﴿لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾: حَقٌّ ﴿وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ (١٤)﴾ [الطارق: ١٣ - ١٤]. بِاللَّعِبِ.
٧٤٩١ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «قَالَ اللهُ تَعَالَى: يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ، يَسُبُّ الدَّهْرَ، وَأَنَا الدَّهْرُ، بِيَدِي الأَمْرُ، أُقَلِّبُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ». [انظر: ٤٨٢٦ - مسلم: ٢٢٤٦ - فتح: ١٣/ ٤٦٤].
٧٤٩٢ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «يَقُولُ اللهُ -﷿-: الصَّوْمُ لِي وَأَنَا أَجْزِى بِهِ، يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَأَكْلَهُ وَشُرْبَهُ مِنْ
أَجْلِى. وَالصَّوْمُ جُنَّةٌ، وَلِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ: فَرْحَةٌ حِينَ يُفْطِرُ، وَفَرْحَةٌ حِينَ يَلْقَى رَبَّهُ، وَلَخَلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ مِنْ رِيحِ المِسْكِ». [انظر: ١٨٩٤ - مسلم: ١١٥١ - فتح: ١٣/ ٤٦٤].
٧٤٩٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «بَيْنَمَا أَيُّوبُ يَغْتَسِلُ عُرْيَانًا خَرَّ عَلَيْهِ رِجْلُ جَرَادٍ مِنْ ذَهَبٍ، فَجَعَلَ يَحْثِي فِي ثَوْبِهِ، فَنَادَى رَبُّهُ يَا أَيُّوبُ، أَلَمْ أَكُنْ أَغْنَيْتُكَ عَمَّا تَرَى؟ قَالَ: بَلَى يَا رَبِّ، وَلَكِنْ لَا غِنَى بِي عَنْ بَرَكَتِكَ». [انظر: ٢٧٩ - فتح: ١٣/ ٤٦٤].
٧٤٩٤ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ الأَغَرِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «يَتَنَزَّلُ رَبُّنَا ﵎ كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ فَيَقُولُ مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ، مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ». [انظر: ١١٤٥ - مسلم: ٧٥٨ - فتح: ١٣/ ٤٦٤].
[ ٣٣ / ٤٢٥ ]
٧٤٩٥ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، أَنَّ الأَعْرَجَ، حَدَّثَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «نَحْنُ الآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ». [انظر: ٢٣٨ - مسلم: ٨٥٥ - فتح: ١٣/ ٤٦٤].
٧٤٩٦ - وَبِهَذَا الإِسْنَادِ: «قَالَ اللهُ: أَنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ». [انظر: ٤٦٨٤ - مسلم: ٩٩٣ - فتح: ١٣/ ٤٦٤].
٧٤٩٧ - حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ عُمَارَةَ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فَقَالَ: «هَذِهِ خَدِيجَةُ أَتَتْكَ بِإِنَاءٍ فِيهِ طَعَامٌ أَوْ إِنَاءٍ فِيهِ شَرَابٌ، فَأَقْرِئْهَا مِنْ رَبِّهَا السَّلَامَ، وَبَشِّرْهَا بِبَيْتٍ مِنْ قَصَبٍ لَا صَخَبَ فِيهِ وَلَا نَصَبَ». [انظر: ٣٨٢٠ - مسلم: ٢٤٣٢ - فتح: ١٣/ ٤٦٥].
٧٤٩٨ - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ أَسَدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ -، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: "قَالَ اللهُ: أَعْدَدْتُ لِعِبَادِى الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ». [انظر: ٣٢٤٤ - مسلم: ٢٨٢٤ - فتح: ١٣/ ٤٦٥].
٧٤٩٩ - حَدَّثَنَا مَحْمُودٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ الأَحْوَلُ، أَنَّ طَاوُسًا أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - إِذَا تَهَجَّدَ مِنَ اللَّيْلِ قَالَ «اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ أَنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، وَلَكَ الحَمْدُ أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، وَلَكَ الحَمْدُ أَنْتَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، وَمَنْ فِيهِنَّ، أَنْتَ الحَقُّ، وَوَعْدُكَ الحَقُّ وَقَوْلُكَ الحَقُّ، وَلِقَاؤُكَ الحَقُّ، وَالْجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ، وَالنَّبِيُّونَ حَقٌّ، وَالسَّاعَةُ حَقٌّ، اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ، وَبِكَ خَاصَمْتُ، وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ، فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، أَنْتَ إِلَهِي، لَا إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ». [انظر: ١١٢٠ - مسلم: ٧٦٩ - فتح: ١٣/ ٤٦٥].
٧٥٠٠ - حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ النُّمَيْرِيُّ، حَدَّثَنَا
[ ٣٣ / ٤٢٦ ]
يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ الأَيْلِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ قَالَ: سَمِعْتُ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ وَسَعِيدَ بْنَ المُسَيَّبِ، وَعَلْقَمَةَ بْنَ وَقَّاصٍ، وَعُبَيْدَ اللهِ بْنَ عَبْدِ اللهِ، عَنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - ﷺ - حِينَ قَالَ لَهَا أَهْلُ الإِفْكِ مَا قَالُوا، فَبَرَّأَهَا اللهُ مِمَّا قَالُوا، وَكُلٌّ حَدَّثَنِي طَائِفَةً مِنَ الحَدِيثِ الذِي حَدَّثَنِي- عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: وَلَكِنْ وَاللهِ مَا كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّ اللهَ يُنْزِلُ فِي بَرَاءَتِي وَحْيًا يُتْلَى، وَلَشَأْنِي فِي نَفْسِي كَانَ أَحْقَرَ مِنْ أَنْ يَتَكَلَّمَ اللهُ فِيَّ بِأَمْرٍ يُتْلَى، وَلَكِنِّي كُنْتُ أَرْجُو أَنْ يَرَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِي النَّوْمِ رُؤْيَا يُبَرِّئُنِي اللهُ بِهَا فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ﴾ [النور: ١١]. العَشْرَ الآيَاتِ. [انظر: ٢٥٩٣ - مسلم: ٢٧٧ - فتح: ١٣/ ٤٦٥].
٧٥٠١ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا المُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ
الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «يَقُولُ اللهُ: إِذَا أَرَادَ عَبْدِي أَنْ يَعْمَلَ سَيِّئَةً فَلَا تَكْتُبُوهَا عَلَيْهِ حَتَّى يَعْمَلَهَا، فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا بِمِثْلِهَا، وَإِنْ تَرَكَهَا مِنْ أَجْلِي فَاكْتُبُوهَا لَهُ حَسَنَةً، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْمَلَ حَسَنَةً فَلَمْ يَعْمَلْهَا فَاكْتُبُوهَا لَهُ حَسَنَةً، فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا لَهُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةٍ». [مسلم: ١٢٨ - فتح: ١٣/ ٤٦٥].
٧٥٠٢ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي مُزَرِّدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «خَلَقَ اللهُ
الخَلْقَ فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهُ قَامَتِ الرَّحِمُ فَقَالَ: مَهْ. قَالَتْ: هَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ بِكَ مِنَ القَطِيعَةِ. فَقَالَ: أَلَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ؟ قَالَتْ بَلَى يَا رَبِّ. قَالَ: فَذَلِكِ لَكِ». ثُمَّ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (٢٢)﴾ [محمد: ٢٢]. [انظر: ٤٨٣ - مسلم: ٢٥٥٤ - فتح: ١٣/ ٤٦٥].
٧٥٠٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ صَالِحٍ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ قَالَ: مُطِرَ النَّبِيُّ - ﷺ - فَقَالَ: «قَالَ اللهُ أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي كَافِرٌ بِي وَمُؤْمِنٌ بِي».
[ ٣٣ / ٤٢٧ ]
[انظر: ٨٤٦ - مسلم: ٧١ - فتح: ١٣/ ٤٦٦].
