الأَذَانُ: اسم مصدرٍ من آذن، أو أذَّن، ومعناه الإعلام. واصطلاحًا: الإعلام بدخول وقت الصَّلاة، أو حضور الصَّلاة.
وقد ذكر الله النِّداء للصَّلاة -أي الصَّلوات الخمس- في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا﴾ [المائدة: ٥٨]، والنِّداء للجمعة في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩].
والأذان والإقامة قيل: إنَّهما فرض كفايةٍ يقاتل أهل بلدٍ تركوهما، والدَّليل على وجوبهما قوله ﷺ: «وَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ» (^١)، ولمداومته ﷺ على ذلك، ولا يشرع الأذان لغير الصَّلوات الخمس.
والأذان إنَّما شرع في المدينة، وقد كان الصَّحابة ﵃ يتحيَّنون وقت الصَّلاة؛ أي: يتحرَّونه، ففكَّروا بشيءٍ يعرفون به الوقت، فرأى بعضهم أن يتَّخذوا ناقوسًا كناقوس النَّصارى، أو بوقًا كبوق اليهود، فكره النَّبيُّ ﷺ ذلك؛ لما فيه من المشابهة، ثمَّ إنَّ عبد الله بن زيد بن عبد ربِّه ﵁ رأى الأذان، فأقرَّه النَّبيُّ ﷺ وأمر عبد الله أن يلقيه على بلالٍ ﵁ (^٢).
* * * * *
(١٩٥) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ ﵁ قَالَ: طَافَ بِي وَأَنَا نَائِمٌ رَجُلٌ … فَقَالَ: تَقُولُ: «اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ …» فَذَكَرَ الأَذَانَ؛ بِتَرْبِيعِ التَّكْبِيرِ بِغَيْرِ تَرْجِيعٍ، وَالإِقَامَةَ فُرَادَى، إِلَّا قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ، قَالَ: فَلَمَّا أَصْبَحْتُ أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ
_________________
(١) سيأتي برقم (٢١٦).
(٢) كما في الحديث الآتي.
[ ١ / ٢٠٥ ]
ﷺ، فَقَالَ: «إِنَّهَا لَرُؤْيَا حَقٍّ …». الحَدِيثَ. أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ (^١).
* * *
عبد الله بن زيدٍ ﵁ هو ابن عبد ربِّه، ويعرف بالَّذي أري الأذان في المنام، وهو غير عبد الله بن زيد بن عاصمٍ، وقوله: «طاف بي طائفٌ وأنا نائمٌ»؛ أي: رأيت في المنام رجلًا جاء إليَّ ومعه ناقوسٌ، فقلت: «أَعْطِنِيهِ نُعْلِمُ بِهِ وَقْتَ الصَّلَاةِ، فَقَالَ: تَقُولُ: اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ …» إلى آخر الأذان «بتربيع التَّكبير»؛ أي: بالتَّكبير في أوَّل الأذان أربعًا، والباقي مثنى مثنى، ثمَّ علَّمه الإقامة: «فُرَادَى إِلَّا قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ».
والتَّرجيع هو النُّطق بالشَّهادتين مرَّةً بخفض الصَّوت، ومرَّةً برفعه، فأقرَّه النَّبيُّ ﷺ، وقال: «إِنَّهَا لَرُؤْيَا حَقٍّ»، فثبت بذلك حكم الأذان بشهادة النَّبيِّ ﷺ وتقريره.
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - فضيلة عبد الله بن زيدٍ ﵁.
٢ - أنَّ الرُّؤيا قد تكون سببًا في شرع بعض الأحكام، وذلك في حياة النَّبيِّ ﷺ لا بعده، فإنَّ الأحكام الشَّرعيَّة لا تثبت إلَّا ببيانه ﷺ.
٣ - مشروعيَّة الأذان في الصَّلوات الخمس.
٤ - صفة الأذان وأنَّه خمس عشرة جملةً، وللأذان صفاتٌ أخرى، لكن أشهرها ما في رواية عبد الله بن زيدٍ ﵁.
٥ - أنَّه لا ترجيع في أذان عبد الله بن زيدٍ ﵁.
٦ - مشروعيَّة الإقامة، وأنَّها إحدى عشرة جملةً.
٧ - أنَّ جمل الإقامة فرادى إلَّا جملة «قد قامت الصَّلاة».
_________________
(١) أحمد (١٦٤٧٧)، وأبو داود (٤٩٩)، والترمذيُّ (١٨٩)، وابن خزيمة (٣٧٠).
[ ١ / ٢٠٦ ]
٨ - كراهة التَّشبُّه باليهود والنَّصارى وغيرهم من الكافرين، وهو على مراتب.
٩ - فضيلة هذه الأمَّة بشعار الأذان المشتمل على أصول الإيمان.
١٠ - أنَّ الأذان شعار ديار الإسلام.
١١ - فضيلة النَّبيِّ ﷺ حيث قرن ذكره بذكر الله في الأذان والإقامة.
* * * * *
(١٩٦) وَزَادَ أَحْمَدُ فِي آخِرِهِ قِصَّةَ قَوْلِ بِلَالٍ ﵁ فِي أَذَانِ الفَجْرِ: «الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ» (^١).
(١٩٧) وَلاِبْنِ خُزَيْمَةَ: عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: «مِنَ السُّنَّةِ إِذَا قَالَ الْمُؤَذِّنُ فِي الفَجْرِ: حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، قَالَ: الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ» (^٢).
