٥٣٩٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ. وَحَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - «طَعَامُ الاِثْنَيْنِ كَافِيِ الثَّلَاثَةِ، وَطَعَامُ الثَّلَاثَةِ كَافِيِ الأَرْبَعَةِ». [مسلم: ٢٠٥٨ - فتح ٩/ ٥٣٥].
ذكر فيه حديث أبي هريرة - ﵁ - أنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: "طَعَامُ الاثنَيْنِ كَافِي الثَّلَاثَةِ، وَطَعَامُ الثَّلَاَثةِ كَافِي الأَرْبَعَةِ".
وأخرجه مسلم والترمذي وقال: حسن صحيح، والنسائي (^١). ولفظ الترجمة أخرجه الترمذي من حديث جابر مرفوعًا: "طعام الواحد يكفي الاثنين، وطعام الاثنين يكفي الأربعة، وطعام الأربعة يكفي الثمانية".
أخرجه عن ابن بشار، عن ابن مهدي، عن سفيان، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر (^٢) قال الطرقي في كتابه: أظن أبا عيسى وَهِمَ في إسناده؛ لأنه كان ضرير البصر يملي حفظًا (^٣) قلت: قد أخرجه ابن سعد، عن أبي معاوية، عن الأعمش، وأخرجه مسلم، عن جماعة، عن أبي معاوية [به، و] (^٤) من طريق ابن جريج والثوري عن أبي
_________________
(١) مسلم (٢٠٥٨) كتاب الأشربة، باب فضيلة المواساة في الطعام القليل ..، والترمذي (١٨٢٠)، والنسائي في "الكبرى" ٤/ ١٧٨.
(٢) "سنن الترمذي" (١٨٢٠).
(٣) قال الحافظ في "النكت الظراف" ٢/ ١٩٤ - ١٩٥: رواية ابن مهدي لهذا الحديث إنما هي: عن سفيان عن أبي الزبير، عن جابر، كذلك أخرجها مسلم (٢٠٥٩/ ١٧٩) عن ابن المثنى عن ابن مهدي وكذلك أخرجها أحمد في "مسنده" ٣/ ٣٠١.
(٤) زيادة يقتضيها السياق لزامًا وبدونها ينقلب المعنى ولا يستقيم مع الأسانيد التي روى بها مسلم الحديث.
[ ٢٦ / ١٣٢ ]
الزبير عنه، وليس على شرط البخاري، وأورده ابن بطال من حديث ابن وهب عن ابن لهيعة، عن أبي الزبير، عن جابر مرفوعًا، فذكره كما سقناه (^١).
وأما ابن المنير فقال: قد ورد حديث بلفظها لكن لم يوافق شرط البخاري فاستقرأ معناه على الجملة من هذا الحديث، ورأى أن ما أمكنه ترك الثلث أمكنه ترك النصف؛ لتقاربهما (^٢)، وكأنه رأى أبا سفيان وأبا الزبير ليسا على شرطه، وله طريق آخر واهٍ أخرجه ابن أبي عاصم من حديث سمرة بن جندب. قال أبو حاتم في "علله": حديث باطل (^٣). قال الترمذي: وفي الباب عن ابن عمر أيضًا (^٤).
إذا تقرر فالمراد: أن ما يشبع منه اثنان يكفي ثلاثة، وما يشبع ثلاثة يكفي أربعة، وكذا في الاثنين مع الأربعة، والأربعة مع الثمانية. والكفاية ليست بالشبع والاستبطان، كما أنها ليست بالغنى والإكثار، ألا ترى قول أبي حازم: إذا كان ما يكفيك لا يغنيك فليس بشيء يغنيك. قيل: إنما ذَلِكَ؛ لاجتماع الأيدي؛ وكثرة ما يسمى الله عليه، فتعظم بركته، وإنما هذا التقوت كما سيأتي عن عمر قيل: معنى ذَلِكَ إذا كانت المواساة عظمت البركة.
قال المهلب: والمراد بهذِه الأحاديث الحث على المكارمة في الأكل، والمواساة، والإيثار على النفس التي مدح الله تعالى به أصحاب نبيه بقوله: ﴿وَيُؤْثِرُونَ على أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ ولا يراد بها
_________________
(١) "شرح ابن بطال" ٩/ ٤٧١.
(٢) "المتواري" ص ٣٧٨.
(٣) "علل ابن أبي حاتم" ٢/ ٥.
(٤) "سنن الترمذي" بعد حديث (١٨٢٠).
[ ٢٦ / ١٣٣ ]
معنى التساوي في الأكل والتشاح؛ لأن قوله - ﵇ -: "كافي الثلاثة". دليل على الأثرة التي كانوا يمتدحون بها والتقنع بالكفاية. وقد هم عمر - ﵁ - في سنة مجاعة، وهي عام الرمادة أن يجعل مع أهل كل بيت مثلهم، وقال: لن يهلك أحد عن نصف قوته (^١).
قال ابن المنذر: وحديث الباب يدل على أنه يستحب الاجتماع على الطعام، وألا يأكل المرء وحده، فإن البركة في ذَلِكَ على ما جاء في حديث وحشي عن رسول الله - ﷺ - (^٢) وسيأتي في باب: من أدخل الضيفان عشرة عشرة، إن شاء الله.
وقد ظهر أن المراد: الكفاية غير الشبع، فدعوى من قال: إن هذا ليس على طريق الخلاف لا يلتفت إليه، وكذا قول من قال: إنه إذا كان طعام الواحد يكفي الاثنين، صار طعام الاثنين كافيًا للأربع، وكذا هلم جرا؛ لأن المقصود إنما هو طعام يشبع الواحد، فهو كاف للاثنين، وكذا ما بعده.
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) "الإشراف على مذاهب أهل العلم" ٣/ ٢٣٢.
[ ٢٦ / ١٣٤ ]