الغسل: اسم مصدرٍ للاغتسال وهو الفعل، والمراد بالغسل هنا: الغسل المشروع، والجنب من أصابته جنابةٌ، وهو يطلق على الواحد والمثنَّى والجمع والمذكَّر والمؤنَّث، تقول: رجلٌ جنبٌ وامرأةٌ جنبٌ، والمراد بحكم الجنب: أحكام الجنب؛ كوجوب الغسل، وما يستحبُّ له وما يكره له.
* * * * *
(١١٧) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَأَصْلُهُ فِي الْبُخَارِيِّ (^١).
(١١٨) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الأَرْبَعِ، ثُمَّ جَهَدَهَا، فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٢).
(١١٩) وَزَادَ مُسْلِمٌ: «وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ».
* * *
الحديثان من أدلَّة الغسل من الجنابة، وقد دلَّ على وجوبه الكتاب والسُّنَّة والإجماع، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦]، والمراد بالتَّطهُّر: الغسل، كما قال تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىَ تَغْتَسِلُوا﴾ [النِّسَاء: ٤٣]، وقوله ﷺ: «الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ» معناه الغسل من الإنزال، و«من» سببيَّةٌ، والماء الأوَّل: ماء الاغتسال، والماء الثَّاني: المنيُّ، وهذا جناسٌ تامٌّ.
_________________
(١) مسلم (٣٤٣)، والبخاري (١٨٠).
(٢) البخاري (٢٩١)، ومسلم (٣٤٨).
[ ١ / ١٣١ ]
وعبَّر بالماء الأوَّل عن الاغتسال؛ لأنَّه آلته، فهو مجازٌ مرسلٌ علاقته الآليَّة. وهذا اللَّفظ «الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ» يفيد الحصر، معناه: ما الغسل إلَّا من الإنزال، وقد جاء في بعض روايات الحديث «إنَّما الماء من الماء» (^١).
وفي حديث أبي سعيدٍ ﵁ فوائد، منها:
١ - وجوب الغسل من الإنزال بأيِّ سببٍ حصل.
٢ - أنَّه لا يجب الغسل بالجماع من غير إنزالٍ، وقد ذهب إلى هذا بعض الصَّحابة ﵃ وبعض التَّابعين؛ لحديث أبي سعيدٍ ﵁ ولم يبلغهم نسخ هذا الحكم.
وقد نقل غير واحدٍ إجماع العلماء على وجوب الغسل بالجماع وإن لم ينزل (^٢)، ومن خالف في ذلك فقوله شاذٌّ مخالفٌ لحديث أبي هريرة ﵁: «إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الأَرْبَعِ» ولفظ مسلمٍ: «وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ»، وكذلك حديث عائشة ﵃ عن النَّبيِّ ﷺ قال: «إِذَا مَسَّ الْخِتَانُ الْخِتَانَ وَجَبَ الْغُسْلُ» (^٣)، وهذا كنايةٌ عن الإيلاج فلو مسَّ الختان الختان من غير إيلاجٍ لم يجب غسلٌ، وكذا قوله في حديث أبي هريرة ﵁ «ثُمَّ جَهَدَهَا» هو كنايةٌ عن الجماع، وشعبها الأربع: فخذاها وساقاها.
وفي حديث أبي هريرة ﵁ فوائد، منها:
٣ - وجوب الغسل من الجماع وإن لم يكن معه إنزالٌ.
٤ - الأدب بالكناية عمَّا يستحيا من التَّصريح به.
_________________
(١) رواها مسلم (٣٤٣) وغيره عن أبي سعيد الخدري ﵁.
(٢) منهم النووي في «المجموع» (٢/ ١٣٦)، وفي شرح مسلم (٤/ ٣٦)، وقال ابن تيمية: «وأما التقاء الختانين فيوجب الغسل، وهو كالإجماع». «شرح العمدة» (١/ ٣٥٧).
(٣) رواه مسلم (٣٤٩).
[ ١ / ١٣٢ ]
ومن فوائد الحديثين:
٥ - شمول هذا الدِّين وكماله بتشريع هذه الأحكام المتعلِّقة بهذه الأحوال.
* * * * *
(١٢٠) وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ أُمَّ سُلَيْمٍ -وَهِيَ امْرَأَةُ أَبِي طَلْحَةَ- قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّ اللهَ لا يَسْتَحِي مِنَ الْحَقِّ، فَهَلْ عَلَى الْمَرْأَةِ الْغُسْلُ إِذَا احْتَلَمَتْ؟ قَالَ: «نَعَمْ؛ إِذَا رَأَتِ الْمَاءَ …» الْحَدِيثَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١).
(١٢١) وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي الْمَرْأَةِ تَرَى فِي مَنَامِهَا مَا يَرَى الرَّجُلُ، قَالَ: «تَغْتَسِلُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٢).
(١٢٢) زَادَ مُسْلِمٌ: فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: وَهَلْ يَكُونُ هَذَا؟ قَالَ: «نَعَمْ، فَمِنْ أَيْنَ يَكُونُ الشَّبَهُ؟» (^٣).
* * *
الحديثان من أدلَّة وجوب الغسل من الجنابة بخروج المنيِّ.
وفيهما فوائد، منها:
١ - فضيلة أمِّ سليمٍ ﵂ لسؤالها عن أمر دينها وحسن سؤالها.
٢ - أنَّ من حسن السُّؤال التَّقديم له بما يكون عذرًا للسَّائل.
٣ - إثبات صفة الحياء لله تعالى.
