التَّيَمُّمُ لُغَةً: القصد، تقول: تيمَّمت كذا؛ أي: قصدتُه.
وَفِي الشَّرْعِ: قصد الصَّعيد الطَّيِّب بضربه باليدين ثمَّ مسح الوجه والكفَّين بنيَّة التَّطهُّر، وهو رخصةٌ من الله لعباده يقوم مقام الوضوء والغسل عند عدم الماء أو خوف التَّضرُّر باستعماله.
وقد دلَّ على مشروعيَّته الكتاب، والسُّنَّة المتواترة، وإجماع الأمَّة.
* * * * *
(١٣٩) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵃؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «أُعْطِيتُ خَمْسًا، لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي: نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، فَأَيُّمَا رَجُلٍ أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ …» وَذَكَرَ الْحَدِيثَ (^١).
(١٤٠) وَفِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ ﵁، عِنْدَ مُسْلِمٍ: «وَجُعِلَتْ تُرْبَتُهَا لَنَا طَهُورًا، إِذَا لَمْ نَجِدِ الْمَاءَ» (^٢).
(١٤١) وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁، عِنْدَ أَحْمَدَ: «وَجُعِلَ التُّرَابُ لِي طَهُورًا» (^٣).
* * *
اقتصر الحافظ على خصلتين من الخمس في حديث جابرٍ ﵁ اختصارًا، والشَّاهد من الحديث قوله: «وَطَهُورًا»؛ أي: مطهِّرًا، كما قال النَّبيُّ ﷺ في البحر: «هُو الطَّهُورُ مَاؤُهُ» (^٤) ويؤكِّد ذلك قوله ﷺ: «فَأَيُّمَا رَجُلٍ أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ
_________________
(١) رواه البخاري (٣٣٥) ومسلم (٥٢١).
(٢) مسلم (٥٢٢).
(٣) أحمد (٧٦٣). وحسنه الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٤٠٦).
(٤) تقدم، وهو أول حديث في كتاب الطهارة.
[ ١ / ١٥١ ]
فَلْيُصَلِّ»؛ أي: فعنده المسجد والطَّهور، وإن لم يكن ماءٌ. وبقيَّة الخصائص الخمس هي قوله ﷺ: «وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ وَلَمْ تَحِلَّ لأحَدٍ قَبْلِي، وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ».
وفي الأحاديث فوائد؛ منها:
١ - أنَّ للرَّسول ﷺ خصائص لم تكن لمن قبله من الأنبياء.
٢ - أنَّ من هذه الخصائص ما تشاركه فيه أمَّته ﷺ؛ كحلِّ الغنائم، والصَّلاة في أيِّ بقعةٍ من الأرض، والتَّطهُّر من أيِّ موضعٍ، والنَّصر بالرُّعب، ومنها ما لا تشاركه فيه الأمَّة؛ كعموم الرِّسالة والشَّفاعة الكبرى.
٣ - تفاضل الأنبياء وتفاضل الأمم.
٤ - فضل نبيِّنا مُحمَّدٍ ﷺ على غيره من الأنبياء، وفضل أمَّته على من قبلها من الأمم.
٥ - نصر الله لنبيِّه مُحمَّدٍ ﷺ ولأتباعه بالرُّعب الَّذي يلقيه الله في قلوب أعدائه، وشاهده في القرآن ﴿سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرَّعْبَ﴾ [الأنفال: ١٢].
٦ - خوف الكفَّار من النَّبيِّ ﷺ والمؤمنين وبينهم مسيرة شهرٍ، وفي روايةٍ «شَهْرَيْنِ» (^١)، والبعد والقرب في هذا يرجع إلى حال المؤمنين من حيث قوَّة الإيمان والتَّوكُّل والأخذ بالأسباب.
٧ - جواز الصَّلاة في جميع بقاع الأرض إلَّا ما خصَّه الدَّليل: كالمقبرة، والحمَّام، والمواضع النَّجسة.
