٢٨٠١ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ الحَوْضِيُّ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ عَنْ إِسْحَاقَ، عَنْ أَنَسٍ - ﵁قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ - ﷺ - أَقْوَامًا مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ إِلَى بَنِي عَامِرٍ فِي سَبْعِينَ، فَلَمَّا قَدِمُوا، قَالَ لَهُمْ خَالِي: أَتَقَدَّمُكُمْ، فَإِنْ أَمَّنُونِي حَتَّى أُبَلِّغَهُمْ عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَإِلاَّ كُنْتُمْ مِنِّي قَرِيبًا. فَتَقَدَّمَ، فَأَمَّنُوهُ، فَبَيْنَمَا يُحَدِّثُهُمْ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - إِذْ أَوْمَئُوا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ، فَطَعَنَهُ فَأَنْفَذَهُ فَقَالَ: الله أَكْبَرُ، فُزْتُ وَرَبِّ الكَعْبَةِ. ثُمَّ مَالُوا عَلَى بَقِيَّةِ أَصْحَابِهِ فَقَتَلُوهُمْ، إِلاَّ رَجُلًا أَعْرَجَ صَعِدَ الْجَبَلَ. قَالَ هَمَّامٌ: فَأُرَاهُ آخَرَ مَعَهُ، فَأَخْبَرَ جِبْرِيلُ -﵇ - النَّبِيَّ - ﷺ - أَنَّهُمْ قَدْ لَقُوا رَبَّهُمْ، فَرَضِيَ عَنْهُمْ وَأَرْضَاهُمْ، فَكُنَّا نَقْرَأُ: أَنْ بَلِّغُوا قَوْمَنَا أَنْ قَدْ لَقِينَا رَبَّنَا فَرَضِيَ عَنَّا وَأَرْضَانَا. ثُمَّ نُسِخَ بَعْدُ، فَدَعَا عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا، عَلَى رِعْلٍ وَذَكْوَانَ وَبَنِي لِحْيَانَ وَبَنِي عُصَيَّةَ الَّذِينَ عَصَوُا اللهَ وَرَسُولَهُ - ﷺ -. [انظر: ١٠٠١ - مسلم: ٦٧٧ - فتح: ٦/ ١٨]
٢٨٠٢ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ جُنْدُبِ بْنِ سُفْيَانَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ فِي بَعْضِ المَشَاهِدِ وَقَدْ دَمِيَتْ إِصْبَعُهُ، فَقَالَ:
"هَلْ أَنْتِ إِلاَّ إِصْبَعٌ دَمِيتِ … وَفِي سَبِيلِ اللهِ مَا لَقِيتِ".
[٦١٤٦ - مسلم: ١٧٩٦ - فتح: ٦/ ١٩]
ذكر فيه حديث (إِسْحَاقَ) (^١)، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: بَعَثَ رسول الله - ﷺ - أَقْوَامًا مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ إِلَى بَنِي عَامِرٍ فِي سَبْعِينَ .. الحديث في قتلهم وهم القراء وأنه دعا عليهم أربعين صباحًا على رعل وذكران وبني لحيان ويأتي في المغازي (^٢).
_________________
(١) في الأصل: (أبي إسحاق)، والمثبت الصواب.
(٢) سيأتي برقم (٤٠٨٨ - ٤٠٩٦) باب: غزوة الرجيع ورعل وذكران وبئر معونة.
[ ١٧ / ٣٧٠ ]
وحديث جُنْدُبِ بْنِ سُفْيَانَ أَنَّ النبي - ﷺ - كَانَ فِي بَعْضِ تِلْكَ المَشَاهِدِ فَدَمِيَتْ إِصْبَعُهُ، فَقَالَ:
"هَلْ أَنْتِ إِلَّا إِصْبَعٌ دَمِيتِ … وَفِي سَبِيلِ اللهِ مَا لَقِيتِ".
وقوله: (من بني سليم): وهم، وصوابه من الأنصار كما ثبت في "صحيح مسلم" من حديث ثابت عن أنس (^١)؛ لأن بني سليم هم الذين قتلوا السبعين المذكورين كما نبه عليه الدمياطي ومن خطه نقلت (^٢)، وإنما دعا عليهم في القنوت في الخمس؛ لأجل غدرهم وقبيح نكثهم بعد تأمينهم، وقد سلف في القنوت (^٣)، (ويأتي في الغزوات) (^٤)، وترك الدعاء عليهم لما أعطي في دعائه من الإجابة (قيل) (^٥) قتل يوم معونة سبعون ويوم أحد كذلك ويوم اليمامة في خلافة الصديق كذلك سبعون وآنس الله نبيه مما أنزل الله عليه في حقهم: (أن بلغوا قومنا أن قد لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا). ثم نسخ بعد، فيؤخذ منه جواز الدعاء على أهل الغدر وانتهاك المحارم والإعلان باسمهم والتصريج بذكرهم.
وجاء من حديث أنس في باب قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا﴾ [آل عمران: ١٦٩] أنه دعا عليهم ثلاثين صباحًا (^٦)،
_________________
(١) "صحيح مسلم" (٦٧٧/ ١٤٧) بعد (١٩٠٢) كتاب: الإمارة، باب: ثبوت الجنة للشهيد.