٤ - أنَّ الله لا يستحيي من بيان الحقِّ، ولو كان بما يستحيا من ذكره. وقد أخبر الله بذلك عن نفسه في آيتين من كتابه.
_________________
(١) البخاري (٢٨٢)، ومسلم (٣١٣).
(٢) الحديث من أفراد مسلم (٣١١).
(٣) مسلم (٣١١).
[ ١ / ١٣٣ ]
٥ - أنَّ المرأة تحتلم، والمراد بالاحتلام: رؤية الجماع في المنام، ففيه شاهدٌ لما يروى من قوله ﷺ: «النِّسَاءُ شَقَائِقُ الرِّجَالِ» (^١).
٦ - أنَّ احتلام المرأة قليلٌ بخلاف الرِّجال؛ لقول أمِّ سلمة ﵂ كما في أصل الحديث: وتحتلم المرأة؟ قال: «نَعَمْ، تَرِبَتْ يَمِينُكِ، فَبِمَ يُشْبِهُهَا وَلَدُهَا؟».
٧ - وجوب الغسل من خروج المنيِّ بالاحتلام، ولو لم يذكر احتلامًا.
٨ - أنَّ مناط وجوب الغسل رؤية المنيِّ، كما يدلُّ عليه حديث أبي سعيدٍ ﵁ المتقدِّم (^٢).
٩ - أنَّه لا يجب الغسل بمجرَّد الاحتلام من غير خروج الماء.
١٠ - أنَّه لا يجب الغسل بمجرَّد انتقال المنيِّ من غير أن يخرج.
١١ - أنَّه لا يجب الغسل مع الشَّكِّ في خروج المنيِّ أو الشَّكِّ في كونه منيًّا.
١٢ - جواز الدُّعاء على المخطئ بالإنكار عليه من غير قصد الحقيقة؛ لقوله ﷺ: «تَرِبَتْ يَمِينُكِ»؛ أي: لصقت بالتُّراب، والأصل: أنَّه دعاءٌ بالفقر، بصيغة الكناية.
١٣ - الإنكار على من أنكر على المحقِّ.
١٤ - أنَّ الولد يخلق من ماء الرَّجل ومن ماء المرأة.
١٥ - أنَّ خلقه من مائهما سبب شبهه بهما.
١٦ - اعتبار الشَّبه في لحوق النَّسب ما لم يعارضه ما هو أقوى منه وهو الفراش.
١٧ - أنَّ الحياء من طبع النِّساء، ومن لا تستحيي فقد خرجت عن طبع الأنوثة.
_________________
(١) رواه أحمد (٢٦١٩٥)، وأبو داود (٢٣٦)، والترمذي (١١٣)، عن عائشة ﵂.
(٢) تقدَّم برقم (١١٧).
[ ١ / ١٣٤ ]
١٨ - أنَّ ذكر أحوال النِّساء والعلاقات الزَّوجيَّة ممَّا يستحيا منه، وممَّا لا ينبغي الجهر به إلَّا لأمرٍ يقتضيه.
١٩ - السُّؤال لمزيد التَّحقُّق.
٢٠ - حلم النَّبيِّ ﷺ وتقبُّله للمسائل.
٢١ - ذكر المفتي للدَّليل لتحصل الطُّمأنينة للسَّائل.
* * * * *
(١٢٣) وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قالتْ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَغْتَسِلُ مِنْ أرْبَعٍ، مِنَ الْجَنَابَةِ، وَيَوْمِ الْجُمُعَةِ، وَمِنَ الْحِجَامَةِ، وَمِنْ غَسْلِ الْمَيِّتِ». رَوَاهُ أبو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ (^١).
* * *
الحديث مختلفٌ في صحَّته، والرَّاجح: أنَّه لا بأس به كما قال شيخنا عبد العزيز بن بازٍ ﵀: وقولها: «كان يغتسل من أربعٍ» يقتضي أنَّه يغتسل من هذه الأسباب الأربعة، ومنها غسل الميِّت، ولم يثبت أنَّه ﷺ غسَّل ميِّتًا، ولهذا قال بعض شرَّاح الحديث: «كان يغتسل من أربعٍ»؛ أي: يأمر بالغسل من أربعٍ، احترازًا من تغسيله الميِّت، كما نقله صاحب (بذل المجهود) (^٢) عن السّنديِّ. وهو توجيهٌ حسنٌ، ولم يتنبَّه إلى ذلك أحدٌ من شرَّاح (البلوغ)، ولفظ الحديث عند أحمد: «يغتسل من أربعٍ» (^٣)، وهو خبرٌ بمعنى الأمر، وهذا اللَّفظ لا يرد عليه ما ورد على لفظ حديث الباب، والله أعلم.
_________________
(١) أبو داود (٣٤٨)، وابن خزيمة (٢٥٦) وقال ابن عبد الهادي: «هذا الإسناد على شرط مسلم». «تنقيح تحقيق أحاديث التعليق» (١/ ١٨٢).
(٢) ينظر: «بذل المجهود» لخليل أحمد السهارنفوري (٣/ ٨٥).
(٣) رواه أحمد (٢٥١٩٠) عن عائشة ﵂ أيضًا.
[ ١ / ١٣٥ ]
وهو يدل على أربعة أحكامٍ:
١ - مشروعيَّة الغسل من الجنابة، وقد تقدَّم القول فيه.
٢ - مشروعيَّة الغسل ليوم الجمعة وسيأتي البحث فيه.
٣ - مشروعيَّة الغسل من الحجامة.
٤ - مشروعيَّة الغسل من غسل الميِّت.
