العِدَّة: لغة بمعنى العَدَد، وتطلق على الشيء المعدود المحدود، والمراد بها هنا مدة تربص المرأة المفارقة لزوجها بطلاق أو غيره، والاستبراء هو طلب البراءة، والمراد به هنا التوصل إلى العلم ببراءة رحم المرأة، زوجة كانت أوسُرِّية، والإحداد لغة ترك الزينة، وفي لسان الشرع ترك المرأة المتوفى عنها للزينة، ويقال لها: حادٌّ ومُحِدٌّ، بلا تاء على الأفصح.
* * * * *
(١٢٥٦) عَنِ المِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ ﵁: أَنَّ سُبَيْعَةَ الْأَسْلَمِيَّةَ ﵂ نُفِسَتْ بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا بِلَيَالٍ، فَجَاءَتْ النَّبِيَّ ﷺ فَاسْتَأْذَنَتْهُ أَنْ تَنْكِحَ، فَأَذِنَ لَهَا، فَنَكَحَتْ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ (^١).
(١٢٥٧) وَأَصْلُهُ فِي «الصَّحِيحَيْنِ» (^٢).
(١٢٥٨) وفي لفظٍ: أَنَّهَا وَضَعَتْ بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا بِأَرْبَعِينَ لَيْلَةً (^٣).
(١٢٥٩) وفي لفْظٍ لمسْلِمٍ، قَالَ الزُّهْرِيُّ: «وَلَا أَرَى بَأْسًا أَنْ تَزَوَّجَ وَهِيَ فِي دَمِهَا، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَقْرَبُهَا زَوْجُهَا حتَّى تَطْهُر» (^٤).
(١٢٦٠) وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «أُمِرَتْ بَرِيرَةُ أَنْ تَعْتَدَّ بِثَلَاثِ حِيَضٍ». رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ، لَكِنَّهُ مَعْلُولٌ (^٥).
(١٢٦١) وَعَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا: «لَيْسَ لَهَا سُكْنَى وَلَا نَفَقَةٌ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٦).
* * *
_________________
(١) البخاري (٥٣٢٠).
(٢) البخاري (٣٩٩١)، ومسلم (١٤٨٤).
(٣) البخاري (٤٩٠٩).
(٤) مسلم (١٤٨٤).
(٥) ابن ماجه (٢٠٧٧).
(٦) مسلم (١٤٨٠) (٤٤).
[ ٢ / ٤٦٧ ]
هذه الأحاديث اشتملت على جملة من أحكام المعتدات: المتوفى عنها، والمحررة تحت عبد، والمطلقة ثلاثًا.
وفي الأحاديث فوائد؛ منها:
١ - وجوب العدة على المتوفى عنها، وهذا ثابت بالكتاب والسنة والإجماع.
٢ - أن الحامل المتوفى عنها تنقضي عدتها بوضع الحمل، فالحديث مخصص للآية في عدة الوفاة، فلذلك يقدم عموم قوله تعالى: ﴿وَأُوْلَاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] على عموم قوله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]؛ لأنه محفوظ لم يتطرق إليه تخصيص؛ فإن القاعدة أنه إذا تعارض عامَّان قُدِّم ما دل الدليل على تقديمه، فيكون هذا العام مخصَّصًا بالعامِّ الآخر. ومن المرجحات لأحد العامَّين على الآخر كونه محفوظًا لم يتطرق إليه تخصيص، فيخص بهذا العامِّ المحفوظِ العامُّ الآخرُ غيرُ المحفوظ.
٣ - أن الأمة إذا عتقت تحت عبد، فإن عدتها ثلاث حيض، كالمطلقة، هذا إذا صح حديث بريرة، وإلا فالواجب عليها الاستبراء، أي تعتد بحيضة.
٤ - أن المطلقة ثلاثًا لا سكنى لها ولا نفقة، إلا أن تكون حاملًا فلها النفقة من أجل الحمل، وقيل: لها السكنى دون النفقة، والصواب ما دل عليه حديث فاطمة بنت قيس، فلا سكنى لها ولا نفقة.
٥ - جواز مخاطبة المرأة للرجل الأجنبي، والرجل للمرأة إذا أمنت الفتنة، كما جاء في أصل الحديث.
