الآداب: جمع أدبٍ، والأدب: ما يستحسن من قولٍ أو فعلٍ أو تركٍ.
والمراد به هنا: ما يجب على مريد قضاء الحاجة وما يستحبُّ له حال قضاء الحاجة أو قبله أو بعده.
وورود الشَّريعة بهذه الآداب، وبيان النَّبيِّ ﷺ لها يدلُّ على أمرين:
١ - كمال الشَّريعة.
٢ - وأنَّ الرَّسول ﷺ قد بلَّغ البلاغ المبين، وأنَّه دلَّ أمَّته على كلِّ خيرٍ وحذَّرهم من كلِّ شرٍّ، ومن أعظم ذلك أن بيَّن لهم ما يجب عليهم اعتقاده في ربِّهم؛ ممَّا يجب له أو يجوز عليه أو يمتنع عليه.
وقد نبَّه على هذا الاستدلال شيخ الإسلام ابن تيميَّة في مطلع «العقيدة الحمويَّة».
* * * * *
(٩٤) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ إِذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ وَضَعَ خَاتَمَهُ». أَخْرَجَهُ الأَرْبَعَةُ، وَهُوَ مَعْلُولٌ (^١).
* * *
الحديث مختلَفٌ في صحَّته (^٢)، ويشهد لصحَّة معناه الأدلَّة على تعظيم ذكر الله، وما فيه ذكر الله، وما له من الحرمة.
_________________
(١) أبو داود (١٩)، والترمذي (١٧٤٦)، والنسائي (٩٤٧٠)، وابن ماجه (٣٠٣). قال أبو داود: «هذا حديث منكر»، وقال النسائي: «وهذا حديث غير محفوظ».
(٢) وممن صححه ابن الملقن والمنذري. ينظر: «البدر المنير» (٢/ ٣٣٧).
[ ١ / ١١٣ ]
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - استحباب إبعاد ما فيه ذكر الله عند إرادة دخول الخلاء، وهو محلُّ قضاء الحاجة.
٢ - أنَّ الخلاء ليس محلًّا لذكر الله.
٣ - كراهية دخول الخلاء بما فيه ذكر الله من خاتمٍ وغيره، كمن نقش خاتمه عبد الله وعبد الرَّحمن، أو نقش خاتمه كلمة التَّوحيد.
وأمَّا القرآن فحرمته أعظم، فدخول الخلاء به أشدُّ كراهةً، وأمَّا المصحف فالقول بتحريم دخول الخلاء به قويٌّ، كلُّ ذلك لأنَّ الخلاء محلٌّ للخبائث الحسِّيَّة والمعنويَّة والأرواح الخبيثة، ولهذا استحبَّ التَّعوُّذ بالله من الخبث والخبائث عند إرادة دخول الخلاء.
وهذه الكراهة أو التَّحريم ما لم يخش الإنسان على ما معه من ذلك من نسيانٍ أو سرقةٍ، وحينئذٍ فلا كراهة ولا تحريم؛ لما في ذلك من الحرج.
٤ - أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان له خاتمٌ، وهذا ثابتٌ في الأحاديث الصَّحيحة، وكان نقشه (مُحمَّدٌ رسول الله)، (مُحمَّدٌ) سطرٌ و(رسول) سطرٌ و(الله) سطرٌ. ومن أجل ما فيه من ذكر الله كان يضعه من يده عند دخول الخلاء، على ما جاء في هذا الحديث.
٥ - جواز لبس الخاتم، ولا يقال: استحباب الخاتم؛ لأنَّ لبسه من الأمور العاديَّة، لا من الأمور التَّعبُّديَّة.
* * * * *
[ ١ / ١١٤ ]
(٩٥) وَعَنْهُ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ قَالَ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ». أَخْرَجَهُ السَّبْعَةُ (^١).
* * *
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - أنَّ النَّبيَّ ﷺ بشرٌ يكون منه قضاء الحاجة، ففيه الرَّدُّ على من جعلوا له ﷺ بعض خصائص الإلهيَّة.
٢ - افتقار النَّبيِّ ﷺ إلى ربِّه في الوقاية من الشُّرور.
٣ - اتِّخاذ مكانٍ في البيت لقضاء الحاجة.
٤ - استحباب هذا الذِّكر عند إرادة دخول الخلاء، وقد جاء في غير الصَّحيحين زيادة «باسم الله» (^٢) قبل هذا الدُّعاء كما في «سنن سعيد بن منصورٍ» وغيرها، وجوَّد الحافظ ابن حجرٍ إسناده (^٣).
٥ - أنَّ الأماكن الخبيثة تأوي إليها الأرواح الخبيثة، ويدلُّ له حديث زيد بن أرقم، وهو قوله ﷺ: «إِنَّ هَذِهِ الْحُشُوشَ مُحْتَضَرَةٌ» (^٤).
٦ - أنَّ الشَّياطين من الجنِّ فيهم الذُّكور والإناث.