أمَّا الغسل من الجنابة فمجمعٌ على وجوبه، وأمَّا غسل الجمعة فمختلفٌ فيه، وأمَّا الغسل من الحجامة فمستحبٌّ؛ لهذا الحديث ولا قائل بوجوبه. وأمَّا الغسل من تغسيل الميِّت فمستحبٌّ؛ لهذا الحديث ولحديث أبي هريرة ﵁ المتقدِّم: «مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا فَلْيَغْتَسِلْ» (^١)، وجمهور العلماء على أنَّه لا يجب.
* * * * *
(١٢٤) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، فِي قِصَّةِ ثُمَامَةَ بْنِ أُثَالٍ عِنْدَمَا أَسْلَمَ وَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَغْتَسِلَ. رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ (^٢)، وَأَصْلُهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٣).
* * *
هذا أحد حديثين في مشروعيَّة الغسل لمن دخل في الإسلام، وقد اختلف النَّاس في ذلك، فذهب الجمهور إلى أنَّ هذا الغسل مستحبٌّ؛ لحديث ثمامة ﵁ هذا، ولحديث قيس بن عاصمٍ ﵁، وحملوا الأمر في الحديثين على الاستحباب؛ لأنَّه قد دخل في الإسلام أفواجٌ من النَّاس في عهد النَّبيِّ ﷺ وفي عهد من بعده، وما كانوا يؤمرون بالاغتسال.
وقال آخرون: إنَّ الغسل واجبٌ على من دخل في الإسلام؛ لهذين الحديثين. وفصَّل بعضهم فقال: إذا دخل في الإسلام وقد أجنب في حال كفره فإنَّه يغتسل لرفع الجنابة.
_________________
(١) تقدَّم برقم (٨٤).
(٢) عبد الرزاق في «مصنفه» (٩٨٣٤).
(٣) البخاري (٤٦٢)، ومسلم (١٧٦٤).
[ ١ / ١٣٦ ]
والرَّاجح -والله أعلم-: هو القول الأوَّل، والقول الثَّالث متوجِّهٌ، وعليه فليس الغسل لأجل الدُّخول في الإسلام، بل لرفع الجنابة، والغسل للجنابة لا يجب إلَّا على من حضرته الصَّلاة؛ كالوضوء من الحدث الأصغر.
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - فضيلة ثمامة ﵁.
٢ - وجوب الاغتسال على من دخل في الإسلام عند من يقول به، وتقدَّم ذكر الخلاف في ذلك.
٣ - الجمع بين الطَّهارتين الظَّاهرة والباطنة؛ كالجمع بينهما في الوضوء والتَّشهُّد بعده، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِين﴾ [الْبَقَرَة: ٢٢٢]، وسيأتي ذكرٌ لهذا الحديث في باب المساجد (^١)، وتذكر بقيَّة فوائده هناك إن شاء الله.
* * * * *
(١٢٥) وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «غُسْلُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ». أَخْرَجَهُ السَّبْعَةُ (^٢).
(١٢٦) وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ تَوَضَّأَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَبِهَا وَنِعْمَتْ، وَمَنِ اغْتَسَلَ فَالْغُسْلُ أَفْضَلُ». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ (^٣).
* * *
_________________
(١) سيأتي برقم (٢٨١).
(٢) البخاري (٨٥٨)، ومسلم (٨٤٦)، وأبو داود (٣٤١)، والنسائي (١٣٧٧)، وابن ماجه (١٠٨٩)، وأحمد (١١٥٧٨). والحديث لم يخرجه الترمذي، ولكنه أشار إليه تحت رقم (٤٩٢).
(٣) أحمد (٢٠١٧٤)، وأبو داود (٣٥٤)، والترمذي (٤٩٧)، والنسائي (١٣٨٠)، وابن ماجه (١٠٩١).
[ ١ / ١٣٧ ]
الحديثان أصلٌ في حكم غسل الجمعة.
وفي حديث أبي سعيدٍ ﵁ فوائد، منها:
١ - وجوب غسل الجمعة، وقد ذهب إلى هذا جمعٌ من العلماء، وذهب الجمهور إلى أنَّ الغسل مستحبٌّ؛ لحديث سمرة ﵁ -على ما قيل فيه من التَّضعيف- ولحديث عثمان ﵁ عندما جاء متأخِّرًا ولم يغتسل (^١).
٢ - وقوله في الحديث: «وَاجِبٌ» ليس هو الوجوب في اصطلاح الأصوليِّين، بل هو كقول الرَّجل: حقُّك عليَّ واجبٌ، وأيَّدوا ذلك بأنَّ في الحديث «والسِّواك والطِّيب» (^٢) وليسا بواجبين.
٣ - أنَّ الغسل لا يجب إلَّا على المحتلم وهو البالغ.
٤ - أنَّ غسل الجمعة لا يختصُّ بمن تجب عليه، بل يشرع لكلِّ بالغٍ، والصَّحيح: أنَّه مختصٌّ بمن يحضر الجمعة؛ لقوله ﷺ في حديث ابن عمر ﵃: «مَنْ أَتَى الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ» (^٣) وغيره من الأحاديث.
٥ - أنَّه لا يؤمر به غير البالغ.
٦ - فضل يوم الجمعة وصلاة الجمعة.
٧ - أنَّ الاحتلام من موجبات البلوغ.
وفي حديث سمرة من الفوائد:
٨ - أنَّه يجزئ الوضوء للجمعة دون الغسل، وأنَّه لا عيب على من اقتصر على الوضوء للجمعة لقوله: «وَنِعْمَتْ».
