المساجد: جمع مسجدٍ؛ وهو: مكان السُّجود، وهو بكسر الجيم على خلاف القياس؛ لأنَّ مضموم العين في المضارع حقُّه الفتح في اسم الزَّمان والمكان، وكلُّ موضعٍ تجوز الصَّلاة فيه يسمَّى مسجدًا، كما قال ﷺ: «وَجُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا» (^١).
ويراد بالمساجد في الشَّرع: الأماكن والبيوت المعدَّة لإقامة الصَّلوات الخمس فيها، ويقال لها: بيوت الله، كما قال ﷺ: «مَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللهِ …» (^٢) الحديث، وهي المرادة بالبيوت في قوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَال (٣٦) رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ الآية [النور: ٣٦ - ٣٧].
وللمساجد فضائل وأحكامٌ، وهي أفضل البقاع كما قال ﷺ: «أَحَبُّ الْبِلَادِ إِلَى اللهِ مَسَاجِدُهَا، وَأَبْغَضُ الْبِلَادِ إِلَى اللهِ أَسْوَاقُهَا» (^٣)، وأفضلها المساجد الثَّلاثة: المسجد الحرام ومسجد النَّبيِّ ﷺ والمسجد الأقصى، وجاء ذكر المساجد في مواضع من القرآن؛ كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [البقرة: ١١٤]، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (١٨)﴾ [الجن: ١٨].
* * * * *
_________________
(١) تقدَّم برقم (١٣٩).
(٢) رواه مسلمٌ (٢٦٩٩) عن أبي هريرة ﵁.
(٣) رواه مسلمٌ (٦٧١)، عن أبي هريرة ﵁.
[ ١ / ٢٦٢ ]
(٢٧٦) عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: «أَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِبِنَاءِ المَسَاجِدِ فِي الدُّورِ، وَأَنْ تُنَظَّفَ، وَتُطَيَّبَ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَ إِرْسَالَهُ (^١).
* * *
هذا الحديث اختلف في وصله وإرساله، فمن العلماء من رجَّح إرساله؛ لأنَّ من أرسله أكثر، ومنهم من رجَّح وصله؛ لأنَّه من زيادة الثِّقة، وزيادة الثِّقة مقبولةٌ، والصَّحيح: أنَّ هذا الحديث متَّصلٌ.
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - الأمر ببناء المساجد في الدُّور؛ يعني: الأحياء، وهي الحارات، وبناء المساجد في الدُّور واجبٌ، وهو أوَّل ما بدأ به النَّبيُّ ﷺ عندما وصل إلى المدينة مهاجره، وجرى على ذلك المسلمون فيما ينشئونه من البلدان والأحياء، وبناء المساجد هو ممَّا لا يتمُّ الواجب إلَّا به فيكون واجبًا، وليس المراد بهذا الحديث الأمر ببناء مسجدٍ في كلِّ بيتٍ يصلِّي فيه أهل الدَّار خلافًا لمن ظنَّ ذلك.
٢ - وجوب تنظيف المساجد وصيانتها عن الأقذار. وقد أمر الله أن ترفع المساجد؛ أي: تعظَّم، كما قال تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ [النور: ٣٦].
٣ - الأمر بتطييبها وهو مستحبٌّ. وسيأتي تفصيل ذلك في الأحاديث الَّتي أوردها المصنِّف.
* * * * *
(٢٧٧) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «قَاتَلَ اللهُ اليَهُودَ؛ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(٢٧٨) وَزَادَ مُسْلِمٌ: «وَالنَّصَارَى» (^٢).
_________________
(١) أحمد (٢٦٣٨٦)، وأبو داود (٤٥٥)، والتِّرمذيُّ (٥٩٤).
(٢) البخاريُّ (٤٣٧)، ومسلمٌ (٥٣٠).
[ ١ / ٢٦٣ ]
(٢٧٩) وَلَهُمَا: مِنْ حَدِيثِ عَائِشَة ﵂: «كَانُوا إِذَا مَاتَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا» وَفِيهِ: «أُولَئِكِ شِرَارُ الخَلْقِ» (^١).
