الديات: جمع دية، وأصلها مصدر وَدَى القتيلَ يَدِيه دِيةً، ثم أُطلقت على ما يدفع إلى أولياء المجني عليه، أو أولياء المقتول أصالة؛ كدية الخطأ، أو بدلًا عن القصاص في العمد، وهذا من تسمية المفعول به بالمصدر، وهو كثير في اللغة. والأصل فيها قوله تعالى في دية الخطأ: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ إلى قوله: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] الآية. وقوله ﷺ في قتل العمد: «ومَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ إِمَّا أَنْ يُودَى وَإِمَّا أَنْ يُقَادُ» (^١). والدية ثابتة بسنة النبي ﷺ القولية والفعلية، كما سيأتي.
* * * * *
(١٣٣٦) عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ ﵁؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَتَبَ إِلَى أَهْلِ الْيَمَنِ-فَذَكَرَ الْحَدِيثَ- وَفِيهِ: «أَنَّ مَنْ اعْتَبَطَ مُؤْمِنًا قَتْلًا عَنْ بَيِّنَةٍ، فَإِنَّهُ قَوَدٌ، إِلَّا أَنْ يَرْضَى أَوْلِيَاءُ المَقْتُولِ، وَإِنَّ فِي النَّفْسِ الدِّيَةَ؛ مائَةً مِنْ الْإِبِلِ، وَفِي الْأَنْفِ إِذَا أُوعِبَ جَدْعُهُ الدِّيَةُ، وَفِي اللِّسَانِ الدِّيَةُ، وَفِي الشَّفَتَيْنِ الدِّيَةُ، وَفِي الذَّكَرِ الدِّيَةُ، وَفِي الْبَيْضَتَيْنِ الدِّيَةُ، وَفِي الصُّلْبِ الدِّيَةُ، وَفِي الْعَيْنَيْنِ الدِّيَةُ، وَفِي الرِّجْلِ الْوَاحِدَةِ نِصْفُ الدِّيَةِ، وَفِي المَأْمُومَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ، وَفِي الجَائِفَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ، وَفِي المُنَقِّلَةِ خَمْسَ عَشْرَةَ مِنْ الْإِبِلِ، وَفِي كُلِّ إِصْبَعٍ مِنْ أَصَابِعِ الْيَدِ وَالرِّجْلِ عَشْرٌ مِنْ الْإِبِلِ، وَفِي السِّنِّ خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ، وَفِي المُوضِحَةِ خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ يُقْتَلُ بِالمَرْأَةِ، وَعَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ أَلْفُ دِينَارٍ». أَخْرَجَهُ
_________________
(١) هو حديث أبي هريرة ﵁ المتقدم (٨٣٢).
[ ٣ / ٢٥ ]
أَبُو دَاوُدَ فِي «المَرَاسِيلِ»، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ الْجَارُودِ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَأَحْمَدُ. وَاخْتَلَفُوا فِي صِحَّتِهِ (^١).
(١٣٣٧) وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «دِيَةُ الخَطَأِ أَخْمَاسًا: عِشْرُونَ حِقَّةً، وَعِشْرُونَ جَذَعَةً، وَعِشْرُونَ بَنَاتِ مَخَاضٍ، وَعِشْرُونَ بَنَاتِ لَبُونٍ، وَعِشْرُونَ بَنِي لَبُونٍ». أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَأَخْرَجَهُ الْأَرْبَعَةُ، بِلَفْظِ: «وَعِشْرُونَ بِنِي مَخَاضٍ» بَدَلَ «بَنِيَ لَبُونٍ». وَإِسْنَادُ الْأَوَّلِ أَقْوَى (^٢).
(١٣٣٨) وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ مَوْقُوفًا، وَهُوَ أَصَحُّ مِنْ المَرْفُوعِ (^٣).
(١٣٣٩) وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ: مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ ﵄ رَفَعَهُ: «الدِّيَةُ ثَلَاثُونَ حِقَّةً، وَثَلَاثُونَ جَذَعَةً، وَأَرْبَعُونَ خَلِفَةً، فِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا» (^٤).