* * * * *
[ ٢ / ٤٦٨ ]
(١٢٦٢) وَعَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا تُحِدَّ امْرَأَةٌ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ إِلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، وَلَا تَلْبَسْ ثَوْبًا مَصْبُوغًا، إِلَّا ثَوْبَ عَصْبٍ، وَلَا تَكْتَحِلْ، وَلَا تَمَسَّ طِيبًا، إِلَّا إِذَا طَهُرَتْ نُبْذَةً مِنْ قُسْطٍ أَوْ أَظْفَارٍ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَهَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ (^١).
(١٢٦٣) ولأَبِي دَاوُدَ، والنَّسَائيِّ مِنْ الزِّيَادَةِ: «وَلَا تَخْتَضِبْ» (^٢).
(١٢٦٤) وَلِلنَّسَائِيِّ: «وَلَا تَمْتَشِطْ» (^٣).
(١٢٦٥) وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ: جَعَلْتُ عَلَى عَيْنِي صَبْرًا، بَعْدَ أَنْ تُوُفِّيَ أَبُو سَلَمَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّهُ يَشُبُّ الْوَجْهَ، فَلَا تَجْعَلِيهِ إِلَّا بِاللَّيْلِ، وَانْزِعِيهِ بِالنَّهَارِ، وَلَا تَمْتَشِطِي بِالطِّيبِ، وَلَا بِالْحِنَّاءِ، فَإِنَّهُ خِضَابٌ». قُلْتُ: بِأَيِّ شَيْءٍ أَمْتَشِطُ؟ قَالَ: «بِالسِّدْرِ». رواه أبُوْ دَاوُدَ، والنَّسَائِيُّ، وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ (^٤).
(١٢٦٦) وَعَنْهَا؛ أن امْرَأَةً قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ ابْنَتِي مَاتَ عَنْهَا زَوْجُهَا، وَقَدِ اشْتَكَتْ عَيْنَهَا، أَفَنَكْحُلُهَا؟ قَالَ: «لَا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٥).
* * *
هذه الأحاديث الثلاثة تضمنت حكم الإحداد وصفته، والإحداد ترك الزينة بأنواعها، لوفاة الزوج أو القريب.
وفي الأحاديث فوائد؛ منها:
١ - تحريم الإحداد على أي ميت فوق ثلاث سوى الزوج.
٢ - جواز الإحداد على غير الزوج في مدة ثلاثة أيام.
_________________
(١) البخاري (٣١٣)، ومسلم (٩٣٨) في كتاب الطلاق (٦٦).
(٢) أبو داود (٢٣٠٢)، والنسائي في «الكبرى» (٥٦٩٩).
(٣) النسائي في «الكبرى» (٥٦٩٨).
(٤) أبو داود (٢٣٠٥)، والنسائي في «الكبرى» (٥٧٠٠).
(٥) البخاري (٥٣٣٦)، ومسلم (١٤٨٨).
[ ٢ / ٤٦٩ ]
٣ - وجوب الإحداد على المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشرًا.
٤ - عظم حق الزوج.
٥ - أن من حق الزوج أن تتزين له المرأة في حياته، وتتركها لوفاته مدة العدة.
٦ - تحريم جميع أنواع الزينة والطيب على المحدة على زوجها.
٧ - أن الكحل من الزينة التي تترك في حال الإحداد.
٨ - أن المحدة إذا مرضت فلها التداوي بغير ما يعد زينة، فلا يباح الكحل في العين من أجل التداوي.
٩ - أن المُحِدة لا تستعمل طيبًا إلا إذا طهرت من الحيضة، فتطيب مواضع الدم بنبذة أي بقطعة من قسط أو أظفار، وهما نوعان من البخور.
١٠ - جواز امتشاط المحدة بما لا طيب فيه من سدر ونحوه.
١١ - أن على المُحِدة أن تترك الثوب المصبوغ بحمرة أو صفرة.
١٢ - الرخصة في ثوب العصب على المحدة، وهو ما يصبغ قبل نسجه، وهي ثياب تجلب من اليمن.
١٣ - أن المحد لا تختضب ولا تمتشط ولا تتداوى بما يورثها جمالًا.
