٧٣٨١ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا مُغِيرَةُ، حَدَّثَنَا شَقِيقُ بْنُ سَلَمَةَ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ: كُنَّا نُصَلِّي خَلْفَ النَّبِيِّ - ﷺ - فَنَقُولُ: السَّلَامُ عَلَى اللهِ. فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «إِنَّ اللهَ هُوَ السَّلَامُ، وَلَكِنْ قُولُوا: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ». [انظر: ٨٣١ - مسلم: ٤٠٢ - فتح ١٣/ ٣٦٥].
ذكر فيه حديث شقيق بن سلمة قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ - ﵁ -: كُنَّا نُصَلِّي خَلْفَ النَّبِيِّ - ﷺفَنَقُولُ: السَّلَامُ عَلَى اللهِ. فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: "إِنَّ اللهَ هُوَ السَّلَامُ، ولكن قُولُوا: التَّحِيَّاتُ لله .. "
الشرح:
السلام هو: السالم من العيوب والنقائص والآفات الدالة على حدث بمعنى السلامة من ذلك كله.
والمؤمن: المصدق، أي: صدق نفسه وأنبياءه، وقيل: يؤمن (من) (^١) الخوف، ومنه: ﴿وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (٤)﴾ [قريش: ٤].
وغرضه في هذا الباب إثبات اسمًا من أسمائه تعالى، فالسلام اسم من أسمائه تعالى.
وقوله: ﴿وَاللهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ﴾ [يونس: ٢٥]. (مختلف في تأويله فقيل معناه: والله يدعو إلى دار السلامة) (^٢) يعني: الجنة؛ لأنه لا آفة فيها
_________________
(١) من (ص ١).
(٢) من (ص ١).
[ ٣٣ / ٢٠٣ ]
ولا كدر، فالسلام على هذا والسلامة بمعنى، كاللذاذ واللذاذة، والرضاع والرضاعة.
وقيل: السلام اسم لله تعالى. قال قتادة: الله السلام وداره الجنة (^١)، وقال الخطابي: السلام هو الذي سلم الخلق من ظلمه. فأما المؤمن فعلي وجهين:
أحدهما: أن تكون صفة ذات وهو أن يكون متضمنا لكلام الله تعالى الذي هو تصديقه لنفسه في إخباره، ولرسله في صحة دعواهم الرسالة عليه، وتصديقه هو قوله، وقوله هو صفة من صفات ذاته لم يزل موجودًا به حقيقة في كونه قائلًا متكلمًا مؤمنًا مصدقًا.
الثاني: أن يكون متضمنًا صفة فعل هي أمانة رسله وأوليائه المؤمنين به من عقابه وأليم عذابه من قولك: أمنت فلانًا من كذا، وأمنته منه كأكرمت وكرمت، وأنزلت ونزلت، ومنه قوله تعالى: ﴿وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (٤)﴾ [قريش: ٤]، وقد سلف.
وقال الحليمي في "منهاجه": معناه: لا ينقص المطيعين يوم الحساب من طاعته شيئًا ويثيبهم عليه؛ لأن الثواب لا يعجزه ولا هو مستكره عليه فيضطر إلى كتمان (الأعمال) (^٢) أو جحدها، وليس ببخيل فيبخله استكثار الثواب إذا كثرت الأعمال على كتمان بعضها، ولا يلحقه نقص لما يثيب فيحبس بعضه؛ لأنه ليس منتفعا بملكه حتى إذا نفع غيره به زال انتفاعه عنه بنفسه، ولا ينقص المطيع من حسناته شيئًا لا يزيد به العصاة على ما اجترحوه من السيئات شيئًا، فيزيدهم
_________________
(١) رواه الطبري ٦/ ٥٤٨ (١٧٦١٩ - ١٧٦٢٠)، وابن أبي حاتم ٦/ ١٩٤٣ (١٠٣٢٩).
(٢) في (ص ١): بعض الأعمال.
[ ٣٣ / ٢٠٤ ]
عقابًا على ما استحقوه؛ لأن واحدًا من الكذب والظلم ليس جائزًا عليه، وقد سمي عقوبة أهل النار جزاء فما لم يقابل منها ذنبًا لم يكن جزاء، ولم يكن (وفاقًا) (^١) يدل ذلك على أنه لا يفعله (^٢).
فصل:
والمهيمن في الآية راجع إلى معنى الحفظ والرعاية، وذلك صفة فعل له تعالى، وقد روينا من طريق البيهقي إلى ابن عباس - ﵄ - في قوله تعالى: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨] قال: مؤتمنًا عليه (^٣)، وفي رواية علي بن أبي طلحة (عنه) (^٤): المهيمن: الأمين، القرآن أمين على كل كتاب قبله (^٥)، وقال مجاهد: الشاهد على ما قبله من الكتب (^٦)، وقيل: الرقيب على كل شيء والحافظ له، وقال بعض أهل اللغة: الهيمنة: القيام على الشيء والرعاية له، وأنشد:
ألا إن خيرَ الناسِ بعد نبيه … مُهَيْمِنهُ التَّاليِه في العُرف والنُّكْر
يريد: القائم على الناس بعده بالرعاية له (^٧).