٧ - أنَّ التَّعوُّذ بالله من أعظم أسباب العصمة من شرِّ كلِّ ذي شرٍّ.
٨ - أنَّ قدرة الله فوق كلِّ شيءٍ، فلا يعصم من جميع الشُّرور إلَّا هو.
* * * * *
_________________
(١) البخاري (١٤٢)، ومسلم (٣٧٥)، وأحمد (١١٩٤٧)، وأبو داود (٤)، والترمذي (٦)، والنسائي (١٩)، وابن ماجه (٢٩٨).
(٢) كما في «شرح عمدة الأحكام» لابن الملقن (١/ ٤٣١)، وعزاه أيضًا إلى أبي حاتم وابن السكن ولفظه: «إِذَا دَخَلْتُمُ الخَلَاءَ فَقُولُوا بِاسْمِ اللهِ، أَعُوذُ باللهِ مِنَ الخُبُثِ …». وأخرجه الطبراني في «الأوسط» (٢٨٠٣)، وابن أبي شيبة في مصنفه (١/ ١١) لكن من فعله ﷺ.
(٣) ينظر: «فتح الباري» (١/ ٢٩٤) وقال: «إسناده على شرط مسلم».
(٤) رواه أبو داود (٦)، وابن ماجه (٢٩٦)، وأحمد (١٩٣٣١). وصححه ابن الملقن في «الإعلام» (١/ ٤٢٧)، وصحح النووي إسناده في «خلاصة الأحكام» (١/ ١٤٩).
[ ١ / ١١٥ ]
(٩٦) وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدْخُلُ الْخَلَاءَ، فَأَحْمِلُ أَنَا وَغُلَامٌ نَحْوِي إِدَاوَةً مِنْ مَاءٍ وَعَنَزَةً، فَيَسْتَنْجِي بِالْمَاءِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١).
* * *
هذا الحديث أصلٌ في جواز الاستنجاء بالماء، والاستنجاء هو: إزالة النَّجو (وهو الخارج من الإنسان) بالماء أو بالأحجار ونحوها.
وفي الحديث فوائد، منها بعض ما في الحديثين قبله، ومنها:
١ - فضيلة أنسٍ ﵁ لخدمته النَّبيَّ ﷺ، وفضيلة ذلك الغلام، وقد قيل: إنَّه ابن مسعودٍ ﵁، ولكن قال الشَّيخ عبد العزيز بن بازٍ: «ليس بشيءٍ؛ فإنَّ ابن مسعودٍ ليس نحو أنسٍ، فهو من المهاجرين ومن الكبار السَّابقين» (^٢)، وقيل: أبو هريرة، وقيل: ابن عبَّاسٍ، وقيل: جابرٌ، ولا ينبني على تعيين الغلام شيءٌ.
٢ - جواز الاستنجاء بالماء، وهو مجمعٌ عليه، وكرهه بعض السَّلف للرِّجال، وقالوا: إنَّما يستنجي بالماء النِّساء (^٣)، وكرهوه؛ لما فيه من مباشرة النَّجاسة باليد، والصَّواب: جوازه للجميع بلا كراهةٍ لثبوته عن النَّبيِّ ﷺ، ولعلَّ من كرهه لم يبلغه الحديث.
٣ - جواز استخدام الأحرار.
٤ - اتِّخاذ النَّبيِّ ﷺ العنزة، وهي عصًا طويلةٌ، وفي أسفلها زجٌّ أي حديدةٌ، وكانت تنصب أمام النَّبيِّ ﷺ سترةً في المصلَّى ويصلِّي إليها.
٥ - جواز المساعدة في شأن الطَّهارة.
_________________
(١) البخاري (١٥٢)، ومسلم (٢٧١).
(٢) قاله في «شرح بلوغ المرام».
(٣) روي ذلك عن سعيد بن المسيب وممن روي عنه كراهة الاستنجاء بالماء ابن عمر وحذيفة وابن الزبير وغيرهم ﵃، ينظر: «المصنف» لابن أبي شيبة (٢/ ١٧١).
[ ١ / ١١٦ ]
٦ - التَّعاون في الخدمة.
٧ - أنَّ استخدام الأحرار برضاهم لا ينافي التَّواضع.
٨ - استعداد الإنسان بما يحتاج إليه في شؤونه؛ لحمل أنسٍ وصاحبه العنزة مع النَّبيِّ ﷺ.
* * * * *
(٩٧) وَعَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ: «خُذِ الإِدَاوَةَ»، فَانْطَلَقَ حَتَّى تَوَارَى عَنِّي، فَقَضَى حَاجَتَهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١).
* * *
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - استخدام الأحرار، وأنَّ ذلك لا ينافي التَّواضع.
٢ - فضيلة المغيرة ﵁ لخدمته النَّبيَّ ﷺ.
٣ - استحباب البعد عن النَّاس والتَّواري عنهم لقضاء الحاجة، وأمَّا ستر العورة عن النَّاس فواجبٌ.