_________________
(١) وهو عند مسلم (١٩٩٢) من حديث عبد الله بن عمر ﵃.
(٢) رواه أبو داود (٣٤٤) عن أبي سعيد الخدري ﵁، ولفظه: «وَالسِّوَاكُ، وَيَمَسُّ مِنَ الطِّيبِ مَا قُدِّرَ لَهُ».
(٣) رواه البخاري (٨٧٧)، ومسلم (٨٤٤).
[ ١ / ١٣٨ ]
٩ - فيه أنَّ الغسل أفضل من الوضوء.
١٠ - أنَّ غسل الجمعة ليس بواجبٍ.
* * * * *
(١٢٧) وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُقْرِئُنَا الْقُرْآنَ مَا لَمْ يَكُنْ جُنُبًا». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَهَذَا لَفْظُ التِّرْمِذِيِّ وَصَحَّحَهُ، وَحَسَّنَهُ ابْنُ حِبَّانَ (^١).
* * *
هذا الحديث حجَّة من منع الجنب من قراءة القرآن، وهم الجمهور، ولكنَّ الحديث مختلفٌ فيه بين التَّصحيح والتَّحسين والتَّضعيف فمن قبله قال بموجبه، ومن ضعَّفه قال: يجوز للجنب أن يقرأ القرآن.
ووجه دلالة الحديث على تحريم القراءة على الجنب أنَّه ﷺ ما كان ليمتنع من قراءة القرآن وإقرائه حال الجنابة لولا أنَّ ذلك محرَّمٌ؛ لقوله في بعض الرِّوايات: «ولم يكن يحجبه -أو قال: يحجزه- عن القرآن شيءٌ ليس الجنابة» (^٢) وقوله: «فأمَّا الجنب فلا، ولا آيةً» (^٣).
ومع هذا الاختلاف في ثبوت الحديث، والاحتمال في دلالته فالأحوط للمسلم أن لا يقرأ شيئًا من القرآن وهو جنبٌ، وهذا كلُّه في القراءة عن ظهر قلبٍ، أمَّا مع مسِّ المصحف فلا تجوز القراءة مع الحدث الأصغر أو الأكبر، إذا كان يلزم من ذلك مسُّ المصحف.
_________________
(١) أبو داود (٢٢٩)، والترمذي (١٤٦)، والنسائي (٢٦٥)، وابن ماجه (٥٩٤)، وأحمد (٦٢٧)، وابن حبان (٧٩٩). وقد تفرد به عبد الله بن سلمة، وهو صدوق تغير حفظه، ومع هذا قال المصنف في «فتح الباري» (١/ ٤٠٨): «وضعف بعضهم أحد رواته، والحق أنه من قبيل الحسن يصلح للحجة».
(٢) رواها أبو داود (٢٢٩)، والنسائي (٢٦٥). وغيرهما عن علي ﵁. وحسنها المصنف في «فتح الباري» (١/ ٤٠٨).
(٣) رواه أحمد (٨٧٢) عن علي ﵁. قال الهيثمي: «ورجاله موثوقون». «مجمع الزوائد» (١/ ٦١٥).
[ ١ / ١٣٩ ]
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يعلِّم أصحابه القرآن.
٢ - جواز الإقراء مع الحدث الأصغر.
٣ - تحريم القراءة والإقراء على الجنب، ومن باب أولى قراءته في الحشِّ أو حال قضاء الحاجة.
٤ - أنَّ من تعظيم كلام الله التَّطهُّر لقراءته.
٥ - تحريم قراءة القرآن على الحائض والنُّفساء قياسًا على الجنب، وفي هذا القياس نظرٌ؛ لأنَّ الحائض والنُّفساء تفارقان الجنب من وجهين:
أنَّهما لا يمكنهما رفع حدثهما.
أنَّه تطول مدَّته؛ أي: الحدث، بخلاف الجنب، ولهذا فرَّق بعض العلماء بين الجنب والحائض، فقال: يجوز للحائض والنُّفساء قراءة القرآن. وأمَّا حديث: «لَا تَقْرَأِ الْحَائِضُ ولا الْجُنُبُ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ» فهو ضعيفٌ (^١)، وعليه فيجوز للحائض والنُّفساء قراءة القرآن لكن من غير مسٍّ للمصحف.
* * * * *
(١٢٨) وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ أَهْلَهُ، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَعُودَ فَلْيَتَوَضَّأْ بَيْنَهُمَا وَضُوءًا»، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٢).
(١٢٩) زَادَ الْحَاكِمُ: «فَإِنَّهُ أَنْشَطُ لِلْعَوْدِ» (^٣).
* * *
_________________
(١) رواه الترمذي (١٣١)، وابن ماجه (٥٩٥) عن ابن عمر ﵃. وضعفه ابن حجر في «التلخيص الحبير» (١٨٣). وتقدم الكلام عنه تحت رقم (٨٦)، ص (١٠٧).
(٢) مسلم (٣٠٨).
(٣) الحاكم (٥٤٣)، وقال: «وهذه لفظة تفرد بها شعبة عن عاصم، والتفرد من مثله مقبول عندهما -أي البخاري ومسلم-». قال البيهقي في «السنن الكبرى» (٩٨٥): «إسناده صحيح».
[ ١ / ١٤٠ ]
هذا الحديث يتعلَّق ببابين: أحكام الجنب وعشرة النِّساء.
وفيه فوائد، منها:
١ - استحباب الكناية عمَّا يستفحش التَّصريح به.
٢ - أنَّ الأهل يطلق على الزَّوجة خاصَّةً في مثل هذا السِّياق.