٧٥٠٤ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «قَالَ اللهُ: إِذَا أَحَبَّ عَبْدِي لِقَائِي أَحْبَبْتُ لِقَاءَهُ، وَإِذَا كَرِهَ لِقَائِي كَرِهْتُ لِقَاءَهُ» [فتح: ١٣/ ٤٦٦].
٧٥٠٥ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «قَالَ اللهُ: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي». [انظر: ٧٤٠٥ - مسلم: ٢٦٧٥ - فتح: ١٣/ ٤٦٦].
٧٥٠٦ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «قَالَ رَجُلٌ لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ، فَإِذَا مَاتَ فَحَرِّقُوهُ، وَاذْرُوا نِصْفَهُ فِي البَرِّ وَنِصْفَهُ فِي البَحْرِ، فَوَاللهِ لَئِنْ قَدَرَ اللهُ عَلَيْهِ لَيُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا لَا يُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ العَالَمِينَ، فَأَمَرَ اللهُ البَحْرَ فَجَمَعَ مَا فِيهِ، وَأَمَرَ البَرَّ فَجَمَعَ مَا فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: لِمَ فَعَلْتَ؟ قَالَ: مِنْ خَشْيَتِكَ، وَأَنْتَ أَعْلَمُ، فَغَفَرَ لَهُ». [انظر: ٣٤٨١ مسلم: ٢٧٥٦ - فتح ١٣/ ٤٦٦].
٧٥٠٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللهِ سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي عَمْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «إِنَّ عَبْدًا أَصَابَ ذَنْبًا -وَرُبَّمَا قَالَ: أَذْنَبَ ذَنْبًا- فَقَالَ: رَبِّ أَذْنَبْتُ -وَرُبَّمَا قَالَ: أَصَبْتُ- فَاغْفِرْ لِي فَقَالَ رَبُّهُ: أَعَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ؟ غَفَرْتُ لِعَبْدِي. ثُمَّ مَكَثَ مَا شَاءَ اللهُ، ثُمَّ أَصَابَ -ذَنْبًا أَوْ أَذْنَبَ ذَنْبًا- فَقَالَ: رَبِّ أَذْنَبْتُ -أَوْ أَصَبْتُ- آخَرَ، فَاغْفِرْهُ. فَقَالَ: أَعَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ؟ غَفَرْتُ لِعَبْدِي، ثُمَّ مَكَثَ مَا شَاءَ اللهُ، ثُمَّ أَذْنَبَ ذَنْبًا -وَرُبَّمَا قَالَ:- أَصَابَ ذَنْبًا -قَالَ:- قَالَ: رَبِّ أَصَبْتُ -أَوْ أَذْنَبْتُ - آخَرَ فَاغْفِرْهُ لِي. فَقَالَ: أَعَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ؟ غَفَرْتُ لِعَبْدِي -ثَلَاثًا- فَلْيَعْمَلْ مَا شَاءَ». [مسلم: ٣٧٥٨ - فتح: ١٣/ ٤٦٦].
[ ٣٣ / ٤٢٨ ]
٧٥٠٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي الأَسْوَدِ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، سَمِعْتُ أَبِي، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَبْدِ الغَافِرِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - «أَنَّهُ ذَكَرَ رَجُلًا فِيمَنْ سَلَفَ -أَوْ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، قَالَ كَلِمَةً يَعْنِي-: "أَعْطَاهُ اللهُ مَالًا وَوَلَدًا - فَلَمَّا حَضَرَتِ الْوَفَاةُ قَالَ لِبَنِيهِ أَيَّ أَبٍ كُنْتُ لَكُمْ قَالُوا خَيْرَ أَبٍ. قَالَ: فَإِنَّهُ لَمْ يَبْتَئِرْ -أَوْ: لَمْ يَبْتَئِزْ- عِنْدَ اللهِ خَيْرًا، وَإِنْ يَقْدِرِ اللهُ عَلَيْهِ يُعَذِّبْهُ، فَانْظُرُوا إِذَا مُتُّ فَأَحْرِقُونِي، حَتَّى إِذَا صِرْتُ فَحْمًا فَاسْحَقُونِي -أَوْ قَالَ: فَاسْحَكُونِي- فَإِذَا كَانَ يَوْمُ رِيحٍ عَاصِفٍ فَأَذْرُونِي فِيهَا». فَقَالَ نَبِيُّ اللهِ - ﷺ -: «فَأَخَذَ مَوَاثِيقَهُمْ عَلَى ذَلِكَ وَرَبِّي، فَفَعَلُوا ثُمَّ أَذْرَوْهُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ، فَقَالَ اللهُ -﷿-: كُنْ. فَإِذَا هُوَ رَجُلٌ قَائِمٌ. قَالَ اللهُ: أَيْ عَبْدِي، مَا حَمَلَكَ عَلَى أَنْ فَعَلْتَ مَا فَعَلْتَ؟ قَالَ: مَخَافَتُكَ" أَوْ: "فَرَقٌ مِنْكَ" قَالَ: "فَمَا تَلَافَاهُ أَنْ رَحِمَهُ عِنْدَهَا". وَقَالَ مَرَّةً أُخْرَى: فَمَا تَلَافَاهُ غَيْرُهَا". فَحَدَّثْتُ بِهِ أَبَا عُثْمَانَ فَقَالَ: سَمِعْتُ هَذَا مِنْ سَلْمَانَ غَيْرَ أَنَّهُ زَادَ فِيهِ" أَذْرُونِي فِي الْبَحْرِ". أَوْ كَمَا حَدَّثَ. [انظر: ٣٤٧٨ - مسلم: ٢٧٥٧ - فتح: ١٣/ ٤٦٦].
حَدَّثَنَا مُوسَى، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ وَقَالَ: "لَمْ يَبْتَئِرْ". وَقَالَ خَلِيفَةُ: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ وَقَالَ: "لَمْ يَبْتَئِزْ". فَسَّرَهُ قَتَادَةُ: لَمْ يَدَّخِرْ.
ثم ذكر فيه أحاديث عدتها سبعة عشر:
أحدها:
حديث سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ -، قَالَ: قَالَ رسول الله - ﷺ -: "قَالَ اللهُ -﷿-: يُؤْذِينِي ابن آدَمَ، يَسُبُّ الدَّهْرَ، وَأَنَا الدَّهْرُ، بِيَدِي الأَمْرُ، أُقَلِّبُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ".
ثانيها:
حديث أَبِي صَالِحٍ، عنه، عن رسول الله - ﷺ - قَالَ: "يَقُولُ اللهُ تعالى: الصَّوْمُ لِي وَأَنَا أَخزِي بِهِ".
[ ٣٣ / ٤٢٩ ]
وقد سلف (^١).
والبخاري أخرجه عن أبي نعيم: ثنا الأعمش به، وكذا إسناده عند جميع الرواة خلا ابن السكن؛ فإنه زاد فيه: سفيان بن سعيد، فقال: ثنا أبو نعيم، ثنا سفيان ثنا الأعمش به، والصواب: من خالفه من جميع الرواة.
ثالثها:
حديث هَمَّامٍ، عَنْه: "بَيْنَمَا أيّوبُ يَغْتَسِلُ عُرْيَانًا". الحديث.
وقد سلف (^٢).
رابعها:
حديث أَبِي عَبْدِ اللهِ الأَغَرِّ: "يَتَنَزَّلُ رَبُّنَا" الحديث.
واسمه: سلمان مولى جهينة من أصبهان، وفي طبقته مسلم الأغر عن أبي هريرة وأبي سعيد واشتركا في عتقه فهو مولاهما، كان قاضيًا من أهل المدينة، قال أحمد: وأغر وسليمان واحد.
خامسها:
حديث الأعرج عنه: "نَحْنُ الآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ". وبه: "قَالَ اللهُ -﷿-: أَنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ".
