٤ - باب قَوْلِه تَعَالَى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦)﴾ [الجن: ٢٦] ﴿إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤] و﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ [النساء: ١٦٦] ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ﴾ [فاطر: ١١] ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [فصلت: ٤٧] قَالَ يَحْيَى: الظَّاهِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا، وَالْبَاطِنُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا.
٧٣٧٩ - حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ -، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «مَفَاتِيحُ الْغَيْبِ خَمْسٌ لَا يَعْلَمُهَا إِلاَّ اللهُ، لَا يَعْلَمُ مَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ إِلاَّ اللهُ، وَلَا يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ إِلاَّ اللهُ، وَلَا يَعْلَمُ مَتَى يَأْتِي الْمَطَرُ أَحَدٌ إِلاَّ اللهُ، وَلَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِلاَّ اللهُ، وَلَا يَعْلَمُ مَتَى تَقُومُ السَّاعَةُ إِلاَّ اللهُ». [انظر: ١٠٣٩ - فتح ١٣/ ٣٦١].
٧٣٨٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: مَنْ حَدَّثَكَ أَنَّ مُحَمَّدًا - ﷺ - رَأَى رَبَّهُ فَقَدْ كَذَبَ، وَهْوَ يَقُولُ ﴿لَا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] وَمَنْ حَدَّثَكَ أَنَّهُ يَعْلَمُ الْغَيْبَ فَقَدْ كَذَبَ، وَهْوَ يَقُولُ: لَا يَعْلَمُ الْغَيْبَ إِلاَّ اللهُ. [انظر: ٣٢٣٤ - مسلم: ١٧٧ - فتح ١٣/ ٣٦١].
ذكر فيه حديث ابن عمر - ﵄ -: "مَفَاتِيحُ الغَيْبِ خَمْسٌ .. " الحديث. وقد سلف (^١).
وذكره هنا بلفظ: وقال خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، ثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، ثَنا عَبْدُ اللهِ بْنُ دِينَارٍ، عَنِ ابن عُمَرَ - ﵄ - به.
_________________
(١) سلف برقم (١٠٣٩) كتاب: الاستسقاء، باب: لا يدري متى يجيء المطر إلا الله.
[ ٣٣ / ١٩٩ ]
وحديث عائشة - ﵂ - قَالَتْ: مَنْ حَدَّثَكَ أَنَّهُ يَعْلَمُ الغَيْبَ فَقَدْ كَذَبَ، وَهْوَ يَقُولُ: لَا يَعْلَمُ الغَيْبَ إِلَّا اللهُ.
غرضه في هذا الباب إثبات علم الله تعالى صفة (له) (^١) أبدًا؛ إذ العلم حقيقة في كون العالم عالمًا؛ إذ من المحال كون العالم عالمًا ولا علم له، وكذلك سائر أوصافه المقتضية للصفات التي هي حقيقة في ثبات الأوصاف المجراة عليه تعالى من كونه حيًّا قادرًا وما شابه ذلك خلافًا لما تقوله القدرية من أنه عالم قادر حي بنفسه لا بقدرة ولا بعلم ولا بحياة، ثم إذا ثبت كون علمه قديمًا وجب تعلقه لكل معلوم على حقيقته.
وقد نص تعالى على إثبات علمه بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾، [لقمان: ٣٤] وبقوله: ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ وغيرهما من الآيات السالفة، فمن دفع علم الباري تعالى الذي هو حقيقة في كونه عالمًا، وزعم أنه عالم بنفسه لا بعلم فقد رد نصه تعالى على إثبات العلم الذي هو حقيقة في كونه عالمًا، ولا خلاف في رد نصه على أنه ذو علم وبين رد نصه على أنه عالم، فالنافي لعلمه كالنافي لكونه عالمًا،
وأجمعت الأمة على أن من نفي كونه عالمًا فهو كافر، فينبغي أن يكون من نفي كونه ذا علم كافرًا، ومن نفي أحد الأمرين كمن نفى الآخر، والقول في العلم بهذا كاف من القول به في جميع صفاته.
وتضمن هذا الباب الرد على هشام بن الحكم (^٢) ومن قال بقوله
_________________
(١) في (ص ١): لذاته.