* * *
هذه الأحاديث هي الأصل في فرض دية الأطراف والجروح، وبيان جنس الدية ومقاديرها، وعليها المُعوَّل والعمل في الجملة عند أئمة المذاهب وعامة الفقهاء.
وفي الأحاديث فوائد؛ منها:
١ - أن من سنة النبي ﷺ الكتابة في تبليغ العلم، وكتابتُه ﷺ للملوك في تبليغ الدعوة مشهورة في كتب الحديث والسيرة.
_________________
(١) أبو داود (٢٥٧)، والنسائي (٤٨٦٨)، وابن خزيمة (٢٢٦٩)، وابن حبان (٦٥٥٩)، وابن الجارود في «المنتقى» (٧٨٤). وعزاه إلى أحمد ابن عبد الهادي في «التنقيح» (١/ ٢٢٧)، ولم أجده في «المسند» المطبوع.
(٢) الدارقطني (٣٣٦١)، وأبو داود (٤٥٤٥)، والترمذي (١٣٨٦)، والنسائي (٤٨١٦)، وابن ماجه (٢٦٣١).
(٣) «مصنف ابن أبي شيبة» (٢٧٢٨٥).
(٤) أبو داود (٤٥٤١)، والترمذي (١٣٨٧).
[ ٣ / ٢٦ ]
٢ - العمل بالكتابة؛ لقوله: «كَتَبَ إِلَى أَهْلِ الْيَمَنِ».
٣ - أن في قتل العمد القوَد؛ لقوله: «مَنْ اعْتَبَطَ مُؤْمِنًا قَتْلًا عَنْ بَيِّنَةٍ، فَإِنَّهُ قَوَدٌ»، ومعنى اعتبط: قتله بلا سبب يبيح قتله. وقوله: «فَإِنَّهُ قَوَدٌ» أي: فيه القصاص.
٤ - أنه إذا رضي بعض أولياء المقتول بما دون القتل سقط حق الباقين في القصاص، قال تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ١٧٨].
٥ - أن دية النفس مئة من الإبل.
٦ - أنه لو اشترك في القتل جماعة؛ فإن الدية تقسم عليهم.
٧ - أن الأصل في الديات الإبل، وما سواها فمعدول بها.
٨ - أن في الأنف إذا أُوعِب جَدْعًا الدية كاملة، ومعنى أوعب أي: قطع المنخران وما بينهما.
٩ - أن في قطع اللسان الدية.
١٠ - أن في الشفتين الدية.
١١ - أن في الذَّكَر الدية.
١٢ - أن في البيضتين الدية، أي: الخصيتين.
١٣ - أن في الصلب الدية، والمراد: الظهر.
١٤ - أن في العينين الدية.
١٥ - أن في الرِّجل الواحدة نصف الدية، وفي الرجلين الدية، لا فرق بين اليمنى واليسرى.
١٦ - أن دية الأعضاء جارية على قاعدة؛ وهي: أن ما كان في البدن منه شيء واحد ففيه الدية كاملة، كالأنف واللسان والذَّكَر، وما كان منه اثنان ففيه نصف الدية، كالعينين واليدين.
[ ٣ / ٢٧ ]
١٧ - أن في المأمومة ثلث الدية، وهي الشَّجَّة في الرأس تصل إلى أم الدماغ.
١٨ - أن في الجائفة ثلث الدية، وهي التي تنفذ إلى الجوف.
١٩ - أن في المُنَقِّلة خمس عشرة من الإبل، والمُنَقِّلة هي الشجة في الرأس، وتؤدي إلى نقل العظام فتتطاير من موضعها.
٢٠ - أن في كل إصبع من أصابع اليد والرجل عشرًا من الإبل.
٢١ - أن في السِّن خمسًا من الإبل.
٢٢ - أن في المُوضِحة خمسًا من الإبل، وهي: الشجة في الرأس توضح العظم، أي يبين العظم من أثرها.