٨ - جواز التَّطهُّر بالتَّيمُّم على جميع أجزاء الأرض، سواءٌ أكان صخرًا أم رملًا أم ترابًا، إلَّا ما خصَّه الدَّليل كالمواضع النَّجسة.
_________________
(١) أخرجها البيهقي في «الكبرى» (٤٠٦٥) عن أبي أمامة ﵁ وصححها الألباني في «صحيح الجامع» (٤٢٢٠).
[ ١ / ١٥٢ ]
وخصَّ كثيرٌ من العلماء التَّيمُّم بالتُّراب الَّذي له غبارٌ، لما جاء في حديث حذيفة عند مسلمٍ «وجعلت تربتها لنا طهورًا»، ونحوه من حديث عليٍّ ﵁ عند أحمد: «وَجُعِلَ التُّرَابُ لِيَ طَهُورًا» وعضدوا ذلك بقوله: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ﴾ [المائدة: ٦]، ف «من» على هذا للتَّبعيض، وكذلك الباء في قوله: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ [النساء: ٤٣] تدلُّ على ممسوحٍ به؛ كقوله: ﴿وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦].
ونازع بعض العلماء في هذه الأدلَّة فقالوا: يجوز التَّيمُّم على جميع أجزاء الأرض.
٩ - أنَّه لا تؤخَّر الصَّلاة عن وقتها، ولا لآخر وقتها من أجل طلب الماء؛ لقوله: «فَأَيُّمَا رَجُلٍ أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ».
١٠ - أنَّ الأمم الماضية لا يصلُّون إلَّا في محاريبهم، وهي الأماكن المعدَّة للصَّلاة، وأنَّهم لا يجزئهم في طهارتهم التَّيمُّم.
١١ - حلُّ الغنائم لهذه الأمَّة وتحريمها على الأمم السَّابقة، فإذا غنموا من أموال الكفَّار جمعوه فنزلت عليه نارٌ فأكلته.
١٢ - جواز النَّسخ بين الشَّرائع بل وفي الشَّريعة الواحدة.
١٣ - رحمة الله بهذه الأمَّة بهذه الشَّريعة السَّمحة.
١٤ - اختصاصه ﷺ بالشَّفاعة الكبرى دون سائر الأنبياء، وهي المقام المحمود.
١٥ - الدَّلالة على عموم رسالته ﷺ لجميع النَّاس واختصاص كلِّ نبيٍّ بقومه.
١٦ - أنَّ التَّيمُّم رافعٌ للحدث؛ لقوله: «طَهُورًا».
١٧ - أنَّ كلَّ موضعٍ تجوز الصَّلاة فيه يسمَّى مسجدًا.
[ ١ / ١٥٣ ]
١٨ - أنَّه لا يسع أحدًا الخروج عن شريعة مُحمَّدٍ ﷺ لا اليهود ولا النَّصارى ولا غيرهم؛ لقوله ﷺ: «وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً».
* * * * *
(١٤٢) وَعَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ ﵃، قَالَ: بَعَثَنِي النَّبِيُّ ﷺ فِي حَاجَةٍ فَأَجْنَبْتُ، فَلَمْ أَجِدِ الْمَاءَ فَتَمَرَّغْتُ فِي الصَّعِيدِ كَمَا تَتَمَرَّغُ الدَّابَّةُ، ثُم أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرْتُ لَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ: «إِنَّمَا يَكْفِيكَ أَنْ تَقُولَ بِيَدَيْكَ هَكَذَا»، ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدَيْهِ الأَرْضَ ضَرْبَةً وَاحِدَةً، ثُمَّ مَسَحَ الشِّمَالَ عَلَى الْيَمِينِ، وَظَاهِرَ كَفَّيْهِ وَوَجْهَهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظ لِمُسْلِمٍ (^١).
(١٤٣) وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: «وَضَرَبَ بِكَفَّيْهِ الأَرْضَ، وَنَفَخ فِيهِمَا، ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ» (^٢).
