٥٣٩٨ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الأَقْمَرِ، سَمِعْتُ أَبَا جُحَيْفَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَا آكُلُ مُتَّكِئًا». [٥٣٩٩ - فتح ٩/ ٥٤٠]
٥٣٩٩ - حَدَّثَنِي عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الأَقْمَرِ، عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ - ﷺ -، فَقَالَ لِرَجُلٍ عِنْدَهُ: «لَا آكُلُ وَأَنَا مُتَّكِئٌ». [انظر: ٥٣٨٩ - فتح: ٩/ ٥٤٠]
حدثنا أَبُو نُعَيْمٍ، ثَنَا مِسْعَرٌ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الأَقْمَرِ، قال سَمِعْتُ أَبَا جُحَيْفَةَ - ﵁ - قال: قَالَ النبي - ﷺ -: "لَا آكُلُ مُتَّكِئًا".
حدثنا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، ثنا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الأَقْمَرِ، عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ واسمه وهب بن عبد الله قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ - ﷺ -، فَقَالَ لِرَجُلٍ عِنْدَهُ: "لَا آكُلُ وَأَنَا مُتَّكِئٌ".
هذا الحديث من أفراده. وأخرجه الأربعة (^١)، وقال الترمذي: حسن صحيح لا نعرفه إلا من حديث علي بن الأقمر.
وروى محمد بن عيسى الطباع، عن أبي عوانة، عن رقية بن مصقلة، عن علي بن الأقمر، عن عون بن أبي جحيفة، عن أبيه قال: قال النبي - ﷺ - فذكره (^٢). فأدخل بين علي وأبي جحيفة عونًا، فيحمل على أنه سمعه من عون مرة ومرة من أبي جحيفة؛ لتصريحه في رواية البخاري بالسماع، فرواه مرة بعلو ومرة بنزول، وعون ثقة.
_________________
(١) أبو داود (٣٧٦٩) والترمذي (١٨٣٠)، ورواه النسائي في "الكبرى" ٤/ ١٧٧ وابن ماجه (٣٢٥٢).
(٢) رواه الطبراني في "الأوسط" ٤/ ٨٨ - ٨٩ وقال: لم يدخل في هذا الحديث بين علي بن الأقمر وبين أبي جحيفة: عون بن أبي جحيفة إلا محمد بن عيسى الطباع.
[ ٢٦ / ١٤٥ ]
وفي الباب أيضًا عن عبد الله بن عمرو أخرجه أبو داود من حديث ثابت البناني عن شعيب، بن عبد الله بن عمرو، وعن أبيه قال: ما رئي رسول الله - ﷺ - يأكل متكئًا قط (^١). كذا قال شعيب بن عبد الله -نسبة إلى جده- ولولا هذا لكان الحديث مرسلًا؛ لأن أباه لا صحبة له، ولما رواه ابن أبي عاصم قال أبوه عبد الله بن عمرو: فلا أدري: هل هو من قوله أو من قول الراوي عن شعيب؟
ولما ذكره ابن شاهين في كتابه قال: صحيح. وهو ناسخ للأكل متكئًا (^٢).
وفي الباب أيضًا عن أبي الدرداء أخرجه ابن شاهين في كتابه مرفوعًا: "لا آكل متكئًا". وأخرجه عن ابن مسعود أيضًا ثم قال: هذا الحديث إن كان محفوظًا، وإلا فهو منكر. قال ابن شاهين: وقد كان أكل متكئًا ثم نهى عنه (^٣).
وذكر عن عطاء بن يسار أن جبريل رأى النبي - ﷺ - يأكل متكئًا فنهاه. وعن أنس - ﵁ - لما نهاه جبريل ما رأيته متكئًا بعد.
قال ابن شاهين: والتشديد في هذا على وجه الاختيار منه لا على وجه التحريم، وآدابه أولى أن تتبع، وما تركه فلا خير فيه. وقد رخص في الأكل متكئًا (^٤).
وفي النسائي من حديث بقية بن الوليد، عن الزبيدي، عن الزهري، عن محمد بن عبد الله بن عباس، قال: كان ابن عباس يحدث أن الله
_________________
(١) "سنن أبي داود" (٣٧٧٠).
(٢) "ناسخ الحديث ومنسوخه" لابن شاهين ١/ ٤٢٦.
(٣) المصدر السابق ١/ ٤٢٤ - ٤٢٥.
(٤) "ناسخ الحديث ومنسوخه" لابن شاهين ١/ ٤٧٦.
[ ٢٦ / ١٤٦ ]
تعالى أرسل إلى نبيه ملكًا من الملائكة مع جبريل. قال: إن لله يخيرك بين أن تكون عبدًا نبيًّا، وبين أن تكون عبدًا ملكًا. فقال: "لا، بل أكون عبدًا نبيًّا" فما أكل بعد تلك الكلمة طعامًا متكئًا (^١).
كذا قال: محمد بن عبد الله -نسبة إلى جدَّه- وإنما هو محمد بن علي بن عبد الله بن عباس. وإن كان البخاري ذكره فيمن اسمه محمد بن عبد الله؛ لأن جماعة ذكروه كالأول. ولابن أبي شيبة من حديث مجاهد بن جبر قال: ما أكل رسول الله - ﷺ - متكئًا إلا مرة قال: "اللهم إني عبدك ورسولك" (^٢).
وهذا فيه إشارة إلى ترسيخ حديث ابن عباس السالف، فإن قلت: فقد روي عن ابن عباس أنه كان يأكل متكئًا. قلت: إسناده ضعيف، أخرجه ابن أبي شيبة من حديث يزيد بن أبي زياد، أخبرني من رأى ابن عباس يأكل متكئًا.
