هذا الباب يترجم له بعض العلماء بكتاب الفرائض أو كتاب المواريث أو باب المواريث، والفرائض جمع فريضة، مأخوذ من قوله ﷾: ﴿نَصِيبًا مَّفْرُوضًا (٧)﴾ [النساء: ٧].
ومن قوله ﷺ: «أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا» (^١)، والمواريث جمع ميراث، وهو المال المنتقل من الميت إلى الحي، فالميت موروث أو مورِّث، والحي وارث، وقد عني العلماء بأحكام المواريث، فأفردوها بمصنفات مبسوطة ومختصرة وبنظم، ورتبوا أبوابها، ووضعوا القواعد لقسمة التركات، وضمَّنوا هذه المصنفات الحث على تعلم هذا العلم، والوصية بتعلمه، وذكروا ما ورد في فضله.
* * * * *
(١٠٦٩) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا، فَمَا بَقِيَ فَهُوَ لِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٢).
* * *
هذا الحديث أصل في علم المواريث، وقد تضمَّن نوعي الإرث بالفرض والتعصيب إجمالًا.
وفيه فوائد، منها:
١ - أن السنة تفسر القرآن.
٢ - أن من الأحكام ما ثبت بالسنة.
_________________
(١) سيأتي، وهو أول حديث في هذا الباب.
(٢) البخاري (٦٧٢٣)، ومسلم (١٦١٥).
[ ٢ / ٣٢٤ ]
٣ - وجوب قسمة التركة على الوارثين؛ وذلك بعد الوصية والدين.
٤ - أن التركة ملك للورثة بحكم الشرع ملكًا قهريًا.
٥ - أن الإرث نوعان: فرض؛ وهو الإرث المقدر، وتعصيب؛ وهو الإرث بلا تقدير.
٦ - تقديم أصحاب الفروض، والفروض المقدرة في كتاب الله ستة: ثلثان وثلث وسدس، ونصف وربع وثمن:
- فالثلثان لأربعة أصناف: للبنتين وبنتي الابن فأكثر والأختين الشقيقتين، والأختين لأب فأكثر.
- والثلث لصنفين: للأم وللأخوين لأم فأكثر؛ ذكورًا أو إناثًا.
- والسدس لسبعة أصناف: للأم، والأب، والجدّة مطلقًا، والجد من قبل الأب، والأخ أو الأخت لأم، وبنت الابن مع البنت، والأخت لأب مع الأخت الشقيقة.
- والنصف لخمسة: للبنت، وبنت الابن، والأخت الشقيقة، والأخت لأب، والزوج.
- والربع لصنفين: للزوج، ولزوجة فأكثر.
- والثمن لصنف واحد، وهو الزوجة فأكثر.
وشروط استحقاقهم لهذه الفروض مبينة في كتب الفقه والفرائض.
٧ - أن المسائل التي فيها فروض تكون عادلة؛ وهي: ما استغرقت فروضُهَا سِهامَها، وعائلة؛ وهي: ما زادت فروضُها على سهامها، وناقصة؛ وهي: ما نقصت فروضُها عن سهامِها.
مثال العادلة: نصف وثلث وسدس؛ كزوج وأم وأخ لأم.
[ ٢ / ٣٢٥ ]
مثال العائلة: نصف وثلثان وثلث وسدس؛ كزوج وأختين شقيقتين وأختين لأم، وأم.
والناقصة: نصفٌ فقط، أو ثلثٌ فقط؛ كزوج وعم، وأم وعم.
٨ - تقديم العصبة بالقرابة على العصبة بالولاء، وهو المُعْتَقُ والمُعْتَقة.
٩ - ترتيب العصبة بالقرابة على ترتيبهم في القرب باعتبار الجهات: البنوة، فالأبوة، فالأخوة، فالعمومة.
١٠ - تقديم الأدنى إلى الميت من أهل هذه الجهات على الأبعد؛ كالابن مع ابن الابن، والأب مع الجد.
