لما تخرَّج الشيخ عبد الرحمن في الكليَّة، صدر أمر الشيخ مُحمَّد بن إبراهيم آل الشيخ رئيس القضاة لعصره: بتعيين الشيخ عبد الرحمن قاضيًا في مدينة شقراء (^١)، فتوجَّه الشيخ عبد الرحمن إلى الشيخ عبد اللطيف بن إبراهيم آل الشيخ مدير الكليَّات والمعاهد العلميَّة: أن يشفع لدى أخيه الشيخ مُحمَّدٍ: أن يعفيه من القضاء، فلمَّا لقيه، بادره الشيخ عبد اللطيف قائلًا: «إنَّ الشيخ مُحمَّدًا أصدر أمره أن تكون قاضيًا لشقراء، ولكنِّي رغبت في أن تكون مُدرِّسًا في المعهد العلميِّ؛ فوافق الشيخ مُحمَّدٌ على ذلك، والحمد لله؛ فإنِّي حريصٌ على انتقاء المُدرِّسين، كحرص الشيخ مُحمَّدٍ على انتقاء القضاة».
_________________
(١) تبعد عن الرياض قرابة (١٨٠) كلم، من الناحية الشماليَّة الغربيَّة منه.
[ ١ / ١٥ ]
وصدر القرار بتعيين الشيخ مُدرِّسًا في «المعهد العلميِّ» في مدينة الرياض عام (١٣٧٩ هـ)، وبقي فيه ثلاثة أعوامٍ، ثم نقل بأمر الشيخ مُحمَّد بن إبراهيم إلى كليَّة الشريعة بالرياض عام (١٣٨١ هـ)، وتولَّى هناك تدريس العلوم الشرعيَّة.
وهنا أقف لأدوِّن ما سمعته من معالي الشيخ إبراهيم ابن الشيخ مُحمَّد بن إبراهيم آل الشيخ وزير العدل الأسبق ﵀؛ حين زرتُه صحبة شيخنا الشيخ عبد الرحمن، في أوائل رمضان لعام (١٤١٢ هـ)؛ إذ قال لشيخنا الشيخ عبد الرحمن -بعد كلامٍ-: «إنَّ الوالد [يريد: الشيخ مُحمَّدًا] يجلُّك كثيرًا، ويذكرك بالخير».
ولمَّا افتتحت كليَّة أصول الدين عام (١٣٩٦ هـ)، صُنِّف الشيخ عبد الرحمن في أعضاء هيئة التدريس في قسم العقيدة والمذاهب المعاصرة، ونُقل إليها، وتولَّى التدريس في هذه الكليَّة إلى أن تقاعد في عام (١٤٢٠ هـ)، وأشرف خلالها على عشرات الرسائل العلميَّة.
وبعد التقاعد رغب مسؤولو الجامعة في التعاقد معه، فأبى؛ اكتفاءً بما قدَّم، وتفرُّغًا لدروسه في المساجد؛ كما طلب إليه سماحة الشيخ ابن بازٍ ﵀: أن يتولَّى العمل في الإفتاء مرارًا، فامتنع؛ للسبب نفسه؛ فرضي منه الشيخ ابن بازٍ أن يُنيبه على الإفتاء في دار الإفتاء في الرياض، في فصل الصيف؛ حين ينتقل المُفتون إلى مدينة الطائف؛ فأجاب الشيخ حياءً من شيخه؛ إذ تولَّى العمل مرتين، ثم تركه.
وأشهد أنَّ الشيخ عبد العزيز بن بازٍ كان كثير التقدير لتلميذه الشيخ عبد الرحمن مُجِلًّا له؛ لعلمه وفضله، ولقد شهدتُ مواقف كثيرةً جدًّا تدلُّ على ذلك، أحدها في منزلي.
وحين انتقل الشيخ عبد العزيز إلى الرياض سنة (١٣٩٥ هـ)، في إثر تعيينه رئيسًا لإدارات البحوث العلميَّة والإفتاء والدعوة والإرشاد، وصار إمامًا ل «الجامع الكبير» (جامع الإمام تركي بن عبد الله الآن)، طلب إلى الشيخ عبد
[ ١ / ١٦ ]
الرحمن أن يكون نائبًا له في الإمامة في حال غيابه في الصيف، وفي غير ذلك؛ فاعتذر الشيخ عبد الرحمن بكونه إمامًا في مسجد حيِّه، وبأنَّ له دروسًا هناك قائمةً وطلَّابًا ملازمين له.
ثم عرض الشيخ عبد العزيز ذلك على الشيخ الصالح فهد بن حميِّن ﵀، فاعتذر أيضًا، ثم عرض ذلك على شيخنا الفقيه الكبير عبد الله بن جبرين ﵀، فقبل ذلك، واستمرَّ إمامًا نائبًا عن الشيخ عبد العزيز مدةً طويلةً، إلى أن هُدم الجامع وأُعيد بناؤه عام (١٤٠٨ هـ)، ثم صار إمامه الرسميُّ سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ المفتي العامِّ للمملكة حاليًّا، ولا يزال إمامًا حتى تحريره؛ وفَّقه الله وأعانه، ونفع به وبعلمه.
وبعد وفاة الشيخ ابن بازٍ ﵀: طلب إليه سماحة المفتي الشيخ عبد العزيز آل الشيخ أن يكون عضوًا في الإفتاء، وألحَّ عليه في ذلك، فامتنع، وآثر الانقطاع للتدريس في المساجد.