٥٤١١ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَبَّاسٍ الْجُرَيْرِيِّ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَسَمَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَوْمًا بَيْنَ أَصْحَابِهِ تَمْرًا، فَأَعْطَى كُلَّ إِنْسَانٍ سَبْعَ تَمَرَاتٍ، فَأَعْطَانِي سَبْعَ تَمَرَاتٍ إِحْدَاهُنَّ حَشَفَةٌ، فَلَمْ يَكُنْ فِيهِنَّ تَمْرَةٌ أَعْجَبَ إِلَيَّ مِنْهَا، شَدَّتْ فِي مَضَاغِى. [٥٤٤١، ٥٤٤١ م - فتح: ٩/ ٥٤٩].
٥٤١٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ قَيْسٍ، عَنْ سَعْدٍ قَالَ: رَأَيْتُنِي سَابِعَ سَبْعَةٍ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - مَا لَنَا طَعَامٌ إِلاَّ وَرَقُ الْحُبْلَةِ -أَوِ الْحَبَلَةِ- حَتَّى يَضَعَ أَحَدُنَا مَا تَضَعُ الشَّاةُ، ثُمَّ أَصْبَحَتْ بَنُو أَسَدٍ تُعَزِّرُنِي عَلَى الإِسْلَامِ، خَسِرْتُ إِذًا وَضَلَّ سَعْيِى. [انظر: ٣٧٢٨ - مسلم: ٢٩٦٦ - فتح: ٩/ ٥٤٩].
٥٤١٣ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ قَالَ: سَأَلْتُ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ فَقُلْتُ: هَلْ أَكَلَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - النَّقِيَّ؟ فَقَالَ سَهْلٌ: مَا رَأَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - النَّقِيَّ مِنْ حِينَ ابْتَعَثَهُ اللهُ حَتَّى قَبَضَهُ اللهُ. قَالَ: فَقُلْتُ: هَلْ كَانَتْ لَكُمْ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - مَنَاخِلُ؟ قَالَ: مَا رَأَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مُنْخُلًا مِنْ حِينَ ابْتَعَثَهُ اللهُ حَتَّى قَبَضَهُ. قَالَ: قُلْتُ: كَيْفَ كُنْتُمْ تَأْكُلُونَ الشَّعِيرَ غَيْرَ مَنْخُولٍ قَالَ: كُنَّا نَطْحَنُهُ وَنَنْفُخُهُ، فَيَطِيرُ مَا طَارَ، وَمَا بَقِيَ ثَرَّيْنَاهُ فَأَكَلْنَاهُ. [انظر: ٥٤١٠ - فتح: ٩/ ٥٤٩].
٥٤١٤ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - أَنَّهُ مَرَّ بِقَوْمٍ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ شَاةٌ مَصْلِيَّةٌ، فَدَعَوْهُ فَأَبَى أَنْ يَأْكُل، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مِنَ الدُّنْيَا وَلَمْ يَشْبَعْ مِنَ الْخُبْزِ الشَّعِيرِ. [فتح ٩/ ٥٤٩].
٥٤١٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي الأَسْوَدِ، حَدَّثَنَا مُعَاذٌ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ يُونُسَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: مَا أَكَلَ النَّبِيُّ - ﷺ - عَلَى خِوَانٍ، وَلَا فِي سُكْرُجَةٍ، وَلَا خُبِزَ لَهُ مُرَقَّقٌ. قُلْتُ لِقَتَادَةَ: عَلَى مَا يَأْكُلُونَ قَالَ: على السُّفَرِ. [انظر: ٥٣٨٦ - فتح: ٩/ ٥٤٩].
[ ٢٦ / ١٦٥ ]
٥٤١٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: مَا شَبِعَ آلُ مُحَمَّدٍ - ﷺ - مُنْذُ قَدِمَ الْمَدِينَةَ مِنْ طَعَامِ الْبُرِّ ثَلَاثَ لَيَالٍ تِبَاعًا، حَتَّى قُبِضَ. [٦٤٥٤ - مسلم: ٢٩٧٠ - فتح: ٩/ ٥٤٩].
