وَقَالَ الْحَسَنُ: نِيَّتُهُ. وَقَالَ أَهْلُ الْعِلْمِ: إِذَا طَلَّقَ ثَلَاثًا فَقَدْ حَرُمَتْ عَلَيْهِ. فَسَمَّوْهُ حَرَامًا بِالطَّلَاقِ وَالْفِرَاقِ، وَلَيْسَ هَذَا كَالَّذِى يُحَرِّمُ الطَّعَامَ؛ لأَنَّهُ لَا يُقَالُ لِطَعَامِ الْحِلِّ حَرَامٌ، وَيُقَالُ لِلْمُطَلَّقَةِ حَرَامٌ، وَقَالَ فِي الطَّلَاقِ ثَلَاثًا: لَا تَحِلُّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ.
٥٢٦٤ - وَقَالَ اللَّيْثُ عَنْ نَافِعٍ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا سُئِلَ عَمَّنْ طَلَّقَ ثَلَاثًا، قَالَ: لَوْ طَلَّقْتَ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ فَإِنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أَمَرَنِي بِهَذَا، فَإِنْ طَلَّقْتَهَا ثَلَاثًا حَرُمَتْ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَكَ. [انظر: ٤٩٠٨ - مسلم: ١٤٧١ - فتح ٩/ ٣٧١].
٥٢٦٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: طَلَّقَ رَجُلٌ امْرَأَتَهُ، فَتَزَوَّجَتْ زَوْجًا غَيْرَهُ فَطَلَّقَهَا، وَكَانَتْ مَعَهُ مِثْلُ الْهُدْبَةِ فَلَمْ تَصِلْ مِنْهُ إِلَى شَىْءٍ تُرِيدُهُ، فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ طَلَّقَهَا، فَأَتَتِ النَّبِيَّ - ﷺ - فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ زَوْجِي طَلَّقَنِي، وَإِنِّى تَزَوَّجْتُ زَوْجًا غَيْرَهُ فَدَخَلَ بِي، وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ إِلاَّ مِثْلُ الْهُدْبَةِ فَلَمْ يَقْرَبْنِي إِلاَّ هَنَةً وَاحِدَةً، لَمْ يَصِلْ مِنِّي إِلَى شَيْءٍ، فَأَحِلُّ لِزَوْجِي الأَوَّلِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَا تَحِلِّينَ لِزَوْجِكِ الأَوَّلِ حَتَّى يَذُوقَ الآخَرُ عُسَيْلَتَكِ، وَتَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ». [انظر: ٢٦٣٩ - مسلم: ١٤٣٣ - فتح ٩/ ٣٧١].
(قال الحَسَنُ: نِيَّتُهُ) هذا ذكره عبد الرزاق، عن معمر، عن عمرو عنه قال: إذا نوى طلاقًا فهو طلاق، وإلا فهو يمين (^١)، وهو قول ابن مسعود (^٢) وابن عمر.
ثم قال: وَقَالَ أَهْلُ العِلْمِ: إِذَا طَلَّقَ ثَلَاثًا فَقَدْ حَرُمَتْ عَلَيْهِ. فَسَمَّوْهُ
_________________
(١) عبد الرزاق ٦/ ٤٠٢ (١١٣٧٣).
(٢) رواه سعيد في "سننه" ١/ ٣٨٩ (١٦٩٨).
[ ٢٥ / ٢٤٢ ]
حَرَامًا بِالطَّلَاقِ وَالْفِرَاقِ، وَلَيْسَ هذا كَالَّذِي يُحَرِّمُ الطَّعَامَ؛ لأَنَّهُ لَا يُقَالُ لِطَعَامِ الحِلِّ حَرَامٌ، وَيُقَالُ لِلْمُطَلَّقَةِ حَرَامٌ، وسيأتي بيان ما ذكره وَقَالَ تعالى فِي الطَّلَاقِ ثَلَاثًا: ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾.
وَقَالَ اللَّيْثُ، عَنْ نَافِعٍ: كَانَ ابن عُمَرَ إِذَا سُئِلَ عَمَّنْ طَلَّقَ ثَلَاثًا، قَالَ: لَوْ طَلَّقْتَ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ فَإِنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أَمَرَنِي بهذا، فَإِنْ طَلَّقْتَهَا ثَلَاثًا حَرُمَتْ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَكَ.