* * *
حديث أبي هريرة ﵁ جاء معناه في «الصَّحيحين» من حديث عائشة ﵂ قالت: لمَّا نزل برسول الله ﷺ طفق يطرح خميصةً له على وجهه، فإذا اغتمَّ بها كشفها عن وجهه ثمَّ قال وهو كذلك: «لَعْنَةُ اللهِ عَلَى اليَهُودِ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ» (^٢).
وحديث عائشة ﵂ الَّذي ذكره المصنِّف أصله أنَّ أمَّ حبيبة وأمَّ سلمة ﵃ ذكرتا للنَّبيِّ ﷺ كنيسةً رأتاها في أرض الحبشة، وذكرتا من حسنها وتصاوير فيها، فقال ﷺ: «أُولئِكِ إِذَا مَاتَ فِيهِمُ العَبْدُ الصَّالِحُ أوِ الرَّجُلُ الصَّالِحُ بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ، أُولئِكِ شِرَارُ الْخَلْقِ».
وفي الحديثين فوائد؛ منها:
١ - التَّحذير من اتِّخاذ القبور مساجد، وذلك ببناء المساجد عليها أو بالصَّلاة عندها.
٢ - نصح الرَّسول ﷺ لأمَّته وتبليغه الرِّسالة حتَّى وهو في سياق الموت.
٣ - أنَّ اتِّخاذ القبور مساجد من كبائر الذُّنوب؛ للدُّعاء باللَّعن والقتال على من فعله، ولقوله ﷺ: «أُولئِكِ شِرَارُ الْخَلْقِ».
٤ - أنَّ اتِّخاذ القبور مساجد من فعل اليهود والنَّصارى.
٥ - أنَّ بناء المساجد على القبور من التَّشبُّه بأهل الكتاب.
٦ - أنَّ ذمَّ اليهود والنَّصارى أو غيرهم بفعلٍ من أفعالهم تحذيرٌ لهذه الأمَّة، ولهذا قالت عائشة ﵂ بعد ذكر الحديث: «يحذِّر ما صنعوا».
_________________
(١) البخاريُّ (٤٢٧)، ومسلمٌ (٥٢٨).
(٢) رواه البخاريُّ (٤٣٥)، ومسلمٌ (٥٣١).
[ ١ / ٢٦٤ ]
٧ - أنَّ التَّقييد بقبور الأنبياء لا مفهوم له، فقد خرج مخرج الغالب، وقد جاء في بعض الرِّوايات: «قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ وَصَالِحِيهِمْ» (^١).
٨ - أنَّ اليهود عندهم غلوٌّ في الدِّين كالنَّصارى، وإن كان الغالب عليهم الجفاء والإساءة إلى الأنبياء إلى حدِّ القتل، كما ذكر الله ذلك في مواضع كثيرةٍ من كتابه.
٩ - أنَّ الدُّعاء بالقتل أو بالقتال هو بمعنى اللَّعن، كما قال تعالى: ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُون (١٠)﴾ [الذاريات: ١٠]؛ أي: لُعنَ الخرَّاصون.
١٠ - أنَّ من عادة النَّصارى تزيين كنائسهم وزخرفتها ورسم الصُّور في حيطانها.
١١ - أنَّ زخرفة المساجد بالألوان والنُّقوش والكتابات من التَّشبُّه بهم.
١٢ - أنَّ الغلوَّ في الأنبياء والصَّالحين من أعظم وسائل الشِّرك، بل هو سبب حدوث الشِّرك في العالم.
١٣ - عظم خطر الشِّرك. ولذا جاءت الشَّريعة بسدِّ كلِّ طريقٍ يفضي إليه.
١٤ - حماية جناب التَّوحيد.
١٥ - وجوب هدم المسجد المبنيِّ على قبرٍ؛ لأنَّه كمسجد الضِّرار إذ لم يؤسَّس على تقوًى بل أسِّس على معصية الله.
١٦ - تحريم الصَّلاة فيه وأنَّها لا تصحُّ.
١٧ - أنَّ الصَّلاة عند القبور من اتِّخاذها مساجد؛ لأنَّ الموضع الَّذي يصلَّى فيه يسمَّى مسجدًا، كما قال ﷺ: «وَجُعِلَتْ لِي الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا» (^٢).
* * * * *
_________________
(١) مسلمٌ (٥٣٢)، عن جندبٍ ﵁.
(٢) تقدَّم برقم (١٣٩).