ذكر فيه أحاديث:
أحدها:
حديث عباس الجريري، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَسَمَ النَّبِيُّ - ﷺ - بَيْنَ أَصْحَابِهِ تَمْرًا، فَأَعْطَى كُلَّ إِنْسَانٍ منهم سَبْعَ تَمَرَاتٍ، وأَعْطَانِي سَبْعَ تَمَرَاتٍ إِحْدَاهُنَّ حَشَفَةٌ، فَلَمْ يَكُنْ فِيهِنَّ تَمْرَةٌ أَعْجَبَ إِلَيَّ مِنْهَا، شَدَّتْ فِي مَضَاغِي.
كذا هنا أعطاه سبعًا، وذكر بعده أنه أعطاه خمسًا. قال ابن التين: فإما أن تكون إحداهما فيها وهم، أو كان مرتين. وأخرجه أيضًا الترمذي والنسائي وابن ماجه (^١).
والحشفة: -بفتح الحاء المهملة والشين المعجمة- هي التمرة إذا لم تطب في النخلة وتناهى طيبها فتيبس، وهو أردأ التمر، وقيل لها: حشفة؛ ليبسها. وقيل: الضعيف الذي لا نوى له كالشيص.
ومعنى: (شدت في مضاغي): أي: دامت معي فيه، وهو بفتح الميم عند الأصيلي وكسرها. قال ابن الأثير: المضاغ -بالفتح- الطعام يمضغ، وقيل: هو المضغ نفسه، يقال: لقمة لينة المضاغ، وشديد المضاغ. أراد أنها كانت فيها قوة عند مضغها (^٢).
_________________
(١) "سنن الترمذي" (٢٤٧٤) والنسائي في "الكبرى" ٤/ ١٦٨ و"سنن ابن ماجه" (٤١٥٧).
(٢) "النهاية في غريب الأثر" ٤/ ٣٣٩.
[ ٢٦ / ١٦٦ ]
فائدة:
عباس الجريري هذا والد فروُّخ بصري، والجريري: جرير بن عباد بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة، اتفقا عليه (^١)، وكذا على سعيد بن إياس أبي مسعود الجريري. مات سنة أربع وأربعين ومائة.
وأبو عثمان النهدي عبد الرحمن بن مل. وشيخ البخاري فيه أبو النعمان وهو محمد بن الفضل عارم.
الحديث الثاني:
حديث (قَيْسٍ بَنْ) (^٢) سَعْدٍ عن أبيه: رَأَيْتُنِي مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - سَابعَ سَبْعَةٍ مَا لنَا طَعَام إِلَّا وَرَقُ الحُبْلَةِ -أَوِ الحَبَلَةِ- حَتَّى يَضَعَ أَحَدُنَا مَا تَضَعُ الشَّاةُ، ثُمَّ أَصْبَحَتْ بَنُو أَسَدٍ تُعَزِّرُنِي عَلَى الإِسْلَامِ، خَبتُ إِذًا وَضَلَّ عملي.
هذا الحديث سلف في فضل سعد بن أبي وقاص، ويأتي في الرقاق (^٣)، وأخرجه أيضًا مسلم والترمذي وابن ماجه والنسائي (^٤).
_________________
(١) ورد بهامش الأصل: وعباس توفي كهلًا بعد أربع وأربعين ومائة. قاله الذهبي في "تذهيبه".
(٢) ورد في هامش الأصل: هذا أخبط، قيس هذا هو ابن أبي حازم وليس بابن سعد، وسعد هو ابن أبي وقاص، أحد العشرة. وقد ذكروا هذا الحديث في مسند ابن أبي وقاص، وعنه قيس بن أبي حازم. وليس في الكتب الستة ومصنفاتهم أحد منهم يروي عن سعد بن أبي وقاص غير … وكان المؤلف توهمه قيس بن سعد بن عياض هذا حين كنى به هنا ثم إنه بينه في آخره أنه سعد بن أبي وقاص فتنبه، ولم يغير هذا المكان، واعلم أن سعد بن أبي وقاص له عدة أولاد ذكور ليس فيهم أحد يقال له: قيس. والله أعلم.
