العارية: أصلها من العُرْي، وهو التجرد، سمِّيت بذلك لتجردها عن العوض، ويقال فيها: عاريَة وعاريَّة بالتخفيف والتشديد، وتجمع على عواري، بالتخفيف والتشديد، وفي الاصطلاح: إباحة نفع عين لمن ينتفع بها، ثم يردها. وهذا تفسير بمعنى الإعارة أي فعل المعير، والأظهر في استعمال العارية أنها اسم للعين المعارة، فيقال: قبض العارية، ورد العارية، وضمن العارية.
* * * * *
(١٠٠٠) عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، والأربعة، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ (^١).
(١٠٠١) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَدِّ الْأَمَانَةَ إِلَى مَنْ ائْتَمَنَكَ، وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ، وَاسْتَنْكَرَهُ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ (^٢).
* * *
هذان الحديثان أصل في وجوب رد الإنسان ما قبضه من مال غيره؛ كالوديعة والعارية، وتحريم الخيانة، ويدل لمعناهما قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٧]. وقوله: ﴿إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨].
_________________
(١) أحمد (٢٠٠٨٦)، وأبو داود (٣٥٦١)، والنسائي في «الكبرى» (٥٧٥١)، والترمذي (١٢٦٦)، وابن ماجه (٢٤٠٠)، والحاكم (٢٣٠٢).
(٢) أبو داود (٣٥٣٥)، والترمذي (١٢٦٤)، والحاكم (٢٢٩٦)، و«العلل» لابن أبي حاتم (١١١٤).
[ ٢ / ٢٧٧ ]
وفي الحديثين فوائد؛ منها:
١ - استعمال (عَلَى) في الدلالة على الوجوب.
٢ - التجوز بالبعض عن الكل.
٣ - أن الذمة لا تبرأ من الحق إلا بأدائه إلا أن يبرئه صاحب الحق.
٤ - وجوب رد العارية.
٥ - وجوب رد الأمانة.
٦ - وجوب رد المغصوب، وفي معناه المسروق.
٧ - وجوب حفظ الأمانة والعارية.
٨ - تحريم الخيانة.
٩ - تحريم مجازاة الخائن بمثل فعله؛ لقوله: «وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ»، فمن كان له حق على أحد فجحده، أو أمانة فخانه، ثم ظفر بشيء من ماله، فهل يجوز له أن يستوفي حقه؟ -وتسمى مسألة الظَّفَر- فقيل: يجوز مطلقًا، وقيل: لا يجوز إلا أن يكون الحق ثابتًا ببينة، أو كان سببه ظاهرًا، واختار ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية (^١) وابن القيم (^٢)، والله أعلم.
* * * * *
(١٠٠٢) وَعَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ ﵁ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِذَا أَتَتْكَ رُسُلِي فَأَعْطِهِمْ ثَلَاثِينَ دِرْعًا»، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَعَارِيَةٌ مَضْمُونَةٌ، أَوْ عَارِيَةٌ مُؤَدَّاةٌ؟ قَالَ: «بَلْ عَارِيَةٌ مُؤَدَّاةٌ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وأبُوْ دَاوُدَ والنَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّان (^٣).
_________________
(١) ينظر: «مجموع الفتاوى» (٣٠/ ٣٧١).
(٢) ينظر: «إغاثة اللهفان» (٢/ ٧٧).
(٣) أحمد (١٧٩٥٠)، وأبو داود (٣٥٦٦)، والنسائي في «الكبرى» (٥٧٤٤)، وابن حبان (٤٧٢٠).
[ ٢ / ٢٧٨ ]
(١٠٠٣) وَعَنْ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ؛ أن النَّبِيَّ ﷺ اسْتَعَارَ مِنْهُ دُرُوعًا يَوْمَ حُنَيْنٍ، فَقَالَ: أَغَصْبٌ يَا مُحَمَّدُ؟ قَالَ: «بَلْ عَارِيَةٌ مَضْمُونَةٌ». رواه أبُوْ دَاوُدَ والنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ (^١).
(١٠٠٤) وأخرج له شاهدًا ضعيفًا عن ابن عباس (^٢).
* * *
هذان الحديثان أصل في مسألة ضمان العارية، وقد اختلف العلماء في ذلك على ثلاثة مذاهب؛ أحدها: أن العارية مضمونة مطلقًا، وقيل: غير مضمونة مطلقًا، وقيل: مضمونة إذا شرط فيها الضمان، وهذا أرجح الأقوال، والله أعلم. وذلك فيما إذا تلفت من غير تعد ولا تفريط، أما إذا كان تلفها بتعد أو تفريط فهي مضمونة بكل حال.
وفي الحديثين فوائد؛ منها:
١ - صحة التوكيل في قبض العارية.
٢ - جواز إعارة الدروع ونحوها من آلة الحرب.
٣ - جواز استعارة عدة الحرب من الكافر إذا أُمن غشه.
٤ - استفصال المعير عن ضمان العارية.
٥ - وجوب أداء العارية إذا كانت عينها موجودة.
٦ - أن العارية تبرع من المعير لا غصب.
٧ - يؤخذ من مجموع الحديثين أن العارية غير مضمونة إذا تلفت من غير تعد ولا تفريط إلا بشرط الضمان، فنَفَى الضمان في حديث يعلى، وشَرَط الضمان في حديث صفوان.
* * * * *
_________________
(١) أبو داود (٣٥٦٢)، والنسائي (٥٧٤٧)، والحاكم (٢٣٠٠).
(٢) الحاكم (٢٣٠١).
[ ٢ / ٢٧٩ ]