٢٣ - أن الرجل يقتل بالمرأة، وعلى هذا فلا مفهوم لقوله تعالى: ﴿وَالأُنثَى بِالأُنثَى﴾ [البقرة: ١٧٨].
٢٤ - أن الدية من الذهب وزن ألف دينار، والدينار وزنه مثقال، والمثقال وزنه أربعة جرامات ونصف، فألف دينار أربعة آلاف وخمسمئة جرام، وقيل: المثقال أربعة جرامات وربع. فالألف دينار على هذا أربعة آلاف ومئتان وخمسون جرامًا.
وفي حديث ابن مسعود ﵁:
١ - أن دية الخطأ مئة من الإبل.
٢ - أنها أخماس: عشرون حِقَّة، وعشرون جَذَعة، وعشرون بناتِ مَخاض، وعشرون بناتِ لبون، وعشرون بني لبون.
وفي حديث عمرو بن شعيب ﵄:
١ - أن الدية ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، وأربعون خلفة. في بطونها أولادها. والأشبه أن هذا تغليظ وبيان لدية شبه العمد، كما يدل له حديث عبد
[ ٣ / ٢٨ ]
الله بن عمرو ﵄ الآتي، ولفظه: «أَلَا إِنَّ دِيَةَ الخَطَأِ شِبْهِ الْعَمْدِ -مَا كَانَ بِالسَّوْطِ وَالْعَصَا- مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ، مِنْهَا أَرْبَعُونَ فِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا» (^١).
٢ - أنه لا اعتبار في الديات للتفاضل في المنافع، فالصغير يقتل بالكبير، والعالم بالجاهل، وأصابع الرجلين كأصابع اليدين، والأسنان كلها سواء، الثنية والضرس. والحكمة في هذا -والله أعلم- أن تقدير الديات تعبديٌّ، ولم يُنظر فيها إلى تفاضل المتلَف من الإنسان؛ لأنها ليست قيمة، لذلك اختصت بالأحرار، وأما العبد فيضمن بقيمته، وقد تبلغ أضعاف دية الحر.
* * * * *
(١٣٤٠) وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ أَعْتَى النَّاسِ عَلَى اللهِ ثَلَاثَةٌ: مَنْ قَتَلَ فِي حَرَمِ اللهِ، أَوْ قَتَلَ غَيْرَ قَاتِلِهِ، أَوْ قَتَلَ لِذَحْلِ الجَاهِلِيَّةِ»، أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي حَدِيثٍ صَحَّحَهُ (^٢).
(١٣٤١) وَأَصْلُهُ فِي الْبُخَارِيِّ: مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ (^٣).
* * *
تضمن هذا الحديث ذم هؤلاء الثلاثة ووعيدهم، والجامع بينهم هو الظلم والعدوان، ومعنى عتا أي عصى وتمرد، كقوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ﴾ [الطلاق: ٨].
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - غلظ تحريم القتل في الحرم.
٢ - فضل الحرم وحرمته.
٣ - تحريم الأخذ بالثأر بقتل غير القاتل.
_________________
(١) رواه أبو داود (٤٥٤٧)، والنسائي (٤٨٠٥)، وابن ماجه (٢٦٢٧)، وصححه ابن حبان (١٥٢٦). وسيأتي بعد الحديث التالي.
(٢) ابن حبان (٥٩٩٦).
(٣) البخاري (٦٨٨٢).
[ ٣ / ٢٩ ]
٤ - أن قتل وليِّ المقتول غيرَ قاتله لا تُسقِط عنه الشبهةُ العقوبةَ، ولا تُخفِّفها، بل يلزمه القصاص.
٥ - أن من قتل بريئًا لشبهة ذَحْل الجاهلية، وهي الجناية والعداوة. طلبًا للمكافأة لا تسقط عنه العقوبة للشبهة، بل يجب عليه القصاص؛ لأن دماء الجاهلية موضوعة تحت قدمي النبي ﷺ.
٦ - أن كبائر الذنوب تتفاوت.
٧ - التحذير من هذه الفعلات العدوانية.
٨ - ورود أفعل التفضيل مرادًا به غير حقيقته، فقوله: «أَعْتَى» أي: من أعتى.