سادسها:
حديث أبي زرعة عنه: فَقَالَ: "هذِه خَدِيجَةُ أَتَتْكَ بِإِنَاءٍ فِيهِ طَعَامٌ -أَوْ: إِنَاءٍ فِيهِ شَرَابٌ- فَأَقْرِئهَا مِنْ رَبِّهَا السَّلَامَ".
_________________
(١) برقم (١٨٩٤) كتاب: الصوم، باب: فضل الصوم.
(٢) برقم (٣٣٩١) كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: قول الله تعالى: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ ..﴾.
[ ٣٣ / ٤٣٠ ]
سلف (^١).
سابعها:
حديث همام عنه عن رسول الله - ﷺ - قالَ: "قَالَ تعالى: أَعْدَدْتُ لِعبَادي الصَّالِحيِنَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ "
الحديث سلف أيضًا (^٢).
ثامنها:
حديث ابن عباس - ﵄ -: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - إِذَا تَهَجَّدَ مِنَ اللَّيْلِ قَالَ: "اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ أَنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ". الحديث.
تاسعها:
حديث عائشة - ﵂ - في حديث الإفك: وَلَشَأْنِي فِي نَفْسِي كَانَ أَحْقَرَ مِنْ أَنْ يَتَكَلَّمَ اللهُ فِيَّ بِأَمْرٍ يُتْلَى. الحديث.
في إسناده عبد الله بن عمر بن غانم النميري شيخ شيخ البخاري، نزل إفريقية، انفرد (به) (^٣) البخاري، مات سنة تسعين ومائة، وكان مولده سنة ثمان وعشرين ومائة.
العاشر:
حديث الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَة - ﵁ - عن رَسُولِ اللهِ - ﷺ -: "يَقُولُ اللهُ -﷿- إِذَا أَرَادَ عَبْدِي أَنْ يَعْمَلَ سَيِّئَةً فَلَا تَكْتبوهَا عَلَيْهِ حَتَّى يَعْمَلَهَا". الحديث.
_________________
(١) برقم (٣٨٢٠) كتاب: مناقب الأنصار، باب: تزويج النبي - ﷺ - خديجة وفضلها - ﵂ -.
(٢) سلف برقم (٣٢٤٤) كتاب: بدء الخلق، باب: ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة.
(٣) من (ص ١).
[ ٣٣ / ٤٣١ ]
الحادي عشر:
حَدَّثنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي مُزَرِّدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - عن رَسُولِ اللهِ - ﷺ -: "خَلَقَ اللهُ الخَلْقَ فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهُ قَامَتِ الرَّحِمُ، (فقال) (^١): مَهْ" الحديث.
وإسماعيل بن عبد الله هذا هو: أبو عبد الله إسماعيل بن أبي أويس، عبد الله بن عبد الله بن أويس، أخي أنس ونافع والربيع أولاد مالك بن أبي عامر، نافع بن عمرو بن الحارث بن عثمان بن حنبل -ويقال: خثيل بخاء معجمة وثاء مثلثة فيهما- ابن عمرو بن الحارث ذي أصبح أخي يحصب، ابني مالك بن زيد الحميري الأصبحي، حليف عثمان بن عبيد الله القرشي التيمي، ابن أخت مالك بن أنس، اتفقا عليه، وقد تُكلِم فيه، مات سنة ست وعشرين (ومائتين) (^٢) ويقال: سنة سبع وعشرين ومائتين في رجب،
روى عن سليمان بن بلال، وروى عن أخيه أبي بكر عبد الحميد بن أبي أويس الأعشى عن سليمان بن بلال، ومات الأعشى سنة ثنتين ومائتين، ومات سليمان سنة اثنتين وسبعين، وقيل سنة سبع وسبعين بالمدينة.
ومعاوية بن أبي مزرد عبد الرحمن أخي أبي الحباب سعيد بن يسار، مول شقران مولى رسول الله - ﷺ -، اتفقا عليه وعلى عمه سعيد بن يسار، ومات سنة سبع عشرة ومائة مع نافع وقتادة وعبد الله بن أبي مليكة وأبي
_________________
(١) في (ص ١): فقالت. وورد في هامش الأصل ما نصه: كذا في أصله: (قالت). ومدخله في الكلام على ما يقتضي أن تكون الرحم قالت ذلك، وكأنه كذلك في الأصل الذي نقل منه.
(٢) فوقها في الأصل: لا: إلى.
[ ٣٣ / ٤٣٢ ]
رجاء عمران بن ملحان على قول، وقيل: مات سعيد أبو رجاء في خلافة عمر بن عبد العزيز، وقيل: ولاء سعيد بن يسار للحسن (بن) (^١) علي بن أبي طالب.
الحديث الثاني عشر:
حديث زيدِ بْنِ خَالِدٍ قَالَ: مُطِرَ الناس، فقال - ﷺ -: "قَالَ اللهُ تعالى: أَصبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وكَافِرٌ بِي". وقد سلف (^٢).
الثالت عشر:
حديث الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ -، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: "قَالَ اللهُ تعالى: إِذَا أَحَبَّ عَبدِي لِقَائِي". الحديث.
الرابع عشر:
حديث الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - أيضًا، أَنَّه - ﷺ - قَالَ: "أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبدِي بِي".
الخامس عشر:
حديثه أيضًا في الرجل لم يعمل خيرًا قط، وقد سلف (^٣).
السادس عشر:
حديث عبد الرحمن بن أبي (عمرة) (^٤) قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: سَمعت النَّبِيَّ - ﷺ - يقول: "إِنَّ عَبْدًا أَصَابَ ذَنْبًا -وَرُبَّمَا قَالَ: أَذْنَبَ ذَنْبًا- فَقَالَ: رَبِّ أَذْنَبْتُ- وَرُبَّمَا قَالَ: أَصَبْتُ- فَاغْفِرْ لِي".
_________________
(١) من (ص ١).
(٢) سلف برقم (٨٤٦) كتاب: الآذان، باب: يستقبل الإمام الناس إذا سلم.
(٣) برقم (٣٤٨١) كتاب: أحاديث الأنبياء.
(٤) في الأصل: (عمرو) والمثبت هو الصواب.
[ ٣٣ / ٤٣٣ ]
وعبد الرحمن بن أبي عمرة بشير أخي ثعلبة وأبي عبيدة وحبيب أولاد (عمرو) (^١) بن محصن بن عمرو بن عتيك بن عمرو بن مبذول، وهو عامر بن مالك بن النجار، ويقال: لمبذول أيضًا: أسد بن مالك، لأبيه ولإخوته صحبة، فأما أبوه (أبو عمرة) (^٢) بشير فقتل مع علي - ﵁ - بصفين.
روى عنه ابنه عبد الرحمن، روي له أبو داود والنسائي، وقد اتفقا على ولده عبد الرحمن قاضي المدينة عن أبي هريرة - ﵁ -، وروى له مسلم عن عثمان بن عفان - ﵁ -، وزيد بن خالد.
وأم عبد الرحمن وعبد الله بن أبي عمرة هند بنت المقوم بن عبد المطلب، وأما عمه ثعلبة بن عمرو بن محصن، فشهد بدرًا وما بعدها، مات في خلافة عثمان، وقيل: قتل يوم جسر أبي عبيد، روى عنه ابنه عبد الرحمن بن ثعلبة حديثه في قطع يد عمرو بن سمرة في سرقة الجمل، رواه ابن ماجه (^٣).
وأما أبو عبيدة بن عمرو بن محصن فقتل شهيدًا يوم بئر معونة.
وأما حبيب بن عمرو بن محصن فمات في طريق اليمامة ذاهبًا إليها مع خالد بن الوليد، فهو معدود من شهداء اليمامة.
_________________
(١) في الأصل: (عمر) والمثبت هو الصواب
(٢) في الأصل: (أبو عمرو).