هذا التعليق أخرجه مسلم، عن يحيى وغيره، عن الليث (^١).
وقوله: (إنه أمرني بهذا). إشارة إلى أمره بالمراجعة (^٢)؛ لأجل الحيض، وإن طلقت ثلاثًا لم تكن لك مراجعة إليها لأنها لا تحل لك إلا بعد زوج، وكذا جاء في رواية أخرى، كما نبه عليه القرطبي (^٣).
وأما رواية من روى عن ابن عمر: طلق ثلاثًا، فوهم. وكأن البخاري أراد بإيراد هذا أن فيه لفظة: حرمت عليك. وإلا فلا مناسبة له في الباب.
وفي قوله: (مرة أو مرتين). دلالة على أنه لا بدعة في ذلك.
ثم ذكر حديث عائشة - ﵂ - في ذوق العسيلة، ولعله أورده؛ لأنه فيه: "لا تحلين لزوجك الأول" وقد سلف.
وقولها: (لم يقربني إلا هنة واحدة) أي: لم يطأها إلا مرة، يقال: هنى، يعني: أتى، إذا غشى امرأته، يقولون: أهنت فهنت، كناية عن الجماع.
_________________
(١) مسلم (١٤٧١/ ١).
(٢) العبارة بها سقط، منشؤه سبق النظر وتتمة الكلام بعدها كما في "المفهم": فكأنه قال للسائل: إن طلقت تطليقة أو تطليقتين فأنت مأمور بالمراجعة …
(٣) "المفهم" ٤/ ٢٣١.
[ ٢٥ / ٢٤٣ ]
وقد أسلفنا مذاهب العلماء فيمن قال لامرأته: أنت علي حرام، في سورة التحريم، ووصلناها إلى أربعة عشر مذهبًا، واقتصر ابن بطال منها على ثمانية أقوال، سوى اختلاف قول مالك، قالت طائفة: (ثلاث) (^١)، ولا يسئل عن نيته. روي عن علي وزيد بن ثابت (^٢) وابن عمر وبه قال الحسن البصري في روايته والحكم بن عتيبة (^٣) وابن أبي ليلى ومالك، وروي عن مالك وأكثر أصحابه فيمن قال لامرأته قبل الدخول ذلك، أنها ثلاث، إلا أن يقول: نويت واحدة (^٤).
وقال عبد العزيز بن أبي سلمة: هي واحدة (^٥) إلا أن يقول: أردت ثلاثًا. وقال عبد الملك: لا ينوي فيها، وهي ثلاث على كل حال، كالمدخول بها (^٦).
وقال سفيان: إن نوى ثلاثًا فثلاث، وإن نوى واحدة فهي بائنة، وإن نوى يمينًا فهو يمين يكفرها، وإن لم ينو فُرقة ولا يمينًا فهي كذبة (^٧)، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه، غير أنهم قالوا: إن نوى اثنتين فهي واحدة، فإن لم ينو طلاقًا فهو يمين، وهو مولٍ (^٨).
وقال ابن مسعود: إن نوى طلاقًا فهي تطليقة، وهو أملك بها، وإن لم ينو طلاقًا فهي يمين يكفرها.
_________________
(١) في الأصل ثالثة، والمثبت من (غ).
(٢) "مصنف عبد الرزاق" ٦/ ٤٠٣ (١١٣٨٢).
(٣) "مصنف عبد الرزاق" ٦/ ٤٠٣ (١١٣٨٣).
(٤) انظر: "المدونة" ٢/ ٢٨١، "الإشراف" ١/ ١٥٢.
(٥) انظر: "مختصر اختلاف العلماء" ٢/ ٤١٣.
(٦) انظر: "الاستذكار" ١٧/ ٣٩.
(٧) "مصنف عبد الرزاق" ٦/ ٤٠٥ (١١٣٩١).
(٨) انظر: "مختصر اختلاف العلماء" ٢/ ٤١٣.
[ ٢٥ / ٢٤٤ ]
وعن عمر مثله، وبه قال النخعي وطاوس (^١).