٣ - جواز العود من قريبٍ.
٤ - مشروعيَّة الوضوء لذلك وهو عند الجمهور على الاستحباب، لتعليله بمصلحة الجماع.
٥ - بيان الحكمة في ذلك، كما في رواية الحاكم.
٦ - تعليل الأحكام الشَّرعيَّة.
٧ - أنَّه لا يجب الغسل للعود ولا يستحبُّ بل يقتصر على الوضوء، إلَّا إذا كان العود مع امرأةٍ أخرى، كما صحَّ عن النَّبيِّ ﷺ في حديث أبي رافعٍ ﵁؛ «أنَّ رسول الله ﷺ طاف ذات يومٍ على نسائه يغتسل عند هذه وعند هذه» (^١)، كما ثبت في «الصَّحيحين» عن أنسٍ ﵁؛ «أنَّه طاف على نسائه بغسلٍ واحدٍ» (^٢).
٨ - كمال هذا الدِّين وشموله للأحكام والآداب في جميع الأحوال.
* * * * *
(١٣٠) وَلِلأرْبَعَةِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَنَامُ وَهُوَ جُنُبٌ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَمَسَّ مَاءً». وَهُوَ مَعْلُولٌ (^٣).
* * *
_________________
(١) رواه أبو داود (٢١٩)، والنسائي في «الكبرى» (٩٣٣). وصحح إسناده عبد الحق الإشبيلي «الأحكام الشرعية الصغرى» (١٣٠)، وحسن إسناده الذهبي في «المهذب» (١١٢١٢)، والألباني في «صحيح أبي داود» (٢١٦).
(٢) رواه البخاري (٢٨٤)، ومسلم (٣٠٩).
(٣) أبو داود (٢٢٨)، والترمذي (١١٨)، والنسائي في «الكبرى» (٩٠٠٣)، وابن ماجه (٥٨١).
[ ١ / ١٤١ ]
هذا الحديث استدلَّ به جمهور العلماء على جواز نوم الجنب من غير غسلٍ ولا وضوءٍ، كما يستدلُّون به على أنَّ أمر الجنب بالوضوء إذا أراد أن يرقد للاستحباب، وهو ما جاء عن عمر ﵁ في «الصَّحيحين»: قال: قلت: يا رسول الله، أيرقد أحدنا وهو جنبٌ؟ قال: «نَعَمْ، إِذَا تَوَضَّأ أَحَدُكُم فَلْيَرْقُدْ» (^١)، ومفهومه أمر الجنب بالوضوء قبل النَّوم ونهيه عن النَّوم قبل الوضوء ولكنَّ حديث عائشة ﵂ معلولٌ فلا يقاوم حديث عمر ﵁.
وأجاب عنه بعضهم بأنَّ قولها: «من غير أن يمسَّ ماءً»؛ أي: للغسل؛ جمعًا بين الحديثين، وعلى هذا فجمهور العلماء على أنَّ وضوء الجنب للنَّوم مستحبٌّ لا واجب.
ومن نظر إلى إعلال حديث عائشة ﵂ وصحَّة حديث عمر ﵁ قال بوجوب الوضوء، وهو قول الظَّاهريَّة، وظاهر قول مالكٍ (^٢).
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - جواز نوم الجنب من غير وضوءٍ.
٢ - أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان ينام جنبًا.
٣ - أنَّ الرَّسول ﷺ تصيبه الجنابة؛ لأنَّه بشرٌ.
٤ - فضل عائشة ﵂ لرواية أحوال النَّبيِّ ﷺ الخاصَّة.
٥ - جواز تأخير الغسل من الجنابة؛ لأنَّه لا يجب إلَّا عند القيام إلى الصَّلاة، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ وَإِنْ كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦].
* * * * *
_________________
(١) رواه البخاري (٢٨٧)، ومسلم (٣٠٦).
(٢) ينظر: «المدونة» (١/ ١٣٥)، و«التمهيد» (١٧/ ٤٤).
[ ١ / ١٤٢ ]
(١٣١) وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ يَبْدَأُ فَيَغْسِلُ يَدَيْهِ، ثُم يُفْرِغُ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ فَيَغْسِلُ فَرْجَهُ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ، ثُمَّ يَأْخُذُ الْمَاءَ فَيُدْخِلُ أَصَابِعَهُ فِي أُصُولِ الشَّعْرِ، ثُمَّ (^١) حَفَنَ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ حَفَنَاتٍ، ثُمَّ أَفَاضَ عَلَى سَائِرِ جَسَدِهِ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ (^٢).
(١٣٢) وَلَهُمَا مِنْ حَدِيثِ مَيْمُونَةَ ﵂: «ثُمَّ أَفْرَغَ عَلَى فَرْجِهِ وَغَسَلَهُ بِشِمَالِهِ، ثُمَّ ضَرَبَ بِهَا الأَرْضَ» (^٣). وَفِي رِوَايَةٍ: «فَمَسَحَهَا بِالتُّرَابِ»، وَفِي آخِرِهِ: «ثُمَّ أَتَيْتُهُ بِالْمِنْدِيلِ فَرَدَّهُ»، وَفِيهِ: «وَجَعَلَ يَنْفُضُ الْمَاءَ بِيَدِهِ» (^٤).
* * *
هذان الحديثان هما الأصل في صفة الغسل من الجنابة، وقد اختصر الحافظ حديث ميمونة ﵂ وهما من البيان بالفعل، فقد أمر الله بالغسل والتَّطهُّر من الجنابة من غير بيانٍ لصفته، فبيَّن النَّبيُّ ﷺ صفة الغسل الكامل كما تضمَّنه هذان الحديثان، وأجمع العلماء على إجزاء الغسل -وهو تعميم البدن بالماء- كيفما كان مع المضمضة والاستنشاق بشرط نيَّة رفع الحدث على الصَّحيح.