(٣) ابن ماجه (٢٥٨٨) كتاب: الحدود، باب: السارق يعترف، والحديث رواه الذهبي في "ميزان الاعتدال" ٣/ ١٩٤ بسنده، ثم قال: غريب جدًا، رواه ابن ماجه عن الذهلي عن ابن أبي مريم. اهـ. وقال البوصيري في "زوائد ابن ماجه" ص ٣٥٠: هذا إسناد ضعيف لضعف ابن لهيعة، وضعفه الألباني في "ضعيف سنن ابن ماجه" (٥٦٢).
[ ٣٣ / ٤٣٤ ]
الحديث السابع عشر: حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - في قصة الرجل الذي أوصى بإحراقه … إلى آخره، وقد سلف بالاختلاف فيه: يَبْتَئِرْ أَوْ لَمْ يَبْتَئِزْ، وقال فيه: فَسَّرَهُ قَتَادَةُ: (لَمْ) (^١) يَدَّخِرْ.
الشرح:
غرضه في هذا الباب كغرضه في الأبواب التي قبلها، ومعنى قوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللهِ﴾: هو أن المنافقين تخلفوا عن الخروج مع رسول الله - ﷺ - إلى غزوة تبوك واعتذروا بما علم الله إفكهم فيه، فأمر الله رسوله أن يقرأ عليهم (قوله) (^٢): ﴿فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا﴾ [التوبة: ٨٣]، فأعلمهم بذلك، وقطع أطماعهم (بخروجهم) (^٣) معه، فلما رأوا الفتوحات قد تهيأت لرسول الله - ﷺ - أرادوا الخروج معه رغبة منهم في المغانم، فأنزل: ﴿سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا﴾ الآية [الفتح: ١٥].
فهذا معنى الآية: أن يبدلوا أمره - ﵇ - بأن لا يخرجوا معه فإن يخرجوا معه، فقطع الله أطماعهم من ذلك مدة أيامه - ﵇ - بقوله: ﴿لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا﴾ الآية [التوبة: ٨٣]، ثم قال الله آمرًا لرسوله: ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ﴾ [الفتح: ١٦] يعني: المريدين تبديل كلامه تعالى ﴿سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ الآية [الفتح: ١٦] يعني: توليهم عن إجابته - ﵇ - حين دعاهم إلى الخروج معه في سورة براءة، والداعي لهم غيره ممن يقوم بأمره من خلفائه.
_________________
(١) من (ص ١).
(٢) من (ص ١).
(٣) في الأصل: (لخروجه) والمثبت من (ص ١).
[ ٣٣ / ٤٣٥ ]
فقيل: إنه الصديق دعاهم لقتال أهل الردة، وقيل: الفاروق دعاهم لقتال المشركين، وسائر الأحاديث فيها إثبات كلامه تعالى، وقد مر القول (في) (^١) أنه صفة قائمة به لا يصح مفارقتها له، وأنه لم يزل متكلمًا ولا يزال كذلك.
فصل:
وأما قوله - ﵇ -: ("يؤذيني ابن آدم ") فقد سلف في كتاب الأدب في باب: لا تسبوا الدهر (^٢)، وقريبًا في باب: إني أنا الرزاق.
أي: يؤذيني: (يقتضي) (^٣) ليس له اتصال إليه تعالى عن ذلك، ولا يلحق به أذى وإنما يلحق من تتعاقب عليه الحوادث ويلحقه العجز والتقصير عن الانتصار، وإنه تعالى عن ذلك؛ فوجب رجوع الأذى المضاف إليه إلى أنبيائي ورسلي بسب الدهر؛ لأن ذلك ذريعة إلى سب خالق الدهر (يعنون) (^٤) أقضيته وحوادثه.
وقوله: ("أنا الدهر"). أي: أن الأشياء التي ينسبون إليها الدهر أنا مقدرها وخالقها على إرادتي، ألا تري قوله تعالى: "بيدي الأمر أقلب الليل والنهار" والأيام والليالي ظروف الحوادث، فإذا سببتم الدهر وهو لا يفعل شيئًا فقد وقع السب على الله؛ لأن الساب للدهر من أجلها إنما سبه إذ لا فعل للدهر، وكانت الجاهلية تقول: لعن الله هذا الدهر، ولهذا قال قائلهم:
أمن المنون وريبها تتوجعُ … والدهر ليس بمعتبٍ من يجزع
_________________
(١) في (ص ١): على.
(٢) سلف برقم (٦١٨٢).
(٣) في (ص ١): بسبي.
(٤) في (ص ١): ومصرف
[ ٣٣ / ٤٣٦ ]
ومنهم ما حكى عنه تعالى في قوله: ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية: ٢٤].
وقال ابن فورك: وزعم بعض أهل العلم أن هذا الحديث اختصره بعض الرواة وغيروا معناه عن جهته؛ لأن في الحديث كلامًا إذا ذكر بان تأويله.
فذكر سند هذا الحديث: الزهري، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة - ﵁ - أنه - ﵇ - قال: "يقول الله تعالى: يؤذيني ابن آدم، يسب الدهر وأنا الدهر بيدي أقلب الليل والنهار وأنا الدهر" فبان أن التأويل كما تقدم.
قال: ويروي: "أنا الدهر" بفتح الراء، ومعناه: أنه جعل ذلك وقتًا للفعل المذكور، ويرجع معناه إلى أني أنا الباقي المقلب الأحوال التي يتغير بها الدهر، قال: وروي بضمها، ومعناه ما سلف، أي: أنا المغير للدهر المحدث للحوادث لا الدهر كما يتوهمون، ويكون (فاعله) (^١) تكذيب من اقتصر على الدهر والأيام والليالي في حدوث الحوادث وتغييرها من الملحدة والزنادقة (^٢).
فصل:
قوله في الحديث الثاني: ("الصوم لي"): يريد أنه عمل لا يظهر على صاحبه، ولا يعلم حقيقته إلا الله. وقد سلف فيه أقوال أخر.
ومعنى ("أجزي به"): أجازي، وهو غير مهموز.
وقوله: ("وفرحه حين يلقى ربه"): يريد لقبوله بعمله، والخلوف بضم الخاء على المشهور، وكذا هو عند أهل اللغة، مثل: القعود والجلوس، يقال: خلف فاه خلوفًا إذا تغيرت رائحته، واختلف
_________________
(١) كذا في الأصل، وفي "مشكل ابن فورك": (فائدته).
(٢) "مشكل الحديث وبيانه" ص ٢٩٤ - ٢٩٦.
[ ٣٣ / ٤٣٧ ]
أيضًا. وأما الخلوف بفتح الخاء فليس من هذا؛ لأنه الذي يكثر الخلف في وعده، والخلوف تغير فم الصائم من خلو المعدة بترك الأكل فلا يذهبه بالسواك إذًا، وهو حجة لمن لم يكرهه؛ لأنه رائحة النفس الخارجة من المعدة، وإنما يذهب به ما كان في الأسنان من التغيير.
وقال ابن حبيب (…) (^١): والخلوف: تغير طعم فيه وريحه؛ لتأخر الطعام. قال بعض المتأخرين: هذا ليس على أصل مالك، وإنما هو جارٍ على مذهب الشافعي حيث كرهه بعد نصف النهار؛ لأنه وقت وجود الخلوف فيه.
وأباحه مالك؛ لأن الخلوف عنده لا يزول بالسواك كما مر؛ لأن أصله عنده من المعدة، ولو زال بالسواك لمنع قبل الزوال؛ لأن تعاهده بالسواك قبله يمنع وجوده فيه بعده، ودليله أيضًا إطلاق قوله - ﵇ -: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة" (^٢) ولم يخص صومًا من غيره.
فصل:
وقوله: ("أطيب عند الله من ريح المسك"): يحتمل أن ينال عليها من الثواب أكثر مما ينال المتطيب بالمسك من طيبه، أو أنها تعلق في موضع يوصف أنه عند الله أطيب من عبق ريح المسك -وقد روي أيضًا- أو أن الله تعالى يغير الطعام أكثر مما يغير ريح المسك، فإن رائحته عندهم ثقيلة، وهي عند الله أطيب من ريح المسك، ولما كان المسك أطيب الروائح جوزي به؛ لأنه أفضل الجزاء.