[ ١ / ٢٦٥ ]
(٢٨٠) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: «بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ خَيْلًا، فَجَاءَتْ بِرَجُلٍ، فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي المَسْجِدِ …» الحَدِيثَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١).
* * *
هذا الحديث تقدَّم طرفٌ منه من رواية عبد الرَّزَّاق في باب الغسل وحكم الجنب (^٢)، والرَّجل هو: ثمامة بن أثالٍ ﵁ سيِّد بني حنيفة، بعث النَّبيُّ ﷺ سَريَّةً فجاءت به أسيرًا فربطه النَّبيُّ ﷺ في المسجد، وكان النَّبيُّ ﷺ يمرُّ به ويدعوه إلى الإسلام، وفي الثَّالثة أمر النَّبيُّ ﷺ بإطلاقه فأسلم.
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - بعث الإمام السَّرايا للجهاد في سبيل الله.
٢ - جواز أسر الكفَّار، ولو كان الأسير سيِّدًا وشريفًا.
٣ - جواز ربط الأسير في المسجد.
٤ - دعوة الأسير إلى الإسلام.
٥ - جواز إطلاقه إذا رجي إسلامه.
٦ - جواز دخول الكافر للمسجد إذا كان فيه مصلحةٌ تتعلَّق بالدَّاخل أو بالمسجد.
٧ - وجوب غسل الكافر إذا أسلم، عند من يقول بوجوبه.
٨ - حسن خلقه ﷺ وحسن طريقته في الدَّعوة.
٩ - فضيلة ثمامة بن أثالٍ ﵁.
١٠ - أنَّ إسلام السَّادة من الكفَّار فيه نصرٌ للإسلام والمسلمين.
١١ - مشروعيَّة مقاطعة الكفَّار المحاربين اقتصاديًّا بترك الشِّراء منهم أو البيع لهم؛ لما في أصل القصَّة من أنَّ ثمامة ﵁ منع أن يصل إلى قريشٍ شيءٌ من بُرِّ اليمامة حتَّى يأذن النَّبيُّ ﷺ، فأقرَّه ﵊ على ذلك، ثمَّ طلبت قريشٌ من النَّبيِّ ﷺ أن يأذن، فأذِن ﵊.
_________________
(١) البخاريُّ (٤٦٢)، ومسلمٌ (١٤٦٢).
(٢) تقدَّم برقم (١٢٤).
[ ١ / ٢٦٦ ]
(٢٨١) وَعَنْهُ ﵁، «أَنَّ عُمَرَ ﵁ مَرَّ بِحَسَّان يُنْشِدُ فِي المَسْجِدِ، فَلَحَظَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: قَدْ كُنْتُ أُنْشِدُ وفِيهِ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْكَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١).
* * *
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - جواز إنشاد الشِّعر الَّذي لا إثم فيه في المسجد.
٢ - أنَّ الإنكار قد يكون بالنَّظر.
٣ - أنَّ إنشاد الشِّعر ليس ممَّا تبنى له المساجد، وهذا منشأ إنكار عمر ﵁، لكن دلَّت السُّنَّة على جوازه.
٤ - أنَّ إنشاد حسَّان للشِّعر في مسجد النَّبيِّ ﷺ ليس كثيرًا وإلَّا لعرف ذلك عمر ﵁.
٥ - قوَّة صاحب الحجَّة على مخالفه ولو كان كبير القدر.
٦ - صحَّة المذهب إذا قام على الدَّليل.
٧ - فضيلة حسَّان ﵁ لإنشاده الشِّعر الَّذي فيه نصرة الرَّسول ﷺ، وأمر النَّبيِّ ﷺ له بذلك وإذنه له بذلك في المسجد.
٨ - فضيلة عمر ﵁ لتسليمه لحكم النَّبيِّ ﷺ فلم يعارض السُّنَّة برأيه لمَّا استبانت له.
٩ - أنَّ الشِّعر ممَّا يجاهد به في سبيل الله وينصر به الدِّين، وهذا خير أنواع الشِّعر.
١٠ - الاستدلال على جواز الشَّيء بإقرار النَّبيِّ ﷺ لفاعله.
١١ - إنزال النَّاس منازلهم.
١٢ - مواجهة المفضول بفضل الفاضل عليه إذا اقتضت الحال ذلك.