وفي الحديثين فوائد؛ منها:
١ - مشروعيَّة الغسل من الجنابة، وهو واجبٌ بالكتاب والسُّنَّة والإجماع.
٢ - خدمة المرأة لزوجها، كما في حديث ميمونة ﵃.
٣ - فيهما صفة الغسل الكامل.
٤ - غسل اليدين قبل إدخالهما في الإناء.
٥ - البداءة بغسل الفرج.
_________________
(١) في «صحيح مسلم» زيادة «حتَّى إذا رأى أن قد استبرأ».
(٢) البخاري (٢٤٨)، ومسلم (٣١٦). لكن غسل الرجلين تفرد به أبو معاوية عن هشام، عن سائر الرواة، وقد أشار إلى هذا مسلم في «صحيحه».
(٣) البخاري (٢٥٧)، ومسلم (٣١٧).
(٤) مسلم (٣١٧).
[ ١ / ١٤٣ ]
٦ - مسح اليد اليسرى بعد ذلك بالتُّراب أو غيره لمزيد النَّظافة، وفي معناه غسلها بالصَّابون ونحوه.
٧ - الوضوء في أوَّل غسل الجنابة.
٨ - التَّخيير في غسل الرِّجلين بين التَّقديم مع أعضاء الوضوء أو التَّأخير بعد غسل سائر البدن.
٩ - غسل شعر الرَّأس وتخليله قبل إفاضة الماء على سائر البدن.
١٠ - أنَّه لا يشرع التَّثليث في غسل سائر البدن.
١١ - أنَّه لا يشترط الدَّلك عند غسل البدن.
١٢ - أنَّ ترك التَّنشُّف أولى.
١٣ - إباحة التَّنشُّف من ماء الغسل والوضوء؛ لأنَّه ﵊ لم ينكر على ميمونة ﵂.
١٤ - التَّنحِّي عن المكان لغسل الرِّجلين إذا كان فيه ما يعلق بالرِّجلين كالطِّين ونحوه، كما في حديث ميمونة ﵂.
١٥ - ارتفاع الحدثين الأصغر والأكبر بهذا الغسل؛ لأنَّه ﵊ لم يتوضَّأ بعد ذلك.
فروقٌ بين الحديثين في صفة الغسل:
١٦ - ذكر عدد غسلات اليدين في حديث ميمونة ﵂.
١٧ - ضرب اليد بالتُّراب ومسحها بعد غسل الفرج في حديث ميمونة ﵂.
١٨ - إجمال الوضوء في حديث عائشة ﵂ وتفصيله في حديث ميمونة ﵂.
[ ١ / ١٤٤ ]
١٩ - التَّصريح بتأخير غسل الرِّجلين في حديث ميمونة ﵂، وهو ظاهر حديث عائشة ﵂، ويحتمل أنَّه غسل رجليه مرَّتين؛ لقول عائشة ﵂: «توضَّأ وضوءه للصَّلاة» (^١) ثمَّ قولها: «ثمَّ غسل رجليه»؛ لأنَّ وضوء الصَّلاة يتضمَّن غسل الرِّجلين، ويحتمل أنَّ قولها: «وضوءه للصَّلاة» فيه تجوُّزٌ بإطلاق الاسم على معظم الشَّيء، وهذا كلُّه على تقدير ثبوت قولها: «ثمَّ غسل رجليه»، وهي لفظةٌ انفرد بها مسلمٌ عن البخاريِّ، وانفرد بها أبو معاوية عن بقيَّة الرُّواة، ولهذا لم يثبتها بعض أهل الحديث، وعليه فقول عائشة ﵂: «توضَّأ وضوءه للصَّلاة» على حقيقته؛ أي: توضَّأ وضوءًا كاملًا.
٢٠ - تخليل شعر الرَّأس ليبلغ الماء أصوله في حديث عائشة ﵂.
٢١ - التَّثليث في غسل الرَّأس.
٢٢ - غسل الرَّأس بثلاث حفناتٍ في حديث عائشة ﵂.
٢٣ - التَّنحِّي لغسل الرِّجلين في حديث ميمونة ﵂.
٢٤ - نفض الماء باليد في حديث ميمونة ﵂ لتخفيفه من الشَّعر والبدن.
* * * * *
(١٣٣) وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنِّي امْرَأَةٌ أَشُدُّ شَعْرَ رَأْسِي، أَفَأَنْقُضُهُ لِغُسْلِ الْجَنَابَةِ؟ -وَفِي رِوَايَةٍ: وَالْحَيْضَةِ- قَالَ: «لَا، إِنَّمَا يَكْفِيكِ أَنْ تَحْثِي عَلَى رَأْسِكِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٢).
* * *
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - غسل شعر الرَّأس في الغسل من الجنابة والحيض، وهو مجمعٌ عليه.
_________________
(١) قوله: «وضوءه للصَّلاة» وهذا في أصل الحديث عند مسلم وليست في متن البلوغ.
(٢) مسلم (٣٣٠).
[ ١ / ١٤٥ ]
٢ - أنَّه لا يجب نقض الشَّعر إذا كان مشدودًا، بل يكفي صبُّ الماء عليه، بحيث يصل الماء إلى باطن الشَّعر.