(٣) سلف برقم (٣٧٢٨)، كتاب فضائل الصحابة ويأتي برقم (٦٤٥٣) باب: كيف كان عيش النبي - ﷺ -.
(٤) مسلم (٢٩٦٦) كتاب الزهد. والترمذي (٢٣٦٥)، والنسائي في فضائل الصحابة (١١٤) وفي "الكبرى" ٥/ ٦١ مختصرًا، ابن ماجه (١٣١) مختصرًا أيضًا.
[ ٢٦ / ١٦٧ ]
والحبلة: -بضم الحاء وسكون الباء الموحدة- ثمر السمر يشبه اللوبياء، وقيل ثمر العضاة، والأول هو المعروف، قاله عياض. وقيل: عروقه، ووقع الحبلة هنا على الشك كما سلف، ولم يكن عند الأصيلي إلا الأول.
والحبلة -بالتحريك والفتح- ورق الكرم، قال في "الصحاح": وربما سكن. وقال في هذا الحديث مثلما قال ابن فارس: الحبلة: ثمر العضاه. وذكر هذا الحديث، وزاد فيه: إلا الحبلة وورق السمر.
وضبطناه بضم الحاء وسكون الباء قال: والعضاة: شجر له شوك كالطلح والعوسج. وقال ابن الأعرابي: الحبلة: ثمر السمر شبه اللوبياء. وقيل: هو عروق السمر (^١).
وقال ابن فارس: قيل ذكره لهذا المتقدم عنه: الحبلة: الكرم، وقد تفتح الباء. وقال أبو حنيفة: الزرجون حبلة، وجمعها حبلة.
قال صاحب "العين": الحبلة أيضًا ضرب من الشجر (^٢).
ومعنى: (تعزرني): تؤذيني وقال: إنهم قالوا لعمر في حقه: لا يحسن يصلي فقال: نعم .. الحديث أي: يقوموني علمه ويعلمونيه من قولهم: عزر السلطان فلانًا إذا أدبه وقومه.
وعبارة الزاهر: يعزروني أي: يعلموني الفقه. وأصل التعزير التأديب، ولهذا سمي الضرب دون الحد تعزيرًا، وكان هذا القول عن سعد حين شكاه أهل الكوفة إلى عمر - ﵄ - وقالوا: إنه لا يحسن الصلاة، كما ذكرناه.
_________________
(١) انظر "مشارق الأنوار" ١/ ٢٢٨. و"الصحاح" ٤/ ١٦٦٤. و"مقاييس اللغة" ص ٢٧٦.
(٢) "العين" ٣/ ٢٣٨.
[ ٢٦ / ١٦٨ ]
ووقع في ابن بطال هنا أن عمر بن الخطاب من بني أسد (^١)، وهو عجب؛ لأن عدي بن كعب رهط عمر ليسوا من بني أسد في ورد ولا صدر، فإن قلت: كيف مدح نفسه ومن شأن المؤمن التواضع؟ قلت: يضطر إلى التعريف بنفسه كما قال تعالى حاكيًا عن يوسف: ﴿إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾.
وفيه: أنه لا بأس أن يذكر الرجل فضائله وسوابقه في الإسلام عندما ينتقصه أهل الباطل ويضعون من قدره، ولا يكون ذكره لفضائله من باب الفخر المنهي عنه (^٢).