* * * * *
(١٣٤٢) وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «أَلَا إِنَّ دِيَةَ الخَطَأِ شِبْهِ الْعَمْدِ -مَا كَانَ بِالسَّوْطِ وَالْعَصَا- مِئَةٌ مِنَ الْإِبِلِ، مِنْهَا أَرْبَعُونَ فِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا». أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (^١).
* * *
هذا الحديث أصل في دية الخطأ شبه العمد.
وفيه فوائد؛ منها:
١ - أن الدية مئةٌ من الإبل. وتقدم أنها تكون أخماسًا (^٢).
_________________
(١) رواه أبو داود (٤٥٤٧)، والنسائي (٤٨٠٥)، وابن ماجه (٢٦٢٧)، وصححه ابن حبان (١٥٢٦). تنبيه: وقع في كثير من نسخ بلوغ المرام: (دية الخطأ وشبه العمد) بزيادة واو العطف، والصواب: (دية الخطأ شبه العمد) بلا واو، كما هو لفظه في سائر المصادر الحديثية، فليصحح. أفاده الشارح -حفظه الله-.
(٢) كما هو في حديث ابن مسعود ﵁ المتقدم (١٣٣٧).
[ ٣ / ٣٠ ]
٢ - التغليظ في دية الخطأ شبه العمد، بأن يكون من المئة «أَرْبَعُونَ فِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا». وقد تقدمت الإشارة إلى هذا.
٣ - أن من حكمة الشريعة التفريقَ في الأحكام بين المختلفات.
٤ - أن القتل يكون على ثلاثة أوجه: عمدًا، وخطأً، وخطأً شبهَ العمد.
* * * * *
(١٣٤٣) وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «هَذِهِ وَهَذِهِ سَوَاءٌ» -يَعْنِي: الْخِنْصَرَ وَالْإِبْهَامَ-. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (^١).
(١٣٤٤) وَلِأَبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيِّ: «دِيَةُ الْأَصَابِعِ سَوَاءٌ، وَالْأَسْنَانُ سَوَاءٌ: الثَّنِيَّةُ وَالضِّرْسُ سَوَاءٌ» (^٢).
(١٣٤٥) وَلِابْنِ حِبَّانَ: «دِيَةُ أَصَابِعِ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ سَوَاءٌ، عَشَرَةٌ مِنْ الْإِبِلِ لِكُلِّ إصْبَعٍ» (^٣).
(١٣٤٦) وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ ﵄ رَفَعَهُ قَالَ: «مَنْ تَطَبَّبَ -وَلَمْ يَكُنْ بِالطِّبِّ مَعْرُوفًا- فَأَصَابَ نَفْسًا فَمَا دُونَهَا، فَهُوَ ضَامِنٌ». أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ، وَهُوَ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيِّ وَغَيْرِهِمَا؛ إِلَّا أَنَّ مَنْ أَرْسَلَهُ أَقْوَى مِمَّنْ وَصَلَهُ (^٤).
(١٣٤٧) وَعَنْهُ ﵁؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «فِي المَوَاضِحِ خَمْسٌ، خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْأَرْبَعَةُ، وَزَادَ أَحْمَدُ: «وَالْأَصَابِعُ سَوَاءٌ، كُلُّهُنَّ عَشْرٌ، عَشْرٌ مِنَ الإِبِلِ». وَصحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ الْجَارُودِ (^٥).
_________________
(١) البخاري (٦٨٩٥).
(٢) أبو داود (٤٥٥٩)، والترمذي (١٣٩١).
(٣) ابن حبان (٦٠١٢).
(٤) الدارقطني (٣٤٣٨)، والحاكم (٧٥٦٤)، وأبو داود (٤٥٨٦)، والنسائي (٤٨٤٥)، وابن ماجه (٣٤٦٦).
(٥) أحمد (٧٠١٣)، وأبو داود (٤٥٦٦)، والترمذي (١٣٩٠)، والنسائي (٤٨٥٢)، وابن ماجه (٢٦٥٥)، وابن الجارود (٧٨٥).