* * *
في هذين الحديثين فوائد، منها:
١ - التَّثويب في أذان الفجر، وهو قول المؤذِّن: الصَّلاة خيرٌ من النَّوم، والصَّحيح أنَّه في الأذان الثَّاني الذي يكون بعد طلوع الفجر، ويقال لهذا الأذان: الأوَّل، بالنِّسبة للإقامة؛ لأنَّ الإقامة تسمَّى أذانًا؛ لقوله ﷺ: «بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ» (^٣).
٢ - تحديد موضع التَّثويب من الأذان، وأنَّه بعد الحيعلتين.
٣ - التَّذكير بفضل الصَّلاة في هذا الوقت؛ لأنَّه مظنَّة التَّهاون بها.
٤ - المفاضلة بين الصَّلاة والنَّوم مع أنَّه لا نسبة بينهما؛ توبيخًا لمن يؤثر النَّوم عليها؛ فإنَّ لسان حاله يقول: النَّوم خيرٌ من الصَّلاة.
_________________
(١) تقدَّم فيما قبله.
(٢) ابن خزيمة (٣٨٦).
(٣) رواه البخاريُّ (٦٢٤)، ومسلمٌ (٨٣٨)، عن عبد الله بن مغفلٍ المزنيِّ ﵁.
[ ١ / ٢٠٧ ]
٥ - أنَّ تفضيل الكامل على النَّاقص جائزٌ إذا اقتضاه سببٌ.
* * * * *
(١٩٨) عَنْ أَبِي مَحْذُورَةَ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَلَّمَهُ الأذَانَ، فَذَكَرَ فيهِ التَّرْجِيعَ. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (^١)، وَلَكِنْ ذَكَرَ التَّكْبِيرَ فِي أَوَّلِهِ مَرَّتَيْنِ فَقَطْ.
(١٩٩) وَرَوَاهُ الخَمْسَةُ فَذَكَرُوهُ مُرَبَّعًا (^٢).
* * *
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - أنَّ أبا محذورة ﵁ أحد مؤذِّني النَّبيِّ ﷺ.
٢ - أنَّ أبا محذورة ﵁ حسن الصَّوت، كما سيأتي في رواية ابن خزيمة.
٣ - استحباب أن يكون المؤذِّن حسن الصَّوت.
٤ - استحباب التَّرجيع في الأذان، وهذا أحد أنواع الأذان، فيؤذَّن به أحيانًا؛ لأنَّ الأفضل في العبادة الَّتي لها أنواعٌ أن يؤتى بهذا تارةً، وبهذا تارةً.
٥ - تربيع التَّكبير في أوَّل الأذان، كما في حديث عبد الله بن زيدٍ ﵁، وهو أرجح الرِّوايتين في حديث أبي محذورة ﵁.
٦ - بركة دعاء النَّبيِّ ﷺ لأبي محذورة ﵁ فهو سبب هدايته كما جاء في أصل الحديث (^٣).
_________________
(١) مسلمٌ (٣٧٩).
(٢) أحمد (١٥٣٧٦)، وأبو داود (٥٠٢)، والترمذيُّ (١٩١)، والنَّسائيُّ (٦٣٠)، وابن ماجه (٧٠٨).
(٣) أصل القصة عند ابن ماجه، قال: خرجت في نفرٍ، فكنَّا ببعض الطَّريق، فأذَّن مؤذِّن رسول الله ﷺ بالصَّلاة عند رسول الله ﷺ، فسمعنا صوت المؤذِّن ونحن عنه متنكِّبون، فصرخنا نحكيه، نهزأ به، فسمع رسول الله ﷺ، فأرسل إلينا قومًا، فأقعدونا بين يديه، فقال: «أَيُّكُمُ الَّذِي سَمِعْتُ صَوْتَهُ قَدِ ارْتَفَعَ؟» فأشار إليَّ القوم كلُّهم، وصدقوا، فأرسل كلَّهم وحبسني، وقال لي: «قُمْ فَأَذِّنْ» فقمت ولا شيء أكره إليَّ من رسول الله ﷺ، ولا ممَّا يأمرني به. =
[ ١ / ٢٠٨ ]
(٢٠٠) وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: «أُمِرَ بِلالٌ أَنْ يَشْفَعَ الأذَانَ، وَيُوتِرَ الإِقَامَةَ، إِلَّا الإِقَامَةَ» يَعْنِي قَوْلَهُ: «قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١). وَلَمْ يَذْكُرْ مُسْلمٌ الاسْتِثْنَاءَ.
(٢٠١) وَلِلنَّسَائِيِّ: «أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِلَالًا» (^٢).
* * *
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - مشروعيَّة الأذان والإقامة.
٢ - وجوب شفع الأذان، والمراد: ذكر كلِّ جملةٍ من الأذان مرَّتين إلَّا التَّكبير في أوَّله فالمشروع فيه التَّربيع، وخصَّ من شفع الأذان كلمة التَّوحيد في آخره (لا إله إلا الله)؛ فإنَّها تقال مرَّةً، وهو إجماعٌ.