_________________
(١) بياض بالأصل، وغير مقروءة في (ص ١).
(٢) سلف برقم (٨٧) كتاب: الجمعة، باب: السواك يوم الجمعة.
[ ٣٣ / ٤٣٨ ]
فصل:
وقوله في الحديث الثالث: "رجل جرادٍ من ذهب" الرجل: الجماعة الكثيرة من الجراد خاصة، وهو جمع على لفظ الواحد، ومثله: صوار: لجماعة البقر، وخيط: لجماعة (النعام) (^١)، وعانة: لجماعة الحمير (^٢).
وقوله: "فجعل يحثي" يقال: حثا يحثو ويحثي.
فصل:
وقوله في الرابع: ("ينزل ربنا إلى السماء الدنيا كل ليلة") سلف تأويله، ويروي: "في ليلة النصف من شعبان" (^٣).
_________________
(١) في الأصل: (الغنم)، والمثبت من (ص ١).
(٢) انظر: "لسان العرب" ٣/ ١٦٠٠. مادة (جل).
(٣) رواه الترمذي (٧٣٩) كتاب: الصيام، باب: ما جاء في كراهية الصوم في النصف الباقي من شعبان لحال رمضان، من حديث أم المؤمنين عائشة، وكذا رواه ابن ماجه (١٣٨٩) كتاب: إقامة الصلاة، باب: ما جاء في ليلة النصف من شعبان، وأحمد ٦/ ٢٣٨، وإسحاق بن راهويه في "مسنده" (٢/ ٣٢٦ - ٣٢٧) (٨٥٠) و٣/ ٩٧٩ (١٧٠٠)، وعبد بن حميد في "المنتخب" ٣/ ٢٣٣ (١٥٠٧)، والإسماعيلي في معجم "شيوخه" ١/ ٤١٠، واللالكائي في "شرح أصول أعتقاد أهل السنة والجماعة" ٣/ ٤٩٦ - ٤٩٧ (٧٦٤)، والبيهقي في "شعب الإيمان" ٣/ ٣٨٥ - ٣٨٦ (٣٨٣٨)، والبغوي في "شرح السنة" ٤/ ١٢٦ (٩٩٢). قال الترمذي عقب هذا الحديث: وسمعتُ محمدًا -أي البخاري- يضعف هذا الحديث. اهـ ورواه ابن الجوزي في "العلل المتناهية" ٢/ ٦٦ (٩١٥) مضعفًا له، وقال: قال الدراقطني: قد روي من وجوه وإسناده مضطرب غير ثابت اهـ، هذا وحديث عائشة قد ضعفه الألباني في "ضعيف الجامع"- (١٧٦١) ثم صحح الحديث في "الصحيحة"- (١١٤٤) بمجموع طرقه فقال: حديث صحيح، روي عن جماعة من الصحابة من طرق مختلفة يشد بعضها بعضًا، وهم معاذ بن جبل، وأبو ثعلبة الخشني، وابن عمر، وأبو موسى الأشعري، وأبو هريرة، وأبو بكر الصديق، وعون بن مالك، وعائشة. اهـ
[ ٣٣ / ٤٣٩ ]
قال ابن فورك: والمراد: إقباله على أهل الأرض بالرحمة والعطف بالتذكير والتنبيه الذي يلقي في قلوب أهل الخير منهم حتى يزعجهم إلى الجد في التوبة، ووجدنا الله تعالى خص المستغفرين بالأسحار.
والمراد: الإخبار عما يظهر من ألطافه، وتأييده لأهل ولايته في مثل هذا الوقت بالزواجر التي يقيمها في أنفسهم والمواعظ التي ينهاهم عنها بقوة الترغيب والترهيب، قال: ويحتمل أن يكون ذلك فعلًا يظهر بأمره، فيضاف ذلك إلى الوجه الذي يقال: ضرب الأمير اللص، ونادى في البلد.
قال: وروى لنا بعض أهل النقل هذا الخبر عن رسول الله - ﷺ - (لا) (^١) يؤيد هذا التأويل، وهو ضم (ياء) (^٢) "ينزل"، وذكر أنه ضبطه عمن سمعه منه من الثقات الضابطين، وإذا كان ذلك كذلك كان شاهدًا لما ذكرناه.
وروي عن الأوزاعي أنه قال لما سئل عن هذا الخبر: يفعل الله ما يشاء، وهذا إشارة منه إلى أن ذلك فعل يظهر منه تعالى.
وذكر ابن حبيب كاتب مالك عنه أنه قال: يُنزَّل أمره في كل سحر، فأما هو فهو دائم لا يزول (^٣). (وقيل عن مالك أيضًا: ينزل بعلمه. فإن قلت: كيف يفارق علمه، قيل: أراد سرعة الإجابة) (^٤)، وقيل: أراد التقرب.
_________________
(١) كذا بالأصل، وفي "مشكل ابن فورك": (بما) وهو أصوب.
(٢) من (ص ١).
(٣) "مشكل الحديث وبيانه" ص ٢١٩ - ٢٢٠.
(٤) من (ص ١).
[ ٣٣ / ٤٤٠ ]
وقد أسلفنا ذلك وأعدناه (واضحًا) (^١) لبعده (^٢).
فصل:
قوله في الخامس: ("نحن الآخرون السابقون يوم القيامة") قيل: هذِه الأمة أول من يحاسب وأول من يدخل الجنة.
فصل:
قوله في السادس: ("بيت من قصب") قال الداودي: يعني قصب اللؤلؤ، وقيل: أنابيب من جوهر، كذا فسر الحديث في "الصحاح" (^٣).
وقال الهروي: أراد يبشرها بقصر من زمردة مجوفة أو من لؤلؤة مجوفة، وبيت الرجل: قصره، وبيته: داره، وبيته: شرفه.
وقوله: ("لا صخب فيه"). أي: لا صياح ولا جلبة.
قال الداودي: يعني العيب.
("ولا نصب") أي: لا تعب، وقال الداودي: يعني لا عوج.
فصل:
وقوله في السابع: ("أعددت لعبادي (الصالحين) (^٤) ") إلى آخره، هو من قوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧].
_________________
(١) من (ص ١).
(٢) قلت: ونحن أسلفنا أيضًا أن منهج أهل السنة والجماعة إثبات نزول الله سبحانه إلى السماء الدنيا، أو سماء الدنيا، كما يليق بجلاله وكماله، ولا حاجة لتأويل الأشعريه وغيرهم بما نقله المصنف -﵀-. وانظر التعليق ص ٣٠٨، و١٨٨.
(٣) "الصحاح" ١/ ٢٠٢ (قصب).
(٤) عليها في الأصل علامة (لا … إلى).
[ ٣٣ / ٤٤١ ]
قال المهلب: وأما قوله: "أعددت" إلى آخره فهو كقوله تعالى: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٨] مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا توهمه قلب بشر هو على الحقيقة ما لا يعلمه بشر ممن له الأذن والقلب والبصر، فتخصيصه قلب بشر بأن لا يعلمه، يدل -والله أعلم- أنه يجوز أن يخطر على قلوب الملائكة إلا أنه أفردنا بالمخاطبة في قوله: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. فدل على جواز أن يعلمه غيرنا.
فصل:
والتهجد في حديث ابن عباس - ﵄ - سلف قريبًا بأقوالهم فيه، وأنه من الأضداد، السهر وغيره و"نور" منور، قاله ابن عرفة، وقال ابن عباس - ﵁ -: هاديهم (^١)، وعنه وعن مجاهد: مدبرها بشمسها وقمرها ونجومها (^٢).