٤ - حاجة المتخلِّي إلى الماء إمَّا للاستنجاء أو للوضوء، وأمر النَّبيِّ ﷺ المغيرة بحمل الإداوة محتملٌ، والأظهر: أنَّه من أجل الوضوء؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يأخذ الإداوة معه، وقد انطلق بعيدًا عن المغيرة فيشعر باقتصاره على الأحجار.
٥ - حياؤه ﷺ وكمال خلقه.
* * * * *
(٩٨) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «اتَّقُوا اللَّاعِنَيْنِ؛ الَّذِي يَتَخَلَّى فِي طَرِيقِ النَّاسِ، أَوْ ظِلِّهِمْ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٢).
_________________
(١) البخاري (٣٦٣)، ومسلم (٢٧٤).
(٢) مسلم (٢٦٩)، وهذا اللفظ لأبي داود، وأما لفظ مسلم «اللَّعَّانين» بصيغة المبالغة.
[ ١ / ١١٧ ]
(٩٩) وَزَادَ أبو دَاوُدَ عَنْ مُعَاذٍ ﵁: «الْمَوَارِدَ»، وَلَفْظُهُ: «اتَّقُوا الْمَلَاعِنَ الثَّلَاثَةَ: الْبِرَازُ فِي الْمَوَارِدِ، وَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ، وَالظِّلِّ» (^١).
(١٠٠) وَلأَحْمَدَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵃: «أَوْ نَقْعِ مَاءٍ». وَفِيهِمَا ضَعْفٌ (^٢).
(١٠١) وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ: النَّهْيَ عَنْ قَضَاءِ الْحَاجَةِ تَحْتَ الأَشْجَارِ الْمُثْمِرَةِ، وَضَفَّةِ النَّهْرِ الْجَارِي. مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵃ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ (^٣).
* * *
هذه الأحاديث وإن كانت ضعيفةً (^٤) -إلَّا الأوَّل منها- فإنَّ معناها تشهد له قواعد الشَّرع ومقاصده.
وفيها فوائد، منها:
١ - وجوب احترام مرافق المسلمين، وصيانتها عمَّا يؤذيهم.
٢ - تحريم التَّخلِّي في هذه المواضع وما هو في معناها.
٣ - أنَّ ذلك مجلبةٌ للعن من يفعله، وإضافة اللَّعن إلى المكان في قوله: «اللَّاعِنَيْنِ» هو من إضافة الشَّيء إلى سببه أو إلى مكانه، فهو من المجاز العقليِّ؛ لأنَّ التَّخلِّي في الظِّلِّ الَّذي يستظلُّ به النَّاس -ونحوه: كالمتشمَّس والطَّريق- يحمل النَّاس على لعن فاعله.
ويحتمل أن يكون من إسناد اسم الفاعل إلى المفعول، فهو اللَّاعن بمعنى الملعون، فيكون مجازًا عقليًّا علاقته المفعوليَّة، ويتضمَّن مجازًا مرسلًا بالحذف؛ أي: اتَّقوا فعل الملعونين.
٤ - جواز التَّخلِّي في الظِّلِّ الَّذي لا يحتاج إليه النَّاس، وكذا الموضع الَّذي لا يحتاج إليه من الطَّريق الواسع.
_________________
(١) أبو داود (٢٦).
(٢) أحمد (٢٧١٥).
(٣) الطبراني في «الأوسط» (٢٣٩٢).
(٤) ينظر: «التلخيص الحبير» (١٣٢، ١٣٥).
[ ١ / ١١٨ ]
٥ - أنَّ التَّخلِّي في مرافق النَّاس ظلمٌ لهم.
٦ - اتِّقاء دعوة المظلوم.
٧ - أنَّ الشَّجر الَّذي لا يحتاج إلى ظلِّه ولا ثمرة له لا ينهى عن التَّخلِّي تحته.
٨ - كمال دين الإسلام بما اشتمل عليه من الآداب في جميع الأحوال.
* * * * *
(١٠٢) وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِذَا تَغَوَّطَ الرَّجُلَانِ فَلْيَتَوَارَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ صَاحِبِهِ ولا يَتَحَدَّثَا؛ فَإِنَّ اللهَ يَمْقُتُ عَلَى ذَلِكَ». رَوَاهُ أَحْمَدُ (^١)، وَصَحَّحَهُ ابْنُ السَّكَنِ وَابْنُ الْقَطَّانِ، وَهُوَ مَعْلُولٌ (^٢).
* * *
هذا الحديث مع الاختلاف في صحَّته، وفي لفظه، وفي راويه من الصَّحابة ﵃، فإنَّ معناه صحيحٌ في الجملة. وهو يدلُّ على أحكامٍ، منها ما هو ثابتٌ بأدلَّةٍ غير هذا الحديث، ومنها ما تعضده الفطرة وآداب الإسلام العامَّة.