٣ - وجوب إيتار الإقامة؛ وهو ذكر كلِّ جملةٍ من الإقامة مرَّةً واحدةً، إلَّا الإقامة؛ يعني: (قد قامت الصَّلاة). وخصَّ أيضًا من الوتر في الإقامة التَّكبير في أوَّلها وآخرها، وإن لم يذكر في الحديث فإنَّه يثنَّى بالاتِّفاق، وقد ذهب
_________________
(١) = فقمت بين يدي رسول الله ﷺ، فألقى عليَّ رسول الله التَّأذين هو بنفسه، فقال: «قُلِ: اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ». ثمَّ قال لي: «ارْفَعْ مِنْ صَوْتِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُول اللهِ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ»، ثمَّ دعاني حين قضيت التَّأذين، فأعطاني صرَّةً فيها شيءٌ من فضَّةٍ، ثمَّ وضع يده على ناصية أبي محذورة، ثمَّ أمرَّها على وجهه، ثمَّ على ثدييه، ثمَّ على كبده، ثمَّ بلغت يد رسول الله ﷺ سرَّة أبي محذورة، ثمَّ قال رسول الله ﷺ: «بَارَكَ اللهُ لَكَ، وَبَارَكَ عَلَيْكَ»، فقلت: يا رسول الله أمرتني بالتَّأذين بمكَّة؟ قال: «نَعَمْ، قَدْ أَمَرْتُكَ» فذهب كلُّ شيءٍ كان لرسول الله ﷺ من كراهيةٍ، وعاد ذلك كلُّه محبَّةً لرسول الله ﷺ.
(٢) رواه البخاريُّ (٦٠٥)، ومسلمٌ (٣٧٨).
(٣) النَّسائيُّ (٦٢٦).
[ ١ / ٢٠٩ ]
الجمهور في صفة الإقامة إلى ما دلَّ عليه هذا الحديث، وذهب أبو حنيفة إلى شفع الإقامة أيضًا؛ لما جاء في حديث أبي محذورة ﵁ (^١)، فإن صحَّ فلا تعارض في الحديثين، فإنَّ كلًّا من الصِّفتين جائزٌ، ويكون من تنوُّع العبادات، وإن كان أذان بلالٍ وإقامته أشهر وأكثر.
٤ - فضيلة بلالٍ ﵁ وأنَّه أشهر مؤذِّني النَّبيِّ ﷺ.
٥ - تفسير رواية النَّسائيِّ لرواية الصَّحيح بتعيين الآمر، وهو النَّبيُّ ﷺ.
* * * * *
(٢٠٢) وَعَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ ﵁ قَالَ: «رَأَيْتُ بِلَالًا يُؤَذِّنُ وَأَتَتَبَّعُ فَاهُ هَهُنَا وَهَهُنَا، وَإِصْبَعَاهُ فِي أُذُنَيْهِ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَه (^٢).
(٢٠٣) وَلاِبْنِ مَاجَهْ: «وَجَعَلَ إِصْبَعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ» (^٣). وَلأَبِي دَاوُدَ (^٤): «لَوَى عُنُقَهُ لَمَّا بَلَغَ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاة يَمِينًا وَشِمَالًا، وَلَمْ يَسْتَدِرْ». وَأَصْلُهُ فِي «الصَّحِيحَيْنِ» (^٥).
* * *
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - مشروعيَّة الأذان.
٢ - مشروعيَّة الالتفات في الأذان عند الحيعلتين يمينًا وشمالًا، وهذا من السُّنَّة التَّقريريَّة، وفائدته: الزِّيادة في إسماع الصَّوت، والظَّاهر: أنَّه لا يشرع في الأذان بواسطة المكبِّر؛ لفوات الحاجة إلى ذلك.
_________________
(١) وهذا في رواية أصحاب السنن وأنه ﷺ علمه الأذان تسع عشرة كلمة والإقامة سبع عشرة كلمة … إلى آخر ما جاء في الحديث.
(٢) أحمد (١٨٧٥٩)، والترمذيُّ (١٩٧).
(٣) ابن ماجه (٧١١).
(٤) أبو داود (٥٢٠).
(٥) البخاريُّ (٦٣٤)، ومسلمٌ (٥٠٣).
[ ١ / ٢١٠ ]
٣ - استحباب وضع المؤذِّن إصبعيه في أذنيه حال الأذان؛ لأنَّ ذلك يعينه على رفع الصَّوت، وذكر وضع الأصابع زيادةٌ على ما في «الصَّحيحين»، وقد اختلف في صحَّة هذه الزِّيادة.
٤ - أنَّ الالتفات بالرَّأس والعنق لا بالبدن.
٥ - استحباب رفع الصَّوت في الأذان، ومع هذه المكبِّرات لا تحسن المبالغة في رفع الصَّوت؛ لعدم الحاجة، ولما فيه من إزعاج من في المسجد وخارج المسجد.
* * * * *
(٢٠٤) وَعَنْ أَبِي مَحْذُورَةَ ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَعْجَبَهُ صَوْتُهُ، فَعَلَّمَهُ الأَذَانَ». رَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ (^١).
* * *
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - فضيلة أبي محذورة ﵁.
٢ - حسن صوت أبي محذورة ﵁.
٣ - استحباب حسن الصَّوت في الأذان.
٤ - تعليم الأذان.
٥ - حسن خلقه ﷺ؛ لتعليمه أبا محذورة الأذان.
* * * * *
(٢٠٥) وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ﵃ قَالَ: «صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ الْعِيدَيْنِ، غَيْرَ مَرَّةٍ ولا مَرَّتَيْنِ، بِغَيْرِ أَذَانٍ ولا إِقَامَةٍ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٢).
