٧٥٤٤ - حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ، حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ يَزِيدَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ - ﷺ - يَقُولُ: «مَا أَذِنَ اللهُ لِشَيْءٍ مَا أَذِنَ لِنَبِيٍّ حَسَنِ الصَّوْتِ بِالْقُرْآنِ يَجْهَرُ بِهِ». [انظر: ٥٠٢٣ - مسلم: ٧٩٢ - فتح ١٣/ ٥١٨].
٧٥٤٥ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَسَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ، وَعَلْقَمَةُ بْنُ وَقَّاصٍ، وَعُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ حِينَ قَالَ لَهَا أَهْلُ الإِفْكِ مَا قَالُوا،- وَكُلٌّ حَدَّثَنِي طَائِفَةً مِنَ الحَدِيثِ، قَالَتْ: فَاضْطَجَعْتُ عَلَى فِرَاشِي، وَأَنَا حِينَئِذٍ أَعْلَمُ أَنِّي بَرِيئَةٌ وَأَنَّ اللهَ يُبَرِّئُنِي، وَلَكِنْ وَاللهِ مَا كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّ اللهَ يُنْزِلُ فِي شَأْنِي وَحْيًا يُتْلَى، وَلَشَأْنِى فِي نَفْسِي كَانَ أَحْقَرَ مِنْ أَنْ يَتَكَلَّمَ اللهُ فِيَّ بِأَمْرٍ يُتْلَى، وَأَنْزَلَ اللهُ -﷿-: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ﴾ [النور: ١١] العَشْرَ الآيَاتِ كُلَّهَا. [انظر: ٢٥٩٣ - مسلم: ٢٧٧٠ - فتح ١٣/ ٥١٨].
٧٥٤٦ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، أُرَاهُ عَنِ البَرَاءِ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَقْرَأُ فِي العِشَاءِ: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١)﴾ [التين: ١] فَمَا سَمِعْتُ أَحَدًا أَحْسَنَ صَوْتًا أَوْ قِرَاءَةً مِنْهُ. [انظر: ٧٦٧ - مسلم: ٤٦٤ - فتح ١٣/ ٥١٨].
٧٥٤٧ - حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - مُتَوَارِيًا بِمَكَّةَ، وَكَانَ يَرْفَعُ صَوْتَهُ، فَإِذَا سَمِعَ الْمُشْرِكُونَ سَبُّوا الْقُرْآنَ وَمَنْ جَاءَ بِهِ، فَقَالَ اللهُ -﷿- لِنَبِيِّهِ - ﷺ -: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: ١١٠]. [انظر: ٤٧٢٢ - مسلم: ٤٤٦ - فتح ١٣/ ٥١٨].
[ ٣٣ / ٥٤٧ ]
٧٥٤٨ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ، أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ - ﵁ -، قَالَ لَهُ: «إِنِّي أَرَاكَ تُحِبُّ الغَنَمَ وَالْبَادِيَةَ، فَإِذَا كُنْتَ فِي غَنَمِكَ أَوْ بَادِيَتِكَ فَأَذَّنْتَ لِلصَّلَاةِ فَارْفَعْ صَوْتَكَ بِالنِّدَاءِ، فَإِنَّهُ لَا يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ المُؤَذِّنِ جِنٌّ وَلَا إِنْسٌ وَلَا شَيْءٌ، إِلاَّ شَهِدَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -. [انظر: ٦٠٩ - مسلم: ٦٠٩ - فتح ١٣/ ٥١٨].
٧٥٤٩ - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أُمِّهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَرَأْسُهُ فِي حَجْرِي وَأَنَا حَائِضٌ. [انظر: ٢٩٧ - مسلم: ٣٠١ -
فتح ١٣/ ٥١٨].
ثم ساق ستة أحاديث:
أحدها:
حديث أبي هريرة - ﵁ -: "مَا أَذنَ اللهُ لِشَيْءٍ مَا أَذِنَ لِنَبِيٍّ حَسَنِ الصَّوتِ بِالقُرآنِ يَجْهَرُ بِهِ".
ثانيها:
حديث عائشة - ﵂ - في قطعة من الإفك: وَلَشَأْنِي فِي نَفْسِي كَانَ أَحْقَرَ مِنْ أَنْ يَتكلَّمَ اللهُ فِيَّ بِأَمْرٍ يُتْلَى، وَأَنْزَلَ اللهُ تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ [النور: ١١].