٣ - أنَّه لا فرق في ذلك بين غسل الحيض وغسل الجنابة، وهو مذهب الجمهور، وفرَّق بعضهم بين غسل الجنابة وغسل الحيض، فأوجب النَّقض في غسل الحيض دون الجنابة، والصَّواب: أنَّه لا يجب النَّقض إلَّا إذا غلب على الظَّنِّ عدم وصول الماء إلى باطن الشَّعر وأصوله.
٤ - جواز شدِّ المرأة شعرها وجعله ضفائر.
٥ - صبُّ الماء على الرَّأس «ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ» (أي: ثلاث غرفاتٍ بكلتا يديه) كما في النِّهاية (^١) ليصل الماء إلى أصول الشَّعر، ويشهد لهذا الحديث في عدم وجوب النَّقض قول عائشة ﵂ لابن عمرٍو ﵃ حين بلغها أنَّه يأمر النِّساء إذا اغتسلن أن ينقضن رؤوسهنَّ، فقالت: «يا عجبًا لابن عمرٍو: هو يأمر النِّساء أن ينقضن رؤوسهنَّ، أفلا يأمرهنَّ أن يحلقن رؤوسهنَّ، لقد كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناءٍ واحدٍ ولا أزيد على أن أفرغ على رأسي ثلاث إفراغاتٍ» (^٢).
* * * * *
(١٣٤) وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إنِّي لَا أُحِلُّ الْمَسْجِدَ لِحَائِضٍ وَلَا جُنُبٍ». رَوَاهُ أبو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ (^٣).
* * *
الحديث هو الأصل في تحريم دخول الحائض والجنب في المسجد واللُّبث فيه، واستدلَّ على ذلك أيضًا في شأن الحائض بقوله ﷺ لعائشة ﵂
_________________
(١) «النهاية» لابن الأثير (١/ ٣٣٩).
(٢) رواه مسلم (٣٣١).
(٣) أبو داود (٢٣٢)، وابن خزيمة (١٣٢٧).
[ ١ / ١٤٦ ]
لمَّا حاضت وهي محرمةٌ: «افْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ غَيْرَ أَلَّا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ» (^١)، وهو محتملٌ لذلك، واستدلَّ أيضًا في منع الجنب بقوله تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ [النِّسَاء: ٤٣]؛ أي: لا تقربوا مواضع الصَّلاة، وفسِّر (عابرو السَّبيل) بالمجتاز في المسجد غير لابثٍ فيه.
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - أنَّ نفي الحلِّ يعبَّر به في نصوص الشَّرع عن التَّحريم؛ كقوله تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاء كَرْهًا﴾ [النساء: ١٩].
٢ - أنَّ رسول الله ﷺ يحلُّ ويحرِّم، وما أحلَّ وحرَّم فقد أحلَّه الله وحرَّمه، كما قال تعالى: ﴿مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ﴾ [النساء: ٨٠].
٣ - تحريم دخول المسجد واللُّبث فيه على الحائض والجنب، أمَّا دخولهما المسجد من غير لبثٍ فهو جائزٌ، كما دلَّ على ذلك السُّنَّة الصَّحيحة، وهو قوله ﷺ لعائشة ﵂: «نَاوِلِينِي الْخُمْرَةَ مِنَ الْمَسْجِدِ» فقالت: إنِّي حائضٌ، فقال: «إِنَّ حَيْضَتَكِ لَيْسَتْ فِي يَدِكِ» (^٢)، وإذا كان هذا في الحائض فالجنب أولى، كما استدلَّ على ذلك -في حقِّ الجنب- بقوله تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ [النساء: ٤٣]، كما تقدَّم.
واختلف العلماء في لبث الحائض والجنب في المسجد، فذهب الجمهور إلى التَّحريم مطلقًا، وذهب الإمام أحمد في المشهور إلى جوازه بعد الوضوء؛ لما جاء أنَّ أصحاب النَّبيِّ ﷺ كانوا يجلسون في المسجد وهم جنبٌ إذا توضَّؤوا (^٣).
_________________
(١) البخاري (٣٠٥)، ومسلم (١٢١١). وسيأتي (١٦٢).
(٢) رواه مسلم (٢٩٨).
(٣) عزاه ابن كثير إلى أحمد وسعيد بن منصور في «سننه»، وصحح إسناده، وقال: «على شرط مسلم». «تفسير ابن كثير» (١/ ٥٠٣).
[ ١ / ١٤٧ ]
والقول بالتَّحريم مطلقًا هو موجب الحديث، وفعل الصَّحابة ﵃ لا يصلح للتَّخصيص؛ إذ قد يكون عن اجتهادٍ أو لم يعلموا بدليل التَّحريم.
وذهب ابن المنذر وداود وابن حزمٍ إلى جواز لبث الحائض والجنب في المسجد ولو لم يتوضَّأ الجنب؛ لأنَّ حديث الباب لم يصحَّ عندهم، وحملوا قوله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ﴾ [النساء: ٤٣] على الصَّلاة نفسها، وقوله: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ على المسافر، وأيَّدوا قولهم ذلك بحديث عائشة ﵂ في المرأة السَّوداء الَّتي كان لها خباءٌ في المسجد (^١).
ويمكن الجواب عنه بأنَّه لا يلزم من ذلك إقامتها في المسجد وهي حائضٌ؛ لأنَّنا لا نعلم كم مكثت في المسجد، ويحتمل أن تكون امرأةً كبيرةً آيسةً، هذا وهي قضيَّة عينٍ لا عموم لها، قاله ابن رجبٍ (^٢).