_________________
(١) ابن خزيمة (٣٧٧).
(٢) مسلمٌ (٨٨٧).
[ ١ / ٢١١ ]
(٢٠٦) وَنَحْوُهُ فِي المُتَّفَقِ عَلَيْهِ (^١): عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵃، وَغَيْرِهِ.
* * *
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - مشروعيَّة صلاة العيدين، وهي ركعتان يجهر فيهما بالقراءة، ووقتها بعد ارتفاع الشَّمس، إلى أن تكون في كبد السَّماء قبل الزَّوال.
٢ - أنَّه لا ينادى لصلاة العيد، بل يأتي الإمام ويبدأ بالصَّلاة بلا أذانٍ ولا إقامةٍ، وقال بعضهم: ينادى لها كصلاة الكسوف، ولا أصل له، وهو قياسٌ فاسدٌ؛ لأنَّه خلاف النَّصِّ، وهو قياسٌ مع الفارق؛ فإنَّ صلاة العيد وقتها معلومٌ، وصلاة الكسوف عند حدوث السَّبب.
٣ - تأكيد الخبر بذكر تكرير المشاهدة.
٤ - فضيلة جابر بن سمرة ﵁.
٥ - أنَّ عيد المسلمين يوم ذكرٍ وعبادةٍ.
٦ - أنَّه لا عيد للمسلمين سوى العيدين: عيد الفطر، وعيد الأضحى.
٧ - الاجتماع لصلاة العيدين كالجمعة.
٨ - أنَّ السُّنَّة تكون بالتَّرك كما تكون بالفعل.
٩ - أنَّ ما تركه النَّبيُّ ﷺ مع وجود مقتضيه ففعله بدعةٌ.
* * * * *
(٢٠٧) وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ ﵁ فِي الْحَدِيثِ الطَّوِيلِ، فِي نَوْمِهِمْ عَنِ الصَّلَاةِ: «ثُمَّ أَذَّنَ بِلالٌ، فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ كَمَا كَانَ يَصْنَعُ كُلَّ يَوْمٍ». رَواهُ مُسْلِمٌ (^٢).
_________________
(١) البخاريُّ (٩٥٩)، ومسلمٌ (٨٨٦).
(٢) مسلمٌ (٦٨١).
[ ١ / ٢١٢ ]
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - الأذان للفائتة.
٢ - أنَّ من نام عن الصَّلاة صلَّاها إذا استيقظ من نومه.
٣ - أنَّ الصَّلاة الفائتة تصلَّى على صفتها كالمؤدَّاة.
٤ - أنَّ تأخير الفائتة لأجل الأذان والطَّهارة جائزٌ.
٥ - أنَّ من حكمة نوم النَّبيِّ ﷺ عن صلاة الصُّبح؛ أن يسنَّ ويعلِّم كيفيَّة أداء الصَّلاة الفائتة.
* * * * *
(٢٠٨) وَلَهُ عَنْ جَابِرٍ ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَتَى الْمُزْدَلِفَةَ فَصَلَّى بِهَا الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَإِقَامَتَيْنِ» (^١).
(٢٠٩) وَلَهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵃: «جَمَعَ النَّبِيُّ ﷺ فِي الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِإِقَامَةٍ وَاحِدَةٍ» (^٢). وَزَادَ أبو دَاوُدَ: «لِكُلِّ صَلَاةٍ». وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: «وَلَمْ يُنَادِ فِي وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا» (^٣).
* * *
الحديث الأوَّل طرفٌ من حديث جابرٍ ﵁ الطَّويل في صفة حجَّة النَّبيِّ ﷺ، وقد وردت رواياتٌ مخالفةٌ لحديث جابرٍ ﵁، ففي بعضها الأذان والإقامة لكلِّ صلاةٍ، وفي بعضها الإقامة للصَّلاتين دون الأذان، وقد أورد الحافظ بعضها بعد حديث جابرٍ ﵁. وما دلَّ عليه حديث جابرٍ ﵁ هو الذي ذهب إليه جمهور أهل العلم، ورأوا أنَّ الرِّوايات المخالفة لحديث جابرٍ خطأٌ؛ لوهمٍ أو نسيانٍ.
_________________
(١) مسلمٌ (١٢١٨).
(٢) مسلمٌ (١٢٨٨).
(٣) أبو داود (١٩٢٨).
[ ١ / ٢١٣ ]
وفي الحديثين فوائد؛ منها:
٦ - تأخير الحاجِّ صلاة المغرب إلى حين الوصول إلى مزدلفة.
٧ - الجمع بين الصَّلاتين بمزدلفة، وهذا الجمع متَّفقٌ عليه.
٨ - الأذان للصَّلاتين المجموعتين أذانًا واحدًا.
٩ - الإقامة لكلِّ واحدةٍ منهما.
* * * * *
(٢١٠) وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَعَائِشَةَ ﵃ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إنَّ بلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حتَّى يُنادِيَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ»، وَكَانَ رَجُلًا أَعْمَى لا يُنَادِي حتَّى يُقَالَ لَهُ: أَصْبَحْتَ أَصْبَحْتَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١). وَفِي آخِرِهِ إِدْرَاجٌ (^٢).
* * *
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - الأذان للفجر قبل طلوع الفجر؛ للتَّنبيه على قربه؛ ليرجع القائم، ويستيقظ النَّائم.
٢ - عدم الاكتفاء به عن الأذان بعد طلوع الفجر.