و"قيِّم" قيل: الدائم حكمه، وقيل: القائم على كل شيء أي: حافظ على كل نفس لا يغفل ولا يمل فمعناه: الحافظ لها، والرب المالك والسيد المطاع، قال تعالى: ﴿فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا﴾ [يوسف: ٤١] أي: سيده، والمصلح: من رب الشيء إذا أصلحه فعلى الأول يكون ملكهما، ويحتمل على قول بعض المفسرين سيدهما، وأنكر مالك الدعاء بـ: يا سيدي، ولعله كره اللفظ دون المعنى.
ويحتمل أن صلاحهما به ولولاه لم يكن صلاحهما، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ الآية [فاطر: ٤١].
_________________
(١) رواه الطبري ٩/ ٣٢٠ (٢٦٠٨٥)، وابن أبي حاتم ٨/ ٢٥٩٣ (١٤٥٥٠).
(٢) رواه الطبري ٩/ ٣٢٠ - ٣٢١ (٢٦٠٨٧).
[ ٣٣ / ٤٤٢ ]
وقوله: " (أنت) (^١) الحق" يحتمل أن يريد به اسمًا من أسمائه، ويحتمل أن يريد أنه أحق (ممن) (^٢) يدعي المشركون أنه إله، من قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الحَقُّ﴾ [الحج: ٦]، وظاهر قوله في هذا الحق يعود إلى معنى الصدق، ويتعلق بتسميته إلهًا، بمعنى أن من سماه إلهًا وأخبر عنه بذلك فقد صدق، وقال الحق، ومن سمى غيره إلهًا فقد كذب.
وقوله: ("ووعدك الحق") أي: وعد الجنة للطائع والنار للكافر، فوفي بوعده فهو عائد إلى معنى الصدق، ويحتمل أن يريد أن وعده حق بمعنى: إثبات أنه وعد بالبعث والحشر والنشر والثواب والعقاب، إنكارًا لقول من أنكر وعده بذلك، وكذلك الرسل فيه. و("أنبتُ"): رجعت.
وقوله: ("والجنة حق والنار حق")، يحتمل وجهين:
أحدهما: أن إخباره تعالى حق.
والثاني: أن إخبار من أخبر عنه بذلك وبلغه حق، ومعنى "أسلمت": انقدت.
وقوله: ("وبك آمنت") ظاهره: صدقت، قال تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ [يوسف: ١٧] وقيل: معناه: بهدايتك اهتديت.
وقوله: ("وبك خاصمت") قيل: يريد من خاصم فيه بلسان أو بيد، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ﴾ [غافر: ٣٥]، وقال ﴿وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ﴾ [غافر: ٥]. وقيل: بما آتيتني من البرهان احتججت.
_________________
(١) في الأصل: (أنه) والمثبت هو الصواب، كما في حديث الباب (٧٤٩٩).
(٢) في الأصل: (من) والمثبت من (ص ١).
[ ٣٣ / ٤٤٣ ]
وقوله: ("وإليك حاكمت") قيل: ظاهره أنه لا يحاكمهم إلا إلى الله، ولا يرضي إلا بحكمه، قال تعالى: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٨٩]، وقال: ﴿أَفَغَيْرَ اللهِ أَبْتَغِي حَكَمًا﴾ [الأنعام: ١١٤]، وقيل: كان - ﵇ - عند القتال يقول: "اللهم أنزل الحق" ويستنصر.
وقوله: ("فاغفر لي ما قدمت وما أخرت") قيل: يحتمل ما قدم وأخر مما مضى، ويحتمل أن يريد بما قدم: ما مضي، وما أخر: ما يستقبل، ويكون ذلك من قوله تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ﴾ الآية: [الفتح: ٢] وكانت الأنبياء يستغفرون، وإن كان غفر لها؛ ليزدادوا رفعة في الدرجات.
فصل:
قوله: ("إذا أراد عبدي أن يعمل سيئة فلا تكتبوها سيئة حتى يعملها").
قيل: معنى الإرادة هنا مرور الفكر بذلك من غير استقرار ولا توطين نفس، هذا قول أبي الطيب أنه إن وطَّن نفسه على المعصية وعزم عليها بقلبه فهو مأثوم، وخالفه كثيرون من القدماء والمحدثين وأخذوا بظاهر الأخبار أنه لا شيء عليه حتى يعمل كما هو ظاهر الحديث هنا، والهم في الآية إما على مذهب القاضي، فيحمل ذلك على الهم الذي ليس بتوطين النفس أوعلى من يجوز الصغائر عليهم، وإما على طريقة الفقهاء فهو مغفور له غير مؤاخذ به إذا كان شرعه في ذلك كشرعنا، وقيل في الآية: إنه لم يهم (^١).
وقوله: "وإذا أراد أن يعمل حسنة فلم يعملها فاكتبوها له حسنة". يريد: إن إرادته لعملها عمل كترك السيئة هو عمل أيضًا.
_________________
(١) "إكمال المعلم بفوائد مسلم" ١/ ٤٢٤.
[ ٣٣ / ٤٤٤ ]
فصل:
وقوله في حديث أبي هريرة - ﵁ -: ("قامت الرحم فقال: مه") هو زجر وردع. وقال الداودي: أي: ما هذا المقام؟ ولعله يريد أنه استفهام بمعنى الإنكار، وقال الجوهري: مه: كلمة مبنية على السكون، وهو اسم يسمى به الفعل، ومعناه: اكفف؛ لأنه زجر فإن وصلت نونت تقول: مهٍ مه (^١).
وقوله: ("فلما فرغ منه") أي: من الخلق.
وهذا الحديث لا تعلق فيه لمن يقول: يحدث كلامه تعالى من أجل أن الفاء في قوله (تعالى) (^٢) "فقال": توجب في الظاهر كون قوله تعالى عقب قول الرحم، وذلك مقتض للحديث؛ لقيام الدليل على أنه تعالى لم يزل قائلًا قبل أن يخلق خلقه بما لا أول له، وإذا كان ذلك كذلك وجب حمل قوله تعالى على معنى كلامه الذي لم يزل به متكلمًا وقائلًا، وعلى هذا المعني يحمل نحو هذا اللفظ إذا أتى في الحديث، وقد يحتمل أن يكون تعالى يأمر ملكًا من ملائكته بأن يقول هذا القول عنه وأضافه إليه، إذ كان قول الملك عن أمره تعالى (له) (^٣).
ويدل على صحة رواية من روي في حديث الشفاعة: "فأستأذن على ربي وأخر له ساجدًا، فيقال: يا محمد ارفع رأسك" بترك إسناد القول إليه تعالى، جاءت هذِه الرواية في الباب بعده (^٤).
_________________
(١) "الصحاح" ٦/ ٢٢٥٠.
(٢) من (ص ١).
(٣) من (ص ١).
(٤) تقدم مرارًا التنبيه على مثل هذِه التأويلات، وأنه لابد من إثبات الصفة على حقيقتها كما يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، دون تأويل أولى أعناق الكلام، وانظر تعليقنا ص ١٨٥ - ١٨٨، ٣٨٠.
[ ٣٣ / ٤٤٥ ]
فصل:
قد أسلفنا أن مه: زجر (وردع) (^١)، كذا هو في لسان العرب ومحال توجه ذلك إلى الرب -ﷻ-، فوجب توجيهه إلى من عاذت الرحم بالله تعالى من قطيعته إياها.
فصل:
قوله: "مطر" قد أسلفنا أن مطر في الرحمة وأمطر في العذاب، وجاء غيره.
قال تعالى: ﴿هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ [الأحقاف: ٢٤] والعرب تقول: مطرف السماء وأمطرت، ذكره الهروي.
وفي "الصحاح": مطرف وأمطرت، وقد مطرنا (^٢)، قال ابن فارس: يقولون مطرت السماء وأمطرت بمعنى (^٣).
وقوله: ("أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر بي"). بينه في الحديث (الآخر) (^٤) قال: ("فمن قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب") (^٥). واختلف إذا جعله دليلًا على المطر فقيل: هو مخطئ، وقيل: لا بأس به؛ لأن عمر - ﵁ - لما استسقى التفت إلى العباس - ﵁ - فقال: يا عم رسول الله، كم بقي من نوء الثريا؟ فقال العلماء بها يزعمون أنها تعترض في الأفق بعد سقوطها، قال:
_________________
(١) في الأصل: (ودعاء)، وفي (ص ١): (دعًا) والمثبت هو الأليق.