(٢) نقل الحافظ في "الفتح" ٦/ ١٩ قول الدمياطي، وتعقبه بقوله: التحقيق أن المبعوث إليهم بنو عامر، وأما بنو سليم فغدروا بالقراء المذكورين، والوهم في هذا السياق من حفص بن عمر شيخ البخاري.
(٣) سلف برقم (١٠٠١) كتاب: الوتر، باب: القنوت قبل الركوع وبعده.
(٤) من (ص ١).
(٥) ورد بهامش الأصل: هذا في الصحيح عن أنس.
(٦) سيأتي برقم (٢٨١٤).
[ ١٧ / ٣٧١ ]
وهنا فدعا عليهم أربعين صباحًا، وفي "المسند": قنت رسول الله - ﷺ - عشرين يومًا (^١).
وقوله: (لقينا ربنا)، يقال: الأرواح يعرج بها إلى الله فتسجد له ثم يهبط بها؛ لمعاينة الملكين وتصير أرواح الشهداء إلى الجنة، وحديث جندب بن سفيان قال على أن كل ما أصيب به المجاهد في سبيل الله من نكبة أو غيره فإن له أجر ذَلِكَ على قدر نيته واحتسابه.
وقوله: ("هل أنت إلا إصبع .. ") إلى آخره: هو رجز موزون وقد يقع على لسانه - ﷺ - مقدار البيت من الشعر أو البيتين من الرجز، كقوله - ﷺ -:
"أنا النبي لا كذب … أنا ابن عبد المطلب" (^٢).
فلو كان هذا شعرًا لكان خلاف قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ والله يتعالى أن يقع شيء من خبره أو يوجد على خلاف ما أخبر به، وهذا من الحجاج اللازم لأهل السنة والجماعة، ويقال للملحدين: إنَّ ما وقع من كلامه الموزون في النادر من غير قصد فليس بشعر لأن ذَلِكَ غير ممتنع على أحد من العامة والباعة أن يقع له كلام موزون، فلا يكون بذلك شعرًا مثل قولهم:
اسقني في الكوز ماء يا فلان … واسرج البغل وجئني بالطعام
وقولهم: من يشتري باذنجانْ، فهذا (المقدار) (^٣) ليس بشعر، والرجز ليس بشعر، ذكره القاضي أبو بكر بنُ الطيب وغيره (^٤)، وقال ابن التين: هذا الشعر لابن رواحة؛ قَالَ: وقد اختلفَ (الناس في هذا
_________________
(١) "مسند أحمد" ٣/ ٣٠٧.
(٢) سيأتي قريبا برقم (٢٨٦٤) باب: من قاد دابة غيره في الحرب.
(٣) في (ص ١): القول.
(٤) حكاه عنهم ابن بطال ٥/ ١٩ - ٢٠.
[ ١٧ / ٣٧٢ ]
وشبهه) (^١) من الرجز الذي جرى على لسانه فقيل: ليسَ بشعر وقيل: قاله حكايةً أو لأنه سبب صنعته، ونفى قوم أن يكون البيت الواحد شعرًا حكاه القزاز، وقال قوم: الرجز شعر، وقيل: إنه أمر اتفاقي لم يقصد ذلِكَ وقع في القرآن: ﴿وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾ [سبأ: ١٣].
وقيل: معنى الآية لا يلزمه هذا الاسم ولا يوجب أن يكون شاعرًا، والرواية المعروفة كما قَالَ النووي: كسر التاء وسكنها بعضهم (^٢)، ووقع في مسلم: كان - ﷺ - في غار فنكبت إصبعه (^٣)، قَالَ عياض: لعله غازيا فتصحف (^٤)، قَالَ: ويحتمل أن يريد بالغار هنا الجيش لا الكهف (^٥)، وجعلهما ابن العربي واقعتين: واحدة في غزوة، وأخرى في كهف (^٦)، وقال بعضهم: لما دعا - ﷺ - للوليد بن الوليد باع مالًا له بالطائف، وهاجر على رجليه إلى المدينة فقدمها وقد تقطعت رجلاه وأصابعه، فقال: هل أنتِ إلا إصبع .. إلى آخره، يا نفس إلا تقتلي تموتي، ومات في زمنه - ﷺ -.
فائدة: في الإصبع عشر لغات بتثليث الهمزة مع تثليث الباء، والعاشرة: إصبوع، واقتصر منها ابن التين على أربعة تبعًا لابن قتيبة (^٧).
_________________
(١) من (ص ١).
(٢) "شرح مسلم" ١٢/ ١٥٦.
(٣) "صحيح مسلم" (١٧٩٦) كتاب: الجهاد، باب: ما لقي النبي - ﷺ - من أذى المشركين والمنافقين.
(٤) نقله القاضي عياض، عن القاضي أبي الوليد الكناني.
(٥) "إكمال المعلم" ٦/ ١٧٠.
(٦) "العارضة" ١٢/ ٢٤٧.
(٧) "أَدَبُ الكَاتِبِ" لابن قُتَيْبة ص ٤٦٥؛ والأربعةُ كما وردَتْ في مطبوعِ الكتابِ: إِصْبَع، أَصْبَع، أُصْبَع، أُصْبُع.
[ ١٧ / ٣٧٣ ]