١٤ - تحريم التداوي بالمحرم.
* * * * *
(١٢٦٧) وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: طُلِّقَتْ خَالَتِي، فَأَرَادَتْ أَنْ تَجُدَّ نَخْلَهَا فَزَجَرَهَا رَجُلٌ أَنْ تَخْرُجَ، فَأَتَتْ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: «بَلْ جُدِّي نَخْلَكِ، فَإِنَّكِ عَسَى أَنْ تَصَدَّقِي، أَوْ تَفْعَلِي مَعْرُوفًا». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^١).
_________________
(١) مسلم (١٤٨٣).
[ ٢ / ٤٧٠ ]
(١٢٦٨) وَعَنْ فُرَيْعَةَ بِنْتِ مَالِكٍ: أَنَّ زَوْجَهَا خَرَجَ فِي طَلَبِ أَعْبُدٍ لَهُ، فَقَتَلُوهُ. قَالَتْ: فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ؛ أن أَرْجِعَ إِلَى أَهْلِي؛ فَإِنَّ زَوْجِي لَمْ يَتْرُكْ لِي مَسْكَنًا يَمْلِكُهُ وَلَا نَفَقَةً، فَقَالَ: «نَعَمْ». فَلَمَّا كُنْتُ فِي الْحُجْرَةِ نَادَانِي، فَقَالَ: «امْكُثِي فِي بَيْتِكِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ». قَالَتْ: فَاعْتَدَدْتُ فِيهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، قَالَتْ: فَقَضَى بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ عُثْمَانُ. أخرجه أحمد، وَالأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، والذهلي، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ وغيرُهُم (^١).
(١٢٦٩) وَعَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ قَالَتْ: «يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ زَوْجِي طَلَّقَنِي ثَلَاثًا، وَأَخَافُ أَنْ يُقْتَحَمَ عَلَيَّ»، قَالَ: فَأَمَرَهَا، فَتَحَوَّلَتْ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٢).
* * *
هذه الأحاديث تضمنت بيان المكان الذي تقيم فيه المعتدة من وفاة أو البائنة من طلاق مدة العدة.
وفي الأحاديث فوائد؛ منها:
١ - وجوب اعتداد المتوفَّى عنها في البيت الذي كانت تسكنه حياة زوجها؛ لحديث فُريعة.
٢ - جواز تحول المطلقة من مسكنها إلى غيره؛ لحديث فاطمة.
٣ - أنه قد يخفى على الصحابي بعض الأحكام الشرعية.
٤ - استحباب الصدقة وفعل المعروف عند الجداد.
٥ - أنه ينبغي للإنسان ألا يعرض نفسه للخطر، وما فعله زوج فُريعة فيه مخاطرة ظاهرة.
٦ - أن المتوفى عنها لا سكنى لها ولا نفقة، لكن إن تيسر لها المكث في البيت الذي مات فيه زوجها وجب عليها.
_________________
(١) أبو داود (٢٣٠٠)، والترمذي (١٢٠٤)، والنسائي في «الكبرى» (٥٦٩٤) (٥٦٩٦)، وابن ماجه (٢٠٣١)، وابن حبان (٤٢٩٢)، والحاكم (٢٨٣٢) و(٢٨٣٣).
(٢) مسلم (١٤٨٢).
[ ٢ / ٤٧١ ]
٧ - أن النبي ﷺ قد يحكم بالاجتهاد، لكن لا يُقَرُّ على خطأ؛ لأنه أذن لفُريعة ثم استدرك.
٨ - صحة رواية المرأة، لأن فُريعة ﵂ حدثت به عثمان ﵁، فقضى به.
* * * * *
(١٢٧٠) وَعَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵁ قَالَ: «لَا تُلْبِسُوا عَلَيْنَا سُنَّةَ نَبِيِّنَا، عِدَّةُ أُمِّ الْوَلَدِ إِذَا تُوُفِّيَ عَنْهَا سَيِّدُهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وأبُوْ دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ، وَأَعَلَّهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِالِانْقِطَاعِ (^١).
(١٢٧١) وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «إِنَّمَا الْأَقْرَاءُ؛ الْأَطْهَارُ». أَخْرَجَهُ مَالِكٌ فِي قِصَّةٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ (^٢).