١١ - تقديم الأقوى قرابة؛ وهو المُدْلِي بأبَوَيْن على المُدْلِي بأب، وذلك في جهة الإخوة وبنيهم، وجهة العمومة وبنيهم، وهذا التفصيل في ترتيب العصبة مفهوم من قوله: «فَلِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ»، والبنات وبنات الابن عصبة مع الابن وابن الابن، لقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١]، والأخوات الشقيقات أو لأب؛ عصبة مع إخوتهن، لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِّجَالًا وَنِسَاء فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١٧٦]، والأخت الشقيقة أو لأب؛ عصبة مع البنات أو بنات الابن على الصحيح، لحديث ابن مسعود ﵁: قَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ في بِنْتٍ وَبِنْتِ ابنٍ وأختٍ؛ أنَّ للبنتِ النصفَ، ولبنتِ الابن السدسَ، وما بَقِيَ فللأُخْتِ (^١).
١٢ - أن المُعصِّب يسقط إذا استغرقت الفروض التركة، وخُصَّ من هذا الأب والابن؛ فإنهما لا يسقطان.
١٣ - أن المعصِّبَ يأخذ ما أبقت الفروض.
١٤ - أن المعصِّبَ بنفسه يحوز جميع المال؛ إذا انفرد بالميراث عن أصحاب الفروض.
_________________
(١) البخاري (٦٣٥٥).
[ ٢ / ٣٢٦ ]
١٥ - أن القرابة من أسباب الإرث.
١٦ - أن الزوج لا يرث بالتعصيب.
١٧ - أن المرأة لا ترث بالتعصيب بنفسها إلا المُعْتِقَة.
١٨ - إطلاق اسم الرجل فيما يعم حكمُهُ الرجلَ والمرأةَ، ولهذا جاء تأكيد الرجل بالذكر لإخراج المرأة، ومن شواهد ذلك قوله ﷺ: «مَنْ أَدْرَكَ مَالَهُ بِعَيْنِهِ عِنْدَ رَجُلٍ قَدْ أَفْلَسَ …» (^١)؛ فإن هذا الحكم لا يختص بالرجل، وهذا أحسن ما وُجِّه به إتباع الرجل بالذَّكَرِ؛ واختار معناه الحافظ ابن رجب ﵀ (^٢).
١٩ - فضل الذَّكرِ على الأنثى.
٢٠ - تفضيل الذَّكرِ وتقديمه على الأنثى في الميراث في الجملة.
٢١ - اشتراك الرجال والنساء في الميراث؛ قال تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ﴾ [النساء: ٧]، خلافًا للجاهلية الأولى الذين يخصون بالميراث الكبار من الرجال، دون النساء والصغار، وخلافًا لبعض القوانين المعاصرة التي تخص بالميراث الأكبر من الأولاد، أو تبيح للمورِّث التصرف في ماله كيف شاء.
٢٢ - فيه شاهد لما اختص به النبي ﷺ من جوامع الكلم.
٢٣ - أن من كمال هذا الدين شموله لأمور العباد في حياتهم وبعد موتهم.
٢٤ - أن من مقاصد الشريعة الاشتراك في المال، وأحكام الميراث مبنية على هذا.
تنبيه: ما رُسم من الفوائد المتعلقة بالفرض والتعصيب مبنيٌّ على قول الجمهور؛ أن المراد بالفرائض: المواريث المقدَّرة في كتاب الله، وأما على قول من فسر الفرائض بأنها كل ما نص الله عليه في القرآن من المواريث مقدرًا
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٢٧٢)، ومسلم (١٥٥٩)؛ من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) «جامع العلوم والحكم» (٢/ ٤٣٧).
[ ٢ / ٣٢٧ ]
كان أو غير مقدر، فيدخل في ذلك ميراث العصبة من البنين والبنات، والإخوة والأخوات، ويختص قوله في الحديث: «فَمَا بَقِيَ فَهُوَ لِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ» بميراث أبناء الإخوة الأشقاء أو لأب، والعمومة وبنيهم، والمُعْتِقِ والمُعْتِقة.
* * * * *
(١٠٧٠) وَعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵄؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ، وَلَا يَرِثُ الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١).
* * *
هذا الحديث هو الأصل في منع التوارث لاختلاف الدين.
وفيه فوائد؛ منها:
١ - التضاد بين الإسلام والكفر.
٢ - قطع الولاية بين المسلم والكافر.
٣ - أن المسلم لا يرث الكافر.
