المَوات: في اللغة هو الميت، وضدهما الحي، والحياة ضدها الموت، والأرض توصف بالموت والحياة، كما قال تعالى: ﴿يُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الروم: ٥٠]، وقال تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا﴾ [يس: ٣٣].
والموات في الاصطلاح: هي الأرض التي ليس لأحد فيها ملك ولا اختصاص، والموات من الأرض يملك بالإحياء، وسيأتي ما يحصل به إحياء الأرض.
* * * * *
(١٠٣٢) عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ عَمَرَ أَرْضًا لَيْسَتْ لِأَحَدٍ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا». قَالَ عُرْوَةُ: «وَقَضَى بِهِ عُمَرُ فِي خِلَافَتِهِ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ (^١).
(١٠٣٣) وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ». رواه الثَّلاثةُ، وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ (^٢). وَقَالَ: رُوِيَ مُرْسَلًا، وَهُوَ كَمَا قَالَ، وَاخْتُلِفَ فِي صَحَابِيِّهِ، فَقِيلَ: جَابِرٌ، وَقِيلَ: عَائِشةُ، وَقِيلَ: عَبْدُ اللهِ بنُ عَمْرٍو، وَالرَّاجِحُ الأَوَّلُ (^٣).
* * *
هذان الحديثان هما الأصل في ثبوت ملك الأرض الميتة بالإحياء.
_________________
(١) البخاري (٢٣٣٥).
(٢) أبو داود (٣٠٧٣)، والترمذي (١٣٧٨)، النسائي في «الكبرى» (٥٧٢٩).
(٣) مراد الحافظ: سعيد بن زيد ﵁، وتقدم الكلام على تعيين الصحابي عند الحديث (١٠١٠).
[ ٢ / ٣٠١ ]
وفيهما فوائد؛ منها:
١ - أن من طرق ملك الأرض إحياء الأرض الميتة.
٢ - أن الأرض الميتة من جنس المباحات التي تملك بأخذها؛ كالكلأ والصيد والحطب.
٣ - أن الأرض الميتة لا تملك بمجرد وضع اليد عليها دون عمل يعمله فيها.
٤ - أن إحياء الأرض يكون بعمارتها؛ كبناء أو زرع أو حفر بئر واستخراج الماء.
٥ - أن الأرض التي ثبت ملك أحد عليها لا تملك بالإحياء.
٦ - استعمال أفعل التفضيل على غير بابها، وهو قوله: «فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا»، لأن الواقع أنه لا حق لأحد فيها إلا من أحياها.
٧ - أن الحكم في الحديثين تشريع عام لا يتوقف على إذن الإمام، وليس حكمًا تنظيميًا يرجع إلى صفة الإمامة؛ لأن الأصل في كلامه ﷺ هو التشريع العام إلا أن يقوم على خلاف ذلك دليل، وقد قيل: إنه حكم تنظيميٌّ، والصواب الأول.
* * * * *
(١٠٣٤) وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄؛ أَنَّ الصَّعْبَ بْنَ جَثَّامَةَ ﵁ أَخْبَرَهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا حِمَى إِلَّا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ (^١).
* * *
هذا الحديث أصل في تحريم حِمَى المنافع المشتركة العامة، كالذي يفعله بعض الملوك ورؤساء القبائل، والحِمَى مصدر حَمَى يحمي، ويطلق على المحمِيِّ من التسمية بالمصدر.
_________________
(١) البخاري (٢٣٧٠).
[ ٢ / ٣٠٢ ]
في الحديث فوائد، منها:
١ - تحريم حِمَى المرافق العامة والمنافع المشتركة. وأما قوله ﷺ: «أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى» (^١) فهو من باب الإخبار بالواقع، وليس إذنًا.
٢ - جواز الحِمَى لمصلحة المسلمين، كحِمَى بعض المراعي لإبل الصدقة مثلًا، أو ما يكون مرافق للناس كالموارد، وكمواقف السيارات؛ لقوله: «لَا حِمَى إِلَّا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ». وولي الأمر في ذلك قائم مقام الرسول ﷺ.
٣ - أن ما حُمي لمصالح المسلمين لا يملك بالإحياء، وبهذا تظهر مناسبة الحديث للباب.
* * * * *
(١٠٣٥) وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ (^٢).
(١٠٣٦) وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ مِثْلُهُ، وَهُوَ فِي الْمُوَطَّإِ مُرْسَلٌ (^٣).
* * *
الحديثُ أصلٌ في تحريمِ مُضَارَّةِ المسلم، ومعصومِ الدمِ والمال.
وفيه فوائد، منها:
١ - أن الرسول ﷺ أوتي جوامع الكلم وشواهد هذا كثيرة، وهو من خصائصه ﷺ.
