أدرج المؤلف ﵀ في هذه الترجمة ثلاث مسائل؛ الإيلاء والظهار والكفارة، والإيلاء: أن يحلف الرجل على ترك جماع زوجته مطلقًا أو أكثر من أربعة أشهر، وقد ذكر الله حكمه في قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِّسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ [البقرة: ٢٢٦]، فينظر المولي أربعة أشهر ليرجع عن حلفه، أو يطلق، كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ فَاؤُوا فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيم (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيم (٢٢٧)﴾ [البقرة: ٢٢٦ - ٢٢٧]، فيمهل المولي أربعة أشهر، ثم يوقف ويؤمر؛ إما أن يفيء، أو يطلق.
الثاني -مما ذكره المؤلف-: الظهار، وهو أن يقول لامرأته: أنت عليَّ كظهر أمي، وهذا منكر من القول وزور، وهو كلام باطل، فالزوجة حلال وطؤها، والأم أعظم من يحرم عليه نكاحها، وفي حكم الأم سائر المحرمات في النكاح؛ كالبنت والأخت، ولا يختص الظهار بذكر الظهر، بل يشمل كل أعضاء المحرَّمة؛ كالبطن والفرج، وهذا قول الجمهور، وخصَّ ابن حزم الظهار بالظهر من الأم؛ لأن أصله عدم القياس (^١).
الثالث: الكفارة، والمراد كفارة الظهار، وتجب بالعزم على الوطء، وهو المراد من العود على قول الجمهور في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ [المجادلة: ٣]، وحكم الظهار وكفارته ذكرهما الله في آيات سورة المجادلة من قوله: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِّسَائِهِم مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾ [المجادلة: ٢] إلى قوله: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ [المجادلة: ٤]، فكفارة الظهار أحد ثلاثة أشياء مرتبة؛ عتق رقبة فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينًا.
* * * * *
_________________
(١) «المحلى» (٩/ ١٨٩).
[ ٢ / ٤٥٤ ]
(١٢٣٩) عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «آلَى رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ نِسَائِهِ وَحَرَّمَ، فَجَعَلَ الْحَرَامَ حَلَالًا (^١)، وَجَعَلَ لِلْيَمِينِ كَفَّارَةً». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ (^٢).
(١٢٤٠) وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: «إِذَا مَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وُقِفَ الْمُؤْلِي حَتَّى يُطَلِّقَ، وَلَا يَقَعُ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ حَتَّى يُطَلِّقَ». أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ (^٣).
(١٢٤١) وَعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: «أَدْرَكْتُ بِضْعَةَ عَشَرَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ كُلُّهُمْ يَقِفُونَ الْمُولِي». رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ (^٤) ..
(١٢٤٢) وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «كَانَ إِيلَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ السَّنَةَ وَالسَّنَتَيْنِ، فَوَقَّتَ اللهُ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، فَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، فَلَيْسَ بِإِيلَاءٍ». أخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ (^٥).
* * *
هذه الأحاديث تضمنت حكم الإيلاء.
وفي الأحاديث فوائد؛ منها:
١ - أن النبي ﷺ آلى من نسائه، وجاء في بعض الروايات: آلى من نسائه شهرًا (^٦).
٢ - أنه ﷺ حرم على نفسه بعض ما أحل الله له، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١]، قيل: المراد بذلك أَمَتُه، وقيل: المراد العسل الذي كان يشربه عند بعض نسائه.
_________________
(١) تنبيه: في بعض نسخ البلوغ: «فَجَعَلَ الْحَلالَ حَرَامًا»، وهو غلط، والصواب: «فَجَعَلَ الْحَرَامَ حَلَالًا»، كما في الترمذي وسائر المصادر الحديثية، إلا عند ابن ماجه، والأظهر؛ أنه تحريف، ومعناه ما تقدم، وهو أنه استحل ما حرم على نفسه، طاعة لله.
(٢) الترمذي (١٢٠١).
(٣) البخاري (٥٢٩١).
(٤) «ترتيب مسند الشافعي» (١٣٩).
(٥) البيهقي (١٥٢٣٧).
(٦) رواه البخاري (٥٢٨٩).
[ ٢ / ٤٥٥ ]
٣ - أنه ﷺ جعل ما حرمه على نفسه حلالًا، طاعة لله تعالى، وكفَّر عن يمين التحريم، لا يمين الإيلاء، لأنه ﷺ برَّ بيمينه في الإيلاء، فقد سمَّى الله التحريم يمينًا في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١]، ثم قال: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢]، وهذا معنى قول عائشة: «فَجَعَلَ الْحَرَامَ حَلَالًا، وَجَعَلَ لِلْيَمِينِ كَفَّارَةً»، وليس مرادها يمين الإيلاء؛ فإنه ﷺ آلى من نسائه شهرًا، وبر بيمينه.