ثالثها:
حديث البراء: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَقْرَأُ فِي العِشَاءِ: بالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ، فَمَا سَمِعْتُ أَحَدًا أَحْسَنَ صوْتًا أَوْ قِرَاءَةً مِنْهُ.
رابعها:
حديث ابن عباس - ﵄ -: كَانَ رسول الله - ﷺ - مُتَوَارِيًا
[ ٣٣ / ٥٤٨ ]
بِمَكَّةَ، وَكَانَ يَرْفَعُ صوْتَهُ، فَإِفَا سَمِعَه المُشْرِكُونَ سَبُّوا القُرْآنَ وَمَنْ جَاءَ بِهِ. الحديث سلف قريبًا.
خامسها:
حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ -: "إِنِّي أَرَاكَ تُحِبُّ الغَنَمَ وَالْبَاديَةَ .. ". الحديث سلف في الأذان
سادسها:
حديث عائشة - ﵂ -: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَقْرَأُ القُرْانَ وَرَأْسُهُ فِي حَجْرِي وَأَنَا حَائضٌ.
(الشرح) (^١):
ترجمة البخاري أخرج القطعة منه مسلم (^٢) من حديث قتادة عن زرارة بن أوفى، عن سعد بن هشام، عن عائشة - ﵂ - قالت: قال رسول الله - ﷺ -: "الذي يقرأ القرآن وهو ماهر به مع السفرة الكرام البررة" (^٣).
ثم قال: حسن صحيح (^٤).
وقوله: ("زينوا القرآن بأصواتكم") أخرجه أبو داود عن عثمان بن أبي شيبة، عن جرير، عن الأعمش، عن طلحة، عن عبد الرحمن بن
_________________
(١) في الأصل: فصل. والمثبت من (ص ١).
(٢) ورد في هامش الأصل: لعله سقط الترمذي من هنا أو بعده ولا بد منه لقوله: وقال: حسن صحيح.
(٣) ورد في هامش الأصل: حاشية: حديث الماهر بالقرآن أخرجه الجماعة.
(٤) سبق برقم (٤٩٣٧)، ورواه مسلم (٧٩٨) كتاب: الصلاة، باب: فضل الماهر في القرآن. وقول (حسن صحيح) هو قول الترمذي (٢٩٠٤).
[ ٣٣ / ٥٤٩ ]
عوسجة، عن البراء بن عازب مرفوعًا (^١)، فذكره وأخرجه أيضًا معه (النسائي وابن ماجه (^٢» (^٣) كما أسلفناه في موضعه، وروي مقلوبًا كما ستعلمه في الباب واضحًا مع البحث عنه.
فصل:
قوله: "ما أذن الله لشيء" استمع.
ويقال: اشتقاقه من الأذن؛ لأن السماع يقع بها لذوي الآذان، قال الشاعر:
صمُ إذا سمعوا خيرًا ذكرت به … وإن ذكرت بسوء عندهم أذنوا
فصل:
وقوله: ("زينوا القرآن بأصواتكم") أي: بالمد والترتيل ليس التطرب الفاحش الذي يخرج إلى حد الغناء.
فصل:
قال الداودي: وفي حديث عائشة - ﵂ - أن الله تكلم ببراءة عائشة - ﵂ - حتى أنزل ما أنزل، لا كما قال بعض الناس: إن الله لم يتكلم بكلامه، وهذا عظيم منه؛ لأنه يلزمه أن يكون تكلم بكلام حادث فتحل فيه الحوادث -تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا- وإنما أراد بقوله: "أنزل الله" أي: أنزل الله إلينا المحدث، وهو عبارة عن القديم
_________________
(١) أبو داود (١٤٦٨) كتاب: الوتر، باب: استحباب الترتيل في القرآن. وصححه الألباني في تعليقه على "المشكاة" (٢١٩٩).
(٢) النسائي في "الكبرى" ٥/ ٢١ (٨٠٤٧) وابن ماجه (٣٧٧٩).
(٣) ملحقة من هامش الأصل حيث قال في الحاشية: سقط -ولابد منه- النسائي وابن ماجه.
[ ٣٣ / ٥٥٠ ]
ليس أن الكلام القديم نزل الآن (^١).
