الحوالة: مصدر أو اسم مصدر من حاله، أو أحاله، وأصله من التحول، وهي في الاصطلاح إحالة الغريم بدينه ليستوفيه مما في ذمة المحال عليه للمحيل. والضمان هو التزام ما على غيره من حقوق من دين ونحوه، ويسميها الناس الآن كفالة.
* * * * *
(٩٨٥) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ، وَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيٍّ فَلْيَتْبَعْ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١).
(٩٨٦) وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ: «فَلْيَحْتَلْ» (^٢).
* * *
مضمون هذا الحديث يرجع إلى تحقيق مقصد من مقاصد الشريعة، وهو السماحة في القضاء والاقتضاء، قال رسول الله ﷺ: «رَحِمَ اللهُ عَبْدًا سَمْحًا إِذَا بَاعَ، سَمْحًا إِذَا اشْتَرَى، سَمْحًا إِذَا اقْتَضَى، سَمْحًا إِذَا قَضَى» (^٣).
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - وجوب قضاء الدين وأداء الحق إذا طلبه صاحبه، واستحباب بذله بلا طلب.
٢ - تحريم مطل الغني، وأنه ظلم، والمطل هو التمنع من قضاء الدين وأداء الحق، ومدافعة صاحبه من غير عذر.
_________________
(١) البخاري (٢٢٨٧)، ومسلم (١٥٦٤).
(٢) أحمد (٩٩٧٣).
(٣) رواه ابن حبان (٤٩٠٣)؛ عن جابر ﵁، وأصله عند البخاري (٢٠٧٦).
[ ٢ / ٢٦١ ]
٣ - أن امتناع المعسر من قضاء دينه لعسرته ليس بظلم.
٤ - جواز الحوالة.
٥ - وجوب قبول الحوالة.
٦ - أن رضا المحال ليس شرطًا لصحة الحوالة وكذا المحال عليه، إذا كان المحال عليه مليئًا.
٧ - براءة ذمة المحيل من دينه إذا صحت الحوالة، فلا يرجع عليه المحال.
٨ - جواز مطالبة صاحب الحق بحقه من دين وغيره.
٩ - الإرشاد إلى السماحة في القضاء والاقتضاء، وأن ذلك من محاسن الإسلام.
١٠ - جواز الدعاء على المماطل؛ لأن النبي ﷺ سمَّى المطل ظلمًا، وفي الحديث: «وَاتَّقِ دَعْوَةَ المَظْلُومِ» (^١).
* * * * *
(٩٨٧) وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: تُوُفِّيَ رَجُلٌ مِنَّا، فَغَسَّلْنَاهُ، وَحَنَّطْنَاهُ، وَكَفَّنَّاهُ، ثُمَّ أَتَيْنَا بِهِ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقُلْنَا: تُصَلِّي عَلَيْهِ؟ فَخَطَا خُطًى، ثُمَّ قَالَ: «أَعَلَيْهِ دَيْنٌ؟» قُلْنَا: دِينَارَانِ، فَانْصَرَفَ، فَتَحَمَّلَهُمَا أَبُو قَتَادَةَ، فَأَتَيْنَاهُ، فَقَالَ أَبُو قَتَادَةَ: الدِّينَارَانِ عَلَيَّ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «حَقَّ الْغَرِيمِ، وَبَرِئَ مِنْهُمَا الْمَيِّتُ؟»، قَالَ: نَعَمْ، فَصَلَّى عَلَيْهِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وأبُوْ دَاوُدَ، والنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّان، وَالْحَاكِمُ (^٢).
(٩٨٨) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁؛ أن رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يُؤْتَى بِالرَّجُلِ الْمُتَوَفَّى عَلَيْهِ الدَّيْنُ، فَيَسْأَلُ: «هَلْ تَرَكَ لِدَيْنِهِ مِنْ قَضَاءٍ؟» فَإِنْ حُدِّثَ أَنَّهُ تَرَكَ وَفَاءً صَلَّى
_________________
(١) البخاري (١٤٩٦)، ومسلم (١٩)؛ عن ابن عباس ﵄.
(٢) أحمد (١٤٥٣٦)، وأبو داود (٣٣٤٣)، والنسائي (١٩٦٢)، وابن حبان (٣٠٦٤)، والحاكم (٢٣٤٦).
[ ٢ / ٢٦٢ ]
عَلَيْهِ، وَإِلَّا قَالَ: «صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ»، فَلَمَّا فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِ الْفُتُوحَ قَالَ: «أَنَا أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، فَمَنْ تُوُفِّيَ، وَعَلَيْهِ دَيْنٌ فَعَلَيَّ قَضَاؤُهُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١).