(٢) "الصحاح" ٢/ ٨١٨.
(٣) انظر: "مقاييس اللغة" ص ٩٥٢.
(٤) من (ص ١).
(٥) سلف برقم (٨٤٦) كتاب: الأذان، باب: يستقبل الإمام الناس إذا سلم، ورواه مسلم (٧١) كتاب: الإيمان، باب: كفر من قال مطرنا بنوء.
[ ٣٣ / ٤٤٦ ]
فما مضت سابعة حتى مطرنا، وقد بوب عليه البخاري فيما مضى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢)﴾ (^١). قال ابن عباس - ﵄ -: شكركم (^٢).
فصل:
وقوله: ("إذا أحب عبدي لقائي") قيل: يريد عند الموت إذا بشر بالجنة، ويكره (ذلك) (^٣) إذا بشر بالنار.
فصل:
وقوله: ("أنا عند ظن عبدي بي") يريد أنه يخشى ويرجو أن لا ينقطع الرجاء عند الذنب، وهذا لا يتوجه إلا إلى المؤمنين خاصة، أي: أنا عند ظن عبدي المؤمن بي، وفي التنزيل آيات تشهد أن عباده المؤمنين وإن أسرفوا على أنفسهم أنه عند ظنهم به من المغفرة والرحمة، وإن أبطأت حينًا وتراخت وقتًا لإنفاذ ما ختم به على من سبق عليه إنفاذ الوعيد تحلة القسم؛ لأنه قد كان له أن يعذب بذنب واحد أبدًا كإبليس فهو عند ظن عبده، وإن عاقب برهة، فإن كان ظنه به أنه لا يعذبه برهة ولا يخلد، فإنه كذلك يجده كما ظن إن شاء الله تعالى، فهو أهل التقوى وأهل المغفرة.
فصل:
وأما حديث الذي لم يعمل خيرًا قط.
_________________
(١) سلف برقم (١٠٣٨) كتاب: الاستسقاء.
(٢) رواه الحميدي في "مسنده" ٢/ ٢٠١ (١٠٠٩)، والطبري في "تفسيره" ١١/ ٦٦٢ - ٦٦٣ (٣٣٥٦١)، والبيهقي في "سننه" ٣/ ٣٥٩ كتاب: صلاة الاستسقاء.
(٣) من (ص ١).
[ ٣٣ / ٤٤٧ ]
ففيه دليل على أن الإنسان لا يدخل الجنة بعمله كما قال - ﵇ - (^١)، وفيه أن الإنسان يدخل الجنة بحسن نيته في صفته؛ لقوله: ("خشيتك يا رب").
وفيه: أن من جهل بعض الصفات فليس بكافر خلافًا لبعض المتكلمين؛ لأن الهل بها هو العلم، إذ لا يبلغ كنه صفاته تعالى، فالجاهل بها المؤمن حقيقة. ولهذا قال بعض السلف: عليكم بدين العذارى، أفترى العذارى تعلم حقيقة صفات الله تعالى؟! وللأشعري في تأويل هذا الحديث قولان، كان قوله الأول: إن من جهل القدرة أو صفة من صفات الله (تعالى) (^٢) فليس بمؤمن.
وقوله هو في هذا الحديث (إن) (^٣) قدر الله علي أن لا يرجع إلى القدرة، وإنما يرجع إلى معنى التقدير الذي هو بمعنى التضييق، كما قال تعالى في قصة يونس: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ [الأنبياء: ٨٧] أي: أن لن نضيق عليه. ثم رجع عن هذا القول، وقال: لا يخرج المؤمن من الإيمان بجهله صفة من صفات الله تعالى قدرة كانت أو سائر صفات ذاته تعالى إذا لم يعتقد في ذلك اعتقادًا يقطع على أنه الصواب والدين المشروع.
ألا تري أن الرجل قال: "لئن قدر الله عليه ليعذبنه" فأخرج ذلك مخرج الظن دون القطع على الله تعالى [أنه] (^٤) غير قادر على جمعه، إخراج خائف من عذاب ربه ذاهل به.
_________________
(١) سلف برقم (٥٦٧٣، ٦٤٦٣)، ورواه مسلم (٢٨١٦) من حديث أبي هريرة. وسلف أيضًا برقم (٦٤٦٧)، ورواه مسلم (٢٨١٨) من حديث عائشة.
(٢) من (ص ١).
(٣) في (ص ١): ليس.
(٤) زيادة ليست بالأصل، يستلزمها السياق، مثبتة من "شرح ابن بطال" ١٠/ ٥٠٢.
[ ٣٣ / ٤٤٨ ]
فصل:
يدل على ذلك قوله: مجيبًا لربه قال: ("لم فعلت؟ قال: من خشيتك وأنت (تعلم) " (^١» فأخبر بالعلة التي لها فعل ما فعل.
ويدل على صحة هذا قول من روى قوله: "لعلي أضل الله" (^٢) ولعل في كلام العرب موضوعة لتوقع مخوف لا يقطع على كونه ولا على انتفائه.
ومعني قوله: ("لعلي أضل الله") لعلي أخفي عليه وأغيب، وكان الواجب في اللغة: لعلي أضل على الله، فحذف حرف الجر وذلك مشهور في اللغة؛ لقوله: أستغفر الله ذنبًا. أي: أستغفر من ذنب.
ومن كان خائفًا عند حضور أجله، جدير أن تختلف أحواله لفرط خوفه وينطق بما لا (يعتقده، ومن كان هكذا فغير جائز إخراجه من الإيمان الثابت له إذا لم) (^٣) يعتقد ما قاله دينًا وشرعًا، وإنما يكفر من اعتقده تعالى على خلاف ما هو، وقطع على أن ذلك هو الحق لو كفر من جهل بعض الصفات لكفر عامة الناس إذ لا يكاد يجد من يعلم منهم أحكام صفات ذاته، ولو اعترضت جميع العامة وكثيرًا من الخاصة وسألتهم: هل (له) (^٤) قدرة أو علم أو سمع أو بصر أو إرادة؟
_________________
(١) كذا بالأصل، والذي في الروايات: (أعلم).
(٢) رواه أحمد ٤/ ٤٤٧، ٥/ ٣، والروياني في "مسنده" ٢/ ١١٣ - ١١٤ (٩٢٠)، ٢/ ١١٩ - ١٢٠ (٩٣٤)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" ١/ ١٦٥ (١٣٥) تحفة، والطبراني في "الكبير" ١٩/ ٤٢٣ - ٤٢٤ (١٠٢٦ - ١٠٢٩) من حديث معاوية بن حيدة القشيري، وقال الهيثمي في "المجمع" ١٠/ ١٩٥: رواه أحمد والطبراني ورجال أحمد ثقات
(٣) من (ص ١).
(٤) في (ص ١): لله.
[ ٣٣ / ٤٤٩ ]
وهل قدرته متعلقة بجميع ما يصلح كونه معلومًا لما عرفوا حقيقة ذلك؟ فلو حكم بالكفر على من جهل صفة من الصفات لوجب الحكم به على جميع العامة وأكثر الخاصة، وهذا محال.
والدليل على صحة قولنا حديث السوداء أنه - ﵇ - قال لها: "أين الله؟! " قالت: في السماء. فقال: "من أنا؟ " فقالت: إنك رسول الله، فقال: "أعتقها فإنها مؤمنة" (^١) فحكم لها بالإيمان، ولم يسألها عن صفات الله وأسمائه، ولو كان علم ذلك شرطًا في الإيمان لسألها عنه، كما سألها عن أنه رسول الله - ﷺ -.