* * *
هذا الحديث مع ما في القرآن أصلٌ في مشروعيَّة التَّيمُّم وصفته، والآية والحديث مبيِّنان للإجمال في حديث جابرٍ ﵁ من قوله ﷺ: «وَجُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا» (^٣)؛ فإنَّه لم يبيِّن فيه صفة التَّيمُّم.
وفي الحديثين فوائد؛ منها:
١ - فضيلة عمَّار بن ياسرٍ ﵃.
٢ - بعث النَّبيِّ ﷺ أصحابه في المهمَّات.
٣ - أنَّ الجنابة تكون بالاحتلام.
٤ - التَّيمُّم للجنابة.
٥ - فهم عمَّارٍ ﵁ التَّيمُّم للجنابة من الآية.
_________________
(١) البخاري (٣٤٧)، ومسلم (٣٦٨).
(٢) البخاري (٣٣٨).
(٣) تقدم برقم (١٣٩).
[ ١ / ١٥٤ ]
٦ - جواز العمل بالاجتهاد عند عدم النَّصِّ أو خفائه.
٧ - جواز الاجتهاد في عصر النَّبيِّ ﷺ.
٨ - جواز القياس في الجملة، وذلك أنَّ عمَّارًا قاس التُّراب على الماء في تعميم البدن.
٩ - أنَّ من اجتهد ثمَّ وجد النَّصَّ على خلاف اجتهاده وجب رجوعه إلى النَّصِّ.
١٠ - أنَّ القول يطلق على الفعل؛ لقوله ﷺ: «أَنْ تَقُولَ».
١١ - التَّعليم بالفعل.
١٢ - فيه صفة التَّيمُّم للتَّطهُّر من الجنابة، وأنَّه لا يختلف عن التَّيمُّم للحدث الأصغر.
١٣ - أنَّ التَّيمُّم يكون بضربةٍ واحدةٍ.
١٤ - مسح الوجه والكفَّين في التَّيمُّم.
١٥ - الاقتصار على مسح الكفَّين دون الذِّراعين.
١٦ - تقديم الوجه على الكفَّين في التَّيمُّم وجوبًا.
١٧ - مسح باطن الكفَّين وظاهرهما في التَّيمُّم.
١٨ - حسن تعليمه ﷺ وحسن خلقه.
١٩ - ترك التَّصريح بما لا حاجة إلى ذكره؛ لقول عمَّارٍ: «في حاجةٍ».
٢٠ - جواز التَّصريح بما يستحيا من ذكره إذا دعت الحاجة، لقوله ﵁: «فأجنبت».
٢١ - أنَّه لا يجوز التَّيمُّم إلَّا عند عدم الماء.
٢٢ - أنَّ من اجتهد فأخطأ فإنَّه لا يؤمر بالإعادة ولا ينكر عليه.
[ ١ / ١٥٥ ]
٢٣ - جواز نفخ الكفَّين إذا علق بهما ترابٌ كثيرٌ.
٢٤ - يسر الشَّريعة في حكم التَّيمُّم وصفته.
* * * * *
(١٤٤) وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵃ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «التَّيَمُّمُ ضَرْبَتَانِ؛ ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ، وَضَرْبَةٌ لِلْيَدَيْنِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ». رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَصَحَّحَ الأَئِمَّةُ وَقْفَهُ (^١).
* * *
هذا الحديث اختلف الأئمَّة في رفعه ووقفه، والرَّاجح أنَّه موقوفٌ.
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - مشروعيَّة التَّيمُّم، وهو ثابتٌ بالكتاب والسُّنَّة والإجماع.
٢ - صفة التَّيمُّم، وأنَّه ضربتان؛ ضربةٌ للوجه، وضربةٌ لليدين إلى المرفقين.
وإلى هذا ذهب بعض أهل العلم، وهو مخالفٌ لما دلَّ عليه حديث عمَّارٍ المتقدِّم المتَّفق على صحَّته من وجهين:
الأوَّل: عدد الضَّربات.
الثَّاني: صفة مسح اليدين.