٣ - اتِّخاذ أكثر من مؤذِّنٍ في مسجدٍ واحدٍ.
٤ - صحَّة أذان الأعمى إذا كان هناك من ينبِّهه، أو عنده ما يستدلُّ به على طلوع الفجر كالسَّاعة.
_________________
(١) البخاريُّ (٦١٧)، ومسلمٌ (١٠٩٢).
(٢) قوله: «وكان رجلًا أعمى …»، مدرجٌ من كلام الزهريِّ، فقد رواه الطحاويُّ والبيهقيُّ، بهذا الإسناد، وفيه: «قال ابن شهابٍ: وكان رجلًا أعمى …» إلخ، وجزم ابن قدامة بأنه من كلام ابن عمر ﵃، ونقله عنه الحافظ، وأجاب بأنه لا يمنع أن يكون ابن شهابٍ قاله أن يكون شيخه قاله أيضًا، وكذا شيخ شيخه، وهو عبد الله بن عمر ﵃. ينظر: «فتح الباري» (٢/ ١٠٠).
[ ١ / ٢١٤ ]
٥ - أنَّ الأذان قبل الفجر لا يحرِّم الطَّعام على الصَّائم.
٦ - إباحة الأكل والشُّرب في ليل الصِّيام حتَّى يتحقَّق طلوع الفجر، كما قال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، وفي حكم الأكل والشُّرب: الجماع؛ فيلزم من ذلك أن يصبح الإنسان جنبًا، وقد كان النَّبيُّ ﷺ يصبح جنبًا فيغتسل ويصوم.
٧ - صحَّة صوم من أكل شاكًّا في طلوع الفجر.
٨ - فضيلة بلالٍ وابن أمِّ مكتومٍ ﵃.
٩ - جواز التَّقليد في وقت الصَّلاة.
١٠ - جواز العمل بخبر الواحد في الأذان.
* * * * *
(٢١١) وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵃: أَنَّ بِلَالًا أَذَّنَ قَبْلَ الْفَجْرِ، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَرْجِعَ، فَيُنَادِيَ: «أَلَا إِنَّ الْعَبْدَ نَامَ». رَوَاهُ أبو دَاوُدَ وَضَعَّفهُ (^١).
* * *
هذا الحديث وإن كان ضعيفًا فيستفاد منه:
١ - أنَّ من أذَّن قبل الوقت فينبغي أن يرجع ويعلم النَّاس بغلطه.
٢ - أنَّ هذا النِّداء من بلالٍ كان قبل أذانه المعتاد.
٣ - مشروعيَّة تصحيح الخطأ من قبل المخطئ نفسه، وأنَّه لا غضاضة عليه في ذلك.
٤ - إطلاق اسم العبد على المملوك، وهذا بالنِّسبة لبلالٍ باعتبار ما كان.
* * * * *
_________________
(١) أبو داود (٥٣٢).
[ ١ / ٢١٥ ]
(٢١٢) وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِذَا سَمِعْتُمُ النِّدَاءَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١).
(٢١٣) وَلِلْبُخَارِيِّ: عَنْ مُعَاوِيَةَ ﵁ (^٢).
(٢١٤) وَلِمُسْلِمٍ: عَنْ عُمَرَ ﵁ فِي فَضْلِ القَوْلِ كَمَا يَقُولُ المُؤَذِّنُ كَلِمَةً كَلِمَةً سِوَى الحَيْعَلَتَيْنِ؛ فَيَقُولُ: «لَا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ» (^٣).
* * *
وفي الأحاديث فوائد؛ منها:
١ - مشروعيَّة إجابة المؤذِّن، والمراد: أن يقول سامعه مثل ما يقول، كلَّما قال جملةً قال سامعه مثلها، وهو مستحبٌّ عند جمهور العلماء، وقال قومٌ بالوجوب ومنهم الظَّاهريَّة؛ لظاهر الأمر، ولا شكَّ أنّه قولٌ قويٌّ، واستدلَّ الجمهور على أنَّ الأمر للاستحباب بما رواه مسلمٌ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ سمع مؤذِّنًا يقول: «الله أكبر الله أكبر»، فقال: «عَلَى الفِطْرَةِ»، ثمَّ قال: «أشهد أن لا إله إلاّ الله»، فقال: «خَرَجْتَ مِنَ النَّارِ» (^٤).
٢ - أنَّ الإجابة في الحيعلتين أن يقول السَّامع بعد كلِّ جملةٍ: (لا حول ولا قوَّة إلَّا بالله)، كما في حديثي عمر ومعاوية ﵂، وهما مخصِّصان لحديث أبي سعيدٍ ومعاوية ﵃.
٣ - أنَّ إجابة المؤذِّن متضمِّنةٌ للعبادة والاستعانة. العبادة: بالتَّكبير وبالشَّهادتين، والاستعانة: بقول: لا حول ولا قوَّة إلَّا بالله عند الحيعلتين.
٤ - أنَّ التَّرديد مع المؤذِّن إجابةٌ بالقول تقتضي الإجابة بالفعل.
٥ - أنَّ إجابة المؤذِّن إنَّما تشرع لمن تجب عليه الصَّلاة الَّتي ينادى لها، لكن إجابة من لا تجب عليه هذه الصَّلاة هو من الذِّكر المطلق.
_________________
(١) البخاريُّ (٦١١)، ومسلمٌ (٣٨٣).
(٢) البخاريُّ (٦١٢).