فصل:
وكان - ﵇ - حسن الصوت. ويقال: إنه والخط أول نعم الله على العباد وكلما زاد في العبد من طول أو غيره لم يخرج (عن) (^٢) جملة الناس، وقال الحسن: الزيادة في الجنة من نعم الله وقرأ (وزاده بسطه في العلم والجسم) [البقرة: ٢٤٧] قال - ﵇ -: "سهل الله لداود القرآن وكان يأمر بدابته لتسرج فلا يفرغ من ذلك حتى يقرأ القرآن" (^٣) يعني: الزبور، وسمع قراءة أبي موسى الأشعري - ﵁ - وكان حسن الصوت، فقال: "قد أوتي صاحبكم مزمارًا من مزامير آل داود" (^٤).
فصل:
قال المهلب: المهارة بالقران: جودة التلاوة له بجودة الحفظ فلا يتلعثم في قراءته ولا يغير لسانه فيشكل في حرف أو قصة مختلفة النص، وتكون قراءته سمحة بتيسير الله تعالى له كما يسره على الملائكة الكرام البررة، فهو معها في مثل حالها من الحفظ وتسهيل التلاوة، وفي درجة الأجر إن شاء الله تعالى، فيكون بالمهارة عند الله كريمًا برًّا.
_________________
(١) سبق أن قررنا أن كلام الله من صفاته، وأنه صفة ذاتية باعتبار جنسه، فعلية باعتبار آحاده، وأنه سبحانه يتكلم بما شاء، متى شاء، أينما شاء، لمن شاء.
(٢) في (ص ١): به على.
(٣) سبق برقم (٣٤١٧) كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ من حديث أبي هريرة.
(٤) رواه النسائي ٢/ ١٨٠، وابن ماجه (١٣٤١)، وأحمد ٢/ ٣٥٤ كلهم من حديث أبي هريرة مرفوعًا، وقد سبق برقم (٥٠٤٨) من حديث أبي موسى.
[ ٣٣ / ٥٥١ ]
فصل:
يحتمل -كما قال القاضي- أن يكون معنى كونه مع الملائكة أن له في الآخرة منازل يكون فيها رفيقًا للملائكة السفرة؛ لاتصافه بصفتهم من حمل كتاب الله، قال: ويحتمل أن يكون المراد به عامل عملهم وسالك مسلكهم (^١).
وقد أسلفنا ذلك أيضًا في تفسير سورة عبس.
فصل:
وكأن البخاري -﵀- أشار بهذِه الترجمة وما ضمنها من الأحاديث في حسن الصوت، إلى أن الماهر بالقران هو الحافظ له مع حسن الصوت (به) (^٢) ألا تراه أدخل بإثر (ذلك) (^٣) الماهر قوله - ﵇ -: "زينوا القرآن بأصواتكم" فأحال على الأصوات التي تتزين بها التلاوة في الأسماع لا الأصوات التي تمجها الأسماع؛ لإنكارها وجفائها على حاسة السمع وتألمها بفزع الصوت المنكر، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [لقمان: ١٩]؛ لجهارته -والله أعلم- وشدة قرعه للسمع، وفي إتباعه أيضًا بهذا المعنى قوله: "ما أذن الله لشيء" ما يقوي قولنا ويشهد له.
وقد تقدم معناه في كتاب: فضائل القرآن ونزيده هنا وضوحًا، فنقول: إن الجهر المراد بقوله: "يجهر به". هو إخراج القرآن في التلاوة عن مساق المحادثة بالأخبار بإلذاذ أسماعهم بحسن الصوت
_________________
(١) "إكمال المعلم" ٣/ ١٦٦.
(٢) من (ص ١).
(٣) هكذا في الأصل، وفي "شرح ابن بطال" ١٠/ ٥٤٢: ذكر.
[ ٣٣ / ٥٥٢ ]
وترجيعه لا الجهر المنهي عنه الجافي على السامع، كما قال تعالى لنبيه: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾ الآية [الإسراء: ١١٠]، كما قال تعالى في نبيه: ﴿وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾ [الحجرات: ٢].
وقوله: ﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات: ٢] دليل على أن رفع الصوت على المكالم بأكثر من صوته من الأذي، والأذى (حظه) (^١)، ويدل على أن المقاومة لمقدار أصوات المتكلمين معافاة من الخطأ إلا في رسول الله - ﷺ - وحده، فمنع الله تعالى من مقاومته في الآية توقيرًا له وإعظامًا.