الحديث الثالث:
حديث أبي حازم قَالَ: سَأَلْتُ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ الساعدي فَقُلْتُ: هَلْ أَكَلَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - النَّقِيَّ؟ قَالَ سَهْلٌ: مَا رَأى النبي - ﷺ - النَّقِيَّ مِنْ حِينَ ابْتَعَثَهُ اللهُ حَتَّى قَبَضَهُ اللهُ. فَقُلْتُ: هَلْ (كَانَتْ) (^٣) لَكُمْ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - مَنَاخِلُ؟ قَالَ: مَا رَأى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مُنْخُلًا مِنْ حِينَ ابْتَعَثَهُ اللهُ حَتَّى قَبَضَهُ. قَالَ: قُلْتُ: كَيْفَ كُنْتُمْ تَأكُلُونَ الشَّعِيرَ غَيْرَ مَنْخُولٍ؟ قَالَ: كُنَّا نَطْحَنُهُ وَنَنْفُخُهُ، فَيَطِيرُ مَا طَارَ، وَمَا بَقِيَ ثَرَّيْنَاهُ فَأَكَلْنَاهُ.
وأخرجه النسائي أيضًا (^٤)، وأهمله ابن عساكر.
ثريت السويق تثرية إذا بللته وأثريه. فثرى، أي: ثرى بالماء واللبن؛ حَتَّى يصير كالثرى: وهو التراب الندي. والمنخل: أخذ ما استثني
_________________
(١) "شرح ابن بطال" ٩/ ٤٨٤.
(٢) المصدر السابق.
(٣) ساقطة من الأصل.
(٤) رواه النسائي في "الكبرى" كما في "تحفة الأشراف" (٤٧٨٥) وتنبه لتعليق المزي عليه هناك.
[ ٢٦ / ١٦٩ ]
مما أوله ميم من الأدوات مكسور إلا منخل ومدق مسعط: وهو إناء يجعل فيه السعوط.
فصل:
في إسناده ابن أبي ذئب، وهو محمد بن عبد الرحمن بن الحارث بن أبي ذئب أبو الحارث العامري القرشي، مات بالكوفة راجعًا إلى المدينة والعراق سنة تسع وخمسين ومائة عن تسع وسبعين.
الحديث الرابع:
حديث أبي هريرة - ﵁ - أَنَّهُ مَرَّ بِقَوْمٍ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ شَاة مَصْلِيَّةٌ، فَدَعَوْهُ فَأَبَى أَنْ يَأكُلَ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مِنَ الدُّنْيَا وَلَمْ يَشْبَعْ مِنَ خُبْزِ الشَّعِيرِ.
المصلية: المشوية، وأصلها مصلوية؛ اجتمعت حرفا علة وسبق الأول بالسكون فقلبت الواو ياء وأدغمت فيها، يقال: صليت اللحم أصليه صليًا: شويته، والصلاء: الشواء، وصليته وأصليته: ألقيته في النار.
الحديث الخامس:
حديث يُونسَ -هو الإسكاف- عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ - ﵁قَالَ: مَا أَكَلَ النَّبِيُّ - ﷺ - عَلَى خِوَانٍ، وَلَا فِي سُكْرُجَةٍ، وَلَا خُبِزَ لَهُ مُرَقَّق. قُلْتُ لِقَتَادَةَ: عَلَى مَا يَأكُلُونَ؟ قَالَ: عَلَى السُّفَرِ.
وفيه معاذ، وهو ابن هشام الدستوائي.
الحديث السادس:
حديث عائشة - ﵂ - قالت: ما شبع آل محمد - ﷺ - منذ قدم المدينة من طعام البُر ثلاث ليال تباعًا حتى قبض. كذا هنا، وقال في
[ ٢٦ / ١٧٠ ]
حديث أبي هريرة - ﵁ - خرج رسول الله - ﷺ - ولم يشبع من خبز الشعير. فيحتمل أن يكون وإنما يأكل دون الشبع ويحتمل أن تكون عائشة علمت ما لم يعلمه أبو هريرة. وذكر عنها البخاري بعد هذا: ما شبع آل محمد - ﷺ - من خبز مأدوم ثلاثة أيام.