(١٢٧٢) وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: «طَلَاقُ الْأَمَةِ تَطْلِيقَتَانِ، وَعِدَّتُهَا حَيْضَتَانِ ..» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنيُّ، وأَخْرَجَهُ مَرْفُوعًا وضَعَّفَهُ (^٣).
(١٢٧٣) وأَخْرَجَهُ أبُوْ دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ: مِنْ حَدِيْثِ عائشة، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ، وَخَالَفُوهُ، فَاتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ (^٤).
* * *
هذه الأحاديث اشتملت على جملة من أحكام العدد.
وفي الأحاديث فوائد؛ منها:
١ - أن عدة أم الولد المتوفى عنها سيدها كعدة الزوجة الحرة، أربعة أشهر وعشر، وقيل: تعتد بحيضة، بقصد الاستبراء، وقيل: تعتد بثلاثة أقراء، كالمطلقة الحرة.
_________________
(١) أحمد (١٧٨٠٣)، وأبو داود (٢٣٠٨)، وابن ماجه (٢٠٨٣)، والحاكم (٢٨٣٦)، والدارقطني في «السنن» (٣٨٣٧).
(٢) مالك في «الموطأ» (٢١٤٠).
(٣) الدارقطني في «السنن» (٤٠٠٢).
(٤) أبو داود (٢١٨٩)، والترمذي (١١٨٢)، وابن ماجه (٢٠٨٠)، والحاكم (٢٨٢٢).
[ ٢ / ٤٧٢ ]
٢ - أن أم الولد تعتق بموت سيدها.
٣ - أن الأقراء هي الأطهار، والمراد الأقراء التي تعتبرها المطلقة في عدتها، والجمهور على أنها الحيض، وقيل: هي الأطهار، ويدل له قول عائشة، فعلى القول بأنها الأطهار فإن العدة تنتهي بشروعها في الحيضة الثالثة، وعلى القول بأنها الحيض فإن عدتها تنقضي بطهرها من الحيضة الثالثة.
٤ - أن الطلاق يعتبر بحال الزوجة، حرية ورقًّا، فالحرة يقع عليها ثلاث، والأمة طلقتان، وقيل: إن الطلاق يعتبر بالزوج، فالحر يطلق ثلاثًا، والعبد طلقتين.
٥ - أن عدة الأمة المطلقة حيضتان، وهذا الفرق بين الحرة والأمة والحر والعبد أصله قياس أحكام الرقيق في النكاح والطلاق والعِدد والحدود على حد الزنا في التنصيف، وهو المذكور في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥]، ويعضد هذا القياس ما جاء من الآثار؛ كحديث ابن عمر هذا. وقال كثير من أهل العلم: المعتبر في النكاح والطلاق حال الزوج؛ فالعبد يطلق طلقتين، ويتزوج زوجتين، وأما العِدد فتعتبر بحال الزوجة، فعدة الأمة المطلقة حيضتان أو شهران، وعدة الأمة المتوفى عنها شهران وخمسة أيام، لكن عند الظاهرية لا فرق بين الحر والعبد والأمة والحرة.
* * * * *
(١٢٧٤) وَعَنْ رُوَيْفِعِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَسْقِيَ مَاءَهُ زَرْعَ غَيْرِهِ». أخرجه أبُوْ دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّان، وحسَّنَهُ البَزّارُ (^١).
_________________
(١) أبو داود (٢١٥٨)، والترمذي (١١٣١)، وابن حبان (٤٨٥٠).
[ ٢ / ٤٧٣ ]
هذا الحديث يتعلق بحكم وطء الحامل من غيره، وعبر عن ذلك بسقي الزرع على سبيل الكناية، وهذا مناسب لتسمية الله المرأة حرثًا: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]، ويوضح معنى الحديث قول الفقهاء أن وطء الحامل يزيد في سمع الجنين وبصره، فظهر بذلك وجه تسميته في الحديث سقيا.
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - تحريم وطء الحامل من غيره، سواء أكانت أمتَه، أو زوجتَه، كما لو وطئت بشبهة.
٢ - تحريم عقد النكاح على الحامل المطلقة البائن بينونة كبرى؛ لأن العقد وسيلة للوطء.