_________________
(١) البخاريُّ (٣٢١٢)، ومسلمٌ (٢٤٨٥).
[ ١ / ٢٦٧ ]
(٢٨٢) وَعَنْهُ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ سَمِعَ رَجُلًا يَنْشُدُ (^١) ضَالَّةً فِي المَسْجِدِ فَلْيَقُلْ: لا رَدَّهَا اللهُ عَلَيْكَ؛ فَإِنَّ المَسَاجِدَ لَمْ تُبْنَ لِهَذَا». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٢).
(٢٨٣) وَعَنْهُ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا رَأَيْتُمْ مَنْ يَبِيعُ، أَوْ يَبْتَاعُ فِي المَسْجِدِ، فَقُولُوا: لا أَرْبَحَ اللهُ تِجَارَتَكَ». رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ (^٣).
* * *
وفي الحديثين فوائد؛ منها:
١ - تحريم إنشاد الضَّالَّة في المسجد، وإنشاد الضَّالَّة في هذا الحديث هو السُّؤال عنها، وتحريم البيع والشِّراء في المسجد.
٢ - مشروعيَّة الدُّعاء على من أنشد ضالَّةً في المسجد؛ بألَّا يردَّها الله عليه، والدُّعاء على من باع أو ابتاع في المسجد؛ ألَّا يربح الله تجارته.
٣ - الإنكار على منشد الضَّالَّة في المسجد وإن كان جاهلًا، وكذا من باع أو ابتاع، فيكون الغرض من هذا الدُّعاء هو الإنكار والزَّجر لا حقيقة معناه.
٤ - تعليل النَّهي عن إنشاد الضَّالَّة في المسجد؛ بأنَّ المسجد لم يبن لذلك، فإنَّ المسجد قد بني لمصالح الدِّين، والإنشاد من طلب الدُّنيا، وكذا البيع والشِّراء.
٥ - تعليل الأحكام الشَّرعيَّة.
٦ - مشروعيَّة أن يبيَّن للمنشد وغيره سبب الإنكار والإغلاظ.
٧ - أنَّ تعليل الإنكار بما ذكر يفيد عموم الحكم، فيتناول البيع والشِّراء.
٨ - أنَّ حكم اللُّقطة حكم الضَّالَّة لا يجوز إنشادها في المسجد.
_________________
(١) نشد الضالة ينشدها نشدًا، من باب قتل: طلبها واسترشد عنها، ويقال أيضًا: أنشد الضالة، فهو ثلاثيٌّ ورباعيٌّ. «القاموس المحيط» (نشد).
(٢) مسلمٌ (٥٦٨).
(٣) التِّرمذيُّ (١٣٢١)، والنَّسائيُّ في «الكبرى» (٩٩٣٣).
[ ١ / ٢٦٨ ]
٩ - تعظيم المساجد وصيانتها عمَّا لم تبن له وإن كان جنسه مباحًا كالبيع والشِّراء إلَّا ما خصَّه الدَّليل كالنَّوم في المسجد، ومن باب أولى صيانتها عن الأقوال والأفعال المحرَّمة.
١٠ - أنَّ الله هو الذي يردُّ الضَّالَّة إلى صاحبها بما شاء من الأسباب؛ فيوجب ذلك التوكُّل على الله واللَّجأ إليه في ردِّها، ولا يمنع ذلك من فعل السَّبب كإنشادها عند أبواب المساجد والأسواق، ومن ذلك الإعلان عنها في وسائل الإعلام.
١١ - أنَّ من تسبَّب إلى ردِّها بما حرَّم الله قد يعاقب بالحرمان، ومن أشدِّ ذلك الاستعانة على معرفة الضَّالَّة بسؤال السَّحرة والكهَّان.
* * * * *
(٢٨٤) وَعَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَا تُقَامُ الحُدُودُ فِي المَسَاجِدِ، ولا يُسْتَقَادُ فِيهَا». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ (^١).
* * *
الحديث وإن ضعَّفه المصنِّف هنا فقد قال في التَّلخيص: «إسناده لا بأس به» (^٢). وبشواهده حسَّنه الألبانيُّ (^٣)، ويشهد لصحَّة معناه النُّصوص الدَّالَّة على تعظيم المساجد وصيانتها عن كلِّ ما ينافي طهارتها وحرمتها.
