الخيار: اسم مصدر بمعنى الاختيار، والمراد اختيار الفسخ أو الإمضاء في البيع، ومعنى باب الخيار، أي ذكر أدلة أنواع الخيار، وأسبابه، وذكره بعد البيع مناسب، لأنه مما يترتب على عقد البيع، وقد ذكر المؤلف في الباب قبله بعض ما يدل على الخيار، كحديث المصرَّاة، وتلقِّي الجلب.
* * * * *
(٩٢٦) وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا تَبَايَعَ الرَّجُلَانِ، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا وَكَانَا جَمِيعًا، أَوْ يُخَيِّرُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ، فَإِنْ خَيَّرَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ فَتَبَايَعَا عَلَى ذَلِكَ فَقَدَ وَجَبَ الْبَيْعُ، وَإِنْ تَفَرَّقَا بَعْدَ أَنْ تَبَايَعَا، وَلَمْ يَتْرُكْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا الْبَيْعَ فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، واللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ (^١).
(٩٢٧) وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «الْبَائِعُ وَالْمُبْتَاعُ بِالْخِيَارِ حَتَّى يَتَفَرَّقَا، إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَفْقَةَ خِيَارٍ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُفَارِقَهُ خَشْيَةَ أَنْ يَسْتَقِيلَهُ». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلَّا ابْنَ مَاجَهْ، ورَوَاهُ الدَّارَقُطْنيُّ، وابْنُ خُزَيْمَةَ، وابْنُ الْجَارُودِ (^٢).
(٩٢٨) وَفِي رِوَايَةٍ: «حَتَّى يَتَفَرَّقَا مِنْ مَكَانِهِمَا» (^٣).
* * *
هذان الحديثان أصل في ثبوت خيار المجلس، ومعناه أن لكل من المتبايعين الفسخ أو الإمضاء، ما داما في مجلس العقد، وقد ذهب إلى القول
_________________
(١) البخاري (٢١١٢)، ومسلم (١٥٣١) (٤٤).
(٢) أحمد (٦٧٢١)، وأبو داود (٣٤٥٦)، والنسائي (٤٤٨٣)، والترمذي (١٢٤٧)، والدارقطني (٢٩٩٨)، وابن الجارود في «المنتقى» (٦٢٠).
(٣) البيهقي في «الكبرى» (١٠٤٤٩).
[ ٢ / ٢٢٢ ]
بخيار المجلس جمهور العلماء، لصحة الحديث في ذلك، وقالوا: المراد بالتفرق التفرقُ بالأبدان، وذهب بعض العلماء إلى أنه لا خيار للمتبايعين، بعد تمام العقد بالإيجاب والقبول، وقالوا: إن التفرق في الحديث هو التفرق في الأقوال بالإيجاب من البائع والقبول من المشتري، فمحل الخيار عندهم قبل تمام عقد البيع، وهذا تفسير غريب، ترده ألفاظ الأحاديث، ودلالة اللغة، فلهذا يقطع ببطلان هذا المذهب، وفساد كل ما بني عليه من الاستدلالات والتأويلات، فيقطع بخطأ من قال به من أهل العلم، مع حسن الظن بهم، وأنهم مأجورون على اجتهادهم.
وفي الحديثين فوائد؛ منها:
١ - ثبوت خيار المجلس لكل من المتبايعين.
٢ - لزوم البيع بالتفرق من المكان اختيارًا.
٣ - وجوب البيع إذا اتفق المتبايعان على إسقاط الخيار، أو أسقطه أحدهما، لقوله ﷺ: «أَوْ يُخَيِّرُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ»، وقوله ﷺ: «إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَفْقَةَ خِيَارٍ».
٤ - أن المراد بالتفرق التفرق من المكان، لقوله: «مِنْ مَكَانِهِمَا».
٥ - الرد على من زعم أن التفرق بالأقوال.
٦ - جواز قطع الخيار بإمضاء البيع أو بفسخه.
٧ - تحريم الاحتيال على إسقاط خيار المجلس.
٨ - تأثير النية في الفعل أو التصرف، لقوله ﷺ: «وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُفَارِقَهُ خَشْيَةَ أَنْ يَسْتَقِيلَهُ»، أي من أجل ألا يستقيله، والمراد بالاستقالة فسخ البيع.
٩ - أن خيار المجلس من محاسن الشريعة؛ لما فيه من التوسعة على كل من المتبايعين في النظر لما هو الأصلح له.
[ ٢ / ٢٢٣ ]
١٠ - أن البيع عقد لازم، لقوله ﷺ: «فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ».
١١ - جواز تنازل الإنسان عما هو من حقه.
* * * * *
(٩٢٩) وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: ذَكَرَ رَجُلٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ؛ أنهُ يُخْدَعُ فِي الْبُيُوعِ فَقَالَ: «إِذَا بَايَعْتَ فَقُلْ: لَا خِلَابَةَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١).
* * *
هذا الحديث أصل في خيار الغبن، والخلابة الخديعة، والخديعة في البيع حرام، لقوله ﷺ: «وَإِنْ كَذِبَا وَكَتَمَا مُحِقَ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا» (^٢)، ولاسيما خديعة المسترسل الذي لا يحسن المماكسة، واشتراط نفي الخديعة تأكيد؛ لأن ما كان واجبًا بأصل الشرع فالشرط يؤكده.
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - أن في كل زمان مخادعين، وشرهم المنافقون.
٢ - اختلاف أحوال الناس في عقولهم، وفي قُدَرهم على المعاملة في التجارة وغيرها.
٣ - جواز الاشتراط في البيع.
٤ - أن اشتراط عدم الغبن من الشروط الجائزة.
٥ - إرشاد الجاهل إلى ما يحفظ حقه.
٦ - جواز تصرف من لا يحسن المماكسة ويخدع في البيع.
* * * * *
_________________
(١) البخاري (٢١١٧)، ومسلم (١٥٣٣).
(٢) رواه البخاري (٢٠٨٢)، ومسلم (١٥٣٢)؛ عن حكيم بن حزام ﵁.
[ ٢ / ٢٢٤ ]