وفيه فوائد، منها:
١ - وجوب تواري كلٍّ من المتغوِّطين عن صاحبه، والظَّاهر أنَّ المراد: أن يستر كلٌّ منهما عورته عن الآخر، فستر العورة عن الأنظار واجبٌ لقوله ﷺ:
_________________
(١) لم أجده عنده، لكنه أخرج حديثًا في معناه عن أبي سعيد الخدري ﵁ (١١٣١٠) ولفظه: «لَا يَخْرُجِ الرَّجُلَانِ يَضْرِبَانِ الغَائِطَ كَاشِفَانِ عَوْرَتَهُمَا يَتَحَدَّثَانِ، فَإِنَّ اللهَ ﷿ يَمْقُتُ عَلَى ذَلِكَ»، وسيأتي في نهاية فوائد الحديث، ورواه أبو داود (١٥) أيضًا عن أبي سعيد، وفيه: «كَاشِفَيْنِ»، وكلاهما صحيح.
(٢) ينظر: «بيان الوهم والإيهام» لابن القطان (٢٤٦٠).
[ ١ / ١١٩ ]
«احْفَظْ عَوْرَتَكَ إلَّا مِنْ زَوْجَتِكَ أَوْ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ» (^١)، وقوله ﵊: «لَا يَنْظُرُ الرَّجُلُ إِلَى عَوْرَةِ الرَّجُلِ، ولا الْمَرْأَةُ إِلَى عَوْرَةِ الْمَرْأَةِ» (^٢).
٢ - تحريم أن ينظر كلٌّ من المتغوِّطين إلى عورة الآخر وأن يكشف عورته بحيث يراه الآخر، ويشتدُّ القبح إذا كانا مع ذلك يتحدَّثان.
٣ - كراهة الكلام حال قضاء الحاجة إلَّا لضرورةٍ أو حاجةٍ، وهذا ما تقتضيه الفطرة وحسن الأدب.
٤ - أنَّ الجمع بين النَّظر إلى العورة والتَّحدُّث عند التَّخلِّي سببٌ لمقت الله، فيقتضي ذلك أنَّ هذه الحال من الكبائر.
٥ - إثبات صفة المقت لله وهو شدَّة البغض، وهو ثابتٌ في القرآن؛ قال تعالى: ﴿لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُمْ﴾ [غَافِر: ١٠].
٦ - ويعضد هذا الحديث ما رواه الإمام أحمد بسنده -وإن تكلِّم فيه- عن أبي سعيدٍ الخدريِّ ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لَا يَخْرُجِ الرَّجُلَانِ يَضْرِبَانِ الْغَائِطَ كَاشِفَيْنِ عَنْ عَوْرَتِهِمَا يَتَحَدَّثَانِ؛ فَإِنَّ اللهَ ﷿ يَمْقُتُ عَلَى ذَلِكَ» (^٣).
* * * * *
(١٠٣) وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَا يَمَسَّنَّ أَحَدُكُمْ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ وَهُوَ يَبُولُ، ولا يَتَمَسَّحْ مِنَ الْخَلَاءِ بِيَمِينِهِ، ولا يَتَنَفَّسْ فِي الإِنَاءِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ (^٤).
* * *
_________________
(١) رواه أحمد (٢٠٠٣٤)، وأبو داود (٤٠١٧)، والترمذي (٢٧٦٩)، وابن ماجه (١٩٢٠)، عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده. قال الترمذي: «هذا حديث حسن».
(٢) رواه مسلم (٣٣٨) عن أبي سعيد الخدري ﵁.
(٣) تقدم. ينظر: الصفحة السابقة، حاشية (١).
(٤) البخاري (١٥٤)، ومسلم (٢٦٧).
[ ١ / ١٢٠ ]
اشتمل هذا الحديث على ثلاثة آدابٍ فهو بمنزلة ثلاثة أحاديث، اثنان منها يتعلَّقان بآداب قضاء الحاجة، والثَّالث يتعلَّق بآداب الشَّراب، ولعلَّ الجمع بينها في حديثٍ لم يكن من كلام النَّبيِّ ﷺ، بل النَّبيُّ ﷺ نهى عن هذا وهذا في مقاماتٍ متفرِّقةٍ.
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - النَّهي عن مسِّ الذَّكر باليمين حال البول.
٢ - جواز مسِّ الذَّكر باليمين في غير حال البول.
٣ - النَّهي عن التَّمسُّح باليمين، والمراد به: الاستنجاء، وهذا النَّهي للكراهة عند الجمهور، وقيل: إنَّه للتَّحريم، وهو الأصل في النَّهي، فلا يعدل عنه إلَّا بصارفٍ.
٤ - فضل اليمين على الشِّمال وصيانتها عن مباشرة القذر والنَّجاسة، كيف واليد اليمنى آلة الأكل، قال ﷺ: «كُلْ بِيَمِينِكَ» (^١).
٥ - أنَّ التَّيمُّن لا يشرع في الأمور المستقذرة، بل يكره أو يحرم في بعض ذلك.
٦ - إطلاق اسم الخلاء على الخارج كإطلاق الغائط، فهو من المجاز المرسل الَّذي علاقته المكانيَّة.