(٢) هو هشام بن الحكم الكوفي الرافضي المشبه المعثر، له نظر وجدل وتواليف كثيرة، وقال ابن حزم: جمهور متكلمي الرافضة كهشام بن الحكم وتلميذه أبي على الصكاك وغيرهما يقولون: بأن علم الله محدث، وأنه لم يعلم شيئًا في =
[ ٣٣ / ٢٠٠ ]
من أن علمه تعالى محدث، وأنه لا يعلم الشيء قبل وجوده، وقد نبه الله تعالى على خلاف هذا بقوله: ﴿إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ الآية [لقمان: ٣٤]، وجميع الآيات الواردة بذلك، وأخبر الشارع بمثل ذلك في حديث ابن عمر وعائشة - ﵄ -، فلا يلتفت إلى من رد نصوص الكتاب والسنة.
فصل:
وقول عائشة - ﵂ - السالف واحتجاجها بالآية سلف جوابه، وقال الداودي: إنما أنكرت ما قيل عن ابن عباس أنه رآه بقلبه، وأما معنى الآية: لا تحيط به الأبصار، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١)﴾ [الشعراء: ٦١]، فأخبر أنهما ترائيا.
وقوله: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾. يعنون: محاطًا بنا، والله تعالى يُرى في المعاد، وما ينكر إذا رُئِيَ أي في المعاد أن يراه من شاء الله أن يراه، والنفي لا يكون إلا بتوقيف، و(أما) (^١) منعها حجة (هي) (^٢) خلاف ما تبين لنا.
وذُكر عن ابن عباس أنه - ﵇ - رأى الله تعالى بعيني بصره (^٣). خلاف ما ذكر عنه الداودي أنه رآه بقلبه، ولعله سَبْقُ قلم، وإنما هو بعينه، وهو
_________________
(١) = الأزل، فأحدث لنفسه علمًا. قال: وقال هشام في مناظرته لأبي الهذيل: إن ربه طوله سبعة أشبار بشبر نفسه، قال: وكان داود الجواربي من كبار متكلميهم يزعم أن ربه لحم ودم على صورة الآدمي - عياذًا بالله من ذلك وتعالي الله عما يقول الظالمون علوًّا كبيرًا. انظر: "سير أعلام النبلاء" ١٠/ ٥٤٣ - ٥٤٤ (١٧٤).
(٢) في (ص ١): إنما.
(٣) من (ص ١).
(٤) عزاه السيوطي في "الدر المنثور" ٦/ ١٥٩ لابن مردويه عن ابن عباس أن النبي - ﷺ - رأى ربه بعينه. ولا يصح.
[ ٣٣ / ٢٠١ ]
الذي أنكرته عائشة - ﵂ - (^١)، وقال أبو الحسن الأشعري: هي فضيلة خص بها من بين سائر الأنبياء، ولا بأس أن تكون الملائكة يرونه بأبصار قلوبهم، وذلك غير ممتنع.
واختلف جوابه وجواب غيره من مشيخة أهل السنة: هل رؤيته تعالى في القيامة جزاء أم تفضل؟ ونفس (رؤيته) (^٢) سبحانه ليست لذة؛ لأن ذاته ليست ذاتا يلتذ بها، وإنما يصحب رؤيته اللذة، وقيل: معني لا تدركه الأبصار: لاتدركه جسمًا ولا جوهرًا ولا عرضًا ولا كشيء من المدركات، وقيل: لا تدركه الأبصار، وإنما يدركه المبصرون، وقيل: لا تدركه في الدنيا.
فصل:
قولها: (من حدثك أن محمدا يعلم الغيب فقد كذب).
قال الداودي: ما أظنه محفوظًا، وإنما المحفوظ: من حدثك أن محمدًا كتم شيئًا مما أنزل عليه فقد كذب (^٣)، وإنما قالت ذلك؛ لأن الرافضة كانت تقول: إنه - ﵇ - خص عليًّا بعلم لم يعلمه غيره، وأما علم الغيب فما أحد يدعي لرسول الله - ﷺ - أنه كان يعلم منه إلا ما علَّمه الله تعالى.
_________________
(١) في الحديث المتقدم عند البخاري (٧٣٨٠).
(٢) في الأصل: لذته والمثبت من (ص ١).
(٣) سلف هذا الحديث بهذا اللفظ (٤٦١٢) كتاب: التفسير، باب: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾، ورواه مسلم أيضًا بهذا اللفظ (١٧٧) كتاب: الإيمان، باب: معنى قول الله -﷿-: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣)﴾ وهل رأى النبي - ﷺ - ربه ليلة الإسراء؟
[ ٣٣ / ٢٠٢ ]