٤ - أن الكافر لا يرث المسلم، وإلى هذا ذهب جمهور العلماء في المسألتين، وقيل: إنه لا توارث بين المسلم والكافر إلا بالولاء، وقيل: يرث المسلم الكافر إلا الحربي، واختار ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية (^٢)، والصواب هو القول الأول؛ لموافقته ظاهر الحديث، وقوله: «لَا يَرِثُ» خبر بمعنى النهي.
* * * * *
(١٠٧١) وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ فِي بِنْتٍ، وَبِنْتِ ابْنٍ، وَأُخْتٍ؛ فقَضَى النَّبِيُّ ﷺ: لِلِابْنَةِ النِّصْفُ، وَلِابْنَةِ الابْنِ السُّدُسُ -تَكْمِلَةَ الثُّلُثَيْنِ- وَمَا بَقِيَ فَلِلأُخْتِ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ (^٣).
_________________
(١) البخاري (٦٧٦٤)، ومسلم (١٦١٤).
(٢) نقله عنه تلميذه ابن القيم في «أحكام أهل الذمة» (٢/ ٨٥٦)، ولم نجده في مؤلفات الإمام.
(٣) البخاري (٦٧٣٦).
[ ٢ / ٣٢٨ ]
هذا الحديث هو الأصل في أن الأخوات الشقائق أو لأب عصبةٌ مع البنات أو بنات الابن، وسبب رواية ابن مسعود للحديث أن أبا موسى الأشعري ﵁ سئل عن بنت وابنة ابن وأخت، فقال: للبنت النصف، وللأخت النصف، وأت ابن مسعود فسيتابعني، فسئل ابن مسعود، وأخبر بقول أبي موسى، فقال: لقد ضللت إذا وما أنا من المهتدين، أقضي فيها بما قضى رسول الله ﷺ، وَفِي رِوَايَةٍ: لأقضين، للابنة النصف، ولابنة ابن السدس تكملة الثلثين، وما بقي فللأخت (^١).
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - أن للبنت النصف، وهو حكم ثابت بالقرآن؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ [النساء: ١١].
٢ - أن لبنت الابن السدس مع البنت، وهو مستنبط من القرآن أيضًا، لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ [النساء: ١١]، ووجهه أن البنت إذا أخذت النصف بقي من نصيب البنتين أو البنات السدس، فتأخذه بنت الابن، سواء أكانت واحدة أم أكثر، وهو تكملة الثلثين.
٣ - أن للأخت أو الأخوات لأبوين أو لأب ما بقي بعد البنت وبنت الابن. وخالف في ذلك ابن حزم، مستدلا بحديث ابن عباس: «فَمَا بَقِيَ فَهُوَ لِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ» (^٢)، والجواب أن هذا الحديث مخصص لحديث ابن عباس، ويؤيده أن الأخوات إذا انفردن عن المعصب ولم يكن فرع وارث فإنه يفرض لهن.
_________________
(١) رواه أحمد (٤٠٧٣)، وأبو داود (٢٨٩٠)، والترمذي (٢٠٩٣)، وابن ماجه (٢٧٢١).
(٢) تقدم تخريجه (١٠٦٩).
[ ٢ / ٣٢٩ ]
٤ - الحلف على الفتيا؛ لقول ابن مسعود: «لَأَقْضِيَنَّ»، أي: والله لأقضين.
٥ - أن من تابع غيره على الفتيا وهو مخطئ فهو ضال؛ لقول ابن مسعود في سبب رواية الحديث: «لَقَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ المُهْتَدِينَ».
* * * * *
(١٠٧٢) وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالأَرْبَعَةُ إِلَّا التِّرْمِذِيَّ (^١)، وأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ بِلَفْظِ أُسَامَةَ (^٢)، وَرَوَى النَّسَائِيُّ حَدِيثَ أُسَامَةَ بِهَذَا اللَّفْظِ (^٣).
* * *
هذا الحديث هو حجة من يرى أن الكفر ملل شتى، وأنه لا توارث بين أهل ملتين، وهذا قول الجمهور، فلا يرث اليهودي النصراني، وكذا عكسه، والملة هي الديانة، والذي يظهر أن الملل ست، وهي المذكورة في آية الحج في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [الحج: ١٧]، فالوثنيون هم الذين أشركوا، فهم ملة واحدة، وعلى هذا فلا يرث اليهودي النصراني أو الوثني أو المجوسي ولا الصابئ، فضلا عن المسلم، ولا يرث المسلم أحدًا من هذه الطوائف الخمس.