قال الطبري: إن قلت: ما وجه هذِه الأخبار -يعني: حديث عائشة هذا وشبهه وقد علم صحة الخبر عن رسول الله - ﷺ - أنه كان يرفع مما أفاء الله عليه من بني النضر وفدك قوته وقوت عياله سنة، ثم يجعل ما فضل من ذَلِكَ في الكراع والسلاح عدة في سبيل الله، وأنه قسم بين أربعة أنفس زهاء ألف بعير من نصيبه مما أفاء الله عليه من أموال هوازن، وأنه ساق في حجة الوداع مائة بعير فنحرها وأطعمها المساكين، وأنه كان يأمر للأعرابي يسلم بقطيع من الغنم مع ما يكثر تعداده من عطاياه التي لا يذكر مثلها عمن تقدم قبله من ملوك الأمم السالفة، مع كونه بعين أرباب الأموال الجسام كالصديق والفاروق وعثمان وأمثالهم في كثرة الأموال، وبذلهم مهجهم وأولادهم، وخروج أحدهم من جميع ماله؛ تقربًا إلى الله تعالى، مع إشراك الأنصار في أموالهم من قدم عليهم من المهاجرين وبذلهم نفائسها في ذات الله، فكيف بإنفاقها على سيد الأمة وبه إليها الحاجة العظمى؟
ثم أجاب بصحة الأخبار كلها وأن ذَلِكَ كان حينًا بعد حين؛ من أجل أن من كان منهم ذا مال كانت تستغرق نوائب الحقوق ماله، ومواساة الضيفان، والوفود حَتَّى يقل كثيره ويذهب جميعه وكيف لا يكون كذلك، وقد روينا عن عمر - ﵁ - أنه - ﵇ - أمرنا بالصدقة فجاء الصديق بكل ماله، فكيف نستنكر من هذا فعله أن يمكن صاحبه ثم لا يجد السبيل إلى سد جوعته وإرفاقه بما يعينه؟!
[ ٢٦ / ١٧١ ]
وعلى هذِه الخليقة كانت خلائق أصحابه كالذي ذكر عن عثمان أنه جهز جيش العسرة من ماله حَتَّى لم يفقدوا حبلًا ولا قتبًا، وكالذي روي عن ابن عوف أنه - ﵇ - حث على الصدقة فجاء بأربعة آلاف دينار صدقة، فمعلوم أن من كانت هذِه أخلاقه وأفعاله لا يخطئه أن يأتي عليه التارة من الزمان والحين من الأيام مملقًا لا شيء له إلا أن يثوب ماله فبان خطأ قول القائل: كيف يجوز أن يرهن الشارع درعه عند يهودي بوسق شعير وفي أصحابه أهل الغنى والسعة ما لا يجهل موضعه؟ أم كيف يجوز أن يوصف أنه كان يطوي الأيام ذوات العدد خميصًا وأصحابه يمتهنون أموالهم لمن هو دونه من أصحابه؟ فكيف له إذ كان معلومًا جوده وكرمه وإيثاره ضيفانه القادمين عليه لما عنده من الأقوات والأموال على نفسه واحتماله المشقة والمجاعة في ذات الله؟ ومن كان كذلك هو وأصحابه فغير مستنكر لهم حال ضيق يحتاجون معها إلى الاستسلاف وإلى طي الأيام على المجاعة والشدة وأكلهم ورق الحبلة.
فأما ما روي عنه أنه لم يشبع من خبز البُر ثلاثة أيام تباعًا حَتَّى قبض، فإن البر كان قليلًا عندهم، وكان الغالب عندهم الشعير والتمر، فغير نكير أن يؤثر قوت أهله وأن يؤثر قوت أهل بلده، ويكره أن يخص نفسه مما لا سبيل للمسلمين إليه من الغذاء وهذا هو الأشبه بأخلاقه.