[ ٣ / ٣١ ]
تضمنت هذه الأحاديث مقدار دية الأصابع والأسنان والمُوضحات، وحكم من تطبب وليس أهلًا للطب.
وفي الأحاديث فوائد، منها:
١ - أن دية الأصابع؛ كل أصبع عشرٌ من الإبل.
٢ - أن أصابع اليدين والرجلين في ذلك سواء.
٣ - أن الخنصر والإبهام سواء.
٤ - أن دية الأسنان؛ كلُّ سن خمس من الإبل.
٥ - أن الضرس والسن سواء.
٦ - أن دية الموضحة خمس من الإبل، والمراد بالموضحة الشَّجَّة التي أوضحت العظم، بأن كشطت ما عليه من الجلد واللحم.
٧ - أن من تطبب وهو يحسن الطب؛ فلا ضمان عليه، إلا أن يتعدى أو يفرط.
٨ - أن من تطبَّب وهو لا يحسن الطب؛ فإنه يضمن ما تلف بسببه من النفس وما دونها.
٩ - أن ما ترتب على المأذون من تلف فليس بمضمون.
١٠ - جواز مهنة الطب.
١١ - أنه لا ينظر في الديات إلى التفاضل في المنافع، فلذلك كانت الأصابع في الدية سواء، والأسنان سواء.
١٢ - حكمة الشريعة في التسوية بين الأصابع وفيما بين الأسنان؛ لأن اعتبار التفاضل في المنافع يؤدي إلى عدم انضباط مقدار الدية، وإلى جعلِ الحر كالعبد، الذي تضمن نفسه بقيمته، وما أتلف منه بما نقص من قيمته.
* * * * *
[ ٣ / ٣٢ ]
(١٣٤٨) وَعَنْهُ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «عَقْلُ أَهْلِ الذِّمَّةِ نِصْفُ عَقْلِ المُسْلِمِينَ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْأَرْبَعَةُ (^١).
(١٣٤٩) وَلَفْظُ أَبِي دَاوُدَ: «دِيَةُ المُعَاهِدِ نِصْفُ دِيَةِ الحُرِّ» (^٢)، وَلِلنَّسَائِيِّ: «عَقْلُ المَرْأَةِ مِثْلُ عَقْلِ الرَّجُلِ حَتَّى يَبْلُغَ الثُّلُثَ مِنْ دِيَتِهَا» (^٣). وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ.
(١٣٥٠) وَعَنْهُ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «عَقْلُ شِبْهِ الْعَمْدِ مُغَلَّظٌ مِثْلُ عَقْلِ الْعَمْدِ، وَلَا يُقْتَلُ صَاحِبُهُ، وَذَلِكَ أَنْ يَنْزُوَ الشَّيْطَانُ، فَتَكُونُ دِمَاءٌ بَيْنَ النَّاسِ فِي غَيْرِ ضَغِينَةٍ وَلَا حَمْلِ سِلَاحٍ». أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَضَعَّفَهُ (^٤).
(١٣٥١) عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «قَتَلَ رَجُلٌ رَجُلًا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ، فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ دِيَتَهُ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا». رَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ، وَرَجَّحَ النَّسَائِيُّ وَأَبُو حَاتِمٍ إِرْسَالَهُ (^٥).
* * *
هذه الأحاديث اشتملت على جملة من أحكام الديات، وهي:
١ - أن دية الذمي والمعاهد إذا قُتِل خطأ على النصف من دية الحر المسلم.
٢ - أن دية المرأة في الجراحات والأطراف مثلُ دية الرجل حتى تبلغ الثلث من ديتها.
٣ - أن عقل الخطأ شبهِ العمد مغلَّظٌ، كعقل العمد إذا سقط القصاص.
٤ - أن مقدار الدية من الفضة اثنا عشر ألف درهم.
_________________
(١) أحمد (٦٧١٦)، وأبو داود (٤٥٤٢)، والترمذي (١٤١٣)، والنسائي (٤٨٢٠)، وابن ماجه (٢٦٤٤).