وقيل: الكفر ملة واحدة، وهو مذهب الحنفية ورواية عن الإمام أحمد، وعليه فتتوارث هذه الطوائف إلا الكافر والمسلم فلا يتوارثان؛ لحديث أسامة المتقدم. وعليه فمعنى «لَا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ» أي: ملة الإسلام وملة الكفر، وبهذا تظهر مزية الإسلام على سائر الملل، ويشهد لهذا القول قوله تعالى: ﴿وَالَّذينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٣]، فملة الكفر واحدة وإن
_________________
(١) أحمد (٦٦٦٤)، وأبو داود (٢٩١١) والنسائي في «الكبرى» (٦٣٥٠)، وابن ماجه (٢٧٣١).
(٢) الحاكم (٢٩٤٤).
(٣) النسائي في «الكبرى» (٦٣٤٨) و(٦٣٤٩).
[ ٢ / ٣٣٠ ]
تعددت أسماؤها ومناهجها، وكلها ضد الإسلام، ومصير أهلها واحد، وهو نار جهنم، وبئس المصير.
وبعد فمن قال: إن الكفر ملة واحدة يجعل حديث أسامة مفسِّرًا لحديث عبد الله بن عمرو، وهو الراجح؛ لما تقدم من قوله تعالى: ﴿وَالَّذينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٣]. والله أعلم.
* * * * *
(١٠٧٣) وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَينٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إِنَّ ابْنَ ابْنِي مَاتَ، فَمَا لِيَ مِنْ مِيرَاثِهِ؟ فَقَالَ: «لَكَ السُّدُسُ»، فَلَمَّا وَلَّى دَعَاهُ، فَقَالَ: «لَكَ سُدُسٌ آخَرُ»، فَلَمَّا وَلَّى دَعَاهُ. فَقَالَ: «إِنَّ السُّدُسَ الْآخَرَ طُعْمَةٌ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ. وَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ عَنْ عِمْرَانَ، وَقِيلَ: إِنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ (^١).
* * *
هذا الحديث أصل في توريث الجد من ابن ابنه بالفرض والتعصيب جميعًا، فيرث بالفرض السدس مع الفرع الوارث بنين أو بنات، ويرث بالتعصيب مع إرثه بالفرض ما بقي بعد البنات أو بنات الابن، إن لم يكن ورثة سواهن، فإن كانت واحدة فالباقي هو الثلث، وإن كنَّ اثنتين فأكثر فالباقي هو السدس. وحكم الرسول للرجل بالسدسين؛ الثاني: طعمة أي: ليس بفرض، يقتضي أن المتوفى -وهو ابن ابن الرجل- خلف مع الجد بنتين أو أكثر، أو بنتًا وأم، وفي كل من الصورتين يرث الجد السدس فرضًا، والباقي، وهو السدس تعصيبًا، وحكم الجد في هذا كله حكم الأب.
* * * * *
_________________
(١) أحمد (١٩٩١٥)، وأبو داود (٢٨٩٦)، والترمذي (٢٠٩٩)، والنسائي في «الكبرى» (٦٣٠٣)، ولم نقف عليه عند ابن ماجه.
[ ٢ / ٣٣١ ]
(١٠٧٤) وَعَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَعَلَ لِلْجَدَّةِ السُّدُسَ، إِذَا لَمْ يَكُنْ دُونَهَا أُمٌّ. رواه أبُوْ دَاوُدَ والنَّسَائِيُّ وَصحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وابْنُ الْجَارُودِ، وَقَوَّاهُ ابْنُ عَدِيٍّ (^١).
* * *
هذا الحديث هو الأصل في ميراث الجدة، والجدة الوارثة هي أم الأم عند عدم الأم، وكذا ترث أمُّ الأب منفردة أو مشاركة لأم الأم، واختلف العلماء فيمن يرث من الجدات، فقيل: ترث أم الأم وأم الأب دون أم الجد، وقيل: ترث أم الجد، فتكون الجدات الوارثات ثلاثا، يشتركن في السدس إذا استوين في الدرجة، كأم أم أم مع أم أم أب وأم الجد. ولا ترث أم أم بعدى مع أم أم قربى.