وقد أسلفنا حديث عائشة - ﵂ - في طبق ترجمة القرآن.
وتأويل قوله: "أجران" فيه (^٢)، والله أعلم، يفسره حديث ابن مسعود - ﵁ -: "من قرأ القرآن فله بكل حرف عشر حسنات" (^٣)، فيضاعَفُ الأجر لمن يشتد عليه حفظ القرآن، فيُعطى لكل حرف عشرين حسنة.
وأجر الماهر أضعاف هذا إلى ما لا يعلم مقداره؛ لأنه مساو للسفرة الكرام البررة؛ لأنهم ملائكة. وفي هذا تفضيل الملائكة علي بني آدم، وقد سلف ما فيه، وكذلك لم يسند البخاري قوله - ﵇ -: "زينوا القرآن بأصواتكم" وقد أسندناه، وهو تفسير قوله: "ليس منا من لم يتغن بالقران" (^٤)؛ لأن تزيينه بالصوت لا يكون إلا بصوت يطرب سامعيه
_________________
(١) هكذا في الأصل، وفي "شرح ابن بطال" ١٠/ ٥٤٣: (خطيئة).
(٢) كذا بالأصل، والمعني يستقيم بدونها.
(٣) رواه الترمذي (٢٩١٠) بلفظ: "من قرأ حرفًا من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها .. " وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه.
(٤) سبق برقم (٧٥٢٧) كتاب: التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ﴾.
[ ٣٣ / ٥٥٣ ]
ويلتذون بسماعه، وهو (التغني) (^١) الذي أشار إليه الشارع [و] (^٢) هو الجهر الذي قيل في الحديث، يجهر به بتحسين الصوت الملين للقلوب من القسوة إلى الخشوع، وهذا التزيين الذي أمر به - ﵇ -.
وإلى هذا أشار أبو عبيد بمجمل الأحاديث التي جاءت في حسن الصوت بالقرآن، إنما هو من طريق التحزين والتخويف والتشويق، وقال: إنما نهى أيوبُ شعبةَ أن يحدث بحديث: "زينوا القرآن بأصواتكم"، لئلا (يتأول) (^٣) الناس فيه الرخصة من رسول الله - ﷺ - في هذِه الألحان المبتدعة (^٤).
وفسر الخطابي الحديث على القلب، فقال: معناه: زينوا أصواتكم بالقرآن، على مذهبهم في قلب الكلام، وهو كثير، يقال: عرضت الناقة على الحوض، أي: عرضت الحوض على الناقة.
وإنما تأولنا الحديث على هذا المعنى؛ لأنه لا يجوز على القرآن وهو كلام الخالق أن يزينه صوت مخلوق، وقال شعبة: نهاني أيوب أن أحدث بهذا الحديث (^٥).
وكذا رواه سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - قال: "زينوا أصواتكم بالقرآن".
والمعنى: اشتغلوا بالقرآن، والهجوا بقراءته، واتخذوه شعارًا، ولم يرد تطريب الصوت والتزين له؛ إذ ليس ذلك في وسع كل أحد، لعل من
_________________
(١) في الأصل: المعنى.
(٢) زيادة يقتضيها السياق، من "شرح ابن بطال".
(٣) في (ص ١): يتناول.
(٤) "غريب الحديث" ١/ ٢٨٢ - ٢٨٣ بتصرف.
(٥) في حاشية الأصل: تقدم هذا قريبا.
[ ٣٣ / ٥٥٤ ]
الناس من يريد التزيين له فيفضي به ذلك إلى التهجين (^١).
وهذا معنى قوله - ﵇ -: "ليس منا من لم يتغن بالقرآن". إنما هو أن يلهج بتلاوته كما يلهج الناس بالغناء والطرب عليه، وكذلك فسره أبو سعيد بن الأعرابي سأله عنه إبراهيم بن فراس، فقال: كانت العرب تتغنى بالركباني -وهو النشيد بالتمطيط والمد- إذا ركبت الإبل وإذا جلست في الأفنية وعلى أكثر أحوالها، فلما نزل القرآن أحب - ﵇ - أن يكون القرآن هجيرهم مكان التغني بالركباني (^٢).