وذهب كثيرٌ من العلماء إلى أنَّ التَّيمُّم ضربةٌ واحدةٌ للوجه والكفَّين دون الذِّراعين، وهو الصَّواب كما دلَّ عليه حديث عمَّارٍ ﵁، ودلَّت عليه الآية. فحديث ابن عمر ﵃ لا يقاوم حديث عمَّارٍ ﵁؛ لأنَّه موقوفٌ كما تقدَّم، ويؤيِّد ذلك أنَّ اليدين في آية التَّيمُّم لم يحدَّ مسحهما بغايةٍ كما في الوضوء، وأقلُّ ما يطلق عليه اسم اليد هو الكفُّ، فهو الَّذي يتعلَّق به الحكم بيقينٍ؛ ولهذا اقتصر في حدِّ السَّرقة على قطع الكفِّ.
_________________
(١) الدارقطني (٦٨٥)، وينظر: «التلخيص الحبير» (٢٠٨).
[ ١ / ١٥٦ ]
ولا يصحُّ قياس مسح اليدين في التَّيمُّم على غسلهما في الوضوء؛ لأنَّه قياسٌ في مقابل النَّصِّ؛ فلا يصحُّ، مع ما بين المسح بالتُّراب والغسل بالماء من الفرق المانع من القياس؛ ولأنَّ المسح مبنيٌّ على التَّخفيف.
* * * * *
(١٤٥) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «الصَّعِيدُ وَضُوءُ الْمُسْلِمِ وَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ عَشْرَ سِنِينَ، فَإِذَا وَجَدَ الْمَاءَ فَلْيَتَّقِ اللهَ وَلْيُمِسَّهُ بَشَرَتَهُ». رَوَاهُ الْبَزَّارُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ الْقَطَّانِ، وَلَكِنْ صَوَّبَ الدَّارَقُطْنِيُّ إرْسَالَهُ (^١).
(١٤٦) وَلِلتِّرْمِذِيِّ عَنْ أَبِي ذَرٍّ نَحْوُهُ، وَصَحَّحَهُ (^٢).
* * *
هذان الحديثان معناهما واحدٌ، ويعضد أحدهما الآخر، فالأشبه أنَّهما من الحسن لغيره، ومعناهما صحيحٌ متَّفقٌ عليه بين العلماء، ولا عبرة بمن شذَّ.
وفي الحديثين فوائد؛ منها:
١ - أنَّ الصَّعيد -وهو التُّراب أو هو ما على وجه الأرض- كالماء في التَّطهير.
٢ - أنَّ التَّيمُّم كالوضوء وكالغسل.
٣ - أنَّ التَّيمُّم رافعٌ للحدث، وإلى هذا ذهب كثيرٌ من أهل العلم.
وذهب الجمهور إلى أنَّه مبيحٌ لا رافعٌ، فيتقيَّد بوقت الصَّلاة.
والحديث يدلُّ للقول الأوَّل وهو الصَّواب. ويدلُّ له أيضًا أنَّ الرَّسول ﷺ سمَّى التُّراب طهورًا في حديث جابرٍ ﵁، وفي هذا الحديث سمَّاه وضوءًا.
_________________
(١) مسند البزار (٣٩٧٣) بلفظ: «الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ وَضُوءُ المُسْلِمِ أَوِ المُؤْمِنِ». ينظر: «بيان الوهم والإيهام» لابن القطان (٥/ ٢٦٦)، و«العلل» للدارقطني (٨/ ٩٣).
(٢) الترمذي (١٢٤).
[ ١ / ١٥٧ ]
٤ - أنَّ شرط التَّيمُّم عدم الماء؛ كما جاء في القرآن: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاء فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة: ٦]، وفي هذا الحديث: «وَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ».
٥ - أنَّ عدم الماء مبيحٌ للتَّيمُّم وإن طالت المدَّة.
٦ - توضيح الأحكام بفرض وجود ما هو نادرٌ، وهو من المبالغة؛ فذكر العشر لا مفهوم له.
