اللُّقَطَة: فُعَلة من اللَّقْط أو الالتقاط، وهو أخذ الشيء من على الأرض، وهي في الاصطلاح: كل مال فقده صاحبه وضل عنه، من أثمان أو حيوان أو غيرهما. وحكم التقاط اللقطة في الجملة مستحب؛ لأنه حفظ لمال الغير، وقسم الفقهاء اللقطة ثلاثة أقسام:
١ - ما يحرم التقاطه؛ كالإبل.
٢ - ما يباح التقاطه بلا تعريف؛ وهو ما كان حقيرًا من المال.
٣ - ما يستحب التقاطه ويجب تعريفه؛ وهو ما سوى ذلك.
* * * * *
(١٠٦٣) عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِتَمْرَةٍ فِي الطَّرِيقِ، فَقَالَ: «لَوْلَا أَنِّي أَخَافُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الصَّدَقَةِ لَأَكَلْتُهَا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١).
(١٠٦٤) وَعَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ ﵁ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَسَأَلَهُ عَنِ اللُّقَطَةِ؟ فَقَالَ: «اعْرِفْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا، ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلَّا فَشَأْنُكَ بِهَا». قَالَ: فَضَالَّةُ الْغَنَمِ؟ قَالَ: «هِيَ لَكَ، أَوْ لِأَخِيكَ، أَوْ لِلذِّئْبِ». قَالَ: فَضَالَّةُ الْإِبِلِ؟ قَالَ: «مَا لَكَ وَلَهَا؟ مَعَهَا سِقَاؤُهَا وَحِذَاؤُهَا، تَرِدُ الْمَاءَ، وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ، حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٢).
* * *
هذان الحديثان أصل في حكم اللُّقطة وأنواعها.
_________________
(١) البخاري (٢٤٣١)، ومسلم (١٠٧١).
(٢) البخاري (٩١)، ومسلم (١٧٢٢).
[ ٢ / ٣١٩ ]
وفيهما فوائد؛ منها:
١ - جواز التقاط الشيء الحقير والانتفاع به، بلا تعريف.
٢ - تحريم الصدقة على النبي ﷺ وآل بيته.
٣ - ورع النبي ﷺ باجتناب المشتبهات.
٤ - أن تلك التمرة كانت في موضع محتمل أن تكون ساقطة من تمر الصدقة، أما إذا كانت لا يحتمل فيها ذلك لم تكن من المتشابه.
٥ - أن سقوط الطعام من غير قصد وتركه لتفاهته لا يوجب الإثم، أما إن كان كثيرًا فلا يجوز تركه؛ لأن ذلك من إضاعة المال.
٦ - أن اللُّقطة ذات القيمة يجوز التقاطها أو يستحب.
٧ - أن من سيرة الصحابة سؤال النبي ﷺ عما أشكل عليهم.
٨ - أن الشريعة شاملة لأحكام العبادات والمعاملات.
٩ - أنه تجب معرفة صفات اللُّقطة، ويجب تعريفها سنَة؛ لقوله ﷺ: «اعْرِفْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا، ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً»، والعفاص الوعاء الذي توضع فيه النقود، والوكاء الرباط الذي يربط به.
١٠ - وجوب رد اللُّقطة على صاحبها.
١١ - أن التعريف يرجع في صفته إلى العرف.
١٢ - أن اللُّقطة يملكها الملتقط بعد تعريفها سنة.
١٣ - استحباب التقاط ضالة الغنم؛ لأن عليها خطرًا من الذئب، وقوله: «هِيَ لَكَ» أي إذا أخذتها، أو «لِأَخِيكَ» أي صاحبها.
١٤ - تحريم التقاط ضالة الإبل؛ لأنه لا خطر عليها؛ لأنها تأكل الشجر وترد الماء.
١٥ - أن ضالة الإبل إذا كانت في مسبعة يجوز التقاطها؛ لأنها لا تسلم، وهذا من قياس العكس.
[ ٢ / ٣٢٠ ]
١٦ - تعليل الأحكام الشرعية.
١٧ - الغضب في التعليم فيما يقتضي الإنكار، وقوله ﷺ: «مَا لَكَ وَلَهَا؟!» أي لا سبيل لك عليها.
١٨ - جواز إطلاق اسم رب مضافًا على الإنسان؛ كرب الدار ورب الإبل.
١٩ - أن أحكام الشريعة مبنية على الحكمة، وهي التسوية بين المتماثلات، والتفريق بين المختلفات.
* * * * *
(١٠٦٥) وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ آوَى ضَالَّةً فَهُوَ ضَالٌّ، مَا لَمْ يُعَرِّفْهَا». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^١).