وكذلك سأل أصحاب رسول الله - ﷺ -: عمر بن الخطاب وغيره رسول - ﷺعن القدر، فقالوا: يا رسول الله، أرأيت ما نعمل لأمر مستأنف أم لأمر قد سبق؟ فقال: " (بل) (^٢) لأمر قد سبق" قال: ففيم يعمل العاملون؟ فقال: "اعملوا فكل ميسرلما خلق له" (^٣) وأعلمهم أن ما أخطأهم لم يكن ليصيبهم (^٤) ومعلوم أنهم كانوا قبل سؤاله مؤمنين ولا يسع مسلمًا أن يقول غير ذلك فيهم، وإن كان لا يسعهم جهل القدرة، وقدم العلم لعلمهم ذلك مع شهادة التوحيد لعله عمودًا سادسًا للإسلام.
_________________
(١) رواه أبو داود (٣٢٨٤) من حديث أبي هريرة، وفيه ضعف، ورواه مسلم (٥٣٧) من حديث معاوية بن الحكم السلمي، لكن ليس فيه أنها جارية سوداء.
(٢) من (ص ١).
(٣) رواه الترمذي (٣١١) من حديث عمر بن الخطاب، وسيأتي برقم (٧٥٥١)، ورواه مسلم (٢٦٤٩) كتاب: القدر، باب: كيفية الخلق الأدمي في بطن أمه … من حديث عمران بن حصين.
(٤) رواه أبو داود (٤٦٩٩) وانظر: "السلسلة الصحيحة" (٢٤٣٩).
[ ٣٣ / ٤٥٠ ]
فصل:
قوله في حديث أبي هريرة - ﵁ -: ("قال رجل لم يعمل خيرًا قط") وقال بعده: "فقال ربه علم عبدي أن له ربًّا يغفر الذنب ويأخذ به"، وروي أنه لم يعمل حسنة إلا التوحيد (^١)، وفي "مسند الجوهري": أن هذا ذكر عن بني إسرائيل.
فصل:
وقوله: "لم يبتئر" قد سلف أنه بالراء وبالزاي، وأن قتادة فسره بقوله: لم يدخر، وكذا هو في اللغة.
قال الجوهري: البئيرة على فعيلة الذخيرة وقد بأرت الشيء وأبأرته: ادخرته (^٢) والزاي ليست معروفة في اللغة كما قال ابن التين قال: وروي يبتئن بالنون ويأتبر ليس لهما أيضًا أصل في اللغة.
وقوله في حديث أبي سعيد: "فاسحكوني". هو من السحك، وأورده ابن التين بلفظ: "فاسهكوني"، وقال: هو من السهك، كما أبدلت القاف من الكاف في الكافور والقافور.
قال أبو سليمان: وروي: "فاسحكوني" (^٣)، ومعناه: أبردوني (بالمسحك) (^٤) "وهوالمبرد (^٥)، وفي "الصحاح": سحكت الشيء سحقته (^٦).
_________________
(١) رواه أحمد ١/ ٣٩٨، من حديث ابن مسعود موقوفًا عليه، وأورده الهيثمي في "المجمع" ١٠/ ١٩٤ وقال: إسناده حسن، وصححه الألباني في "الصحيحة" (٣٠٤٨).
(٢) "الصحاح" ٢/ ٥٨٣ مادة: (بأر).
(٣) كذا بالأصل، وفي "الأعلام": (اسحلوني).
(٤) كذا بالأصل، وفي "الأعلام": (بالمسحل).
(٥) "أعلام الحديث" ٤/ ٢٣٤٨.
(٦) "الصحاح" ٥/ ١٧٢٧.
[ ٣٣ / ٤٥١ ]
وقوله في حديث أبي هريرة - ﵁ -: "واذروا نصفه في البر ونصفه في البحر" هو ثلاثي من قوله: ﴿تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ﴾ [الكهف: ٤٥]. أي: تفرقه، ووقع هنا رباعيًّا في قوله: "ففعلوا ثم أذروه". هو في اللغة ثلاثي كما وقع في القرآن، قال ابن التين: ورويناه بفتح الهمزة (حيث) (^١) ما وقع هنا.
فصل:
قد سلف الكلام على قوله: ("لئن قدر الله علي") قال ابن فورك وغيره: معنى ("قدر")، للتقدير أي: إن كان قدر وحكم عليّ بالعقوبة فإنه يعاقبني (^٢)، وإنما روي بالتشديد.
وقيل معناه: ضيق عليَّ وناقشني حسابًا مثل: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطلاق: ٧]. أي: ضيق، وهذا إحراقه نفسه، ثم إن الله تعالى تفضل عليه وغفر له بخشيته إياه، وهذا يدل أنه كان مقرًّا بالله موحدًا له، وقد سلف، وذكر أن الشيخ أبا عمران قال: قد يحتمل أن يكون هذا الرجل ظن أن من أحرق حتى يصير رمادًا، وذري في البحر لا يبعث، أو لعله لم يبلغه عن أحد من الرسل علم (هذا) (^٣) قيل: ولعل أبا عمران يريد أنه كان عالمًا بفعله وجود الله واستحقاقه أن يعبد وخفي عليه علم وجوب إعادة جميع الموتى؛ لأن طريق علم الله السمع.
وقيل: إنما غفر له، وإن كان ما قاله كفرًا ممن (يعقل) (^٤)؛ لأنه قاله حالة لا يعقل، وقد غلب عليه الجزع من عذاب الله تعالى على ما سلف
_________________
(١) في هامش الأصل: لعله حسب.
(٢) "مشكل الحديث" ص ٣١٩ - ٣٢٠.
(٣) في الأصل: (ذلك هذا).
(٤) في الأصل: (لا يعقل).
[ ٣٣ / ٤٥٢ ]
من ذنوبه، وعارضه بعضهم فقال: لأن قوله: "من خشيتك" يدل أنه قصد لفعل ذلك.
وقالت المعتزلة: إنما غفر له من أجل توبته التي تابها؛ لأن الله تعالى واجب عليه -عندهم- قبول التوبة من جهة العقل، وأبو الحسن الأشعري شيخ أهل السنة يقطع بقبولها من جهة السمع، ويقول: إن الله سبحانه وعد التائب في كتابه بقبولها، وسواه من أهل السنة يجوز قبولها كسائر الطاعات، فعلى هذا يجوز أن (يكون) (^١) الله سبحانه غفر له بتفضله عليه بقبول توبته، وقالت المرجئة: إنما غفر له بأصل توحيده الذي لا يضر معه معصية.
فصل:
وقوله: ("فما تلافاه أن رحمه") أي: تداركه، يقال: تلافيت الشيء: تداركته.
فصل:
وأما حديث أبي هريرة - ﵁ - المذكور قبل حديث أبي سعيد - ﵁ - في مواقعة الذنب مرة بعد مرة ثم استغفر ربه فغفر له.
فيه دليل على أن العصر في (مشيئة) (^٢) الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له، مُعْلنًا بخشيته التي جاء بها، وهي اعتقاده أن له ربًا خالقًا يعذبه ويغفر له، واستغفاره إياه على ذلك يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] ولا حسنة أعظم من التوحيد والإقرار بوجوده، والتضرع إليه في المغفرة.
_________________
(١) من (ص ١).
(٢) في الأصل: (معصية)، والمثبت من (ص ١).
[ ٣٣ / ٤٥٣ ]
فصل:
فإن قلت: إن استغفار ربه توبة منه ولم يكن مصرًّا.
قيل له: ليس الاستغفار أكثر من طلب غفرانه تعالى، وقد يطلب الغفران المصر والتائب، ولا دليل في الحديث على أنه قد تاب مما سأل (الغفران) (^١) منه؛ لأن حد التوبة الرجوع عن الذنب، والعزم أن لا يعود إلى مثله، والإقلاع عنها، والاستغفار لا يفهم منه ذلك.
_________________
(١) في الأصل: (العذاب)، والمثبت من (ص ١).
[ ٣٣ / ٤٥٤ ]