٧ - أنَّ رفع التَّيمُّم للحدث موقَّتٌ بعدم الماء، وقد نقل غير واحدٍ الإجماع على ذلك، وحكم بالشُّذوذ على من قال بأنَّه رافعٌ مطلقًا حتَّى بعد وجود الماء، كما روي عن أبي سلمة بن عبد الرَّحمن (^١).
٨ - أنَّ عدم الماء شرطٌ في التَّيمُّم ابتداءً ودوامًا.
٩ - بطلان حكم التَّيمُّم بوجود الماء فيما يستقبل من الصَّلوات لا فيما مضى، وهذا هو الفرق بين التَّيمُّم والتَّطهُّر بالماء، فطهارة الماء تبطل بالحدث، وطهارة التَّيمُّم تبطل بالحدث وبوجود الماء.
١٠ - أنَّ من تقوى الله التَّطهُّر بالماء عند وجوده من الحدث السَّابق.
١١ - حسن تعليمه ﷺ بتوضيح الأحكام بالتَّشبيه والتَّقدير وغيرهما.
١٢ - وجوب إزالة ما يمنع وصول الماء إلى البشرة في الغسل والوضوء؛ لقوله: «وَلْيُمِسَّهُ بَشَرَتَهُ».
* * * * *
(١٤٧) وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁، قَالَ: خَرَجَ رَجُلَانِ فِي سَفَرٍ، فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ وَلَيسَ مَعَهُمَا مَاءٌ، فَتَيَمَّمَا صَعِيدًا طَيِّبًا، فَصَلَّيَا، ثُمَّ وَجَدَا الْمَاءَ فِي الْوَقْتِ، فَأَعَادَ أَحَدُهُمَا الصَّلَاةَ وَالْوُضُوءَ، وَلَمْ يُعِدِ الآخَرُ، ثُمَّ أَتَيَا رَسُولَ الله ﷺ فَذَكَرَا
_________________
(١) مصنف عبد الرزاق (١/ ٢٣١).
[ ١ / ١٥٨ ]
ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ لِلَّذِي لَمْ يُعِدْ: «أَصَبْتَ السُّنَّةَ وَأَجْزَأَتْكَ صَلَاتُكَ»، وَقَالَ لِلآْخَرِ: «لَكَ الأَجْرُ مَرَّتَيْنِ». رَوَاهُ أبو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ (^١).
* * *
الحديث اختلف في وصله وإرساله، والأكثرون على أنَّه مرسلٌ، وله شاهدٌ من حديث ابن عبَّاسٍ (^٢)، لكن فيه ابن لهيعة، ويدلُّ لصحَّة معنى الحديثين قوله ﷺ في حديث جابرٍ ﵁ المتقدِّم: «فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ» (^٣)؛ أي: دخل عليه وقتها ولا ماء عنده، ولم يأمره بتأخير الصَّلاة لطلب الماء.
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - التَّيمُّم في السَّفر لعدم الماء، وهو جائزٌ بالإجماع.
٢ - جواز الاجتهاد في عصر النَّبي ﷺ في حال الغيبة عنه.
٣ - جواز الاختلاف بين المجتهدين.
٤ - خطأ من قال: كلُّ مجتهدٍ مصيبٌ.
٥ - أنَّ الصَّواب من الأقوال المتضادَّة واحدٌ.
٦ - أنَّ المجتهد مأجورٌ وإن أخطأ.
٧ - أنَّ المجتهد إذا عمل عملين وأخطأ في أحدهما فله الأجر على العملين.
٨ - عذر بعض المجتهدين لبعضٍ.
٩ - أنَّ من صلَّى بالتَّيمُّم ثمَّ وجد الماء فإنَّه لا يعيد.
١٠ - أنَّه لا يجب تأخير الصَّلاة لآخر وقتها ولو ظنَّ أنَّه يجد الماء.
_________________
(١) أبو داود (٣٣٨)، والنسائي (٤٣١).
(٢) رواه أحمد (٢٦١٤).
(٣) تقدم برقم (١٣٩).