(١٠٦٦) وَعَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ وَجَدَ لُقَطَةً فَلْيُشْهِدْ ذَوَيْ عَدْلٍ، وَلْيَحْفَظْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا، ثُمَّ لَا يَكْتُمْ، وَلَا يُغَيِّبْ، فَإِنْ جَاءَ رَبُّهَا فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا، وَإِلَّا فَهُوَ مَالُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ». رَوَاهُ أَحْمَدُ والأربعة إلا التِّرْمِذِيَّ وَصحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وابْنُ الْجَارُودِ وَابْنُ حِبَّانَ (^٢).
(١٠٦٧) وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُثْمَانَ التَّيْمِيِّ ﵁؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ لُقَطَةِ الْحَاجِّ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٣).
(١٠٦٨) وَعَنِ المِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَلَا لَا يَحِلُّ ذُو نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ، وَلَا الْحِمَارُ الْأَهْلِيُّ، وَلَا اللُّقَطَةُ مِنْ مَالِ مُعَاهَدٍ، إِلَّا أَنْ يَسْتَغْنِيَ عَنْهَا». رواه أبُوْ دَاوُدَ (^٤).
* * *
_________________
(١) مسلم (١٧٢٥).
(٢) أحمد (١٧٤٨١)، أبو داود (١٧٠٩)، والنسائي في «الكبرى» (٥٩٦٨) ابن ماجه (٢٥٠٥)، وابن الجارود في «المنتقى» (٦٧١)، وابن حبان (٤٨٩٤).
(٣) مسلم (١٧٢٤).
(٤) أبو داود (٣٨٠٤).
[ ٢ / ٣٢١ ]
هذه الأحاديث اشتملت على جملة من أحكام اللقطة، وهي من متممات الباب.
وفيها فوائد؛ منها:
١ - تحريم إيواء الضَّالة من غير تعريف، وهو أخذها، والضَّالة المال الضَّائع، وهي أخص بالحيوان، كما تقدم في حديث زيد بن خالد (^١).
٢ - وجوب تعريف اللقطة.
٣ - أن من لم يعرف اللقطة فهو ضال، والضلال ضد الهدى، وفي الحديث جناس.
وفي حديث عياض بن حمار ﵁:
١ - مشروعية الإشهاد على اللقطة شاهدين عدلين، والحكمة من ذلك أن لا تتعرض اللقطة للنسيان أو الكتمان.
٢ - اعتبار العدالة في الشهود.
٣ - أن الأصل في الشهادات الرجال.
٤ - وجوب حفظ صفات اللقطة، ومن ذلك معرفة وعائها ووكائها.
٥ - تحريم كتمان اللقطة أو تغييب شيء منها.
٦ - وجوب تعريفها سنة إن كان يطمع في العثور على صاحبها، وإلا تصدق بها.
٧ - وجوب دفع اللقطة لصاحبها متى جاء.
٨ - أن واجد اللقطة لا يتصرف فيها إلا بعد سنة.
٩ - حرمة أموال الناس.
_________________
(١) تقدَّم برقم (١٠٦٤).
[ ٢ / ٣٢٢ ]
١٠ - أن اللقطة بعد تعريفها سنة يكون لواجدها التصرف فيها تصرف المالك؛ لقوله: «وَإِلَّا فَهُوَ مَالُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ».
١١ - إضافة المال إلى الله، وذلك من إضافة المملوك إلى مالكه، والمخلوق إلى خالقه.
١٢ - إثبات المشيئة لله تعالى.
وفي حديث عبد الرحمن التيمي ﵁:
١ - النهي عن لقطة الحاج، فإن كان المراد لقطة الحرم فمعناه أنها لا تملك ولو بعد التعريف؛ لقوله ﷺ: «وَلا تَحِلُّ سَاقِطَتُهَا إِلَّا لِمُنْشِدٍ» (^١)، وإن كان المراد ما يسقط من الحاج مطلقًا فمعناه النهي عن التقاطه، أو عن تملكه كلقطة الحرم، والمعروف عند أهل العلم أن لقطة الحاج في غير الحرم كغيره.
وفي حديث المقدام ﵁:
١ - تحريم كل ذي ناب من السباع.
٢ - تحريم الحمار الأهلي.
٣ - تحريم اللقطة من مال المعاهد إلا إن سمحت بها نفسه، ولقطة المعاهد كاللقطة من مال المسلم، من حيث تحريم الالتقاط، ووجوب التعريف، وجواز التصرف فيها بعد تعريفها سنة.
* * * * *
_________________
(١) رواه البخاري (٢٤٣٤)، ومسلم (١٣٥٥)؛ عن أبي هريرة ﵁.
[ ٢ / ٣٢٣ ]