وفي "المحكم" المهيمن - بكسر الميم وفتحها (^٨). قال القزاز: وقالوا في قول العباس في رسول الله - ﷺ -:
_________________
(١) في الأصل، (ص ١): (وفا ما)، والمثبت من "الأسماء والصفات" للبيهقي.
(٢) انظر: "الأسماء والصفات" للبيهقي ١/ ١٦٦.
(٣) "الأسماء والصفات ١/ ١٦٧ (١٠٨).
(٤) من (ص ١).
(٥) "الأسماء والصفات" ١/ ١٦٧ (١٠٩).
(٦) "الأسماء والصفات" ١/ ١٦٧ - ١٦٨ (١١٠).
(٧) نقله الأزهري في "تهذيب اللغة" ٤/ ٣٨٠٠ عن ابن الأنباري.
(٨) ٤/ ٢٤٠.
[ ٣٣ / ٢٠٥ ]
حتى احتوى بيتُك المُهَيمنُ مِن … خِندَف علياء تحتَها النُّطُقِ (^١)
إنما أراد: حتى احتويت أنت، ثم أقام البيت أي: يا أمين، وهو كان اسمه (^٢).
قال عياض: قد سمى الله نبينا أمينًا فقال: ﴿مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (٢١)﴾ [التكوير: ٢١]، وسماه العباس مهيمنًا.
فصل:
معنى منعه - ﵇ - من قوله: السلام قد بينه بقوله: "إنَّ الله هو السلام". ويستحيل أن يقال السلام على الله؛ لاستحالة القول: الله على الله، وعلى قول من جعل السلام بمعنى السلامة، يستحيل أيضًا أن يدعى له تعالى بالسلامة.
فصل:
وقوله: "التحيات لله .. " إلى آخره هو صرف منه - ﵇ - لهم عما يستحيل الكلام به إلا ما يحسن، وجمل لما في ذلك من الإقرار لله تعالى بملك
_________________
(١) البيت في "تهذيب اللغة" ٤/ ٣٨٠٠، "اللسان" ٨/ ٤٧٠٥ (همن).
(٢) قال في "لسان العرب" مادة (همن): معناه حتى احتويتَ يا مُهَيْمِنُ من خِنْدِفَ علياء يريد به النبي - ﷺ - فأَقام البيت مقامه؛ لأَن البيت إذا حَلَّ بهذا المكان فقد حَلَّ به صاحبُه، قال الأَزهرى: وأَراد ببيته شَرَفَه والمهيمن من نعته كأَنه قال حتى احْتَوى شَرَفُك الشاهدُ على فضلك علياءَ الشَّرَفِ من نسب ذوي خِنْدِف أَي ذِرْوَةَ الشَّرَف من نسبهم التي تحتها النُّطُقُ وهي أَوساطُ الجبال العالية، جعل خِنْدِفَ نُطُقًا. قال ابن بري في تفسير قوله: بيتُك المهيمنُ. قال: أَي بيتُك الشاهدُ بشرفك وقيل أَراد بالبيت نفسه لأَن البيت إذا حَلَّ فقد حلَّ به صاحبه، وفي حديث عكرمة كان عليّ - ﵇ - أَعْلَم بالمُهَيْمِناتِ أَي القَضايا من الهَيْمنَة وهي القيام على الشيء، جعل الفعل لها وهو لأَربابها القوّامين بالأُمور. وروي عن عمر أَنه قال يومًا: إنِّي داع فَهَيْمِنُوا، أَي إني أَدْعُو الله فأَمِّنُوا، قلب أَحد حرفي التشديد في أَمِّنُوا ياء فصار أَيْمِنُوا، ثم قلب الهمزة هاء وأحدى الميمين ياء، فقال: هَيْمِنُوا.
[ ٣٣ / ٢٠٦ ]
كل شيء، وشرعه ما شرعه لعباده فيما أوجبه عليهم من الصلوات المفروضة وندبه إليهم من النوافل، والتقرب (إليه) (^١) بالدعاء، والكلام الطيب الذي وصف تعالى أنه يصعد إليه بقوله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠].
فصل:
التحيات جمع: تحية، وهي العبادة أو الملك وهو قول زهير:
من كلِّ ما نالَ الفتى
قد نلته غير التَّحية
وهي البقاء والسلام يعني الملك، والزاكيات: صالح الأعمال، والطيبات: طيب القول، وقال ابن عباس: الأعمال الزكية. وقوله: "والصلوات لله" أي: لا ينبغي أن يراد بها غيره.
فصل:
تشهد ابن مسعود - ﵁ - هذا، قد أسلفنا أنه أخذ به أحمد وأبو حنيفة، وأخذ الشافعي بتشهد ابن عباس، ومالك بتشهد عمر - ﵁ -.
_________________
(١) في (ص ١): إليهم.
[ ٣٣ / ٢٠٧ ]