(٣) مسلمٌ (٣٨٥).
(٤) مسلمٌ (٣٨٢) عن أنس بن مالك ﵁.
[ ١ / ٢١٦ ]
٦ - أنَّ (لا حول ولا قوَّة إلَّا بالله) استعانةٌ لا تصبُّرٌ.
٧ - الفرق بين الحيعلتين وسائر جمل الأذان من حيث نوع الكلام، فجمل الأذان خبرٌ، والحيعلتان إنشاءٌ، فلذلك اختلف حكمهما.
* * * * *
(٢١٥) وَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي العَاصِ ﵁، أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ اجْعَلْنِي إِمَامَ قَوْمِي، قَالَ: «أَنْتَ إِمَامُهُمْ، وَاقْتَدِ بِأَضْعَفِهِمْ، وَاتَّخِذْ مُؤَذِّنًا لا يَأْخُذُ عَلَى أَذَانِهِ أَجْرًا». أَخْرَجَهُ الخَمْسَةُ، وَحَسّنَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ (^١).
* * *
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - جواز طلب الإمامة في الصَّلاة ممَّن هو أهلٌ، ما لم يتَّخذها وسيلةً لرزقٍ من بيت المال أو وقفٍ.
٢ - فضيلة عثمان بن أبي العاص ﵁.
٣ - أنَّ اختيار المؤذِّن يرجع فيه إلى الإمام.
٤ - مشروعيَّة نصب الإمام والمؤذِّن.
٥ - كراهة أخذ الأجرة على وظيفة الأذان، وقيل بالتَّحريم، ولا يحرم الرَّزق من بيت المال، والتَّطوُّع أفضل، وأمَّا أخذ الأجرة على الأذان كلَّ مرَّةٍ بكذا فحرامٌ كأخذ الأجرة على تلاوة القرآن.
٦ - فضل الإمامة على الأذان، وقيل: إنَّ الأذان أفضل لقوله ﷺ: «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الأَوَّلِ ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لاسْتَهَمُوا» (^٢) والأوَّل أظهر. والله أعلم.
_________________
(١) أحمد (١٦٢٧٠)، وأبو داود (٥٣١)، والترمذيُّ (٢٠٩)، والنَّسائيُّ (٦٧١)، وابن ماجه (٧١٤)، والحاكم (٧١٨).
(٢) رواه البخاريُّ (٥٩٠)، ومسلمٌ (٤٣٧)، عن أبي هريرة ﵁.
[ ١ / ٢١٧ ]
٧ - وجوب مراعاة الإمام لمن خلفه، واعتبار ذلك بالأضعف.
٨ - جواز طلب الولاية إذا كانت الغاية هي المصلحة العامَّة للمسلمين، أمَّا إذا كانت الغاية ما في الإمارة ونحوها من الشَّرف والمصالح الماليَّة فلا يجوز سؤالها؛ لقوله ﷺ: «إِنَّا لا نُوَلِّي هَذَا الأَمْرَ مَنْ سَأَلَهُ» (^١)، وقوله لعبد الرَّحمن بن سمرة ﵁: «لَا تَسْأَلِ الإِمَارَةَ …» (^٢) الحديث.
٩ - وصيَّة الإمام لمن يولِّيهم بما يحقِّق مقصود الولاية.
* * * * *
(٢١٦) وَعَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ ﵁ قَالَ: قَالَ لَنَا النَّبِيُّ ﷺ: «وَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ …» الحَدِيثَ. أَخْرَجَهُ السَّبْعَةُ (^٣).
* * *
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - مشروعيَّة الأذان، وهو فرض كفايةٍ بدليل الأمر «فليؤذِّن».
٢ - أنَّه لا يعتبر في المؤذِّن ما يعتبر في الإمام من حفظ القرآن والعلم بالسُّنَّة ونحو ذلك.
٣ - أنَّ وقت الأذان هو دخول وقت الصَّلاة، وقد شرع لذلك.
٤ - مشروعيَّة الأذان عند إرادة فعل الصَّلاة إذا لم يؤذَّن لها في أوَّل الوقت، وحضور الصَّلاة في الحديث يشمل دخول الوقت وإرادة فعل الصَّلاة، ولذلك يشرع للمجموعتين وللفوائت.
٥ - اشتراط كون المؤذِّن مسلمًا ذكرًا، لقوله: «أَحَدُكُمْ» فلا يصحُّ أذان الكافر ولا المرأة.
* * * * *
_________________
(١) رواه البخاريُّ (٧١٤٩)، ومسلمٌ (١٧٣٣) عن أبي موسى الأشعري ﵁.
(٢) رواه البخاريُّ (٦٦٢٢)، ومسلمٌ (١٦٥٢).
(٣) البخاريُّ (٦٢٨)، ومسلمٌ (٦٧٤)، وأحمد (١٥٥٩٨)، وأبو داود (٥٨٩)، والترمذيُّ (٢٠٥)، والنَّسائيُّ (٦٣٤)، وابن ماجه (٩٧٩).
[ ١ / ٢١٨ ]
(٢١٧) وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ لِبِلَالٍ: «إِذَا أَذَّنْتَ فَتَرَسَّلْ، وَإِذَا أَقَمْتَ فَاحْدُرْ، وَاجْعَلْ بَيْنَ أَذَانِكَ وَإِقَامَتِكَ قَدْرَ مَا يَفْرُغُ الآكِلُ مِنْ أَكْلِهِ …» الحَدِيثَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَضَعَّفَهُ (^١).