وقد توقف الصديق ﵁ في توريث الجدة حتى شهد عنده المغيرة؛ أن النبي ﷺ أعطى الجدة السدس (^٢).
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - أن الجدة ترث السدس عند عدم الأم.
٢ - أن الجدات إذا تعددن اشتركن في السدس.
٣ - أن الجدة لا ترث الثلث؛ فليست كالأم.
* * * * *
_________________
(١) أبو داود (٢٨٩٥)، والنسائي في «الكبرى» (٦٣٠٤)، وابن الجارود في «المنتقى» (٩٦٠)، وابن عدي في «الكامل» (٥/ ٥٣٢).
(٢) رواه أبو داود (٢٨٩٤)، والترمذي (٢١٠٠)، وابن ماجه (٢٧٢٤).
[ ٢ / ٣٣٢ ]
(١٠٧٥) وَعَنِ المِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «الْخَالُ وَارِثُ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ». أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالْأَرْبَعَةُ سِوَى التِّرْمِذِيِّ، وَحَسَّنَهُ أَبُو زُرْعَةَ الرَّازِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ (^١).
(١٠٧٦) وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ قَالَ: كَتَبَ مَعِي عُمَرُ إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ ﵃؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «اللهُ وَرَسُولُهُ مَوْلَى مَنْ لَا مَوْلَى لَهُ، وَالْخَالُ وَارِثُ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ». رَوَاهُ أَحْمَدُ والأربعة سوى أَبِي دَاوُدَ، وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّان (^٢).
* * *
هذان الحديثان هما من أدلة توريث ذوي الأرحام، وذوو الأرحام في اصطلاح الفرضيين كل من أدلى إلى الميت بوارث، وليس بذي فرض ولا تعصيب، واختلف العلماء في توريث ذوي الأرحام؛ فذهب الجمهور إلى توريثهم إذا لم يكن هناك صاحب فرض ولا تعصيب، ثم اختلفوا في كيفية توريثهم، والمشهور في مذهب الشافعي والإمام أحمد تنزيلهم منزلة من أدلوا به، فيأخذ نصيبه؛ كأولاد البنت، وكالخال والخالة والعمة، وبنات الأخ والأخت، وبنت العم.
وفي الحديثين فوائد؛ منها:
١ - أن الخال يرث من لا وارث له من ذوي الفروض والتعصيب، وهو أخو الأم والجدة.
٢ - أن ظاهر الحديث استقلال الخال بالإرث، فيحوز جميع المال، والجمهور يلحقون به سائر ذوي الأرحام.
_________________
(١) أحمد (١٧١٧٥)، وأبو داود (٢٨٩٩)، والنسائي في «الكبرى» (٦٣٢١)، وابن ماجه (٢٧٣٨)، وابن حبان (٦٠٣٥)، والحاكم (٨٠٠٢)، وينظر: علل ابن أبي حاتم (١٦٣٦).
(٢) أحمد (١٨٩)، والترمذي (٢١٠٣)، والنسائي في «الكبرى» (٦٣١٧)، وابن ماجه (٢٧٣٧)، وابن حبان (٦٠٣٧).
[ ٢ / ٣٣٣ ]
٣ - أن الله ورسوله أولى بالمؤمنين، فالله ولي المؤمنين، والنبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم.
٤ - أن من لا وارث له فماله لبيت المال.
* * * * *
(١٠٧٧) وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا اسْتَهَلَّ الْمَوْلُودُ وَرِثَ». رواه أبُوْ دَاوُدَ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّان (^١).
* * *
هذا الحديث دليل على أن الحمل يرث، لكن بشرطين:
١. ما ذكر في هذا الحديث، وهو أن يستهل عند ولادته، وهو صرخته، ولذا قال الفقهاء: أن يستهل صارخا، والاستهلال من الإهلال، وهو رفع الصوت.
٢. تحقق وجوده في الرحم عند موت المورث، وذلك بأن يولد لأقل من ستة أشهر، منذ موت المورث.