٣ - تحريم وطء المسبية الحامل، وحكم المسبية هو سبب الحديث، لذلك قال النبي ﷺ في سبايا أوطاس: «لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ، وَلَا غَيْرُ حَامِلٍ حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً» (^١).
٤ - أن الإيمان بالله واليوم الآخر من دواعي الطاعة بفعل المأمور وترك المحظور.
٥ - أن ما نفي عنه الحل فهو حرام؛ لأنهما ضدان، فالحرام يقابل الحلال، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ﴾ [النحل: ١١٦].
٦ - أن من أساليب البيان: الكناية.
٧ - أن وطء الحامل يزيد في نمو الحمل، كالزرع يسقى بالماء.
* * * * *
_________________
(١) سيأتي تخريجه (١٢٧٩).
[ ٢ / ٤٧٤ ]
(١٢٧٥) وَعَنْ عُمَرَ ﵁ فِي امْرَأَةِ الْمَفْقُودِ: «تَرَبَّصُ أَرْبَعَ سِنِينَ، ثُمَّ تَعْتَدُّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا». أَخْرَجَهُ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ (^١).
(١٢٧٦) وَعَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «امْرَأَةُ الْمَفْقُودِ امْرَأَتُهُ حَتَّى يَأْتِيَهَا الْبَيَانُ». أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ (^٢).
* * *
أثر عمر وحديث المغيرة في حكم امرأة المفقود، والمفقود هو من غاب غيبة طويلة، وانقطعت أخباره، ولا يُدرى عن حاله حيًّا أو ميتًا، وقد دل أثر عمر على أن امرأة المفقود تتربص أربع سنين، ثم تعتد بعد ذلك عدة الوفاة، وفي حديث المغيرة أن امرأة المفقود امرأتُه حتى يتبين أمره، حياته أو موته، ولكن الحديث ضعيف (^٣).
وقد فصَّل الفقهاء في مدة انتظار المفقود والحكم بموته، وبنوا ذلك على ما هو الغالب من حاله، من السلامة أو العطب، فما كان الغالب من حاله العطب فينتظر للحكم بموته أربع سنين، كما في قول عمر، وما كان الغالب من حاله السلامة فينتظر حتى يبلغ من مولده تسعين سنة، وهذا لا دليل عليه من أثر ولا نظر، والصواب أن يرجع في تقدير المدة إلى اجتهاد الحاكم؛ فإن أمر المفقود يختلف باختلاف الزمان والمكان وحال المفقود، وإذا حكم الحاكم بموت المفقود ترتب على ذلك ما يترتب على موت غير المفقود من عدة زوجته، وإرث ماله، فإن تبين بعد الحكم أنه حيٌّ ورجع، استرد ماله، وزوجته هي زوجته، وإن وجدها قد تزوجت، خير بين استرجاعها، أو تركها للزوج الثاني.
* * * * *
_________________
(١) مالك في «الموطأ» (٢١٣٤)، والشافعي في «الأم» (١/ ٢٩٩).
(٢) الدارقطني في «السنن» (٣٨٤٩).
(٣) وضعفه أبو حاتم، والبيهقي، وعبد الحق، وابن القطان، وغيرهم. ينظر: «التلخيص» (٣/ ٤٦٦).
[ ٢ / ٤٧٥ ]
(١٢٧٧) وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَا يَبِيتَنَّ رَجُلٌ عِنْدَ امْرَأَةٍ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ نَاكِحًا، أَوْ ذَا مَحْرَمٍ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (^١).
(١٢٧٨) وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ، إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ». أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ (^٢).