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - تحريم إقامة الحدود في المسجد؛ كقطع يد السَّارق، وجلد الزَّاني أو رجمه، وجلد القاذف والشَّارب، وإقامة هذه الحدود وإن كانت عبادةً فإنَّها تستلزم أمورًا لا تليق بحرمة المسجد؛ كالنَّجاسة، فإنَّ قطع يد السَّارق أو رجم الزَّاني يؤدِّي إلى تنجيس المسجد بالدَّم، كما يلزم الصُّراخ من المحدود.
_________________
(١) أحمد (١٥٥٧٩)، وأبو داود (٤٤٩٠).
(٢) ينظر: «التلخيص الحبير» (٤/ ١٤٦).
(٣) (٧/ ٢٧١).
[ ١ / ٢٦٩ ]
٢ - تحريم الاستقادة في المسجد، وهو الاقتصاص من الجاني بالقتل أو ما دونه، ويلزم منه ما يلزم من إقامة الحدود، أمَّا إثبات الحدود والملاعنة فتجوز في المسجد؛ لأنَّه لا يترتَّب على ذلك مفسدةٌ.
٣ - إثبات الحدود في الشَّرع، وهي في اصطلاح الفقهاء: العقوبات المقدَّرة؛ كقطع يد السَّارق، وجلد الزَّاني والقاذف، وإقامتها واجبةٌ إذا استوفيت الشُّروط.
٤ - إثبات القود في الشَّرع؛ وهو القصاص في النَّفس وما دونها، ويجب بمطالبة صاحب الحقِّ.
* * * * *
(٢٨٥) وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «أُصِيبَ سَعْدٌ يَوْمَ الخَنْدَقِ، فَضَرَبَ عليهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ خَيْمَةً فِي المَسْجِدِ؛ لِيَعُودَهُ مِنْ قَرِيبٍ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١).
* * *
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - جواز ضرب الخيمة في المسجد ما لم يضرَّ ذلك بالمصلِّين، كما فعل النَّبيُّ ﷺ لاعتكافه، وكما ضرب خيمةً لسعدٍ ﵁ يمرَّض فيها.
٢ - جواز تمريض المريض في المسجد.
٣ - فضيلة سعد بن معاذٍ ﵁.
٤ - احتفاء النَّبيِّ ﷺ بسعد بن معاذٍ ﵁.
٥ - مشروعيَّة عيادة المريض.
* * * * *
_________________
(١) البخاريُّ (٤٦٣)، ومسلمٌ (١٧٦٩).
[ ١ / ٢٧٠ ]
(٢٨٦) وَعَنْهَا ﵂ قَالَتْ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَسْتُرُنِي، وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَى الحَبَشَةِ يَلْعَبُونَ فِي المَسْجِدِ …» الحَدِيثَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١).
* * *
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - جواز اللَّعب بالحراب ونحوها في المسجد.
٢ - أنَّ من مظاهر الفرح اللَّعب بالسِّلاح، فقد كان لعب الحبشة في يوم عيدٍ، وليس من اللَّعب بالسِّلاح أن يشير به بعضهم إلى بعضٍ فإنَّ ذلك محرَّمٌ، بل من كبائر الذُّنوب، بل يكون برمي الحربة في الهواء، ثمَّ أخذها أو الرَّمي بها إلى الهدف، أو القفز مع شهر الحربة أو السَّيف ونحو ذلك.
٣ - جواز النَّظر للاستمتاع إلى من يفعل ذلك.
٤ - جواز نظر المرأة إلى الرِّجال لغير شهوةٍ ودون اختلاطٍ، فإنَّ عائشة ﵂ كانت تنظر إليهم من حجرتها، أمَّا إذا رأت المرأة من الرِّجال ما يحرِّك شهوتها أو خشيت ذلك وجب عليها غضُّ بصرها، كما قال تعالى: ﴿وَقُلْ لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ [النور: ٣١].
٥ - جواز إعانة الرَّجل امرأته على ذلك.
٦ - أنَّ القليل من الفضول لا يقدح في منزلة الأفاضل.
٧ - فضيلة عائشة ﵂ لمنزلتها من النَّبيِّ ﷺ.
٨ - أنَّ للحبشة طريقةً عجيبةً في اللَّعب بالحراب.
