الخُلع نوع من الفرقة بين الرجل والمرأة، وهو ما كان بسببها أو برغبتها، وهو يتم على عوض من جهتها أو من غيرها برضاها، والخُلع اسم مصدر من خلع الرجل امرأته، إذا فسخ نكاحها، وهو فسخ لا طلاق، ولا رجعة فيه، والأصل في جوازه الكتاب والسنة والإجماع، فمن الكتاب قوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، ومن السنة حديث امرأة ثابت بن قيس بن شماس ﵄، والخلع طريق لتخلص المرأة ممن لا ترضى عشرته والمقام معه، وهذا من حكمة الشريعة ومحاسنها.
* * * * *
(١٢٠٨) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄؛ أَنَّ امْرَأَةَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ أَتَتْ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ مَا أَعِيبُ عَلَيْهِ فِي خُلُقٍ وَلَا دِينٍ، وَلَكِنِّي أَكْرَهُ الْكُفْرَ فِي الْإِسْلَامِ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ؟»، قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «اقْبَلِ الحَدِيقَةَ، وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً». رَوَاهُ البُخَارِيُّ (^١).
(١٢٠٩) وَفِي رِوَايَةٍ له: «وَأَمَرَهُ بِطَلَاقِهَا» (^٢).
(١٢١٠) ولأَبِي دَاوُدَ والتِّرمِذِيِّ وحسنه: «أَنَّ امْرَأَةَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ اخْتَلَعَتْ مِنْهُ، فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ عِدَّتَهَا حَيْضَةً» (^٣).
(١٢١١) وَفِي رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ ﵄ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ: أَنَّ ثَابِتَ بْنَ قَيْسٍ كَانَ دَمِيمًا، وَأَنَّ امْرَأَتَهُ قَالَتْ: «لَوْلَا مَخَافَةُ اللهِ إِذَا دَخَلَ عَلَيَّ لَبَصَقْتُ فِي وَجْهِهِ» (^٤).
_________________
(١) البخاري (٥٢٧٣).
(٢) البخاري (٥٢٧٤).
(٣) أبو داود (٢٢٢٩)، والترمذي (١١٨٥).
(٤) ابن ماجه (٢٠٥٧).
[ ٢ / ٤٣٢ ]
(١٢١٢) ولأَحْمَدَ؛ مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ: «وَكَانَ ذَلِكَ أَوَّلَ خُلْعٍ فِي الْإِسْلَامِ» (^١).
* * *
هذا الحديث برواياته في شأن امرأة ثابت بن قيس بن شماس هو الأصل من السنة في مشروعية الخلع.
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - أن امرأة ثابت اختلعت منه، وأنه أول خلع وقع في الإسلام.
٢ - جواز أن تطلب المرأة الطلاق أو الخلع إذا كرهت زوجها، ولم تطق المقام معه لعيب في خَلْقه أو خُلُقه، فإن كان لظلمه جاز لها، ولم يحل له ما يأخذه منها.
٣ - أن المرأة إذا رغبت في الفرقة فللزوج أن يطالب بما أعطاها من المهر.
٤ - أن العوض يكون برد ما أخذت من الصداق؛ لقوله: «أَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ؟»، قيل: لا تجوز طلب الزيادة على ما أخذت، وقيل: تجوز لقوله تعالى: ﴿فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وينبغي أن يرجع في هذا إلى اجتهاد الحاكم عند التشاح.
٥ - وجوب الطلاق على الزوج إذا طلبت المرأة ذلك، وردت ما أخذت من الصداق.
٦ - أن الصداق قد يكون عقارًا.
٧ - أن عدة المختلعة تكون بحيضة، وذهب الجمهور إلى أن عدتها كالمطلقة.
٨ - أن الخلع فسخ وليس بطلاق، فلا يحتسب من عدد الطلقات، وفي ذلك ثلاثة مذاهب، قيل: إنه طلاق مطلقًا، وقيل: فسخ مطلقًا، وقيل: إن كان بلفظ الطلاق فهو طلاق، وإلا فهو فسخ، والله أعلم بالصواب، ومن الدليل
_________________
(١) أحمد (١٦٠٩٥).
[ ٢ / ٤٣٣ ]
على أنه فسخ ما جاء في الرواية أن النبي ﷺ جعل عدتها حيضة، ومن الدليل على أنه طلاق قوله ﷺ: «وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً».
٩ - أن الشقاق إذا كان من أحد الزوجين فلا حاجة إلى بعث الحكمين.
١٠ - أن الخلع نوع من الفرقة بين الزوجين، وهو طريق لتخلص المرأة من المقام على ما تكره.
١١ - الاحتياط لسلامة الدين؛ لقولها: «وَلَكِنِّي أَكْرَهُ الْكُفْرَ فِي الْإِسْلَامِ»، والمراد بالكفر كفر الإحسان.
١٢ - أن الكراهة الطبيعية لا تنافي ما يجب من الموالاة الشرعية.
١٣ - ذكر المرأة السبب الباعث على طلب الفرقة لإقامة عذرها.
١٤ - الإرشاد إلى السنة في الطلاق وغيره؛ لقوله: «وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً».
* * * * *
[ ٢ / ٤٣٤ ]