وَقَوْلِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «أُعْطِيَ أَهْلُ التَّوْرَاةِ التَّوْرَاةَ فَعَمِلُوا بِهَا، وَأُعْطِىَ أَهْلُ الإِنْجِيلِ الإِنْجِيلَ فَعَمِلُوا بِهِ، وَأُعْطِيتُمُ القُرْآنَ فَعَمِلْتُمْ بِهِ». [انظر: ٥٥٧]. وَقَالَ أَبُو رَزِينٍ: ﴿يَتْلُونَهُ﴾ [البقرة:١٢١]: يَتَّبِعُونَهُ وَيَعْمَلُونَ بِهِ حَقَّ عَمَلِهِ. يُقَالُ: ﴿يُتْلَى﴾ [النساء: ١٢٧] يُقْرَأُ، حَسَنُ التِّلَاوَةِ: حَسَنُ القِرَاءَةِ لِلْقُرْآنِ. ﴿لَا يَمَسُّهُ﴾ [الواقعة: ٧٩] لَا يَجِدُ طَعْمَهُ وَنَفْعَهُ إِلاَّ مَنْ آمَنَ بِالْقُرْآنِ، وَلَا يَحْمِلُهُ بِحَقِّهِ إِلاَّ المُوقِنُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللهِ وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥)﴾ [الجمعة: ٥]. وَسَمَّى النَّبِيُّ - ﷺ - الإِسْلَامَ وَالإِيمَانَ عَمَلًا. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ - لِبِلَالٍ: «أَخْبِرْنِي بِأَرْجَى عَمَلٍ عَمِلْتَهُ فِي الإِسْلَامِ». قَالَ: مَا عَمِلْتُ عَمَلًا أَرْجَى عِنْدِي أَنِّي لَمْ أَتَطَهَّرْ إِلاَّ صَلَّيْتُ. وَسُئِلَ: أَيُّ العَمَلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «إِيمَانٌ بِاللهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ الجِهَادُ، ثُمَّ حَجٌّ مَبْرُورٌ».
٧٥٣٣ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي سَالِمٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «إِنَّمَا بَقَاؤُكُمْ فِيمَنْ سَلَفَ مِنَ الأُمَمِ كَمَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعَصْرِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، أُوتِيَ أَهْلُ التَّوْرَاةِ التَّوْرَاةَ فَعَمِلُوا بِهَا حَتَّى انْتَصَفَ النَّهَارُ، ثُمَّ عَجَزُوا فَأُعْطُوا قِيرَاطًا قِيرَاطًا، ثُمَّ أُوتِيَ أَهْلُ الإِنْجِيلِ الإِنْجِيلَ فَعَمِلُوا بِهِ حَتَّى صُلِّيَتِ العَصْرُ. ثُمَّ عَجَزُوا فَأُعْطُوا
[ ٣٣ / ٥٢٥ ]
قِيرَاطًا قِيرَاطًا، ثُمَّ أُوتِيتُمُ القُرْآنَ فَعَمِلْتُمْ بِهِ حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، فَأُعْطِيتُمْ قِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ، فَقَالَ أَهْلُ الْكِتَابِ: هَؤُلَاءِ أَقَلُّ مِنَّا عَمَلًا وَأَكْثَرُ أَجْرًا. قَالَ اللهُ: هَلْ ظَلَمْتُكُمْ مِنْ حَقِّكُمْ شَيْئًا؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: فَهْوَ فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ أَشَاءُ» [انظر: ٥٥٧ - فتح ١٣/ ٥٠٨].
(وَقَوْلِ النَّبِيِّ - ﷺ -: " أُعطِيَ أَهْلُ التَّوْرَاةِ التَّوْرَاةَ فَعَمِلُوا بِهَا حَتَّى انْتَصَفَ النَّهَارُ". الحديث، وقد سلف مسندًا في الصلاة (^١) وأسنده في آخر الباب أيضًا من حديث ابن عمر.