* * *
الحديث وإن كان ضعيفًا فيعضده العمل والمعنى، فإنَّ المقصود من الأذان إعلام البعيد؛ فيناسبه التَّرسُّل، والإقامة إعلامٌ للحاضرين؛ فالمناسب لحالهم الحدر، وكذلك الفصل بين الأذان والإقامة بما يُمكِّن من الاستعداد للصَّلاة والفراغ من الشُّغل اليسير كالأكل والوضوء والغسل.
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - مشروعيَّة الأذان والإقامة للصَّلوات الخمس.
٢ - استحباب التَّرسُّل في الأذان.
٣ - استحباب الحدر في الإقامة؛ وهو عدم الفصل بين الجمل.
٤ - استحباب الفصل بين الأذان والإقامة بحسب ما تدعو إليه الحاجة.
٥ - توجيه الإمام رعيَّته كلًّا بما يخصُّه.
* * * * *
(٢١٨) وَلَهُ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لا يُؤَذِّنُ إلَّا مُتَوَضِّئٌ». وَضَعَّفَهُ أيضًا (^٢).
(٢١٩) وَلَهُ: عَنْ زِيَادِ بْنِ الحَارِثِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «وَمَنْ أَذَّنَ فَهُوَ يُقِيمُ». وَضَعَّفَهُ أَيْضًا (^٣).
_________________
(١) الترمذيُّ (١٩٥).
(٢) الترمذيُّ (٢٠٠).
(٣) الترمذيُّ (١٩٩).
[ ١ / ٢١٩ ]
(٢٢٠) وَلأَبِي دَاوُدَ: فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ أَنَّهُ قَالَ: أَنَا رَأَيْتُهُ -يَعْنِي الأَذَانَ- وَأَنَا كُنْتُ أُرِيدُهُ. قَالَ: «فَأَقِمْ أَنْتَ». وَفِيهِ ضَعْفٌ أَيْضًا (^١).
(٢٢١) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «المُؤَذِّنُ أَمْلَكُ بِالأَذَانِ، وَالإِمَامُ أَمْلَكُ بِالإِقَامَةِ». رَوَاهُ ابْنُ عَدِيٍّ وَضَعَّفَهُ (^٢).
(٢٢٢) وَلِلْبَيْهَقِيِّ نَحْوُهُ: عَنْ عَلِيٍّ ﵁ مِنْ قَوْلِهِ (^٣).
* * *
هذه الأحاديث وإن كانت ضعيفةً -كما ذكر الحافظ- فإنَّ معانيها صحيحةٌ ولها ما يعضدها من الآثار والعمل.
وفيها فوائد، منها:
١ - استحباب الطَّهارة للأذان من الحدث الأصغر، وليست شرطًا، وهذا متَّفقٌ عليه، وأمَّا الطَّهارة من الجنابة؛ فقيل: إنَّها شرطٌ لصحَّة الأذان، والصَّحيح: أنَّها ليست شرطًا، إلَّا إن كان الأذان في المسجد فإنَّه ينهى عنه؛ لنهي الجنب عن المكث في المسجد، وإذا توضَّأ جاز؛ لأنَّ الصَّحابة ﵃ كانوا إذا أراد أحدهم المكث في المسجد توضَّأ لذلك. ويعضد معنى هذا الحديث قوله ﷺ: «إِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أَذْكُرَ اللهَ تَعَالَى إِلَّا عَلَى طَهَارَةٍ» (^٤)، فالطَّهارة للذِّكر مطلقًا مستحبَّةٌ فكيف الأذان؟
٢ - استحباب أن يتولَّى الإقامة من تولَّى الأذان؛ ويشهد لذلك عمل بلالٍ في حياة النَّبيِّ ﷺ وعمل المؤذِّنين بعده.
٣ - جواز أن يتولَّى الإقامة غير من تولَّى الأذان، وهذا ممَّا لا خلاف فيه.
٤ - أنَّ الأذان إلى المؤذِّن المعيَّن لذلك، فلا يفتقر إلى إذن الإمام.
_________________
(١) أبو داود (٥١٢).
(٢) ابن عديٍّ في «الكامل» (٥/ ١٨).
(٣) البيهقيُّ في «الكبرى» (٢٢٧٩).
(٤) رواه أحمد (١٩٠٣٤)، وأبو داود (١٧)، وابن حبان (٨٠٣)، وصححه ابن خزيمة (٢٠٦).
[ ١ / ٢٢٠ ]
٥ - توقُّف الإقامة للصَّلاة على إذن الإمام، فليس للمؤذِّن أن يفتئت عليه، ويعضد هذا أثر عليٍّ ﵁ الَّذي أشار إليه المصنِّف، وعمل بلالٍ ﵁ ومن بعده.
* * * * *
(٢٢٣) وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لا يُرَدُّ الدُّعَاءُ بَيْنَ الأَذَانِ وَالإِقَامَةِ». رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَه ابْنُ خُزَيْمَةَ (^١).
* * *
الحديث فيه فوائد، منها:
١ - أنَّ ما بين الأذان والإقامة من أوقات إجابة الدُّعاء.
٢ - استحباب الدُّعاء في هذا الوقت.
٣ - أنَّ لإجابة الدُّعاء أسبابًا ولها موانع.
