوِ الرَّوْضَةِ كَانَتْ لَهُ حَسَنَاتٍ، وَلَوْ أَنَّهَا قَطَعَتْ طِيَلَهَا فَاسْتَنَّتْ شَرَفًا أَوْ شَرَفَيْنِ كَانَتْ أَرْوَاثُهَا وَآثَارُهَا حَسَنَاتٍ لَهُ، وَلَوْ أَنَّهَا مَرَّتْ بِنَهَرٍ فَشَرِبَتْ مِنْهُ وَلَمْ يُرِدْ أَنْ يَسْقِيَهَا كَانَ ذَلِكَ حَسَنَاتٍ لَهُ، وَرَجُلٌ رَبَطَهَا فَخْرًا وَرِئَاءً وَنِوَاءً لأَهْلِ الإِسْلَامِ فَهْيَ وِزْرٌ عَلَى ذَلِكَ". وَسُئِلَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَنِ الحُمُرِ، فَقَالَ: "مَا أُنْزِلَ عَلَيَّ فِيهَا إِلاَّ هَذِهِ الآيَةُ الجَامِعَةُ الْفَاذَّةُ: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ " [الزلزلة: ٧ - ٨]. [انظر: ٢٣٧١ - مسلم: ٩٨٧ - فتح: ٦/ ٦٣]
ثم ذكر حديث أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ النبي - ﷺ -: "الْخَيْلُ لِثَلَاثَةٍ: لِرَجُلٍ أَجْرٌ .. " إلى آخره، سلف في أبواب الشرب، واستدل به على عدم أكل الخيل، لكنه ثابت بالسنة: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٨] قيل: إنه عام. وقيل: هو السوس في الثياب.
والطِّيل: الحبل الذي تربط به الدابة، ويقال بالواو بدل الياء أيضًا، والمعنى أن فرس المجاهد ليمضي على وجهه في الحبل الذي أطيل له؛ فيكتب له بذلك حسنات.
ومعنى (استنت): أفلتت فمرحت تجري، والاستنان: أن تأخذ في سنن على وجه واحد ماضيًا، وهو يفتعل من السنن، وهو القصد،
[ ١٧ / ٥٢٢ ]
ويقال: فلان يستن الريح إذا كان على جهتها وممرها، وأهل الحجاز يقولون: يستنها، ويقال في مثل هذا: استنت الفصال حَتَّى القرعَى تضرب مثلًا للرجل الضعيف يرى الأقوياء يفعلون شيئًا فيفعل مثله (^١).
والشَّرَف: ما ارتفع من الأرض.
وقوله: ("ولو أنها مرت بنهر .. ") إلى آخره. قيل: إنما ذَلِكَ لأنه وقت لا ينتفع بشربها فيه فيغتم لذلك فيؤجر، ويحتمل أن يريد أنه كره شربها من ماء غيره بغير إذن.
وقوله: ("ونواء") هو بكسر النون والمد، وقال الداودي: هو بفتح النون والقصر. وقال بعض أهل اللغة: هو بكسر النون والمد. وهذا الذي حكاه عن بعضهم هو قول جماعة منهم، قَالَ: النواء: المعاداة، يقال: ناوأت الرجل نواء ومناوأة: إذا عاديته؛ وأصله من ناء إليك ونؤت إليه. أي: نهضت إليه، ونهض لك. وقال ابن بطال: هو مصدر ناوأت وهي المساواة ثم ذكر المعاداة عن كتاب "العين" (^٢).
الوزر: الثقل المثقل للظهر.
وقوله: ("الجامعة الفاذة") يعني: جمعت أعمال البر كلها دقيقها وجليلها، وكذلك جمعت أعمال المعاصي، وفاذة: منفردة في معناها، ويقال: فاذة وفذة وفاذ وفذ، ومنه: "تفضل على صلاة الفذ" (^٣).
ومعنى ذَلِكَ أنها منفردة في عموم الخير والشر لا آية أعم منها، والمعنى أنه من أحسن إلى الحُمر رأى إحسانه في الآخرة، ومن أساء إليها وكلفها فوق طاقتها رأى إساءته في الآخرة.
_________________
(١) انظر: "جمهرة الأمثال" ١/ ١٠٨ - ١٠٩ (٩٨).
(٢) "شرح ابن بطال" ٥/ ٦٣.
(٣) سلف برقم (٦٤٥) كتاب الأذان، باب فضل صلاة الجماعة، من حديث ابن عمر.
[ ١٧ / ٥٢٣ ]
وقوله: ("لم ينزل عليَّ في الحمر إلا هذِه الآية" ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧)﴾ [الزلزلة: ٧]: فيه تعليم منه لأمته الاستنباط والقياس، وكيف تفهم معاني التنزيل؛ لأنه شبه ما لم يذكر الله وهي الحمر مما ذكره، من عمل مثقال ذرة من خير، إذ كان معناهما واحدًا، وهذا نفس القياس الذي ينكره من لا تحصيل له ولا فهم عنده؛ لأن هذِه الآية يدخل فيها مع الحمر جميع أفعال البر، ألا ترى إلى فهم عائشة وغيرها من الصحابة هذا المعنى من هذِه الآية حين تصدقوا بحبة عنب وقالوا: كم فيها من مثاقيل الذر.
وفيه من الفقه: أن الأعمال لا يؤجر المرء في اكتسابها لاعبًا بها، وإنما يؤجر بالنية الخالصة في استعمال ما ورد الشرع بالفضل في علمه؛ لأنها خيل كلها، وقد اختلف أحوال مكتسبها لاختلاف النيات فيها.
وفيه: أن الحسنات تكتب للمرء إذا كان له فيها سبب وأصل تفضلًا من الله على عباده المؤمنين؛ لأنه ذكر حركات الخيل ونقلها ورعيها وروثها، وأن ذَلِكَ حسنات للمجاهد.
[ ١٧ / ٥٢٤ ]