٢ - أن من بلاغة الكلام الإيجاز.
٣ - ورود النفي بمعنى النهي.
٤ - تحريم الضرار بالقول أو الفعل أو بالترك.
_________________
(١) رواه البخاري (٥٢)، ومسلم (١٥٩٩)؛ عن النعمان بن بشير ﵄.
(٢) أحمد (٢٨٦٥)، وابن ماجه (٢٣٤١).
(٣) مالك في «الموطأ» (٢٧٥٨/ ٦٠٠).
[ ٢ / ٣٠٣ ]
٥ - تحريم الضرر والضرار بالعدوان على الغير؛ بالنفس أو المال أو العرض، مباشرةً أو تسببًا، ومن ذلك: تصرُّفُ الجار في ملكه بما يضر جاره، وكذلك التصرف في الطرق العامة ونحوها بما يضر الناس، من حفر وغيره.
٦ - تحريم الضرار بمنع الحقوق أو التسبب في ذلك، ومن هذا: مطل الغني غريمه، ومضارة الموصي لورثته، ومن ذلك مضارة أحد الوالدين للآخر بولدهما، ومضارة الشاهد والكاتب للمتداينَيْن، ومضارة المتداينَيْن للشاهد والكاتب.
٧ - وجوب إزالة الضرر بغير حق.
٨ - تحريم ما يضر به الإنسان نفسه أو ماله أو عرضه من تصرف بفعل أو ترك أو مطعوم أو مشروب أو غير ذلك.
٩ - الفرق بين الضرر والضرار، وهذا أليق ببيانه ﷺ، وأكثر فائدة، وأحسن ما قيل في الفرق: أن الضرر: إلحاق ما يَضُرُّ بالغير مطلقًا، والضِّرَارُ: ما كان مجازاة، لكن بغير حق، فيكون الضرر أعم، فعطف الضرار عليه من عطف الخاص على العام.
١٠ - أن دين الإسلام دين السلامة، ويشهد له قوله: «المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ» (^١).
١١ - أن ثبوت الملك بإحياء الأرض يشترط فيه ألا يؤدي إلى الإضرار بأحد، وبهذا تظهر مناسبة الحديث للباب.
* * * * *
(١٠٣٧) وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ أَحَاطَ حَائِطًا عَلَى أَرْضٍ فَهِيَ لَهُ». رواه أبُوْ دَاوُدَ، وصَحَّحَهُ ابْنُ الْجَارُودِ (^٢).
_________________
(١) رواه البخاري (٦٤٨٤)؛ عن عبد الله بن عمرو ﵄، ومسلم (٤١)؛ عن جابر ﵁.
(٢) أبو داود (٣٠٧٧)، وابن الجارود في «المنتقى» (١٠١٥).
[ ٢ / ٣٠٤ ]
(١٠٣٨) وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُغَفَّلٍ ﵁؛ أن النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ حَفَرَ بِئْرًا فَلَهُ أَرْبَعُونَ ذِرَاعًا عَطَنًا لِمَاشِيَتِهِ». رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ ضَعِيْفٍ (^١).
* * *
هذان الحديثان قد اشتملا على ذكر بعض ما يكون به إحياء الأرض الموات، وإحياءُ الأرض يتحقق بما تصير به حية عرفًا من بناء أو زرع أو غرس أو حفر بئر لاستخراج الماء.
وفي الحديثين فوائد، منها:
١ - أن من إحياء الأرض إحاطتها بحائط، أي جدار يمنع من دخولها.
٢ - أن من أحاط حائطًا على أرض ميتة ملكها.
٣ - أن من حفر بئرًا لسقي ماشيته ملَك مما حولها أربعين ذراعًا من كل جانب، فيملك ثمانين ذراعًا في ثمانين، أي ستة آلاف وأربعمئة ذراع، وقال بعض الفقهاء: إن كانت البئر بَدِيَّةً، أي: حديثة، فحريمها خمسة وعشرون ذراعًا من كل جانب، وإن كانت عاديَّة، أي: قديمة، فحريمها خمسون ذراعًا من كل جانب.
* * * * *
(١٠٣٩) وَعَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَقْطَعَهُ أَرْضًا بِحَضْرَمَوْتَ. رواه أبُوْ دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّان (^٢).
(١٠٤٠) وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَقْطَعَ الزُّبَيْرَ حُضْرَ فَرَسِهِ، فَأَجْرَى الْفَرَسَ حَتَّى قَامَ، ثُمَّ رَمَى سَوْطَهُ. فَقَالَ: «أَعْطُوهُ حَيْثُ بَلَغَ السَّوْطُ». رَوَاهُ أبُوْ دَاوُدَ وفِيْهِ ضَعْفٌ (^٣).