[ ١ / ١٥٩ ]
١١ - أنَّ المصيب أفضل من المجتهد المخطئ ولو كان عمله أكثر.
١٢ - التَّحاكم عند الاختلاف إلى النَّصِّ من كتاب الله وسنَّة رسوله ﷺ، كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩]، فالرَّدُّ إلى الله هو الرَّدُّ إلى كتابه، والرَّدُّ إلى الرَّسول هو الرَّدُّ إليه في حياته ﷺ وإلى سنَّته بعد وفاته.
١٣ - أنَّ الَّذي لم يعد أصاب والَّذي أعاد أخطأ.
* * * * *
(١٤٨) وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵃، فِي قَوْلِهِ ﷿: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ [المائدة: ٦]، قَالَ: «إِذَا كَانَتْ بِالرَّجُلِ الْجِرَاحَةُ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالْقُرُوحُ، فَيُجْنِبُ، فَيَخَافُ أَنْ يَمُوتَ إِنِ اغْتَسَلَ؛ تَيَمَّمَ». رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مَوْقُوفًا، وَرَفَعَهُ الْبَزَّارُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَالْحَاكِمُ (^١).
* * *
هذا الأثر هو من تفسير ابن عبَّاسٍ ﵃ للآية، وابن عبَّاسٍ ترجمان القرآن، والظَّاهر أنَّه فسَّر الآية بالمثال، وهي عادة السَّلف في التَّفسير كما أوضح ذلك شيخ الإسلام ابن تيميَّة في مقدِّمة التَّفسير.
وفي الآية وفي تفسير ابن عباسٍ ﵃ لها فوائد، منها:
١ - أنَّ المرض الَّذي يباح لأجله التَّيمُّم هو ما يخاف معه الموت باستعمال الماء، وهذا ممَّا لا خلاف فيه، ونصُّ ابن عبَّاسٍ ﵃ على هذه الصُّورة على سبيل المثال لا يقتضي تقييد الحكم بها، وممَّا يدلُّ على أنَّه قصد المثال لا الحصر: تقييد الجراحة بأنَّها في سبيل الله، فإنَّه لا أحد يقول بذلك.
_________________
(١) الدارقطني (٦٧٨)، والبزار (٥٠٥٧)، وابن خزيمة (٢٧٢)، والحاكم (٥٨٨).
[ ١ / ١٦٠ ]
٢ - إباحة التَّيمُّم لكلِّ مرضٍ يخشى الضَّرر معه باستعمال الماء؛ لإطلاق الآية، والتَّقييد بالضَّرر راجعٌ إلى النَّظر في المعنى والحكمة، وهذا قول جمهور العلماء.
٣ - إباحة التَّيمُّم لكلِّ مريضٍ بأيِّ مرضٍ ولو لم يخش ضررًا باستعمال الماء، وهو قول الظَّاهريَّة (^١)، وهو قولٌ يخالف بناء الأحكام على المعاني والحكم؛ فإنَّ المريض الَّذي لا يضرُّه استعمال الماء كالصَّحيح لا فرق (^٢).
٤ - رحمة الله بعباده أن رفع الحرج عنهم.
٥ - وجوب التَّيمُّم إذا خشي المريض من استعمال الماء الموت أو الضَّرر، ويشهد لذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]، وقد استدلَّ بهذه الآية عمرو بن العاص ﵁ عندما أجنب فعدل عن الغسل إلى التَّيمُّم خشيةً على نفسه من استعمال الماء مع شدَّة البرد (^٣).
٦ - جواز التَّفسير بذكر بعض الصُّور الَّتي تتناولها الآية.
٧ - وجوب اجتناب ما يضرُّ بالحياة والصِّحَّة، وهذا راجعٌ إلى أحد الضَّروريَّات الخمس، وهو حفظ النَّفس.
* * * * *
(١٤٩) وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: «انْكَسَرَتْ إحْدَى زَنْدَيَّ، فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ؛ فَأَمَرَنِي أَنْ أَمْسَحَ عَلَى الْجَبَائِرِ». رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه بِسَنَدٍ وَاهٍ جِدًّا (^٤).
