و﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ [الأنبياء: ٢] وَقَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّ اللهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: ١] وَأَنَّ حَدَثَهُ لَا يُشْبِهُ حَدَثَ الْمَخْلُوقِينَ لِقَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشوري: ١١].
وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - «إِنَّ اللهَ يُحْدِثُ مِنْ أَمْرِهِ مَا يَشَاءُ، وَإِنَّ مِمَّا أَحْدَثَ أَنْ لَا تَكَلَّمُوا فِي الصَّلَاةِ»
٧٥٢٢ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ وَرْدَانَ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - قَالَ: كَيْفَ تَسْأَلُونَ أَهْلَ الْكِتَابِ عَنْ كُتُبِهِمْ وَعِنْدَكُمْ كِتَابُ اللهِ أَقْرَبُ الْكُتُبِ عَهْدًا بِاللهِ تَقْرَءُونَهُ مَحْضًا لَمْ يُشَبْ؟ [انظر: ٢٦٨٥ - فتح: ١٣/ ٤٩٦].
٧٥٢٣ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: يَا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ، كَيْفَ تَسْأَلُونَ أَهْلَ الكِتَابِ عَنْ شَيْءٍ وَكِتَابُكُمُ الذِي أَنْزَلَ اللهُ عَلَى نَبِيِّكُمْ - ﷺ - أَحْدَثُ الأَخْبَارِ بِاللهِ مَحْضًا لَمْ يُشَبْ، وَقَدْ حَدَّثَكُمُ اللهُ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ بَدَّلُوا مِنْ كُتُبِ اللهِ وَغَيَّرُوا فَكَتَبُوا بِأَيْدِيهِمْ، قَالُوا: هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ. لِيَشْتَرُوا بِذَلِكَ ثَمَنًا قَلِيلًا، أَوَ لَا يَنْهَاكُمْ مَا جَاءَكُمْ مِنَ العِلْمِ عَنْ مَسْأَلَتِهِمْ؟ فَلَا وَاللهِ مَا رَأَيْنَا رَجُلًا مِنْهُمْ يَسْأَلُكُمْ عَنِ الذِي أُنْزِلَ عَلَيْكُمْ. [انظر: ٢٦٨٥ فتح: ١٣/ ٤٩٦].
(وقال ابن مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -: "إِنَّ اللهَ يُحْدِثُ مِنْ أَمْرِهِ مَا يَشَاءُ، وَإِنَّ مِمَّا أَحْدَثَ أَنْ لَا تَكَلَّمُوا فِي الصَّلَاة").
[ ٣٣ / ٥٠١ ]
وهذا أسنده في الصلاة (^١).
ثم ذكر حديث ابن عَبَّاسٍ - ﵄ - قَالَ: كَيْفَ تَسْأَلُونَ أَهْلَ الكِتَاب عَنْ شيء وَعِنْدَكُمْ كِتَابُ اللهِ أَقْرَبُ الكُتُبِ عَهْدًا باللهِ تَقْرَءُونَهُ مَحْضًا لَمْ يُشَبْ؟
وفي لفظ: يَا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ، كَيْفَ تَسْأَلُونَ أَهْلَ الكِتَابِ عَنْ شَيْءٍ وَكِتَابُكُمُ الذِي أَنْزَلَ اللهُ عَلَى نَبِيكُمْ أَحْدَثُ الأَخْبَارِ باللهِ مَحْضًا لَمْ يُشَبْ، وَقَدْ حَدَّثَكُمُ اللهُ أَنَّ أَهْلَ الكِتَابِ قَدْ بَدَّلُوا مِنْ كُتُبِ اللهِ وَغَيَّرُوا فَكَتَبُوا بأَيْدِيهِمْ الكتب، وقَالُوا: هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ. لِيَشْتَرُوا بِذَلِكَ ثَمَنًا قَلِيلًا، أوَ لَا يَنْهَاكُمْ مَا جَاءَكُمْ مِنَ العِلْمِ عَنْ مَسْأَلَتِهِمْ؟ فَلَا والله مَا رَأَيْنَا رَجُلًا مِنْهُمْ يَسْأَلُكُمْ عَنِ الذِي أُنْزِلَ عَلَيْكُمْ.