* * *
_________________
(١) ابن ماجه (٢٤٨٦).
(٢) أبو داود (٣٠٥٨) و(٣٠٥٩)، والترمذي (١٣٨١)، وابن حبان (٧٢٠٥).
(٣) أبو داود (٣٠٧٢). رواه البيهقي في «السنن الكبرى» (١١٨٢١).
[ ٢ / ٣٠٥ ]
هذان الحديثان هما أصل في جواز إقطاع الإمام لبعض الناس شيئًا من الأرض الموات للمصلحة، وأكثر العلماء على أن الإقطاع لا يفيد الملك، وإنما يفيد الاختصاص، فإن أحيا المُقطَع ما أُقطِع مَلَكه؛ لقوله ﷺ: «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ» (^١)، وجاء عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ أنه إذا مضى على الإقطاع ثلاث سنين دون إحياء لم يكن به أولى من غيره (^٢). وقال بعض العلماء: إن الإقطاع يفيد الملك، وهذا هو الذي عليه العمل في إقطاع المساكن، بخلاف الإقطاع للمشاريع الصناعية.
وفي الحديثين فوائد؛ منها:
١ - جواز إقطاع الموات.
٢ - أن الإقطاع مختص بالإمام أو نائبه.
٣ - وجوب مراعاة المصلحة العامة في الإقطاع، وإلا كان أَثَرةً.
٤ - أن المقصود من الإقطاع إحياء الأرض، وبه يثبت الملك.
٥ - أن حضرموت كانت في حكم النبي ﷺ قبل موته.
٦ - تقدير مساحة الإقطاع بما تعرف به تحديدًا أو تقريبًا؛ لقوله في الحديث: «أَقْطَعَ الزُّبَيْرَ حُضْرَ فَرَسِهِ، فَأَجْرَى الْفَرَسَ حَتَّى قَامَ»، وحُضْرُ فرسه شوطه في العدو حتى يقف، ومعنى قام: أي وقف.
٧ - جواز الزيادة على أصل الإقطاع من قبل الإمام لرغبة المُقْطَع.
* * * * *
(١٠٤١) وَعَنْ رَجُلٍ مِنَ الصَّحَابَةِ ﵁ قَالَ: غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «النَّاسُ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثٍ: فِي الْكَلَأِ، وَالْمَاءِ، وَالنَّارِ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وأبُوْ دَاوُدَ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ (^٣).
_________________
(١) تقدم تخريجه (١٠٣٣).
(٢) رواه البيهقي في «السنن الكبرى» (١١٨٢١).
(٣) أحمد (٢٣٠٨٢)، وأبو داود (٣٤٧٧)؛ كلاهما بلفظ: «المُسْلِمُونَ».
[ ٢ / ٣٠٦ ]
هذا الحديث أصل في إباحة هذه المذكورات وما في معناها مما خلقه الله لمنفعة عباده، من غير تسبب من أحد منهم، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩]، وأن الناس شركاء في هذه المنافع، لا يختص أحد بشيء منها إلا ما حازه وحصله بعمله، وأخصُّ ذلك الماء؛ فإنه يجب بذل فضله، وهو ما زاد عن حاجة الإنسان من العين والبئر، وإن كان هو المالك للبئر والعين، فيجب عليه بذل ما فضل عن حاجته بلا ضرر يلحقه.
وفي معنى هذه المذكورات: صيد البر والبحر ولؤلؤ البحر ونحوه، وفي حكم الكلأ سائر ما ينبت على وجه الأرض من الأشجار، لا بفعل آدمي، وخصت الثلاثة بالحديث لعموم الحاجة إليها، ومن جملة المباحات المشتركة بين الناس الأرض الميتة، وبهذا تظهر مناسبة الحديث للباب.
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - أن من نعم الله هذه المذكورات الكلأ والماء والنار.
٢ - أهمية هذه المنافع لحياة الناس، وقد قرن الله في كتابه بين ذكر الزرع والماء والنار، كما في سورة الواقعة.
٣ - أن الناس شركاء في هذه المباحات، والمراد بالنار: معادنها من الحجارة وشجر المرخ والعفار، فلا يختص أحد بشيء إلا ما سبق إليه، ومن الشركة في النار الاقتباس من نار الغير.
٤ - تحريم حمى شيء من هذه المباحات.
٥ - بطلان مذهب الاشتراكية، وجه ذلك تقييد اشتراك الناس بهذه الثلاثة دون غيرها، مما ثبت عليه الملك الخاص.
* * * * *
[ ٢ / ٣٠٧ ]