قال ابن بطال: والقول الأول الذي عليه الفقهاء، وعليه تدل الآثار، وما اعتل به الخطابي أن كلام الله لا يجوز أن يزينه صوت مخلوق، فقد نقضه بقوله: وليس التزيين في وسع. إلى آخره، فقد نفى عنه التزيين وأثبت له التهجين.
وهذا خلف من القول، ولو كان من باب المقلوب كما زعمه هذا القائل لدخل في الخطاب من كان قبيح الصوت وحسنه، ولم يكن للصوت الحسن فضل على غيره، ولا عرف للحديث معنى، ولما ثبت أنه - ﵇ - قال لأبي موسى الأشعري حين سمع قراءته وحسن صوته: "لقد أوتي مزمارًا من مزامير آل داود" (^٣).
وثبت أن عقبة بن عامر - ﵁ - كان حسن الصوت بالقرآن، فقال له عمر بن الخطاب - ﵁ -: اقرأ سورة كذا، فقرأها عليه، فبكى عمر - ﵁ - وقال: ما (كنت) (^٤) أظن أنها نزلت.
_________________
(١) في حاشية الأصل: التهجين: التقبيح.
(٢) "معالم السنن" ١/ ٢٥٢ - ٢٥٣ بتصرف.
(٣) سبق تخريجه.
(٤) من (ص ١).
[ ٣٣ / ٥٥٥ ]
فدل ذلك أن التزيين للقرآن إنما هو تحسين الصوت به؛ ليعظم موقعه في القلوب وتستميل مواعظه (من النفوس) (^١)، ولا ينكر أن القرآن يزين صوت من أدمن قراءته، وآثره على حديث الناس، غير أن جلالة موقعه من القلوب والْتذاذ السامعين به لا يكون إلا مع تحسين الصوت به (^٢).
واعترض ابن التين فقال: ظن الشارح -يعني ابن بطال- أن غرض البخاري إثبات حكايته قراءة القرآن بتحسين الصوت، وليس كذلك، وإنما غرضه الإشارة إلى ما تقدم من وصف التلاوة بالحسن والتحسين، والرفع والخفض، ومقارنة الحالات البشرية؛ لقولها: (قرأ القرآن في حجري وأنا حائض). فهذا كله يحقق أن القراءة فعل القارئ، ومتصفة بما تصف به الأفعال، ومتعلقة بالظروف المكانية والزمانية.
فصل:
وقوله في حديث أبي سعيد - ﵁ -: "ارفع صوتك بالنداء": فيه دليل أن رفع الصوت وتحسينه بذكر الله في القرآن وغيره من أفعال البر؛ لأن في ذلك تعظيم أمر الله والإعلان بشريعته، وذلك يزيد في التخشع وترقيق النفوس.
فصل:
وأما حديث عائشة - ﵂ - ففيه معنى ما ترجم به من المهارة بالقرآن؛ لأنه - ﵇ - كان قد يسر الله (عليه) (^٣) قراءته حتى كان يقرؤه على كل أحواله لا يحتاج أن يتهيأ له بقعود ولا بإحضار حفظ، لاستحكامه فيه
_________________
(١) كذا بالأصل، وفي "شرح ابن بطال": النفوس.
(٢) "شرح ابن بطال"١٠/ ٥٤٢ - ٥٤٦.
(٣) في الأصل: (على)، والمثبت هو المناسب للسياق.
[ ٣٣ / ٥٥٦ ]
فلا يخاف عليه توقفا؛ فلذلك كان يقرؤه راقدًا وماشيًا وقاعدًا ونائمًا، ولا يتأهب لقوة حفظه ومهارته - ﵇ -.
وفيه: أن المؤمن لا ينجس كما قال - ﵇ - (^١)، وأن وصف المؤمن بالنجاسة إنما هو إخبار عن حال مباشرة الصلاة ونقض غسله ووضوئه، ألا تري سماع عائشة - ﵂ - قراءته وهي حائض، والسماع عمل من أعمال المؤمنين مدخور لهم به الحسنات ورفع الدرجات.
_________________
(١) سلف برقم (٢٨٣) كتاب الغسل، باب: عرق الجنب وأن المسلم لا ينجس. من حديث أبي هريرة.
[ ٣٣ / ٥٥٧ ]