٧ - النَّهي عن التَّنفُّس في الإناء؛ أي: عند الشُّرب منه، وهو عند جمهور العلماء للكراهة، والأظهر: أنَّه للتَّحريم، كما هو الأصل.
٨ - صيانة الشَّراب عمَّا يقذِّره، فإنَّ التَّنفُّس لا يؤمن أن يقع معه في الشَّراب ما يقذِّره من الفم أو الأنف، وترك التَّنفُّس في الإناء يكون بإبعاد الإناء
_________________
(١) رواه البخاري (٥٣٧٦)، ومسلم (٢٠٢٢) عن عمر بن أبي سلمة ﵁.
[ ١ / ١٢١ ]
عند إرادة التَّنفُّس، وقد كان النَّبيُّ ﷺ يتنفَّس في الشَّراب ثلاثًا ويقول: «إنَّهُ أَرْوَى وَأَبْرَأُ وَأَمْرَأُ» (^١).
* * * * *
(١٠٤) وَعَنْ سَلْمَانَ ﵁ قَالَ: «لَقَدْ نَهَانَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ بِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِالْيَمِينِ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِرَجِيعٍ أَوْ عَظْمٍ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٢).
(١٠٥) وَلِلسَّبْعَةِ: عَنْ أَبِي أَيُّوبَ ﵁: «فَلَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ ولا تَسْتَدْبِرُوهَا بِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ، وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا» (^٣).
* * *
وفي الحديثين فوائد؛ منها:
١ - النَّهي عن استقبال القبلة واستدبارها حال البول والغائط احترامًا للقبلة، وقد اختلف العلماء في ذلك اختلافًا كثيرًا، فللعلماء في هذه المسألة ثمانية مذاهب، أهمُّها مذهبان:
أَحَدُهُمَا: تحريم استقبال القبلة واستدبارها حال البول والغائط مطلقًا في الصَّحراء والبنيان؛ للنَّهي الصَّريح عن ذلك في هذين الحديثين، وهو مذهب ابن حزمٍ، واختاره شيخ الإسلام ابن تيميَّة وابن القيِّم (^٤).
_________________
(١) رواه مسلم (٢٠٢٨) عن أنس ﵁، وأصله في البخاري (٥٦٣١).
(٢) مسلم (٢٦٢).
(٣) البخاري (١٤٤)، ومسلم (٢٦٤)، وأبو داود (٩)، والترمذي (٨)، والنسائي (٢١)، وابن ماجه (٣١٨)، وأحمد (٢٣٥٧٩).
(٤) ينظر: «المحلى» لابن حزم (١/ ١٩٣)، و«الفتاوى الكبرى» لشيخ الإسلام (٥/ ٣٠٠)، و«زاد المعاد» لابن قيم الجوزية (٤/ ٢٣).
[ ١ / ١٢٢ ]
الثَّانِي: ما ذهب إليه كثيرٌ من العلماء من تحريم ذلك في الصَّحراء دون البنيان، واستدلُّوا بحديث ابن عمر، قال: «رَقِيتُ يَوْمًا عَلَى بَيْتِ حَفْصَةَ فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَلَى لَبِنَتَيْنِ يَقْضِي حَاجَتَهُ مُسْتَقْبِلَ الشَّامِ مُسْتَدْبِرَ الْكَعْبَةِ» (^١).
وأجاب أهل القول الأوَّل عن هذا الحديث بأنَّ النَّبي ﷺ لم يفعل ذلك لبيان الجواز؛ لأنَّه كان خاليًا لا يراه أحدٌ، ولكن وقع عليه نظر ابن عمر ﵃ من غير قصدٍ، فيكون ذلك من خصائصه ﵊.
٢ - أنَّ من كانت قبلته شرقًا أو غربًا فإنَّه يتوجَّه حال قضاء الحاجة إلى الشَّمال أو الجنوب، وأمَّا قوله: «وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا» فهو لأهل المدينة ومن في سمتهم؛ لأنَّ قبلتهم إلى الجنوب.
٣ - جواز استقبال النَّيِّرين عند قضاء الحاجة خلافًا لمن كرهه، لقوله ﷺ: «شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا».
٤ - تحريم التَّمسُّح باليمين، وهو الاستنجاء.
٥ - أنَّ الاستنجاء بأقلَّ من ثلاثة أحجارٍ لا يجزئ في طهارة المحلِّ.
٦ - تحريم الاستنجاء بالعظم والرَّجيع وهو الرَّوث، وقد جاء تعليل هذا النَّهي بأنَّ العظم الَّذي ذكر اسم الله عليه طعام الجنِّ المؤمنين، يجدونه أوفر ما كان لحمًا. والرَّوث علفٌ لدوابِّهم، وأيضًا: فإنَّ العظم لا يحصل به الإنقاء؛ لأنَّه أملس، أو خشنٌ يؤذي المتمسِّح به.