وَقَالَ أَبُو رَزِينٍ: ﴿يَتْلُونَهُ﴾ [البقرة: ١٢١]: يَتَّبِعُونَهُ وَيَعْمَلُونَ بِهِ حَقَّ عَمَلِهِ.
وهذا أسنده ابن المبارك في "رقائقه" عن سعيد بن سليمان، عن خلف بن خليفة، ثنا حميد الأعرج: قال: قال أبو رزين فذكره (^٢).
يقال: ﴿يُتْلَى﴾: يقرأ، حسن التلاوة: حسن القراءة بالقرآن ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩)﴾: لا يجد طعمه ونفعه إلا من آمن بالقرآن ولا يحمله بحقه إلا الموفق؛ لقوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا﴾ الآية. وسمى النبي - ﷺ - الإسلام والإيمان والصلاة عملًا، قال أبو هريرة - ﵁ -: قال النبي - ﷺ - لبلال: "أخبرني بأرجى عمل عملته في الإسلام". قال: ما عملت عملًا أرجى عندي أنيِّ لم أتطهر
_________________
(١) سلف برقم (٥٥٧) باب: من أدرك ركعة من العصر قبل الغروب.
(٢) لم أقف على هذا السند، لكن رواه الثوري في "تفسيره" ص ٤٨، ومن طريقه الطبري ١/ ٥٦٧، والخطيب في "اقتضاء العلم" (١١٧) ومن طريق الخطيب الحافظ ابن حجر في "تغليق التعليق" ٥/ ٣٦٩ عن منصور عن أبي رزين به. ورواه ابن المبارك في "الزهد" (٧٩٢)، ومن طريقه ابن جرير ١/ ٥٦٨ عن عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء وقيس بن سعد عن مجاهد من قوله. ورواه ابن جرير ١/ ٥٦٨ عن مجاهد من طرق أخرى غير هذا الطريق، وهو في "تفسير مجاهد" ص ٨٧
[ ٣٣ / ٥٢٦ ]
إلا صليت. وسئل: أي العمل أفضل؟ قال: "إيمان بالله ورسوله، ثم الجهاد، ثم حج مبرور". وسلف هذا وما قبله (مسندان) (^١)، وقصة بلال في الفضائل سلفت (^٢). ثم ساق حديث ابن عمر - ﵄ - الذي ذكره أولًا.
ومعنى هذا الباب كالذي قبله أن كل ما يكسبه الإنسان مما يؤمر به من صلاة أو حج أو جهاد وسائر الشرائع عمل يجازى على فعله ويعاقب على تركه إنْ أنفذ الله عليه الوعيد.
فصل:
وأما الآية التي صدَّر بها البخاري الباب، فقال ابن عباس: كان إسرائيل اشتكى عرق النسا فكان له صياح، فقال: إن أبرأني الله من ذلك لا آكل عرقًا (^٣). وقال مجاهد: الذي حرم على نفسه الأنعام (^٤)، وقال عطاء: لحوم الإبل وألبانها (^٥).
قال الضحاك: قالت اليهود لرسول الله - ﷺ -: حرم علينا هذا في التوراة، فأكذبهم الله وأخبر أن إسرائيل حرم على نفسه من قبل أن تنزل التوراة، ودعاهم إلى إحضارها، فقال: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ﴾ الآية (^٦) [آل عمران: ٩٣].
_________________
(١) هكذا في الأصل، والصواب: مسندين، ولعله على لغة من يلزم المثنى الألف في جميع إعرابه، والله أعلم.
(٢) سلف في الفضائل معلقًا، باب: مناقب بلال - ﵁ -.
(٣) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" ١/ ١٣٢، الطبري في "تفسيره" ٣/ ٣٥٢ (٧٤١٥).
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" ٣/ ٣٥٢ (٧٤١٧)، وابن أبي حاتم ٣/ ٧٠٥.
(٥) رواه الطبري في "تفسيره" ٣/ ٣٥١ (٧٤١٣).
(٦) رواه الطبري ٣/ ٣٤٩ (٧٣٩٨).