* * *
هذان الحديثان تضمنا النهي عن الخلوة بالمرأة الأجنبية، وهي من يحل له نكاحها من قريباته أو غيرهن، والنهي عن البيات عند المرأة في بيت ليس فيه غيرهما إلا أن يكون زوجًا لها أو ذا محرم، وهو من تحرم عليه تحريمًا مؤبدًا، كالعم والخال، والخلوة بالمرأة تثبت في مكان ليس معهما غيرهما، ومتى كان ذلك كان ثالثهما الشيطان، كما في الحديث الصحيح: «لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا كَانَ الشَّيْطَانُ ثَالِثَهُمَا» (^٣)، أي يوسوس لهما بالفاحشة أو دواعيها، فإن كان معهما ثالث من رجل أو امرأة زالت الخلوة، ولكن تبقى مفسدة الاختلاط الذي يجر إلى النظر المحرم أو الكلام المحرم أو غير ذلك، مما يحرم بين الرجال والنساء الأجانب، ولا تزول الخلوة بالطفل الذي لا يعرف شؤون النساء، وهو من لا يجب على المرأة الاحتجاب منه، كما قال تعالى: ﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاء﴾ [النور: ٣١]، ومناسبة هذين الحديثين للباب أن المعتدة مظنة الطمع فيها.
وفي الحديثين فوائد؛ منها:
١ - تحريم خلوة الرجل بالمرأة الأجنبية.
_________________
(١) مسلم (٢١٧١).
(٢) البخاري (٥٢٣٣).
(٣) رواه أحمد (١١٤)، والترمذي (٢١٦٥)، والنسائي في «الكبرى» (٩١٨١)، وابن ماجه (٢٣٦٣)، وابن حبان (٧٢٥٤)؛ من حديث عمر بن الخطاب ﵁.
[ ٢ / ٤٧٦ ]
٢ - تحريم أن يبيت الرجل عند امرأة في بيت وليس هو بزوج ولا ذي محرم.
٣ - خطر خلوة الرجل بالمرأة الأجنبية.
٤ - حكمة الشريعة في سد ذرائع الفساد.
٥ - أن الخلوة من أعظم الذرائع المفضية إلى الوقوع في الفاحشة، كما يؤكد ذلك قوله ﷺ في الحديث: «إِلَّا كَانَ الشَّيْطَانُ ثَالِثَهُمَا».
٦ - في الحديثين دليل لقاعدة سد الذرائع المفضية إلى المحرم.
٧ - أن الخلوة لا تزول إلا بمن يحذران من اطلاعه، بخلاف الطفل الذي لا يفهم شيئًا عن أمور النساء الخاصة، فوجوده كعدمه.
٨ - عناية الشرع بصيانة الأعراض.
* * * * *
(١٢٧٩) وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁؛ أن النَّبِيَّ ﷺ قَالَ فِي سَبَايَا أَوْطَاسٍ: «لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ، وَلَا غَيْرُ ذَاتِ حَمْلٍ حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً». أخرجه أبُوْ دَاوُدَ وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ (^١).
(١٢٨٠) وَلَهُ شَاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ (^٢).
(١٢٨١) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِهِ (^٣).
(١٢٨٢) وَمِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ فِي قِصَّةٍ (^٤).
_________________
(١) أبو داود (٢١٥٧)، والحاكم (٢٧٩٠).
(٢) الدارقطني (٣٦٤٠).
(٣) البخاري (٦٨١٨)، ومسلم (١٤٥٨).
(٤) البخاري (٢٢١٨)، ومسلم (١٤٥٧)، ولفظه: عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: كَانَ عُتْبَةُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، عَهِدَ إِلَى أَخِيهِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّ ابْنَ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ مِنِّي فَاقْبِضْهُ، قَالَتْ: فَلَمَّا كَانَ عَامَ الفَتْحِ أَخَذَهُ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَقَالَ: ابْنُ أَخِي قَدْ عَهِدَ إِلَيَّ فِيهِ، فَقَامَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ، فَقَالَ: أَخِي، وَابْنُ وَلِيدَةِ أَبِي، وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ، فَتَسَاوَقَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ سَعْدٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ابْنُ أَخِي كَانَ قَدْ عَهِدَ إِلَيَّ فِيهِ، فَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ: أَخِي، وَابْنُ وَلِيدَةِ أَبِي، وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ بْنَ زَمْعَةَ»، ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «الوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الحَجَرُ» ثُمَّ قَالَ لِسَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ - زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ: «احْتَجِبِي مِنْهُ» لِمَا رَأَى مِنْ شَبَهِهِ بِعُتْبَةَ فَمَا رَآهَا حَتَّى لَقِيَ اللَّهَ.
[ ٢ / ٤٧٧ ]
(١٢٨٣) وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، عِنْدَ النَّسَائِيِّ (^١).