* * * * *
(١٣٥) وعنها ﵂ قَالَتْ: «كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ، تَخْتَلِفُ أَيْدِينَا فِيهِ مِنَ الْجَنَابَةِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(١٣٦) وَزَادَ ابْنُ حِبَّانَ: «وَتَلْتَقِي أَيْدِينَا» (^٣).
* * *
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - التَّصريح بما يستحيا من ذكره لبيان أحكام الشَّرع.
٢ - جواز اغتسال الرَّجل وامرأته من إناءٍ واحدٍ في مكانٍ واحدٍ ووقتٍ واحدٍ، ومعنى «تختلف أيدينا فيه» أنَّ كلًّا منهما تخلف يده يد الآخر، وقد تلتقيان كما في رواية ابن حبَّان.
_________________
(١) رواه البخاري (٤٢٨).
(٢) ينظر: «فتح الباري» لابن رجب (٣/ ٢٥٤).
(٣) البخاري (٢٦٩) ولم يذكر (من الجنابة)، ومسلم (٣٢١)، وابن حبان (١١١١).
[ ١ / ١٤٨ ]
٣ - أنَّ اغتسال الرَّجل وامرأته ليس من الاغتسال في فضل أحدهما.
٤ - أنَّه لا يجب على الزَّوجين ستر كلٍّ منهما عورته عن الآخر، وهذا يستلزم جواز الرُّؤية، ومطلق الرُّؤية لا يستلزم النَّظر، فإنَّ النَّظر يكون مع القصد.
٥ - طهوريَّة الماء المستعمل؛ لأنَّه لا بدَّ أن يتساقط من بدن الجنب شيءٌ في الإناء.
٦ - الاقتصاد في ماء الوضوء والغسل، وأنَّه يكفي الاثنين ما بين الصَّاعين والثَّلاثة، كما في حديث أنسٍ ﵁: «كان رسول الله ﷺ يتوضَّأ بالمدِّ ويغتسل بالصَّاع إلى خمسة أمدادٍ» (^١).
* * * * *
(١٣٧) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جَنَابَةٌ، فَاغْسِلُوا الشَّعْرَ، وَأَنْقُوا الْبَشَرَ». رَوَاهُ أبو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَضَعَّفَاهُ (^٢).
(١٣٨) وَلأَحْمَدَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ نَحْوُهُ، وَفِيهِ رَاوٍ مَجْهُولٌ (^٣).
* * *
الحديثان يدخل معناهما في صفة الغسل، ومعناهما صحيحٌ وإن ضعِّفا، فإنَّ حدث الجنابة يتعلَّق حكمه بجميع البدن، ولهذا جاء الشَّرع فيه بالاغتسال، وهو التَّطهُّر الَّذي قال الله فيه: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦]، والاغتسال: غسل جميع البدن، فيدخل في ذلك ما تحت الشَّعر.
ويشهد لصحَّة ذلك من فعله ﷺ؛ ما جاء في حديث عائشة ﵂ في صفة غسله ﷺ من أنَّه ﷺ كان يأخذ الماء فيدخل أصابعه في أصول الشَّعر حتَّى إذا ظنَّ أنَّه أروى بشرته حثا على رأسه ثلاث حثياتٍ (^٤)، كما يدلُّ له حديث عائشة
_________________
(١) تقدم برقم (٦٣).
(٢) أبو داود (٢٤٨)، والترمذي (١٠٦).
(٣) أحمد (٢٤٧٩٧).
(٤) رواه البخاري (٢٤٨)، ومسلم (٣١٦).
[ ١ / ١٤٩ ]
﵂ أنَّ أسماء بنت شَكَلٍ ﵃ سألت النَّبيَّ ﷺ عن غسل الجنابة، فقال: «تَأْخُذُ مَاءً فَتَطَهَّرُ فَتُحْسِنُ الطُّهُورَ -أَوْ تُبْلِغُ الطُّهُورَ- ثُمَّ تَصُبُّ عَلَى رَأْسِهَا فَتَدْلُكُهُ حَتَّى تَبْلُغَ شُؤُونَ رَأْسِهَا -أَيْ: أُصُولَهُ- ثُمَّ تُفِيضُ عَلَيْهَا الْمَاءَ» (^١).
وقال لها مثل ذلك في غسل الحيض، وعليه فإذا كان الشَّعر مشدودًا أو ملبَّدًا بحيث لا يصل الماء إلى أصول الشَّعر إلَّا بنقضه وجب نقضه، وإذا كان الماء يصل إلى جلدة الرَّأس بتخليل الشَّعر ودلكه فلا يجب نقضه؛ لأنَّه لا يجب غسل باطن ضفائر الشَّعر المسترسل على الصَّحيح.
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - وجوب الإسباغ في الغسل، وهو تعميم جميع البدن بالماء.
٢ - غسل باطن الشَّعر، وهو ما تحت الشَّعر من البشرة.
٣ - أنَّه لا يعفى عن شيءٍ من البدن، فمن ترك بقعةً وجب عليه غسلها ولو بعد جفاف بدنه؛ لأنَّ الغسل لا تجب فيه الموالاة، وعلى هذا فالمرأة إذا اغتسلت من الجنابة أو الحيضة وعلى أظفارها ما يسمَّى ب (المناكير) فيجب عليها إزالة ما على أظفارها ثمَّ غسل الأظفار بنيَّة رفع الجنابة، وإن كانت قد صلَّت فيجب عليها إعادة الصَّلاة. وبهذا يتمُّ القول في باب الغسل.
* * * * *
_________________
(١) رواه مسلم (٣٣٢).
[ ١ / ١٥٠ ]