وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ﴾ الآية [الأحزاب: ٢٨].
٥٢٦٢ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: خَيَّرَنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَاخْتَرْنَا اللهَ وَرَسُولَهُ، فَلَمْ يَعُدَّ ذَلِكَ عَلَيْنَا شَيْئًا. [٥٢٦٣ - مسلم: ١٤٧٧ - فتح ٩/ ٣٦٧].
٥٢٦٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَامِرٌ، عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ عَنِ الْخِيَرَةِ، فَقَالَتْ: خَيَّرَنَا النَّبِيُّ - ﷺ -، أَفَكَانَ طَلَاقًا؟ قَالَ مَسْرُوقٌ: لَا أُبَالِي أَخَيَّرْتُهَا وَاحِدَةً أَوْ مِائَةً بَعْدَ أَنْ تَخْتَارَنِي. [انظر: ٢٥٦٣ - مسلم: ١٤٤٧ - فتح ٩/ ٣٦٧].
ثم ساق حديث مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: خَيَّرَنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَاخْتَرْنَا الله وَرَسُولَهُ، فَلَمْ يَعُدَّ ذَلِكَ عَلَيْنَا شَيْئًا.
وعنه أيضًا سألها عن الخيرة فَقَالَتْ: خَيَّرَنَا النَّبِيُّ - ﷺ -، أَفَكَانَ طَلَاقًا؟ قَالَ مَسْرُوقٌ: لَا أُبَالِي أَخَيَّرْتُهَا وَاحِدَةً أَوْ مِائَةً بَعْدَ أَنْ تَخْتَارَنِي.
قد روي مثل قول مسروق عن عمر، وعلي، وابن مسعود، وزيد بن ثابت، وابن عباس، وعائشة - ﵃ -، ومن التابعين عطاء، وسليمان بن يسار، وربيعة، والزهري، كلهم قالوا: إذا اختارت زوجها فليس بشيء، وهو قول أئمة الفتوى (^١).
وروي عن علي وزيد بن ثابت: إن اختارت (زوجها) (^٢) فواحدة،
_________________
(١) انظر: هذِه الآثار في "مصنف عبد الرزاق" ٧/ ٨ - ١٠ وابن أبي شيبة ٤/ ٩١، "الاستذكار" ١٧/ ١٦٧.
(٢) في الأصل: نفسها، والمثبت هو الصواب وهو الموافق لما قبله.
[ ٢٥ / ٢٣٣ ]
وهو قول الحسن البصري (^١)، والأول هو الصحيح لحديث عائشة - ﵂ -، وقد أوضحنا ذلك في تفسير سورة الأحزاب بزيادة.
والتخيير -كما سلف- هو أن يجعل الطلاق إلى المرأة، فإن لم تمتثل فلا شيء عليه كغيرها. والفرق بين التخيير والتمليك عند مالك أن قول الرجل: قد ملكتك. أي: قد ملكتك ما جعل الله لي من الطلاق واحدة، أو اثنتين أو ثلاثًا، فلما جاز أن يملكها بعض ذلك دون بعض وادعى ذلك كان القول قوله مع يمينه.
وقال في الخيار: إذا اختارت نفسها المدخول بها فهو الطلاق كله، وإن أنكر زوجها فلا (تكن) (^٢) وإن اختارت واحدة فليس بشيء، وإنما الخيار البتات وإما أخذته، وإما تركته (^٣)؛ لأن معنى التخيير: التسريح، قال تعالى: ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٢٨] فمعنى التسريح: البتات؛ لأن الله تعالى قال: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ والتسريح بإحسان هي الثالثة، كما سلف. وقال جماعة: أمرك بيدك، واختاري سواء.
قال الشعبي: هو في قول عمر وعلي وزيد بن ثابت سواء (^٤)، وهو قول النخعي وحماد والزهري وسفيان والشافعي وأبي عبيد (^٥).
فصل:
اختلفت المالكية: هل له أن يناكرها في التخيير؟ فقال مالك وأكثر
_________________
(١) انظر هذِه الآثار في "مصنف عبد الرزاق" ٧/ ٩، ١٠.
(٢) كذا في الأصل، والذي في "الاستذكار" ١٧/ ١٦٧: (تكره له).
(٣) انظر: "الاستذكار" ١٧/ ١٦٧.
(٤) انظر هذِه الآثار في "مصنف ابن أبي شيبة" ٤/ ٩٢.
(٥) انظر: "الإشراف" ١/ ١٥٧.
[ ٢٥ / ٢٣٤ ]
أصحابه: لا مناكرة له إذا طلقت ثلاثًا.
وقال ابن الجهم وسحنون: له أن يناكرها. واختلفا ما الذي يكون عليه، فقال سحنون: واحدة رجعية كالتمليك، وقال ابن الجهم: بائنة.
قال ابن سحنون: وأكثر أصحابنا يقولون به. ومثله حكى ابن خويزمنداد في الخيار عن مالك أن يحمله على ذلك (^١).
فرع: فإن خيرها فاختارت دون الثلاث، فقال مالك: ليس بشيء، وذلك إبطال لحقها، وقال عبد الملك: إنه اختيار الثلاث.
وقال في كتاب محمد نحوه: إذا قضت بواحدة كانت البتة، فإن أرادت بعد ذلك أن تقضي على قول من أسقط ما اختارته، فالجماعة على أن ليس لها ذلك، إلا أشهب قال: لها أن ترجع تقضي. فالثلاث يحصل من هذا؛ لأن التخيير عند مالك ثلاث، فلا يناكرها، والتمليك له أن يناكرها ويحلف إذا أراد رجعتها عدا الصحيح.
وقال محمد: يحلف مكانه. وقال ابن سحنون: هما سواء يناكرها فيها (^٢). وقال الداودي: قال قوم في التخيير هما سواء؛ لقول مالك في التمليك. وقالوا في التمليك كقوله في التخيير.
فصل:
وقول مسروق: لا أبالي، إلى آخره. فيه تقديم وتأخير، وذلك أنه قال: لا أبالي بعد أن تختاري أكنت خيرتها واحدة أو مائة، ذكره ابن التين.
فائدة: الخيرة: بكسر الخاء وفتح الياء، وهو من الخيار.
_________________
(١) انظر: "عقد الجواهر الثمينة" ٢/ ٥١٥ - ٥١٦.
(٢) انظر: "النوادر والزيادات" ٥/ ٢١٣ - ٢١٤، "عقد الجواهر الثمينة" ٢/ ٥١٦.
[ ٢٥ / ٢٣٥ ]