الشرح:
سلف حديث ابن عباس - ﵄ - والكلام عليه.
وغرض البخاري في الباب: الفرق بين وصف كلام الله بأنه مخلوق وبين وصفه بأنه محدث، فأحال وصفه بالخلق وأجاز وصفه بالحدث؛ اعتمادًا على قوله تعالى: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ [الأنبياء: ٢] وهذا القول لبعض المعتزلة ولبعض أهل الظاهر.
وهو خطأ من القول (^٢)؛ لأن الذكر الموصوف في الآية بالإحداث ليس هو نفس كلامه تعالى؛ لقيام الدليل على أن محدثًا أو مخلوقًا ومنشئًا (ومخترعًا) (^٣) ألفاظ مترادفة على معنى واحد، فماذا لم يجز
_________________
(١) سبق برقم (١١٩٩) كتاب العمل في الصلاة، باب: ما ينهى من الكلام في الصلاة
(٢) إطلاق الخطأ المحض على هذِه المسألة ليس بصواب؛ بل فيها تفصيل يخالف بعض ما ذكره المصنف فيما بعد، وقد تقدم الكلام عليه.
(٣) من (ص ١).
[ ٣٣ / ٥٠٢ ]
وصف كلامه تعالى القائم بذاته بأنه مخلوق لم يجز وصفه بأنه محدث، وإذا كان ذلك كذلك كان الذكر الموصوف في الآية بأنه محدث راجعًا بأنه الرسول - ﵇ -؛ لأنه قد سماه الله تعالى ذكرًا في آية أخرى، فقال تعالى: ﴿قَدْ أَنْزَلَ اللهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا (١٠) رَسُولًا﴾ [الطلاق: ١٠، ١١]، فسماه ذكرًا في هذِه الآية، فيكون المعنى: ما يأتيهم رسول، ويحتمل أن يكون الذكر هنا هو وعظ الرسول - ﵇ - وتحذيره إياهم من المعاصي؛ فسمي وعظه ذكرًا، وأضافه إليه تعالى إذ هو فاعل له ومقدر رسوله على اكتسابه.
وقال بعض المتكلمين في هذِه الآية: إن مرجع الإحداث إلى الإتيان لا إلى الذكر القديم؛ لأن نزول القرآن على رسول الله - ﷺ - كان شيئًا بعد شيء فكان يحدث نزوله حينًا بعد حين، ألا ترى أن العالم (يعلم) (^١) ما لا يعلمه الجاهل فإذا علمه الجاهل، حدث عنه الحكم، ولم يكن إحداثه عند المتعلم إحداث عين (العلم) (^٢).
وقد ظهر بما قررناه الرد على من ادعي خلق القرآن حيث قالوا: المحدث هو المخلوق، وقد قررناه أن الذكر (في القرآن) (^٣) منصرف إلى الرسول، وينصرف أيضًا إلى العلم، ومنه: قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٧] وإلى العظمة، ومنه ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١)﴾ [ص: ١] أي: العظمة، وإلى الصلاة ومنه: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللهِ﴾ [الجمعة: ٩] وإلى الشرف ومنه: ﴿وَإِنَّهُ
_________________
(١) في الأصل: لم يعلم.
(٢) في (ص ١): المعلم.
(٣) من (ص ١).
[ ٣٣ / ٥٠٣ ]
لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: ٤٤] (^١) فإذا كان الذكر ينصرف إلى هذِه الوجوه وها كلها محدثة كان حمله على أحدها أولى؛ ولأنه لم يقل سبحانه: ما يأتيهم من ذكر من ربهم [إلا كان محدثًا] (^٢)، ونحن لا ننكر أن يكون من الذكر ما هو محدث كما قلنا، وقيل: محدث عندهم و(من) زائدة للتوكيد في قوله: ﴿مِنْ ذِكْرٍ﴾.
وقال الداودي: الذكر في الآية: القرآن، قال: وهو محدث عندنا، وهو من صفاته تعالى لأنه لم يزل -﷾- بجميع صفاته وهذا منه قول عظيم والاستدلال الذي استدل به يرد عليه؛ لأنه إذا كان (لم يزل) (^٣) بجميع صفاته وهو تعالى قديم، فكيف تكون صفته محدثه وهو لم يزل بها إلا أن يريد أن المحدث غير المخلوق، وهو ظاهر قول البخاري؛ لقوله وأنَّ حَدَثَه لا يشبه حدث المخلوقين، فأثبت أنه محدث.