وروى ابن أبي شيبة، عن هشيم، عن حصين بن عبد الرحمن أن خالد بن الوليد دعا بغدائه فتغدى، وهو متكئ.
وعن عطاء قال: إن (كنا) (^٣) لنأكل ونحن متكئون. وقال أبو هلال: رأيت ابن سيرين يأكل متكئًا. وقد سألت عبيدة عن الأكل متكئًا. (قال) (^٤): متكئًا. وقال النخعي: كانوا يكرهون أن يأكلوا تكاة، مخافة أن تعظم بطونهم (^٥).
_________________
(١) "السنن الكبرى" ٤/ ١٧١.
(٢) "المصنف" ٥/ ١٣٩.
(٣) من (غ).
(٤) كذا بالأصل، وفي "المصنف": فأكل.
(٥) المصدر السابق.
[ ٢٦ / ١٤٧ ]
وفي "علل ابن أبي حاتم" من حديث عبد الله بن السائب بن خباب، عن أبيه، عن جده: رأيت رسول الله - ﷺ - يأكل قديدًا متكئًا. ثم قال عن أبيه: هذا حديث باطل (^١).
إذا تقرر ذَلِكَ: فإنما فعل الشارع ذَلِكَ؛ تواضعًا لله وتذللًا له، وقد بين هذا الحديث السالف، وبينه أيوب في حديثه عن الزهري أنه - ﵇ - أتاه ملك لم يأته قبل تلك المرة ولا بعدها فقال: إن ربك يخيرك بين أن تكون عبدًا نبيًّا أو ملكًا نبيًّا. فنظر إلى جبريل كالمستشير فأومأ إليه أن (تواضع) (^٢)، فقال: "بل عبدًا نبيًّا" فما أكل متكئًا (^٣).
وقال مجاهد: لم يأكل النبي - ﷺ - متكئًا قط إلا مرة ففزع فجلس فقال: "اللهم إنى عبدك ورسولك". ومن أكل متكئًا فلم يأتِ حرامًا، وإنما يكره ذَلِكَ؛ لأنه خلاف التواضع الذي اختاره الله لأنبيائه، وصفوته من خلقه، وقد أجاز ابن سيرين والزهري الأكل متكئًا (^٤).
وقال ابن التين: قيل: كره؛ لأنه فعل المكثرين. وقيل: لأنه فعل مكثر أكله فنصب الموائد ويكثر الألوان، كأنه - ﵇ - قال: أنا لا أفعل ذَلِكَ، لكني آكل العُلقة وأجتزئ باليسير، فأقعد له مستوفرًا وأقوم عنه مستعجلًا. وصرح ابن حزم بكراهة الأكل متكئًا فقال: نكرهه متكئًا، ولا نكرهه منبطحًا على البطن، وليس شيء من ذَلِكَ حرامًا؛ لأنه لم يأتِ نهي عن شيء من ذلك، وما لم يتصل بنا تحريمه فهو حلال،
_________________
(١) "علل ابن أبي حاتم" ٢/ ١٨ - ١٩.
(٢) في الأصل: (تراجع)، والمثبت من مصادر التخريج.
(٣) ذكره ابن بطال في "شرحه" ٩/ ٤٧٤ ورواه النسائي في "الكبرى" ٤/ ١٧١، والبيهقي ٧/ ٤٩ من طريق الزبيدي عن الزهري به.
(٤) انظر: "شرح ابن بطال" ٩/ ٤٧٤ - ٤٧٥.
[ ٢٦ / ١٤٨ ]
وقد روى أبو داود حديثًا قال فيه: إنه منكر؛ أنه - ﵇ - نهى أن يأكل الرجل منبطحًا على بطنه (^١).
وعند ابن عدي من طريق مرسلة: زجر النبي - ﷺ - أن يعتمد الرجل على يده اليسرى عند الأكل، قال مالك: هو نوع من الاتكاء (^٢).
ولأبي داود أنه - ﵇ - جثى على الطعام فقال له آخر: ما هذِه الجلسة؟ فقال: "إن الله جعلني عبدًا كريمًا ولم يجعلني جبارًا عنيدًا" (^٣).
فصل:
المراد بالمتكئ في الحديث المعتمد على الوِطاءِ الذي تحته، وكل من استوى قاعدًا على وطاءٍ فهو متكئ كأنه أرخى مقعدته وشدها بالقعود على الوطاء الذي تحته، معناه: إذا أكلت لم أقعد متكئًا. فعل من يريد الاستكثار منه، ولكني آكل بلغة فيكون قعودي مستوفرًا.
وفي الحديث: كان يأكل وهو مقع (^٤)، أي: كأنه يجلس على وركه غير متمكن. وهو الاحتفاز والاستنفزاز، وذكر بعضهم أن الاتكاء هو أن يتكئ على أحد جانبيه، وهو فعل المتجبرين، وإنه يمنع نزول الطعام كما ينبغي.
_________________
(١) "المحلى" ٧/ ٤٣٥، والحديث عند أبي داود (٣٧٧٤) وقال الألباني في "الإرواء" (١٩٨٢): منكر.
(٢) انظر: "المنتقى" ٧/ ٢٥٠.
(٣) "سنن أبي داود" (٣٧٧٣) وصحح الألباني إسناده في "الإرواء" (١٩٦٦).
(٤) رواه أبو داود (٣٧٧١) وأحمد ٣/ ١٨٠، والنسائي في "الكبرى" ٤/ ١٧١ من حديث أنس بن مالك.
[ ٢٦ / ١٤٩ ]