٥٤١٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ الْجَمَلِيِّ، عَنْ مُرَّةَ الْهَمْدَانِيِّ، عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: "كَمَلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ، وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ إِلاَّ مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ وَآسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ، وَفَضْلُ عَائِشَةَ على النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ على سَائِرِ الطَّعَامِ». [انظر: ٣٤١١ - مسلم: ٢٤٣١ - فتح: ٩/ ٥٥١].
٥٤١٩ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِي طُوَالَةَ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: "فَضْلُ عَائِشَةَ على النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ على سَائِرِ الطَّعَامِ». [انظر: ٣٧٧٠ - مسلم: ٢٤٤٦ - فتح: ٩/ ٥٥١].
٥٤٢٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُنِيرٍ سَمِعَ أَبَا حَاتِمٍ الأَشْهَلَ بْنَ حَاتِمٍ حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ، عَنْ ثُمَامَةَ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَنَسٍ - ﵁ - قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - عَلَى غُلَامٍ لَهُ خَيَّاطٍ، فَقَدَّمَ إِلَيْهِ قَصْعَةً فِيهَا ثَرِيدٌ -قَالَ:- وَأَقْبَلَ عَلَى عَمَلِهِ -قَالَ:- فَجَعَلَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَتَتَبَّعُ الدُّبَّاءَ -قَالَ:- فَجَعَلْتُ أَتَتَبَّعُهُ فَأَضَعُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ -قَالَ:- فَمَا زِلْتُ بَعْدُ أُحِبُّ الدُّبَّاءَ. [انظر: ٢٠٩٢ - مسلم: ٢٠٤١ - فتح: ٩/ ٥٥١].
ذكر فيه ثلاثة أحاديث:
أحدها:
حديث مرة الهمْداني -بإسكان الميم- عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ - ﵁ -، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: "كَمَلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ، وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَرْيَمُ بِنتُ عِمْرَانَ وَآسِيَةُ امرَأة فِرْعَوْنَ، وَفَضْلُ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ".
وقد سلف في فضلها (^١)، ومقتضاه فضل عائشة على فاطمة، والذي
_________________
(١) سلف برقم (٣٧٦٩) كتاب: فضائل الصحابة.
[ ٢٦ / ١٨٠ ]
أراه أن فاطمة أفضل؛ لأنها بضعة منه ولا يعدل ببضعته (^١)
ثانيها:
حديث أبي طوالة، عَنْ أَنَسٍ - ﵁ -، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺقَالَ: "فَضْلُ عَائِشَةَ .. " الحديث سلف هناك أيضًا (^٢)، وأبو طوالة: اسمه عبد الله بن عبد الرحمن، كما سماه هناك، وجدّه معمر بن حزم بن زيد بن لوذان بن عمرو بن عبد بن عوف بن غنم بن مالك بن النجار، قاضي المدينة لأبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم في خلافة عمر بن عبد العزيز، مات في خلافة أبي العباس السفاح (^٣)، أخرجا له (^٤).
ثالثها:
حديث ثمامة عن أنس - ﵁ - في الدباء. وقد سلف (^٥)، وفيه الأشهل بن حاتم مولى بني جمح من أفراده، ضعفه الراويان (^٦)، وثمامة هو ابن عبد الله بن أنس بن مالك، روى له الجماعة (^٧).
_________________
(١) قال السبكي فيما نقله ابن حجر في "الفتح" ٧/ ١٠٩: الذي ندين الله به أن فاطمة أفضل ثم خديجة ثم عاشة، والخلاف شهير ولكن الحق أحق أن يتبع. وقال ابن تيمية: جهات الفضل بين عائشة وخديجة متقاربة، وعلق الحافظ فقال: وكأنه رأى التوقف، ثم قال بعد أن ذكر كلامًا لابن القيم: وقيل انعقد الإجماع على أفضلية فاطمة، وبقي الخلاف بين عائشة وخديجة.