[ ٣٣ / ٥٢٧ ]
فصل:
وقول أبي رزين في ﴿يَتْلُونَهُ﴾: يتبعونه، هو قول عكرمة. قال عكرمة: أما سمعت قول الله تعالى: ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا (٢)﴾ [الشمس: ٢] أي: تبعها، وقال قتادة: هؤلاء أصحاب نبي الله آمنوا بكتاب الله وصدقوا به، وأحلوا حلاله، وحرموا حرامه، وعملوا بما فيه.
وقال الحسن: يعملون بمحكمه ويؤمنون بمتشابهه ويكِلُون ما أشكل عليهم إلى عالمه (^١). واستحسن بعضهم قول أبي رزين وقال: هو معروف في اللغة، واحتج (له) (^٢) بقوله:
قد جعلت دلوي تسكني (^٣) …
وبقول أبي موسى الأشعري - ﵁ -: من يتبع الرسول يهبط به على رياض الجنة (^٤).
_________________
(١) انظر أثر عكرمة وقتادة والحسن في "تفسيره ابن جرير" ١/ ٥٦٨ - ٥٦٩.
(٢) من (ص ١).
(٣) كذا بالأصل: تسكني، وهو خطأ صوابه: تَسْتَتْليني كما في "معاني القرآن" للنحاس ٣/ ٢٩٢، و"زاد المسير" ٤/ ٢٨ بمعنى: تستتبعني. وهو صدر بيت عجزه: … ولا أُريد تَبَعَ القَريْنِ. وهو في "اللسان" ١/ ٤٤٣ غير منسوب لقائل.
(٤) رواه أبو عبيد في "غريب الحديث" ٢/ ٢٦٧، و"فضائل القرآن" ص ٨١ - ٨٢، وسعيد بن منصور ١/ ٤٩ (٨)، وابن أبي شيبة ٦/ ١٢٦ (٣٠٠٠٥)، و٧/ ١٥٥ (٣٤٨١٠)، والدارمي ٤/ ٢٠٩٦ (٣٣٧١)، وأبو نعيم ١/ ٢٥٧، والبيهقي في "الشعب" ٢/ ٣٥٤ (٢٠٢٣) بلفظ: إن هذا لقرآن كائن لكم أجرًا وكائن عليكم وزرًا، فاتبعوا القرآن، ولا يتبعكم القرآن، فإنه من يتبع القرآنَ يهبط به على رياض الجنة، ومن يتبعه القرآن يزخ في قفاه حتى يقذف به في نار جهنم. قال أبو عبيد: يزخ في قفاه أي: يدفعه.
[ ٣٣ / ٥٢٨ ]
فصل:
وقوله في أهل التوراة: "فعملوا بها حتى انتصف النهار ثم عجزوا"، قال الداودي: هو وهم. قال: وكذلك "فأعطوا قيراطًا" في النصارى، قال: وفي موضع آخر: "لا حاجة لنا بالأجر" (^١)، ولم يذكر أنهم أعطوا شيئًا إلى نصف النهار، وفي رواية: "إلى صلاة الظهر ثم كفروا فحبطت أعمالهم فلم يعطوا شيئًا وكذلك أهل الإنجيل كفروا أيضًا فلم يعطوا شيئًا"، وفي رواية: "إن أهل التوراة أعطوا قيراطًا على أن يعملوا إلى صلاة الظهر فعملوا، وأعطوا قيراطًا"، ولعل هذا فيمن مات (منهما) (^٢) قبل البعثة.
فصل:
وقوله: ("قال أهل الكتاب: هؤلاء أقل منا عملًا وأكثر أجرًا"). يريد أهل التوراة كما بينه في الحديث السالف؛ لأن النصارى ليسوا بأقل عملًا من الفضائل على مثله؛ لأن من نصف النهار إلى العصر ليس بأقل من حينئذٍ إلى الغروب عندنا، وعند الحنفية أن أول الوقت مصير ظل كل شيء مثليه، وقد سلف كل ذلك.
_________________
(١) سلف برقم (٥٥٨).
(٢) من (ص ١).
[ ٣٣ / ٥٢٩ ]