والدليل على أنه غير مخلوق أنه لو كان مخلوقًا لم يخل أن يكون تعالى خلقه في نفسه أو غيره أولا في مكان، فيستحيل أن يكون خلقه لا في مكان، ولئلا يكون ذلك إلى قيام الصفات بأنفسها وذلك محال، كان كان خلقه في غيره وجب أن يكون ذلك الغير هو المتكلم (به) (^٤) دون الله تعالى؛ لأن المتكلم (هو) (^٥) من وُجِدَ الكلام منه دون
_________________
(١) قيل للإمام أحمد: قال الله -﷿-: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾. أفيكون محدثًا إلا مخلوقًا؟ فقال: قال تعالى: ص والقران ذي الذكر. فالذكر هو القرآن وتلك ليس فيه ألف ولا لام. انظر: "طبقات الشافعية الكبرى" ٢/ ٤٧.
(٢) في الأصل: (محدث)، والمثبت من "الفتح" ١٣/ ٤٩٨، وهو المناسب للسياق.
(٣) من (ص ١).
(٤) من (ص ١).
(٥) من (ص ١).
[ ٣٣ / ٥٠٤ ]
من فعله (^١).
فصل:
قد أسلفنا تفسير قوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩] مرفوعًا أنه يغفر ذنبا ويكشف كربًا ويجيب داعيًا، وعن ابن عباس - ﵁ -: لله لوح محفوظ ينظر فيه كل يوم ستين وثلاثمائة نظرة (^٢) وذكر الحديث، وقال عمرو بن ميمون: من شأنه أن يميت حيًّا ويقر في
_________________
(١) سبق أن قررنا أن الكلام صفة ثابتة لله -﷿-، وهي صفة ذاتية باعتبار جنس الكلام، فعلية باعتبار آحاده فالله تعالى يتكلم كيف شاء، متي شاء، بما شاء، لمن شاء. وانظر التعليق المتقدم ص ٣٨٠، ١٨٦.
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" ١١/ ٥٩٢ (٣٣٠١٣)، وأبو الشيخ في "العظمة" ٢/ ٤٩٢ - ٤٩٣، والحاكم ٢/ ٤٧٥، ٥١٦ من طريق أبي حمزة الثمالي عن سعيد ابن جبير عن ابن عباس. قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقال أيضًا: صحيح الإسناد فإن أبا حمزة الثمالي لم ينقم عليه إلا الغلو في مذهبه فقط. وقال الذهبي: اسم أبي حمزة ثابت، وهو واه بمرة. ورواه الطبراني ١٠/ ٢٦٠، وأبو نعيم في "الحلية" ١/ ٣٢٥ - ٣٢٦، والضياء في "المختارة"١٠/ ٧١ من طريق بكير بن شهاب عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس. قال الهيثمي في "المجمع" ٧/ ١٩١: رواه الطبراني من طريقين ورجال هذِه ثقات. وقال الألباني في تعليقه على "شرح الطحاوية": إسناده يحتمل التحسين؛ فإن رجاله كلهم ثقات غير بكير بن شهاب وهو الكوفي، قال فيه أبو حاتم: شيخ. ورواه أبو نعيم في "الحلية" ٤/ ٣٠٥ من طريق عبد الملك بن سعيد بن جبير عن أبيه، عن ابن عباس مرفوعًا. قال أبو نعيم: غريب من حديث سعيد وابنه عبد الملك، لم نكتبه إلا من هذا الوجه. ورواه أبو الشيخ في "العظمة" ٢/ ٤٩٦ من طريق أبي حمزة عن الضحاك عن ابن عباس مرفوعًا.
[ ٣٣ / ٥٠٥ ]
الأرحام ما يشاء ويعز ذليلًا ويذل عزيزًا، وقيل: لله في كل يوم ثلاث عساكر: عسكر يخرج من الأصلاب إلى الأرحام، وعسكر يخرج من الأرحام إلى الدنيا، وعسكر يخرج من الدنيا إلى القبور.
[ ٣٣ / ٥٠٦ ]