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - أن الحمل يرث.
٢ - أن الحمل لا يرث إلا إذا استهل صارخًا عند ولادته.
٣ - رعاية الشريعة لحقوق الإنسان، ولو كان في بطن أمه.
٤ - أن من كمال الشريعة شمول أحكامها لجميع أحوال الإنسان: حملًا وطفلًا، وما بعد ذلك: حيًا وميتًا.
* * * * *
_________________
(١) ابن حبان (٦٠٣٢)، ولم يروه أبو داود عن جابر ﵁، بل عن أبي هريرة ﵁ (٢٩٢٠).
[ ٢ / ٣٣٤ ]
(١٠٧٨) وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَيْسَ لِلْقَاتِلِ مِنَ الْمِيرَاثِ شَيْءٌ». رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وَقَوَّاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَأَعَلَّهُ النَّسَائِيُّ، وَالصَّوَابُ: وَقْفُهُ عَلَى عُمَرَ (^١).
* * *
هذا الحديث هو دليل حرمان القاتل من الميراث، والقتل أنواع: قتل عمد، وشبه عمد، أو خطأ، والعمد قد يكون بحق؛ كالقتل قصاصًا أو حدًّا وغير ذلك، وللعلماء في هذا المقام ثلاثة مذاهب:
أحدها: العمل بظاهر الحديث في عمومه وإطلاقه، فمنع القاتل من الميراث، سواء أكان عمدًا أم غير عمد، بحق أو بغير حق، وهذا مذهب الشافعية.
الثاني: أن القتل الذي يمنع من الميراث ما أوجب قصاصًا أو دية أو كفارة، فيدخل في ذلك قتل الخطأ وشبه العمد والقتل عمدًا عدوانًا، وأما القتل بحق فلا يمنع من الميراث، كمن اقتص من ابن عمه، وهو وارثه، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد.
الثالث: أن القتل لا يمنع من الميراث إلا إذا كان عمدًا عدوانًا، ورجح ذلك ابن القيم في «إعلام الموقعين» (^٢)، وهذا أقرب الأقوال، ولا ريب أن من قتل مورِّثه عمدًا عدوانًا أنه حقيق بحرمانه من ميراث مورِّثه، معاملة له بنقيض قصده، وعقوبة له على عدوانه. والغاية -والله أعلم - من هذا الحكم منع التذرع إلى الميراث بقتل المورِّث، لكن من العلماء من بالغ في ذلك، كما في القول الأول، ومنهم من توسط، كما في القول الثاني، ومنهم من قصر الحكم على الظالم المعتدي بالقتل.
_________________
(١) النسائي في «الكبرى» (٦٣٣٣)، والدارقطني (٤١٤٨)، وينظر: «التمهيد» لابن عبد البر (٢٣/ ٤٤٣).
(٢) «إعلام الموقعين» (٦/ ٤٢٥).
[ ٢ / ٣٣٥ ]
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - أن القتل يمنع من الميراث، وفيه الخلاف والتفصيل المتقدم.
٢ - فيه شاهد لقاعدة سد الذرائع.
٣ - فيه شاهد لقولهم: من تعجل شيئًا قبل أوانه عوقب بحرمانه.
٤ - حكمة الشريعة؛ فبناء أحكامها على جلب المصالح ودرء المفاسد.
* * * * *
(١٠٧٩) وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «مَا أَحْرَزَ الْوَالِدُ أَوْ الْوَلَدُ فَهُوَ لِعَصَبَتِهِ مَنْ كَانَ». رواه أبُوْ دَاوُدَ، والنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وصَحَّحَهُ ابْنُ المدِينِيِّ وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ (^١).
* * *
الحديث دليل على الإرث بالتعصيب، ولكنه مقيد بما في «الصَّحِيحَيْنِ» عن ابن عباس: «أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا، فَمَا بَقِيَ فَهُوَ لِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ» (^٢)، فقوله في الحديث: «لِعَصَبَتِهِ» أي بعد إعطاء أصحاب الفروض فروضهم، وقوله: «مَا أَحْرَز» أي ما ملك وكسب، والعاصب كل من كان إرثه غير مقدر بسهم؛ كالنصف والربع والسدس. وقوله: «مَا أَحْرَزَ الْوَالِدُ أَوْ الْوَلَدُ فَهُوَ لِعَصَبَتِهِ» أي إذا مات، والولد إن كان ابنا فإنه يعصب أباه، والبنت مع الابن عصبة، والأب يعصب في بعض الأحوال، وقد لا يرث إلا بالفرض، وقد يرث بالفرض والتعصيب. وتفصيل ذلك في علم الفرائض.