٧ - أنَّ هذه الأحكام والآداب تدلُّ على شمول دين الإسلام، وقد روى سلمان ﵁ هذا الحديث ردًّا على اليهوديِّ الَّذي قال له: «علَّمكم نبيُّكم كلَّ شيءٍ حتَّى الخراءة»، فقال سلمان ﵁: «أجل، لقد نهانا رسول الله ﷺ …» الحديث.
_________________
(١) رواه البخاري (١٤٨)، ومسلم (٢٦٦).
[ ١ / ١٢٣ ]
(١٠٦) وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَتَى الْغَائِطَ فَلْيَسْتَتِرْ». رَوَاهُ أبو دَاوُدَ (^١).
* * *
هذا طرفٌ من حديثٍ طويلٍ مشتملٍ على أربعة أحكامٍ (^٢)، والحديث عند أبي داود من حديث أبي هريرة ﵁، وكذلك هو في التَّلخيص الحبير (^٣)، فنسبته إلى رواية عائشة ﵂ وهمٌ، والحديث مختلفٌ في صحَّته، ومعناه صحيحٌ؛ لأدلَّةٍ غير هذا الحديث.
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - أمر من أتى الغائط بالاستتار، ويحتمل أن يراد به التَّواري عن الأبصار؛ بالبعد أو دخول المكان المعدِّ لذلك، وهو الخلاء.
ويحتمل أن يراد به ستر العورة، وذلك إذا لم يكن هناك من يراه، فستر العورة مستحبٌّ في هذه الحال، ففي أصل رواية الحديث: «مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ وَمَنْ لا فَلَا حَرَجَ» أمَّا إذا كان بحضرته من يراه فستر العورة واجبٌ. ويؤيِّد الاحتمال الثَّاني -وهو أنَّ المراد ستر العورة- قوله في الحديث: «فَإنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا أَنْ يَجْمَعَ كَثِيبًا مِنْ رَمْلٍ فَلْيَسْتَدْبِرْهُ».
٢ - أنَّ فعل المستحبِّ إحسانٌ.
_________________
(١) أبو داود (٣٥) لكن راويه أبو هريرة ﵁ كما سيأتي في الشرح.
(٢) ونصه: «مَنِ اكْتَحَلَ فَلْيُوتِرْ، وَمَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ، وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ، وَمَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ، وَمَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ، وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ، وَمَنْ أَكَلَ فَمَا تَخَلَّلَ فَلْيَلْفِظْ، وَمَا لَاكَ بِلِسَانِهِ فَلْيَبْتَلِعْ، مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ، وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ، وَمَنْ أَتَى الْغَائِطَ فَلْيَسْتَتِرْ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ إِلَّا أَنْ يَجْمَعَ كَثِيبًا فَلْيَسْتَدْبِرْهُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَلْعَبُ بِمَقَاعِدِ بَنِي آدَمَ، مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ، وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ».
(٣) «التلخيص الحبير» (١/ ١٠٢).
[ ١ / ١٢٤ ]
٣ - أنَّ ترك المستحبِّ لا إثم فيه.
* * * * *
(١٠٧) وَعَنْهَا ﵂؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا خَرَجَ مِنَ الْغَائِطِ قَالَ: «غُفْرَانَكَ». أَخْرَجَهُ الْخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ أبو حَاتِمٍ وَالْحَاكِمُ (^١).
* * *
هذا الحديث أصحُّ ما ورد في الذِّكر عقب الخروج من الغائط، وإسناده حسنٌ، وقوله: «غُفْرَانَكَ»؛ أي: أسألك غفرانك.
وفيه من الفوائد:
١ - استحباب الاستغفار بعد الخروج من الغائط، وأن يكون بهذه الصِّيغة.
٢ - تذكُّر الخلوص من الخبث الحسِّيِّ وسؤال الخلوص من الخبث المعنويِّ، وهو الذُّنوب، وبهذا تظهر مناسبة هذا الدُّعاء، وقيل غير ذلك.
٣ - أنَّ من مواطن الاستغفار الخروج من الغائط.
٤ - استغفار النَّبيِّ ﷺ مع أنَّه قد غفر له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر، بل كان يكثر من الاستغفار ﵊.
* * * * *
(١٠٨) وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: أَتَى النَّبِيُّ ﷺ الْغَائِطَ، فَأَمَرَنِي أَنْ آتِيَهِ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، فَوَجَدتُ حَجَرَيْنِ، وَلَمْ أَجِدْ ثَالِثًا، فَأَتَيْتُهُ بِرَوْثَةٍ، فَأَخَذَهُمَا وَأَلْقَى الرَّوْثَةَ، وَقَالَ: «هَذَا رِجْسٌ أَوْ رِكْسٌ». أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ.
_________________
(١) أحمد (٢٥٢٢٠)، وأبو داود (٣٠)، والترمذي (٧)، والنسائي في «الكبرى» (٩٩٠٧)، وابن ماجه (٣٠٠)، والحاكم (٥٦٤)، و«العلل» لأبي حاتم (٩٣).