_________________
(١) ينظر: «المحلى» (١/ ٣٤٧).
(٢) وقال ابن رجب: «إنه قول مخالف للإجماع». «فتح الباري» (٢/ ٨٠).
(٣) وهذا في حديث أخرجه أبو داود (٣٣٤) وأحمد (١٧٨٤٥). قال ابن حجر: «إسناده قوي». «فتح الباري» (١/ ٤٥٤).
(٤) ابن ماجه (٦٥٧).
[ ١ / ١٦١ ]
(١٥٠) وَعَنْ جَابِرٍ ﵁، فِي الرَّجُلِ الَّذِي شُجَّ، فَاغْتَسَلَ فَمَاتَ: «إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيهِ أَنْ يَتَيَمَّمَ، وَيَعْصِبَ عَلَى جُرْحِهِ خِرْقَةً، ثُمَّ يَمْسَحَ عَلَيْهَا وَيَغْسِلَ سَائِرَ جَسَدِهِ». رَوَاهُ أبو دَاوُدَ بِسَنَدٍ فِيهِ ضَعْفٌ، وَفِيهِ اخْتِلَافٌ عَلَى رُوَاتِهِ (^١).
* * *
حديث عليٍّ ﵁ وحديث جابرٍ ﵁ ضعيفان كما ذكر المصنِّف، لكنَّ العمل عليهما عند جمهور أهل العلم وهو المسح على الجبيرة والعصابة إذا خيف الضَّرر بنزعهما، وقد اختصر المؤلِّف حديث جابرٍ ﵁ فحذف سببه، وأصل الحديث: قال جابرٌ ﵁: «خرجنا في سفرٍ، فأصاب رجلًا منَّا حجرٌ فشجَّه في رأسه، ثمَّ احتلم فسأل أصحابه، فقال: هل تجدون لي رخصةً في التَّيمُّم؟ فقالوا: ما نجد لك رخصةً وأنت تقدر على الماء، فاغتسل؛ فمات فلما قدمنا على النبي ﷺ أخبر بذلك فقال: «قتلوه قتلهم الله، ألا سألوا إذ لم يعلموا فإنما شفاء العي السؤال، إنما كان يكفيه أن يتيمم»» إلخ.
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - جواز المسح على الجبيرة.
٢ - جواز المسح على العصابة.
٣ - السُّؤال عمَّا أشكل من مسائل الدِّين.
٤ - أنَّ الَّذي يُسأَل هو العالم بأحكام الشَّريعة؛ قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنتُمْ لَا تَعْلَمُون (٤٣)﴾ [النحل: ٤٣، والأنبياء: ٧].
٥ - أنَّ المسح على الجبيرة لا توقيت له.
٦ - أنَّ الجبيرة لا يشترط للمسح عليها لبسها على طهارةٍ، وهذا على الصَّحيح من قولي العلماء.
٧ - ضرر الفتوى بلا علمٍ.
٨ - الزَّجر عن الفتوى بغير علمٍ.
_________________
(١) أبو داود (٣٣٦).
[ ١ / ١٦٢ ]
٩ - أنَّ السُّؤال عن أمور الدِّين شفاءٌ من داء الجهل.
١٠ - التَّيمُّم لما يعجز الإنسان عن غسله في الوضوء أو الغسل.
١١ - الجمع بين التَّيمُّم والمسح على الجبيرة والعصابة إذا وضعتا على غير طهارةٍ، وقد قال بذلك بعض العلماء؛ أخذًا من حديث جابرٍ ﵁، حيث جمع فيه بين التَّيمُّم والمسح.
ولكنَّ الحديث ضعيفٌ كما تقدَّم، فالرَّاجح -والله أعلم- أنَّه إذا أمكن المسح كفى عن التَّيمُّم، وعليه؛ فإذا كان الجرح مكشوفًا ولا يمكن مسحه كان الواجب التَّيمُّم، وإذا كان معصوبًا؛ كان الواجب المسح. والله أعلم.