وقال الشافعي: ليس قوله: أنت حرام بطلاق حتى ينويه، فإذا أراد الطلاق فهو ما أراد من الطلاق، وإن قال: أردت تحريمًا بلا طلاق، كان عليه كفارة يمين. قال: وليس بمولٍ (^٢).
وقال ابن عباس: يلزمه كفارة ظهار، وهو قول أبي قلابة وسعيد بن جبير (^٣)، وبه قال أحمد (^٤). واحتج ابن عباس بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ﴾ [التحريم: ١] ثم قال: عليه أغلظ الكفارات، عتق رقبة. وقيل: إنها يمين تُكَفر.
روي عن الصديق وعمر وابن مسعود وعائشة وابن عباس وسعيد بن المسيب وعطاء وطاوس وجماعة (^٥)، وبه قال الأوزاعي وأبو ثور (^٦).
واحتج أبو ثور بأن الحرام ليس من ألفاظ الطلاق بقوله تعالى: في ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ﴾ ولم يوجب به طلاقًا، وكان حرم على نفسه مارية، ثم قال تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢]، وقيل: لا شيء فيه، ولا كفارة لتحريم (الماء) (^٧)؛ لقوله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٧] روي عن الشعبي ومسروق وأبي سلمة، قال مسروق: ما أبالي حرمت امرأتي أو جفنة من ثريد (^٨).
_________________
(١) انظر: "مصنف عبد الرزاق" ٦/ ٤٠١.
(٢) انظر: "مختصر المزني" ٤/ ٧٣، ٧٤، ٧٦.
(٣) عبد الرزاق ٦/ ٤٠٤ (١١٣٨٥، ١١٣٨٧).
(٤) انظر: "المغني" ١٠/ ٣٩٦.
(٥) انظر هذِه الآثار في "المصنف" ٦/ ٣٩٩، ٤٠٠، ٤٠١، و"سنن سعيد" ١/ ٣٨٩ (١٦٩٥).
(٦) انظر: "الإشراف" ١/ ٤٥٢.
(٧) كذا بالأصل ولعلها (الإماء)، وكل له وجه. والله أعلم.
(٨) عبد الرزاق ٦/ ٤٠٢ (١١٣٧٥، ١١٣٧٧).
[ ٢٥ / ٢٤٥ ]
وقال (الشعبي) (^١): أنت عليَّ حرام، أهون من نعلي (^٢). وقال أبو سلمة: ما أبالي، حرمتها أو حرمت الفرات (^٣). وهو شذوذ، كما قال ابن بطال.
وعليه بوَّب البخاري هذا الباب، وذهب إلى من حرم زوجته أنها ثلاث، كإجماع العلماء على مثله في الطلاق الثلاث، وإليه أشار البخاري في حديث رفاعة؛ لأنه بت طلاقها، فلم تحل له إلا بعد زوج، فحرمت عليه مراجعتها، فكذلك من حرم.
ومن قال: تلزمه كفارة الظهار فليس بالبين؛ لأن الله تعالى إنما جعل كفارة الظهار للمظاهر خاصة.
وقال الطحاوي: من قال: تلزمه كفارة الظهار، محمولا على أنه إن أراد الظهار كان ظهارًا، وإن أراد اليمين كان يمينًا مغلظة، على ترتيب كفارة الظهار: عتق رقبة، أو صيام شهرين متتابعين، أو إطعام ستين مسكينًا.
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد: لا يكون ظهارًا، وإن أراده (^٤).
وأما قول الحسن: له نيته. فهي رواية أخرى، ذكرها عبد الرزاق (^٥) كما سلف.
_________________
(١) في الأصول: الشافعي، والمثبت هو الصواب كما في "مصنف عبد الرزاق".
(٢) "مصنف عبد الرزاق" ٦/ ٤٠٣ (١١٣٧٨).
(٣) عبد الرزاق ٦/ ٤٠٢ (١١٢٧٦).
(٤) انظر: "مختصر اختلاف العلماء" ٢/ ٤١٥.
(٥) "المصنف" ٦/ ٤٠٢ (١١٣٧٣)، وانظر: "شرح ابن بطال" ٧/ ٤٠٢ - ٤٠٣.
[ ٢٥ / ٢٤٦ ]