(٩٨٩) وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: «فَمَنْ مَاتَ وَلَمْ يَتْرُكْ وَفَاءً» (^٢).
* * *
هذان الحديثان أصل في جواز ضمان الدين، وثبوته في ذمة الضامن، وقد استُدل على الضمان بقوله تعالى عن المؤذن في قصة يوسف: ﴿وَأَنَا بِهِ زَعِيم (٧٢)﴾ [يوسف: ٧٢]، والزعيم الضمين.
وفي الحديثين فوائد؛ منها:
١ - مشروعية تغسيل الميت، وهو فرض كفاية.
٢ - مشروعية تكفينه، وهو فرض كفاية.
٣ - مشروعية تحنيطه، أي تطييبه، وهو مستحب.
٤ - مشروعية الصلاة عليه، وهي فرض كفاية.
٥ - استحباب إحضار الميت لأهل الفضل للصلاة عليه.
٦ - جواز تأخير الصلاة على الميت تأخيرًا يسيرًا.
٧ - كراهة تحمل الدين لمن لا وفاء عنده.
٨ - ترك أهل الفضل الصلاةَ على الميت، زجرًا عن فعله المنهي عنه.
٩ - أن الدين الذي ترك له الميت وفاء أو كان له ضامن لا يمنع من صلاة أهل الفضل عليه.
١٠ - جواز السؤال عن المانع من الصلاة على الميت إذا كان متوقعًا.
١١ - أنه ليس لبيت المال شيء من تركة الميت إلا ألا يكون له ورثة.
١٢ - أن ما تركه الميت من المال والضياع فلورثته، لكن بعد الدين والوصية.
_________________
(١) البخاري (٢٢٩٨)، ومسلم (١٦١٩).
(٢) البخاري (٦٧٣١).
[ ٢ / ٢٦٣ ]
١٣ - جواز ضمان الدين، وأنه من الإحسان، ولا سيما دين المعسر.
١٤ - أن ضمان دين الميت تبرأ به ذمته، دون دين الحي؛ لقوله ﷺ: «وَبَرِئَ مِنْهُمَا الْمَيِّتُ؟».
١٥ - استثبات القاضي من المُقِر؛ لقوله ﷺ: «حَقَّ الغَرِيْمِ؟».
١٦ - ثبوت حق الغريم في ذمة الضامن.
١٧ - فضيلة أبي قتادة ﵁.
١٨ - الاكتفاء في الجواب من المقر ب نعم.
١٩ - الاستفصال عن الدين الذي على الميت.
٢٠ - أن ترك النبي ﷺ الصلاة على المدين الذي لم يترك وفاء لا يمنع من صلاة غيره عليه؛ لقوله: «صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ».
٢١ - أن ترك النبي ﷺ الصلاة على المدين كان في أول الأمر.
٢٢ - ضمان الإمامِ دينَ المتوفى الذي لا وفاء عنده، إذا كان في بيت المال ما يتحمله.
٢٣ - أن النبي ﷺ أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وهذه الأولوية تقتضي أمرين: الأول: محبته ﷺ فوق محبة النفس. الثاني: قضاء دين الميت من بيت المال، والولاة بعده بمنزلته ﷺ في هذا الأمر.
* * * * *
(٩٩٠) وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَا كَفَالَةَ فِي حَدٍّ». رواه الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيْفٍ (^١).
* * *
_________________
(١) البيهقي في «الكبرى» (١١٤١٧).
[ ٢ / ٢٦٤ ]
هذا الحديث لم يرد في السنة غيره في الكفالة، وهو ضعيف، والكفالة هي الالتزام بإحضار من عليه الحق، من غير ضمان ما عليه، إلا ألا يستطيع إحضاره، والناس اليوم يطلقون الكفالة على الضمان، والكفالة جائزة عند العلماء في الجملة، والفرق بين الكفالة والضمان أن الضمان التزام بالحق، وللمضمون له مطالبة الضامن مع إعسار المضمون أو موته، وأما في الكفالة فلا يطالب الكفيل بالحق إذا أحضر المكفول.
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - أنه لا تصح الكفالة في الحدود؛ لأنه لا يمكن استيفاؤها من الكفيل، وقيل: تصح، والحديث ضعيف.
٢ - صحة الكفالة في الجملة.
* * * * *
[ ٢ / ٢٦٥ ]