٤ - أن المولي إذا مضى عليه أربعة أشهر ولم يف فإنه يوقف ويؤمر؛ إما أن يطلق أو يفيء، ولا تطلق امرأته بمجرد مضي الأشهر، ولا يطلِّق عليه الحاكم إلا إذا امتنع من الفيئة والطلاق.
٥ - أن إيلاء النبي ﷺ من نسائه ليس هو الإيلاء في الاصطلاح، بل هو إيلاء لغوي.
٦ - أن مدة الإيلاء في الجاهلية تبلغ السنة والسنتين، فجعلها الله أربعة أشهر.
* * * * *
(١٢٤٣) وَعَنْهُ ﵄؛ أَنَّ رَجُلًا ظَاهَرَ مِنِ امْرَأَتِهِ، ثُمَّ وَقَعَ عَلَيْهَا، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: إِنِّي وَقَعْتُ عَلَيْهَا قَبْلَ أَنْ أُكَفِّرَ، قَالَ: «فَلَا تَقْرَبْهَا حَتَّى تَفْعَلَ مَا أَمَرَكَ اللهُ». رَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَرَجَّحَ النَّسَائِيُّ إِرْسَالَهُ (^١).
(١٢٤٤) ورواه البَزّارُ: مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَزَادَ فِيهِ: «كَفِّرْ وَلَا تَعُدْ» (^٢).
_________________
(١) أبو داود (٢٢٢٣)، والترمذي (١١٩٩)، والنسائي في «الكبرى» (٥٦٢٢)، وابن ماجه (٢٠٦٥).
(٢) البزار (٤٧٩٧).
[ ٢ / ٤٥٦ ]
(١٢٤٥) وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ قَالَ: دَخَلَ رَمَضَانُ، فَخِفْتُ أَنْ أُصِيبَ امْرَأَتِي، فَظَاهَرْتُ مِنْهَا، فَانْكَشَفَ لِي مِنْهَا شَيْءٌ لَيْلَةً، فَوَقَعْتُ عَلَيْهَا، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ: «حَرِّرْ رَقَبَةً» قُلْتُ: مَا أَمْلِكُ إِلَّا رَقَبَتِي. قَالَ: «فَصُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ»، قُلْتُ: وَهَلْ أَصَبْتُ الَّذِي أَصَبْتُ إِلَّا مِنْ الصِّيَامِ؟ قَالَ: «أَطْعِمْ عِرْقًا مِنْ تَمْرٍ بَيْنَ سِتِّينَ مِسْكِينًا». أخْرَجَهُ أحْمَدُ، وَالأَرْبَعَةُ إلا النَّسَائِيَّ، وَصحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وابْنُ الْجَارُودِ (^١).
* * *
هذه الأحاديث دلت على ما دل عليه القرآن من كفارة الظهار، وهي واحد من ثلاثة مرتبة؛ عتق رقبة، فمن لم يجد فيصوم شهرين متتابعين، فمن لم يجد فيطعم ستين مسكينًا، وهذا مطابق لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المجادلة: ٣]، إلى قوله: ﴿فَمَنْ لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: ٤].
وفي الأحاديث فوائد؛ منها:
١ - وجوب الكفارة على من ظاهر من امرأته.
٢ - بيان خصال كفارة الظهار.
٣ - أنها على الترتيب؛ عتق فصيام فإطعام.
٤ - جواز جهر المستفتي بما يستحيا من ذكره.
٥ - حسن خلقه ﷺ.
٦ - تحريم الجماع ودواعيه على المظاهر قبل الكفارة؛ لقوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٤].
_________________
(١) أحمد (٢٣٧٠٠) وأبو داود (٢٢١٣)، والترمذي (١١٩٨)، وابن ماجه (٢٠٦٢)، وابن خزيمة (٢٣٧٨)، وابن الجارود في «المنتقى» (٧٤٤).
[ ٢ / ٤٥٧ ]
٧ - أن من جامع قبل أن يكفر فليس عليه كفارة أخرى.
٨ - أن من جامع قبل أن يكفر فقد أساء، وحكم التحريم باقٍ.
٩ - أن الظهار ليس حكمه حكم اليمين، فيحصل التحلل منه بكفارة اليمين.
١٠ - أنه يجوز للمستفتي أن يبين للمفتي حاله مع هذه الفتوى، ويعتذر عمَّا أوجب عليه.
١١ - أن الوجوب منوط بالاستطاعة.
١٢ - وجوب التتابع في صيام كفارة الظهار.
١٣ - أنه لا يشترط في كفارة الظهار أن تكون الرقبة مؤمنة.
١٤ - أن الفقير والمسكين يعبَّر بكل واحد منهما عن الآخر.
* * * * *
[ ٢ / ٤٥٨ ]