٥٢٧٩ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، قَالَ حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - زَوْجِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَتْ: كَانَ فِي بَرِيرَةَ ثَلَاثُ سُنَنٍ، إِحْدَى السُّنَنِ أَنَّهَا أُعْتِقَتْ، فَخُيِّرَتْ فِي زَوْجِهَا. وَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ». وَدَخَلَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَالْبُرْمَةُ تَفُورُ بِلَحْمٍ، فَقُرِّبَ إِلَيْهِ خُبْزٌ وَأُدْمٌ مِنْ أُدْمِ الْبَيْتِ، فَقَالَ: «أَلَمْ أَرَ الْبُرْمَةَ فِيهَا لَحْمٌ؟». قَالُوا: بَلَى، وَلَكِنْ ذَلِكَ لَحْمٌ تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ، وَأَنْتَ لَا تَأْكُلُ الصَّدَقَةَ. قَالَ: «عَلَيْهَا صَدَقَةٌ، وَلَنَا هَدِيَّةٌ». [انظر: ٤٥٦ - مسلم: ١٠٧٥، ١٥٠٤ - فتح ٩/ ٤٠٤].
ذكر فيه حديث عائشة - ﵂ - في قصة بريرة وقد سلفت.
ووجه مطابقة التبويب أن عصمتها لو زالت لما خيرت. وقد اختلف العلماء فيما عقد له، فروي عن عمر بن الخطاب وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص (^١) ما ترجم له، وهو مذهب كافة الفقهاء.
وخالفت فيه طائفة، روي عن ابن مسعود وابن عباس وأُبي بن كعب، ومن التابعين سعيد بن المسيب والحسن ومجاهد (^٢)، واحتجوا بقوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] فحرم الله علينا المتزوجات من النساء، إلا إذا ملكتهن أيماننا فهن حلال لنا؛ لأن البيع لها حدوث ملك قيها، فوجب أن يرتفع حكم النكاح ويبطل، دليله الأمة المسبية ذات الزوج.
وحجة الجماعة قصة بَريرة أنها أعتقت فخيرت في زوجها، فلو كان طلاقها يقع ببيعها لم يخيرها الشارع بعد ذلك عند العتق، ويقول لها: إن
_________________
(١) انظر هذِه الآثار في ابن أبي شيبة ٤/ ١٠٦.
(٢) انظر هذِه الآثار في ابن أبي شيبة ٤/ ١٠٥ - ١٠٦.
[ ٢٥ / ٣٣٠ ]
شئت أقمت تحته.
وأيضًا فإنه عقد علي منفعة، فوجب أن (لا) (^١) يبطل بيع الرقبة، دليله المستأجرة (^٢)؛ لأن النكاح عقد علي منفعة، والإجارة كذلك، ثم إن البيع لا يبطلها، وكذا النكاح. وأيضًا فإنه انتقال ملك رقبة أحد الزوجين من ملك إلى ملك، فوجب ألا يبطل، دليله إذا بيع الزوج، ولما لم يمنع ملك البائع صحة النكاح كان ملك المبتاع مثله؛ لأنه يقوم مقامه، وهو فرع مثله.
فإن قالوا: إن الأمة الحربية إذا كانت مزوجة فإنها إذا استرقت تنتقل من ملك إلى ملك، ومع هذا ينفسخ النكاح عندكم.
قلنا: إن قلنا لا ينفسخ علي إحدى الروايتين كالحربية إذا سبيت، سقط سؤالهم.
وإن قلنا: ينفسخ على الأخرى، فالفرق أن الحربي لا يملك و(إنما) (^٣) له شبهة ملك، فإذا سبيت وملكها المسلم ملكًا صحيحًا، فليس تنتقل من ملك صحيح، وليس كذلك مسألتنا ولا حجة لهم في الآية؛ لأنها نزلت في سبي أوطاس خاصة، فتحرج بعض أصحاب رسول الله - ﷺ - خوفًا أن يكون لهن أزواج، فسألوا رسول الله - ﷺ - فأنزل الله الآية.
فالمراد بها المسبيات إذا حِضن قبل أن يحضر أزواجهن، إذا أسلمن معًا فإنه يحل وطؤهن وإن كان لهن أزواج مشركون، فأما إن أسلمن وأسلم أزواجهن معًا فهم علي نكاحهم، كما ستعلمه في موضعه.
_________________
(١) من (غ).
(٢) أي إذا باع رقبة مستأجرة، كما في "شرح ابن بطال" ٧/ ٤٢٧.
(٣) في الأصول: لا، والمثبت من "شرح ابن بطال" ٧/ ٤٢٧، وهو الموافق للسياق.
[ ٢٥ / ٣٣١ ]
فصل:
وفيه: أن الناس علي عهد رسول الله - ﷺ - لم يكونوا مستنكرين هدية بعضهم لبعض الطعام، والشيء الذي يؤكل، ومالا يعظم خطره، دليله قوله - ﷺ -: "لو أهدي إلى ذراع لقبلت" (^١)؛ لأنه - ﵇ - لم ينكره من بَريرة أن أهدت اللحم، ولا أنكر قبول عائشة - ﵂ - له.
وفيه: أن من أُهدي إليه هدية قَلَّت أو كَثُرت لا يردها، فإن أطاق المكأفاة عليها فعل، وإلا أثنى عليه بها وشكرها بقوله؛ لما روي عن رسول الله - ﷺ - في ذلك.
_________________
(١) سلف برقم (٢٥٦٨).
[ ٢٥ / ٣٣٢ ]