[ ١ / ١٢٥ ]
(١٠٩) وَزَادَ أَحْمَدُ وَالدَّارَقُطْنِيُّ: «ائْتِنِي بِغَيْرِهَا» (^١).
* * *
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - فضيلة ابن مسعودٍ ﵁ لخدمته النَّبيَّ ﷺ.
٢ - الاستنجاء بالأحجار ونحوها.
٣ - أنَّه لا يجزئ أقلُّ من ثلاثة أحجارٍ، كما تقدَّم في حديث سلمان ﵁.
٤ - أنَّه لا يجزئ الاستنجاء بالنَّجاسة، وجاء في روايةٍ أنَّ الرَّوثة كانت روثة حمارٍ (^٢).
٥ - نجاسة روث الحمار، وهكذا روث كلِّ ما لا يؤكل لحمه.
٦ - جواز استخدام الأحرار برضاهم.
٧ - أنَّ طلب الحاجة من الخادم ونحوه (كالزَّوجة والولد) ليس من السُّؤال المذموم.
٨ - أنَّ الاجتهاد إذا خالف النَّصَّ فهو باطلٌ؛ لأنَّ ابن مسعودٍ ﵁ اجتهد فأتى بدل الحجر بروثةٍ فردَّها النَّبيُّ ﷺ.
٩ - عذر المجتهد إذا أخطأ فلا يؤاخذ على خطئه.
١٠ - حسن خلقه ﵊.
١١ - تعليل الأحكام؛ لقوله ﷺ: «هَذَا رِجْسٌ أَوْ رِكْسٌ».
١٢ - أنَّ تعليل الحكم بعلَّةٍ يثبت به الحكم في كلِّ ما وجدت فيه علَّته، فتفيد عموم الحكم.
_________________
(١) البخاري (١٥٦) ولفظه: «هَذَا رِكْسٌ»، وأحمد (٤٢٩٩) بلفظ: «ائْتِنِي بِحَجَرٍ»، والدارقطني (١٤٨).
(٢) هي عند ابن خزيمة (٧٠).
[ ١ / ١٢٦ ]
(١١٠) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ الله ﷺ نَهَى أَنْ يُسْتَنْجَى بِعَظْمٍ، أَوْ رَوْثٍ، وَقَالَ: «إنَّهُمَا لا يُطَهِّرَانِ». رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَصَحَّحَهُ (^١).
* * *
معنى هذا الحديث وما يتعلَّق به من الفوائد تقدَّم في حديث سلمان ﵁، وفيه: «أو أن نستنجي برجيعٍ أو عظمٍ» (^٢)، وفي هذا الحديث زيادةٌ، وهي قوله: «إنَّهُمَا لا يُطَهِّرَانِ».
وفي هذه الزيادة فوائد، منها:
١ - بيان أنَّ الاستنجاء بالرَّجيع أو العظم لا يرفع حكم النَّجاسة، فلا يحصل بهما المقصود، وهو الطَّهارة، مع الإثم بارتكاب النَّهي.
٢ - أنَّ الاستنجاء بالأحجار ونحوها يطهِّر المحلَّ.
* * * * *
(١١١) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «اسْتَنْزِهُوا مِنَ الْبَوْلِ؛ فَإِنَّ عَامَّةَ عَذَابِ الْقَبْرِ مِنْهُ». رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ (^٣).
(١١٢) وَلِلْحَاكِمِ: «أَكْثَرُ عَذَابِ الْقَبْرِ مِنَ الْبَوْلِ». وَهُوَ صَحِيحُ الإِسْنَادِ (^٤).
* * *
هذا الحديث يشهد له حديث صاحبي القبرين المتَّفق عليه (^٥).
_________________
(١) الدارقطني (١٥٦).
(٢) تقدم برقم (١٠٤).
(٣) الدارقطني (٤٦٤)، وصححه ابن خزيمة، ينظر: «فتح الباري» (١/ ٣٣٦).
(٤) الحاكم (٦٥٦)، وأحمد (٩٠٥٩)، والدارقطني (٤٦٥). قال الحاكم: «صحيح على شرط الشيخين». وقال الدارقطني: «صحيح».
(٥) رواه البخاري (٢١٨)، ومسلم (٢٩٢) عن ابن عباس ﵃ قال: مر النبي ﷺ بقبرين، فقال: «إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ؛ أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنَ البَوْلِ …» الحديث.
[ ١ / ١٢٧ ]
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - نجاسة بول الآدميِّ.
٢ - وجوب الاستنزاه من البول، وذلك باتِّقائه؛ حتَّى لا يصيب الثَّوب أو البدن شيءٌ منه، وبغسله إن أصابه.
٣ - أنَّه لا يعفى عن يسير البول.
٤ - إثبات عذاب القبر.
٥ - أنَّ من أعظم أسباب عذاب القبر عدم التَّنزُّه من البول، فيقتضي ذلك أنَّه من الكبائر.