* * * * *
_________________
(١) أبو داود (٢٩١٧)، والنسائي في «الكبرى» (٦٣١٤)، وابن ماجه (٢٧٣٢)، وينظر: «التمهيد» لابن عبد البر (٣/ ٦١).
(٢) تقدم تخريجه (١٠٦٩).
[ ٢ / ٣٣٦ ]
(١٠٨٠) وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «الْوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ، لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ». رَوَاهُ الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ الشَّافِعِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِي يُوسُفَ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَأَعَلَّهُ الْبَيْهَقِيُّ (^١).
* * *
الحديث دليل على الإرث بالولاء، والولاء علاقة سببها إنعام السيد على عبده بالعتق، وقوله: «لُحْمَةٌ» أي علاقة وصلة، والنسب هو العلاقة التي سببها الولادة، وفي هذا تشبيه الولاء بالنسب. ووجه الشبه التشابه بينهما في الأحكام؛ فكل منهما لا يوهب ولا يورث، وكل منهما يوجب الميراث في الجملة.
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - إثبات الولاء بين المعتِق والمعتَق.
٢ - الإرث بالولاء، وقد ذهب الجمهور إلى أن الإرث بالولاء يكون من جانب السيد فقط، ولا يرث به المعتَق، وقيل: بل يتوارثان عند عدم من يرثهما بفرض أو تعصيب.
٣ - أن الولاء لا يباع ولا يوهب، وكذلك لا يورث.
٤ - أن النسب لا يباع ولا يوهب.
٥ - أن العتق سبب للانتفاع في الدنيا والآخرة.
* * * * *
_________________
(١) الحاكم (٧٩٩٠)، وابن حبان (٤٩٥٠)، والبيهقي في «الكبرى» (٢١٤٣٣). وأورده الحافظ في (كتاب العتق) أيضًا برقم (١٦٠١).
[ ٢ / ٣٣٧ ]
(١٠٨١) وَعَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَفْرَضُكُمْ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ». أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالْأَرْبَعَةُ سِوَى أَبِي دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ، وَأُعِلَّ بِالْإِرْسَالِ (^١).
* * *
هذا طرف من حديث تضمن تفضيل عدد من الصحابة لفضلهم على غيرهم في خلق من الأخلاق وعلم من علوم الشريعة، ونصه: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «أَرْحَمُ أُمَّتِي بِأُمَّتِي أَبُو بَكْرٍ، وَأَشَدُّهُمْ فِي دِينِ اللهُ عُمَرُ، وَأَصْدَقُهُمْ حَيَاءً عُثْمَانُ، وَأَقْضَاهُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَأَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللهِ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَأَعْلَمُهُمْ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَأَفْرَضُهُمْ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَمِينًا، وَأَمِينُ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ»
واقتصر الحافظ منه على ما يناسب الباب، ومعنى «أَفْرَضُكُمْ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ» أي أعلمكم بالفرائض، والمراد فرائض المواريث لا كل فرائض الدين، وقد اشتهر زيد ﵁ بهذا العلم، مما يقوي الحديث من جهة معناه، ولا يلزم من فضل زيد ﵁ في الفرائض أن يكون الصواب معه في كل المسائل التي خولف فيها.
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - فضل زيد ﵁.
٢ - تفاضل الصحابة ﵃.
٣ - تميز بعض الصحابة على بعض ببعض علوم الدين، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
٤ - أن علم الفرائض من أفضل علوم الشريعة.
٥ - الترغيب في تعلم علم المواريث.
* * * * *
_________________
(١) أحمد (١٢٩٠٤)، والترمذي (٣٧٩١)، والنسائي في «الكبرى» (٨٢٢٩)، وابن ماجه (١٥٤)، وابن حبان (٧١٣١)، والحاكم (٥٧٨٤).
[ ٢ / ٣٣٨ ]