وأما ما روي عنه أنه خرج من الدنيا ولم يشبع من خبز الشعير، فإن ذَلِكَ لم يكن لعوز ولا لضيق في غالب أحواله، وكيف يكون ذَلِكَ وقد كان الله تعالى أفاء عليه قبل وفاته بلاد العرب كلها، ونقل إليه الخراج من بعض بلاد العجم كأيلة والبحرين وهجر، ولكن كان بعضهم كما وصفت من إيثار حقوق الله، وبعضه كراهية منه الشبع وكثرة الأكل فإنه كان يكرهه ويؤدب أصحابه.
[ ٢٦ / ١٧٢ ]
وروي عن زيد بن وهب، عن عطية بن عامر الجهني قال: أكره سلمان على طعام يأكله، فقال: حسبي؛ فإني سمعت النبي - ﷺ - يقول: "إن أكثر الناس شبعًا في الدنيا أطولهم جوعًا في الآخرة" (^١).
وروى أسد بن موسى من حديث عون بن أبي جحيفة، عن أبيه قال: أكلت ثريد بر بلحم سمين فأتيت النبي - ﷺ - وأنا أتجشأُ فقال: "أكفف عليك من جشائك أبا جحيفة؛ فإن أكثر الناس شبعًا في الدنيا أطولهم جوعًا يوم القيامة" (^٢).
فما أكل أبو جحيفة ملء بطنه حَتَّى فارق الدنيا، كان إذا تغدى لا يتعشى، وإذا تعشى لا يتغدى، وعلى إيثار الجوع وقلة الشبع مع وجود السبيل إليه مرة وعدمه أخرى مضى الخيار من الصحابة والتابعين.
وروى وهب بن كيسان [عن جابر] (^٣) قال: لقيني عمر بن الخطاب ومعي لحم اشتريته بدرهم فقال: ما هذا؟ فقلت يا أمير المؤمنين أشتريته للصبيان والنساء؛ فقال عمر: لا يشتهي أحدكم شيئًا إلا وقع فيه. أو لا يطوي أحدكم بطنه لجاره وابن عمه، أين تذهب عنكم هذِه الآية ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ (^٤) [الأحقاف:٢٠].
وقال هشيم: عن منصور، عن ابن سيرين: أن رجلًا قال لابن عمر: اجعل جوارشنا قال: وما هو؟ قال: شيء إذا كظَّك الطعام، فأصبت منه سهل عليك، قال ابن عمر - ﵄ -: ما شبعت منذ أربعة أشهر،
_________________
(١) سبق تخريجه آنفًا عند شرح حديث (٥٣٨١) باب: من أكل حتى شبع.
(٢) سبق تخريجه أيضًا في الموضع اليسار إليه.
(٣) ساقطة من الأصل، والمثبت من "شرح ابن بطال" ٩/ ٤٨٣.
(٤) رواه مالك في "الموطأ" ص ٥٨٢ عن يحيى بن سعيد.
[ ٢٦ / ١٧٣ ]
وما ذاك إلا أكون له واجدًا، ولكني عهدت قومًا يشبعون مرة ويجوعون مرة (^١).
وقال الزهري: إن عبد الله بن مطيع قال لصفية تلطفت: هذا الشيخ؟ -يعني: ابن عمر- قال: قد أعياني ألا يأكل إلا ومعه آكل، فلو كلمته، [قال: فكلمته] (^٢) فقال: الآن يأمرني بالشبع ولم يبق من عمري إلا ظِمْء حمار، فما شبعت منه ثماني سنين (^٣). وقال مجاهد: لو أكلت كل ما أشتهي ما سويت حشفة. وقال الفضيل: خصلتان يقسيان القلب: كثرة الأكل والكلام (^٤) (^٥).
_________________
(١) رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء" ١/ ٣٠٠.
(٢) ساقطة من الأصل، والمثبت من "شرح ابن بطال".
(٣) رواه عبد الرزاق في "مصنفه" ١١/ ٣١٢ - ٣١٣.
(٤) ذكره ابن عساكر في "تاريخ دمشق" ٤٨/ ٤١٥.
(٥) انظر: "شرح ابن بطال" ٩/ ٤٨٣.
[ ٢٦ / ١٧٤ ]