٩ - حسن خلقه ﷺ وحسن معاشرته لأهله.
* * * * *
_________________
(١) البخاريُّ (٤٥٤)، ومسلمٌ (٨٩٢).
[ ١ / ٢٧١ ]
(٢٨٧) وَعَنْهَا ﵂: «أَنَّ وَلِيدَةً سَوْدَاءَ كَان لَهَا خِبَاءٌ فِي المَسْجِدِ، فَكَانتْ تَأْتِينِي، فَتَحَدَّثُ عِنْدِي …» الحَدِيثَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١).
* * *
هذا طرفٌ من حديثٍ طويلٍ تضمَّن قصَّة هذه الوليدة.
وفيه فوائد، منها:
١ - جواز اتِّخاذ الخباء في المسجد إذا لم يؤذ المصلِّين.
٢ - جواز سكنى الغريب في المسجد وإن كانت امرأةً ما لم تصبها الحيضة، فمتى حاضت فلا يحلُّ لها اللُّبث في المسجد إلَّا للضَّرورة.
في قصَّة هذه الوليدة بعض الأمور العجيبة، ولهذا كانت تنشد عند عائشة ﵂:
وَيَوْمُ الوِشَاحِ مِنْ أَعَاجِيبِ رَبِّنَا
أَلَا إِنَّهُ مِنْ دَارَةِ الكُفْرِ نَجَّانِي
وقد قصَّت على عائشة ﵂ قصَّة الوشاح، وخلاصتها: أنَّها كانت عند قومٍ كفَّارٍ، وكان لإحدى بناتهم وشاحٌ من أدمٍ أحمر ففقدوه، فاتَّهموا به الوليدة، فضربوها وفتَّشوها، وبينما هم كذلك، إذ جاءت حدأةٌ فألقت الوشاح بينهم، فاعتذروا لها وخلَّوا سبيلها فقالت هذا البيت، وصارت تردِّده، وفي هذه القصَّة فوائد تركنا ذكرها اختصارًا.
* * * * *
(٢٨٨) وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «البُزَاقُ فِي المَسْجِدِ خَطِيئَةٌ، وَكَفَّارَتُهَا دَفْنُهَا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٢).
* * *
_________________
(١) البخاريُّ (٤٣٩). والحديث من أفراد البخاريِّ، وليس في مسلمٍ.
(٢) البخاريُّ (٤١٥)، ومسلمٌ (٥٥٢).
[ ١ / ٢٧٢ ]
البزاق مصدرٌ وهو التَّفل، ويطلق على ما يبصقه الإنسان من ريقه ومن النُّخامة.
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - تحريم البصاق في المسجد؛ أي: على أرضه أو جداره وأشدُّ ذلك ما كان في قبلته.
٢ - أنَّ كفَّارة البصاق في المسجد دفنها، وذلك إذا كانت على أرضٍ ترابيَّةٍ، أمَّا إذا كانت على الجدار أو على فراش المسجد فلا بدَّ من حكِّها ومسحها.
٣ - وجوب صيانة المسجد عن الأقذار وإن لم تكن نجاسةً، فالنَّجاسة أولى أن يصان عنها المسجد.
٤ - أنَّ قوله ﷺ: «خَطِيئَةٌ» يدلُّ على أنَّ البصاق ذنبٌ محقَّقٌ تجب التَّوبة منه، ولا يجوز تعمُّده ولو نوى التَّكفير.
٥ - أنَّ البزاق طاهرٌ.
* * * * *
(٢٨٩) وَعَنْهُ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حتَّى يَتَبَاهَى النَّاسُ فِي المَسَاجِدِ». أَخْرَجَهُ الخَمْسَةُ إِلَّا التِّرْمِذِيَّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ (^١).
* * *
التَّباهي: التَّفاخر. والتَّباهي في المساجد يحتمل أنَّ المراد التَّفاخر في داخل المساجد بالأحساب والأنساب ونحو ذلك، ومعلومٌ أنَّ ذلك من أمور الجاهليَّة كما قال ﷺ: «أَرْبَعٌ فِي أُمَّتِي مِنْ أَمْرِ الجَاهِلِيَّةِ لا يَتْرُكُونَهُنَّ: الفَخْرُ فِي
_________________
(١) أحمد (١٢٤٧٣)، وأبو داود (٤٤٩)، والنَّسائيُّ (٦٨٨)، وابن ماجه (٧٣٩)، وابن خزيمة (١٣٢٣).