(٢) سلف برقم (٣٧٧٠) كتاب: فضائل الصحابة.
(٣) ورد بهامش الأصل: في "التذهيب" توفي في آخر سلطان بني أمية وفي "تاريخ الإسلام" سنة نيف وثلاثين ومائة.
(٤) انظر: "تهذيب الكمال" ١٥/ ٢١٧ (٣٣٨٥).
(٥) سلف برقم (٢٠٩٢) كتاب: البيوع، باب: ذكر الخياط.
(٦) انظر: "تهذيب الكمال" ٣/ ٢٩٩ (٥٣٤).
(٧) السابق ٤/ ٤٠٥ (٨٥٤).
[ ٢٦ / ١٨١ ]
إذا تقرر ذَلِكَ فالثريد أذكى الطعام وأكثره بركة، وهو طعام العرب، وقد شهد له الشارع بالفضل على سائر الطعام، وكفى بذلك تفضيلًا له وشرفًا له. وقد شهد الشارع بالكمال لمريم وآسية، وشهد لعائشة تفضلها على النساء، وهل تدخل (في ذَلِكَ) (^١) مريم وآسية، ولا شك أن مريم مصطفاة بالنص، أي: مختارة ومطهرة من الكفر أو من الأدناس: الحيض والنفاس، واصطفاؤها على نساء العالمين دال على تفضيلها على جميع نساء الدنيا؛ لأن العالمين جمع عالم، وقد جعلها وابنها آية؛ كونها ولدت من (غير) (^٢) فحل؛ وجاءها جبريل ولم يأت غيرها من النساء قال تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا﴾ الآية [مريم: ١٧]، واختار جماعة نبوتها: ابن وهب وأبو إسحاق الزجاج وأبو بكر بن اللباد -فقيه المغرب- وابن أبي زيد والقابسي، وعلى هذا فأول الحديث على العموم في مريم وآسية، وآخره على الخصوص في عائشة، ويكون المعنى: فضلهما على جميع نساء كل عالم، وفضل عائشة على نساء عالمها خاصة، وأباه طائفة أخرى وقالوا: تفضل عائشة على جميع النساء. ولم يقولوا بنبوة مريم ولا أحد من النساء.
وحملوا آخر الحديث على العموم، وأوله على الخصوص وقالوا: قوله تعالى: ﴿يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ على نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٤٢] يعني: عالم زمانها، وهو قول الحسن وابن جريج (^٣)، ويكون قوله: "فضل عائشة" على نساء الدنيا كلها. ومن حجتهم: قوله تعالى لهذِه الأمة: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠]
_________________
(١) من (غ).
(٢) ساقطة من الأصل والمثبت من (غ).
(٣) انظر "تفسير الطبري" ٣/ ٢٦٣، "زاد المسير" ١/ ٣٨٧.
[ ٢٦ / ١٨٢ ]
فعُلم بهذا الخطاب أن المسلمين أفضل جميع الأمم، ألا ترى قوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] والوسط: العدل عند أهل التأويل، فدل هذا كله أن من شهد له الشارع بالفضل من أمته وعيَّنه فهو أفضل ممن شهد له بالفضل من الأمم الخالية. ويؤيد هذا التأويل قوله تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [الأحزاب: ٣٢] فدل عموم هذا اللفظ على فضل أزواجه على كل من قبلهن وبعدهن.
وقام الإجماع على أن نبينا محمدًا - ﷺ - أفضل من جميع الأنبياء، فكذلك نساؤه - ﵇ - لهن من الفضل على سائر نساء الدنيا ما للنبي - ﷺ - من الفضل على سائر الأنبياء. وقد صح أن نساءه معه في الجنة، ومريم مع ابنها وأمها في الجنة، ودرجة نبينا في الجنة فوق درجة هؤلاء كلهم، والله أعلم بحقيقة الفضل في ذَلِكَ.
[ ٢٦ / ١٨٣ ]