(١٢٨٤) وَعَنْ عُثْمَانَ. عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ (^٢).
* * *
حديث أبي سعيد في حكم وطء المسبية التي كانت ذات زوج، وحديث أبي هريرة فيه بيان ما به يُلحق نسب المولود، ومن يُلحق به نسب المولود، والعاهر الزاني. وقوله: «وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَر» كناية عن عدم لحوق النسب بالزاني، والمعنى ليس له ولد، بل له الحجر الذي يرجم به إن كان محصَنًا، وقيل: الحجر الذي يلقم به لإبطال دعواه، وهذا أقرب.
وفي الأحاديث فوائد؛ منها:
١ - تحريم وطء المسبية الحامل حتى تضع، فهو شاهد لحديث رويفع المتقدم: «لَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ، يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَسْقِيَ مَاءَهُ زَرْعَ غَيْرِهِ» (^٣).
٢ - تحريم وطء المسبية غير ذات الحمل حتى تستبرأ بحيضة.
٣ - أن الحامل لا تحيض؛ لأنه خص الاستبراء بحيضة بغير ذات الحمل، وعلَّق وطء الحامل بالوضع.
٤ - أن الاستبراء يكون بحيضة.
٥ - جواز وطء الحامل من زوجة أو سرية، إلا أن يكون به ضرر.
_________________
(١) النسائي في «الكبرى» (٥٦٥٠).
(٢) أبو داود (٢٢٧٥).
(٣) تقدم تخريجه (١٢٧٤).
[ ٢ / ٤٧٨ ]
٦ - أن من حكمة الشريعة حفظ الأنساب، والمنع مما يوجب الاختلاط.
٧ - إباحة سبي نساء الكفار إذا غلب المسلمون المجاهدون عليهم.
٨ - جواز وطء المسبية في دار الحرب.
٩ - ثبوت حكم الرق في الإسلام. وأدلة ذلك لا تحصى من الكتاب والسنة، رغم أنوف الكارهين الطاعنين من جهلة المسلمين متابعة لأعداء الإسلام.
وفي حديث أبي هريرة وعائشة ﵄:
١ - أن المولود يلحق نسبه بصاحب الفراش، وهو الزوج أوالسيد. والفراش هو الزوجة أو السرية.
٢ - أن المولود من زنا لا يلحق بالزاني.
٣ - أنه يلحق بصاحب الفراش، إلا أن ينفيه باللعان، على القول بمشروعية اللعان بنفي الولد.
٤ - أن الشبه لا يعارض الفراش؛ فلا يقدم عليه.
٥ - إعمال كلٍّ من السببين المختلفين في القضية، وإعطاء كل منهما ما يقتضيه من الحكم، وهما في هذه القصة الشبه والفراش، فبالفراش ثبت النسب، وبالشبه ثبتت حرمة النظر، وقيل: إن أمر سودة بالاحتجاب من باب الاحتياط.
٦ - الكناية عن الخيبة والحرمان بالحجر والتراب.
٧ - أن مقتضى الدليل الشرعي مقدم على مقتضى الدليل الكوني عند التعارض.
٨ - أن المرأة المزني بها إذا لم تكن فراشًا فالولد للزاني إذا استلحقه.
[ ٢ / ٤٧٩ ]
وحديث عائشة ورد على سبب، وهو أنه اختصم سعد بن أبي وقاص وعبد ابن زمعة في مولود ولد من أمة كانت لزمعة، زنى بها عتبة ابن أبي وقاص في الجاهلية، فقال سعد: هذا يا رسول الله ابن أخي عتبة بن أبي وقاص عهد إلي أنه ابنه، انظر إلى شبهه، وقال عبد بن زمعة: «هذا أخي يا رسول الله، ولد على فراش أبي من وليدته»، فنظر رسول الله ﷺ إلى شبهه فرأى شبها بيِّنًا بعتبة، فقال: «هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ بْنَ زَمْعَةَ، الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ، وَاحْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ ابْنَةَ زَمْعَةَ» فلم تره سودة قط.
٩ - أن من طرق البيان عند العرب: الكناية الدالة على المقصود، لقوله: «وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ».
* * * * *
[ ٢ / ٤٨٠ ]