٤ - التَّرغيب في تحرِّي الدُّعاء بين الأذان والإقامة؛ فإنَّ قبول الدُّعاء فيه أرجى، وإلَّا فالدّعاء مستحبٌّ في كلِّ وقتٍ، والإجابة مرجوَّةٌ بل محقَّقةٌ؛ لوعده تعالى، ما لم يكن مانعٌ ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠].
٥ - أنَّ الوعد في هذا الحديث عامٌّ للرِّجال والنِّساء.
* * * * *
(٢٢٤) وَعَنْ جَابِرٍ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ: اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ وَالصَّلَاةِ القَائِمَةِ آتِ مُحَمَّدًا الوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ، وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الَّذِي وَعَدتَّهُ، حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ». أَخْرَجَهُ الأَرْبَعَةُ (^٢).
* * *
_________________
(١) النَّسائيُّ في «الكبرى» (٩٨١٢)، وابن خزيمة (٤٢٦).
(٢) وأخرجه البخاريُّ أيضًا (٦١٤)، وأبو داود (٥٢٩)، والترمذيُّ (٢١١)، والنَّسائيُّ (٦٧٩)، وابن ماجه (٧٢٢).
[ ١ / ٢٢١ ]
الحديث فيه فوائد، منها:
١ - أنَّه يستحبُّ لمن سمع النِّداء للصَّلاة أن يدعو للنَّبيِّ ﷺ بهذا الدُّعاء.
٢ - أنَّ هذا الدُّعاء لا يختصُّ بآخر الأذان، فلا فرق أن يقوله السَّامع في أوَّل الأذان أو آخره؛ لإطلاق الحديث، ولكن قد ورد ما يدلُّ على تقييد الحديث؛ وأنَّ محلَّ هذا الدُّعاء بعد سماع الأذان كاملًا وإجابة المؤذِّن، وهو ما رواه مسلمٌ عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵃ عن النَّبيِّ ﷺ قال: «إِذَا سَمِعْتُمُ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ، فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلاةً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا ثُمَّ سَلُوا اللهَ لِيَ الْوَسِيلَةَ …». الحديث (^١).
٣ - التَّوسُّل إلى الله بصفاته، وهي هنا ربوبيَّته للدَّعوة التَّامَّة، وهي الأذان؛ لأنَّه دعوةٌ إلى الصَّلاة، وربوبيَّته للصَّلاة القائمة وهي الصَّلاة الحاضرة، ومعنى ربوبيَّته لذلك: أنَّه شرعهما وهو المستحقُّ لهما؛ لأنَّهما من أنواع العبادة.
٤ - أنَّ المشروع ذكر النَّبيِّ ﷺ باسمه العلم في هذا الدُّعاء وكما في الصَّلاة الإبراهيميَّة.
٥ - استحباب الدُّعاء للنَّبيِّ ﷺ بما جاء في الكتاب والسُّنَّة؛ من الأمر به والتَّرغيب فيه؛ مثل الصَّلاة والسَّلام عليه، ومثل هذا الدُّعاء بعد إجابة المؤذِّن.
٦ - أنَّ إرشاد النَّبيِّ ﷺ أمَّته إلى هذا الدُّعاء وترغيبهم في الصّلاة عليه ليس هو من سؤال الدُّعاء من الغير، بل ذلك من تبليغ الشَّرع وإرشاد الأمَّة إلى ما ينفعها من الكلم الطَّيِّب والعمل الصَّالح. والله أعلم.
٧ - أنَّ ممَّا يطلب ويدعى به للنَّبيِّ ﷺ الوسيلة والمقام المحمود، والمراد بالوسيلة: درجةٌ في الجنَّة، كما قال ﷺ: «ثُمَّ سَلُوا اللهَ لِيَ الْوَسِيلَةَ؛ فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ لا تَنْبَغِي إِلَّا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللهِ، وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ» (^٢)،
_________________
(١) مسلمٌ (٣٨٤).
(٢) هذا تتمة حديث عبد الله بن عمرو بن العاص الآنف الذكر.
[ ١ / ٢٢٢ ]
والمراد بالمقام المحمود: مقام الشَّفاعة الكبرى الَّتي يتأخَّر عنها آدم وأولو العزم من الرُّسل، ويتقدَّم لها نبيُّنا محمَّدٌ ﷺ، وهذه الشَّفاعة إحدى خصائصه ﷺ كما في الحديث: «أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ مِنَ الأَنْبِيَاءِ قَبْلِي …»، وفيه «وأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ» (^١).
٨ - أنَّ الله قد وعد نبيَّه ذلك المقام، وذلك في قوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا (٧٩)﴾ [الإسراء: ٧٩].
٩ - أنَّ هذا الدُّعاء من أسباب الأهليَّة لشفاعته ﷺ لقوله: «حَلَّتْ لَهُ»؛ أي: حصلت له، وهذه الشَّفاعة هي الخاصَّة بأهل الإيمان والتَّوحيد.
١٠ - أنَّ الجزاء من جنس العمل، فكما دعا العبد للنَّبيِّ ﷺ بالمقام المحمود وهو الشَّفاعة كان جزاؤه أن يشفع له النَّبيُّ ﷺ.
١١ - التَّوسُّل إلى الله بوعده، كما أخبر تعالى عن المؤمنين: ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ﴾ [آل عمران: ١٩٤].
* * * * *
_________________
(١) تقدَّم برقم (١٣٩).
[ ١ / ٢٢٣ ]