وذهبت الظَّاهريَّة (^١) إلى أنَّ ما تعذَّر غسله من البدن أو أعضاء الوضوء فلا يجب التَّيمُّم له، ولا المسح على ما وضع عليه؛ من جبيرةٍ أو عصابةٍ؛ لأنَّه لم يصحَّ في المسح على الجبيرة حديثٌ، والقياس لا يصحُّ عندهم، قالوا: وقد قال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]. ولا شكَّ أنَّ قول جمهور العلماء أرجح، وهم بالعمل بالآية أسعد.
* * * * *
(١٥١) وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ: «مِنَ السُّنَّةِ أَنْ لا يُصَلِّيَ الرَّجُلُ بِالتَّيَمُّمِ إِلَّا صَلَاةً وَاحِدَةً، ثُمَّ يَتَيَمَّمُ لِلصَّلَاةِ الأُخْرَى». رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ جِدًّا (^٢).
* * *
حديث ابن عبَّاسٍ ﵃ هذا حكم عليه المصنِّف بالضَّعف الشَّديد، بل حكم عليه بعضهم بالوضع (^٣)، ومع هذا فقد قال بموجبه كثيرٌ من العلماء.
_________________
(١) ينظر: «المحلى» (١/ ٣١٦).
(٢) الدارقطني (٧١٠)، وقال: «الحسن بن عمارة ضعيف».
(٣) ينظر: «السلسلة الضعيفة» للألباني (٤٢٣).
[ ١ / ١٦٣ ]
وعضدوه بآثارٍ جاءت عن الصَّحابة ﵃ تدلُّ على معناه؛ منهم ابن عمر ﵃؛ فقد جاء عنه قوله: «يتيمَّم لكلِّ صلاةٍ وإن لم يحدث» (^١).
وعضدوه من جهة المعنى بأنَّ التَّيمُّمَ طهارةُ ضرورةٍ؛ تبيح الصَّلاة ولا ترفع الحدث؛ فيقتصر فيه على قدر الحاجة.
وقد تقدَّم أنَّ الصَّواب أنَّ التَّيمُّم رافعٌ للحدث إلى وجود الماء، بقوله ﷺ: «وَجُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا» (^٢)، وقوله ﵊: «الصَّعِيدُ وَضُوءُ الْمُسْلِمِ وَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ عَشْرَ سِنِينَ» (^٣).
وهذا يقتضي أنَّ التَّيمُّم لا يبطل إلَّا بما يبطل الوضوء ما دام العذر المبيح للتَّيمُّم قائمًا؛ فيبطل التَّيمُّم بزوال العذر؛ وهو وجود الماء أو القدرة على استعماله، وحديث ابن عبَّاسٍ ﵃ هذا وأثر ابن عمر ﵃ لا يصلحان لمعارضة هذين الحديثين.
وفي هذا الحديث -لو صح- ثلاث فوائد:
١ - أنَّه مرفوعٌ للنَّبيِّ ﷺ حكمًا؛ لقوله: «من السُّنَّة».
٢ - أنَّ التَّيمُّم مبيحٌ لما تجب له الطَّهارة لا رافعٌ للحدث.
٣ - أنَّ حكم التَّيمُّم يبطل بخروج الوقت؛ فيجب التَّيمُّم لوقت كلِّ صلاةٍ، بل قال بعضهم: يجب التَّيمُّم لكلِّ صلاةٍ؛ كما دلَّ عليه أثر ابن عمر ﵃ المتقدِّم. والله أعلم.
* * * * *
_________________
(١) رواه الدارقطني (١/ ١٨٤)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (١/ ٢٢١)، وقال: «إسناده صحيح، وقد روي عن علي وعن عمرو بن العاص وعن ابن عباس ﵃».
(٢) تقدم برقم (١٣٩).
(٣) تقدم برقم (١٤٥).
[ ١ / ١٦٤ ]