(٢) أبو داود (٤٥٨٣).
(٣) النسائي (٤٨١٩).
(٤) الدارقطني (٣/ ٩٥).
(٥) أبو داود (٤٥٤٦)، والترمذي (١٣٨٨)، والنسائي (٤٨١٧)، وابن ماجه (٢٦٢٩). ينظر: «العلل» لابن أبي حاتم (١٣٩٠).
[ ٣ / ٣٣ ]
وفي الأحاديث فوائد؛ منها:
١ - فضل المسلم على الكافر عند الله في حكم الله وجزائه.
٢ - أن دية الكافر المعاهد نصف دية المسلم في النفس والأطراف.
٣ - أن دماء أهل الذمة معصومة.
٤ - أن دية الخطأ شبه العمد مغلظة، كدية العمد. وقد تقدم (^١) أنها: «مِئَةٌ مِنَ الْإِبِلِ، مِنْهَا أَرْبَعُونَ فِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا».
٥ - أن شبه العمد لا يجب فيه القصاص.
٦ - أن الخطأ شبه العمد ما تعمد المكلَّف سببَه، ولم يقصده، ولم يكن بآلة القتل، كالسيف والمثقَّل، بل شبه العمد ما كان بالسوط والعصا، وكالذي يحصل في المضاربات بغير سلاح، كما في هذا الحديث، وإن كان ضعيفًا، وقد تقدم (^٢) معناه في حديث: «أَلَا إِنَّ دِيَةَ الخَطَأِ شِبْهِ الْعَمْدِ -مَا كَانَ بِالسَّوْطِ وَالْعَصَا- …».
٧ - أن دية المرأة في النفس نصف دية الرجل، وفي الأطراف كدية الرجل، حتى تبلغ الثلث من ديتها.
٨ - فضل الرجل على المرأة في بعض الأحكام.
٩ - أن مقدار الدية من الفضة اثنا عشر ألف درهم، وتقدم أن مقدارها من الذهب ألف دينار. وهل هذه المقادير أصول للدية أو هي تقويم للمئة من الإبل؟ تقدم أن المئة هي الأصل في الدية. والله أعلم.
* * * * *
_________________
(١) عند الحديث (١٣٤٢).
(٢) عند الحديث (١٣٤٢).
[ ٣ / ٣٤ ]
(١٣٥٢) وَعَنْ أَبِي رِمْثَةَ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَمَعِي ابْنِي، فَقَالَ: «مَنْ هَذَا؟»، قُلْتُ: ابْنِي أَشْهَدُ بِهِ. قَالَ: «أَمَا إِنَّهُ لَا يَجْنِي عَلَيْكَ، وَلَا تَجْنِي عَلَيْهِ» رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ الْجَارُودِ (^١).
* * *
تضمن هذا الحديث معنى قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [فاطر: ١٨].
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - إبطال عادة الجاهلية، وهي أخذ البريء بالمجرم، للقرابة بينهما.
٢ - أن الابن لا يحمل جناية أبيه، ولا الأب يحمل جناية ابنه. فإن قيل: يرد على هذا وجوب حمل العصبة عقل الخطأ، ومنهم الأصول والفروع على الصحيح. فيجاب عن هذا بأحد أمرين:
الأول: إما أن يكون هذا الحديث من العام الذي أريد به الخصوص، وهي الجناية التي توجب القصاص.
الثاني: أن يكون من العام المخصوص بأدلة وجوب الدية على العاقلة.
٣ - أن الرجل إذا استلحق ولدًا لا نسب له ولا منازع له فيه، فإنه يلحقه، ولا يحلف، ولا تطلب منه بينة.
٤ - إطلاق الشهادة على الإقرار، فإن الشهادة على النفس للغير إقرار، وعلى الغير للغير شهادة، والشهادة للنفس على الغير دعوى.
* * * * *
_________________
(١) النسائي (٤٧٤٨)، وأبو داود (٤٤٩٥)، وابن الجارود (٧٧٠)، وأحمد (٧١١٤).
[ ٣ / ٣٥ ]