[ ١ / ٢٧٣ ]
الأَحْسَابِ …» (^١) وهذا ممَّا يجب أن تصان عنه المساجد كسائر المحرَّمات، ويحتمل أن يكون المراد التَّباهي بتشييد المساجد وزخرفتها وتزيينها، فيكون المعنى: حتَّى يتباهى النَّاس في شأن المساجد؛ بمعنى: يتباهى النَّاس بالمساجد، والثَّاني هو المشهور والمعروف في كلام شرَّاح الحديث، وهو من التَّفاخر بما هو مذمومٌ في الشَّرع، وعدولٌ عن مقصود الشَّرع ببناء المساجد.
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - إثبات قيام السَّاعة، وهي القيامة الكبرى.
٢ - أنَّ للسَّاعة علاماتٍ.
٣ - أنَّ من علاماتها أن يتباهى النَّاس في المساجد.
٤ - ذمُّ التَّباهي في المساجد وبالمساجد.
٥ - إعراض كثيرٍ من النَّاس عن المقاصد الشَّرعيَّة الحقيقيَّة واهتمامهم بخلافها.
٦ - ذمُّ زخرفة المساجد، وليس من المذموم إحكام بنائها وتوفير ما يعين على العبادة فيها.
٧ - في الحديث علمٌ من أعلام النُّبوَّة، فقد وقع ما أخبر به النَّبيُّ ﷺ كما أخبر، فقد تباهى النَّاس في المساجد.
٨ - الرَّدُّ على من ينكر بناء المساجد من غير عنايةٍ بزخرفتها وزينتها.
٩ - أنَّ من النَّاس من يعمل العمل يظنُّه عملًا صالحًا وهو بخلاف ذلك.
* * * * *
_________________
(١) رواه مسلمٌ (٩٣٤)، عن أبي مالكٍ الأشعريِّ ﵁.
[ ١ / ٢٧٤ ]
(٢٩٠) وَعَنِ ابْنِ عَباسٍ ﵃ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَا أُمِرْتُ بِتَشْيِيدِ المَسَاجِدِ». أَخْرَجَهُ أبو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (^١).
* * *
تشييد المساجد رفع بنائها فوق الحاجة، وقيل: طلاؤها بالشِّيد، وهو الجصُّ، وقوله ﷺ: «مَا أُمِرْتُ»؛ أي: ما أمرني ربِّي، وفي معناه: صبغها بالألوان.
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - أنَّ الرَّسول ﷺ عبدٌ يؤمر وينهى، ورسولٌ يبلِّغ أمر الله ونهيه.
٢ - أنَّ تشييد المساجد ليس مأمورًا به؛ لا وجوبًا ولا استحبابًا.
٣ - أنَّ تشييد المساجد مكروهٌ، وقد يكون محرَّمًا إذا تضمَّن الإسراف.
٤ - استحباب الاقتصاد في بناء المساجد.
٥ - أنَّ التَّعبُّد بتشييد المساجد بدعةٌ.
* * * * *
(٢٩١) وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «عُرِضَتْ عَلَيَّ أُجُورُ أُمَّتِي، حتَّى القَذَاةُ يُخْرِجُهَا الرَّجُلُ مِنَ المَسْجِدِ». رَوَاهُ أبو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَاسْتَغْرَبَهُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ (^٢).
* * *
الحديث ضعيفٌ (^٣)، ولكنَّ القدر الَّذي ذكره الحافظ معناه صحيحٌ يشهد له قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه (٧)﴾ [الزلزلة: ٧]. وحديث المرأة الَّتي كانت تقمُّ المسجد (^٤).
_________________
(١) أبو داود (٤٤٨)، وابن حبان (١٦١٥).
(٢) أبو داود (٤٦١)، والتِّرمذيُّ (٢٩١٦)، وابن خزيمة (١٢٩٧).
(٣) ضعَّفه النوويُّ في «خلاصة الأحكام» (٨٨٤).
(٤) سيأتي في «كتاب الجنائز» برقم (٦٣٦).