٦ - إثبات الجزاء على الأعمال.
* * * * *
(١١٣) وَعَنْ سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: «عَلَّمَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي الْخَلَاءِ أَنْ نَقْعُدَ عَلَى الْيُسْرَى وَنَنْصِبَ الْيُمْنَى». رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ (^١).
(١١٤) وَعَنْ عِيسَى بْنِ يَزْدَادَ عَنْ أَبِيهِ ﵃ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِذَا بَالَ أَحَدُكُمْ فَلْيَنْتُرْ ذَكَرَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ». رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ (^٢).
* * *
هذان الحديثان ضعيفان فلا يصلحان للاستدلال بهما على حكمٍ، وقد استدلَّ بهما بعض الفقهاء على استحباب ما ذكر فيهما، وهو أمران:
_________________
(١) البيهقي في «السنن الكبرى» (٤٥٧). قال النووي: «هذا الحديث ضعيف لا يحتج به». المجموع (٢/ ١٠٤).
(٢) ابن ماجه (٣٢٦). قال ابن أبي حاتم في «العلل» (٨٩): «قال أبي: هو عيسى بن يزداد بن فساء، وليس لأبيه صحبة، ومن الناس من يدخله في المسند على المجاز، وهو وأبوه مجهولان».
[ ١ / ١٢٨ ]
١ - الاعتماد على اليسرى حال قضاء الحاجة ونصب اليمنى، وأيَّد بعضهم ذلك بأمرٍ طبيعيٍّ، وذلك أنَّه أيسر لخروج الخارج.
٢ - نتر الذَّكر ثلاثًا بعد البول، وهو استخراج بقيَّة البول بالضَّغط على المثانة من داخلٍ، والصَّواب: أنَّه لا يستحبُّ، لكنَّه أمرٌ عاديٌّ.
* * * * *
(١١٥) وَعَنِ ابْن عَبَّاسٍ ﵃: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَأَلَ أَهْلَ قُبَاءَ، فَقَالَ: «إنَّ الله يُثْنِي عَلَيْكُم؟»، قَالُوا: إنَّا نُتْبِعُ الْحِجَارَةَ الْمَاءَ. رَوَاهُ الْبَزَّارُ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ (^١). وَأَصْلُهُ فِي أَبِي دَاوُدَ (^٢).
(١١٦) وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ بِدُونِ ذِكْرِ الْحِجَارَةِ (^٣).
* * *
هذان الحديثان فيهما فوائد، منها:
١ - جواز الاستنجاء بالماء خلافًا لمن كرهه، وقد تقدَّم القول فيه، وأنَّه ثبت من فعله ﷺ.
٢ - استحباب الاستنجاء بالماء بعد الاستنجاء بالحجارة ونحوها، كما يفيده حديث ابن عبَّاسٍ ﵃، ولكنَّ الحديث ضعيفٌ، وإلى الاستحباب ذهب أكثر أهل العلم، وذلك لوجهين:
أَحَدُهُمَا: عدم مباشرة النَّجاسة باليد.
_________________
(١) البزار في «كشف الأستار» (٢٤٧). قال الهيثمي: «رواه البزار، وفيه محمد بن عبد العزيز بن عمر الزهري ضعفه البخاري والنسائي وغيرهما». «مجمع الزوائد» (١/ ٢١٢).
(٢) أبو داود (٤٤)، والترمذي أيضًا (٣١٠٠)، لكن من حديث أبي هريرة ﵁ بدون ذكر الحجارة. وإسناده ضعيف. ينظر: «التلخيص الحبير» (١/ ١٩٩).
(٣) ابن خزيمة (٨٣)، لكن من حديث عويم بن ساعدة الأنصاري ﵁.
[ ١ / ١٢٩ ]
الثَّانِي: أنَّه أكمل في نظافة المحلِّ.
٣ - فضيلة أهل قباء من الصَّحابة ﵃، وهذا مبنيٌّ على أنَّ المراد بالمسجد الَّذي أسِّس على التَّقوى هو مسجد قباء، والصَّواب: أنَّه مسجد النَّبيِّ ﷺ ويدلُّ له حديث أبي سعيدٍ ﵁ عند مسلمٍ، قال: قلت: يا رسول الله أيُّ المسجدين الَّذي أسِّس على التَّقوى؟ قال: فأخذ كفًّا من حصباء فضرب به الأرض، ثمَّ قال: «هُو مَسْجِدُكُمْ هَذَا» لمسجد المدينة (^١).
وعلى هذا فلا يختصُّ ثناء الله في الآية بأهل قباء بل يعمُّ أصحاب النَّبيِّ ﷺ الَّذين كانوا يصلُّون معه من أهل قباء وغيرهم. وحديث ابن عبَّاسٍ ﵃ ضعيفٌ لا يصلح الاعتماد عليه في تفسير الآية.
* * * * *
_________________
(١) مسلم (١٣٩٨).
[ ١ / ١٣٠ ]