[ ١ / ٢٧٥ ]
وقوله ﷺ: «عُرِضَتْ عَلَيَّ أُجُورُ أُمَّتِي» معناه: أعلمه الله بأجور أعمالهم حتَّى أجر إخراج القذاة من المسجد، والقذاة ما يؤذي العين، وهو مثالٌ للقلَّة.
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - إثبات الجزاء على الأعمال.
٢ - تفاوت الأجور بحسب تفاضل الأعمال الصَّالحة.
٣ - استحباب إخراج القمامة من المسجد وإن كانت يسيرةً.
٤ - إطلاع الله نبيَّه على ثواب الأعمال.
٥ - تسمية ثواب الأعمال أجرًا، وهذا المعنى في القرآن كثيرٌ.
* * * * *
(٢٩٢) وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ المَسْجِدَ فَلَا يَجْلِسْ حتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١).
* * *
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - نهي الدَّاخل إلى المسجد عن الجلوس قبل أن يصلِّي ركعتين، فإن كان على طهارةٍ صلَّى، وإن لم يكن على طهارةٍ فينبغي له أن يتوضَّأ ليصلِّي الرَّكعتين، فعلى القول بوجوبهما؛ يجب التَّطهُّر من أجل أن يصلِّيهما، وإن كانتا سنَّةً سنَّ له التَّطهُّر، فإنَّ ما لا يتمُّ الواجب إلَّا به فهو واجبٌ، وما لا يتمُّ المسنون إلَّا به فهو سنَّةٌ مستحبَّةٌ.
٢ - أنَّه يشرع لمن دخل المسجد أن يصلِّي ركعتين، وتسمَّى هاتان الرَّكعتان عند العلماء تحيَّة المسجد، وذهب الجمهور إلى أنَّهما سنَّةٌ؛ لقوله ﷺ للأعرابيِّ الَّذي قال: هل عليَّ غيرها؟ أي: الصَّلوات الخمس، قال: «لَا، إِلَّا أَنْ
_________________
(١) البخاريُّ (١١٦٧)، ومسلمٌ (٧١٤).
[ ١ / ٢٧٦ ]
تَطَوَّعَ» (^١)، وذهب بعض أهل العلم إلى وجوبهما. وقد ثبت الأمر بهما والنَّهي عن تركهما، وهذا القول قويٌّ، وهو قول الظَّاهريَّة (^٢) وآخرين من العلماء (^٣).
٣ - جواز صلاة الرَّكعتين في أيِّ وقتٍ للإطلاق في وقت الدُّخول، وقد اختلف العلماء في ذلك، فمنهم من خصَّ هذا الحديث بأحاديث أوقات النَّهي، وخصَّ آخرون أحاديث أوقات النَّهي بهذا الحديث وغيره من أحاديث ذوات الأسباب؛ كصلاة الكسوف، وركعتي الطَّواف. والقول الثَّاني أظهر في النَّظر، وممَّا يرجِّح صلاة تحيَّة المسجد في وقت النَّهي؛ أنَّه ﷺ أمر الَّذي دخل المسجد وجلس -والنَّبيُّ ﷺ يخطب يوم الجمعة- أمره أن يقوم فيصلِّي ركعتين (^٤)، ففي هذا دلالةٌ على أنَّ تحيَّة المسجد لا تفوت بالجلوس، بل من جلس خطأً أو نسيانًا فإنَّه يؤمر بها ويذكَّر بها، وأيضًا فإنَّ حديث أبي قتادة ﵁ عامٌّ محفوظٌ لم يدخله التَّخصيص وأحاديث النَّهي عامَّةٌ في الصَّلاة وقد دخلها التَّخصيص، والعامُّ المحفوظ مقدَّمٌ على العامِّ الَّذي قد دخله الخصوص.
٤ - أنَّ من تعظيم المسجد صلاة هاتين الرَّكعتين.
* * * * *
_________________
(١) رواه البخاريُّ (٤٦)، ومسلمٌ (١١) عن طلحة بن عبيد الله ﵁.
(٢) حكاه عنهم ابن بطالٍ في شرحه للبخاريِّ (٢/ ٩٣).
(٣) ينظر: «إكمال المعلم» للقاضي عياضٍ (٣/ ٤٩).
(٤) رواه البخاريُّ (٩٣١)، ومسلمٌ (٨٧٥) عن جابر بن عبد الله ﵃.
[ ١ / ٢٧٧ ]