المساقاة: في اللغة من سقي الماء، فيقال: سقاه وأسقاه، كما قال تعالى: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا (٢١)﴾ [الإنسان: ٢١]، وقال: ﴿وَأَسْقَيْنَاكُم مَّاء فُرَاتًا (٢٧)﴾ [المرسلات: ٢٧].
والمساقاة في الاصطلاح: عقدٌ من عقود المشاركة، وهو دفع الشجر لمن يعمل عليه بجزء مشاع معلوم من الثمرة، وقد قال بعض الفقهاء: إنها عقد على خلاف القياس، لاعتقادهم أنها إجارة، والأجرة فيها غير معلومة، والصواب أنها عقد مشاركة؛ كالمضاربة.
والإجارة: مأخوذة من الأجْر، وهو الثواب على العمل، يقال له: أجرة، وهي عقد على منفعة عين تستوفى منها مع بقاء العين، ولعل المؤلف جمع بينهما لما قيل إن المساقاة عقد إجارة، وعقد الإجارة لازم باتفاق العلماء، وأما المساقاة فقيل: إنها عقد جائز، والصواب أنها عقد لازم.
* * * * *
(١٠٢١) عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَامَلَ أَهْلَ خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ ثَمَرٍ، أَوْ زَرْعٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١).
(١٠٢٢) وَفِي رِوَايَةٍ لهما: فَسَأَلُوا أَنْ يُقِرَّهُمْ بِهَا عَلَى أَنْ يَكْفُوا عَمَلَهَا وَلَهُمْ نِصْفُ الثَّمَرِ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «نُقِرُّكُمْ بِهَا عَلَى ذَلِكَ مَا شِئْنَا»، فَقَرُّوا بِهَا، حَتَّى أَجْلَاهُمْ عُمَرُ (^٢).
_________________
(١) البخاري (٢٣٢٩)، ومسلم (١٥٥١).
(٢) البخاري (٢٣٣٨)، ومسلم (١٥٥١).
[ ٢ / ٢٩٣ ]
(١٠٢٣) وَلِمُسْلِمٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ دَفَعَ إِلَى يَهُودِ خَيْبَرَ نَخْلَ خَيْبَرَ وَأَرْضَهَا عَلَى أَنْ يَعْتَمِلُوهَا مِنْ أَمْوَالِهِمْ، وَلَهُ شَطْرُ ثَمَرِهَا (^١).
* * *
هذا الحديث هو الأصل في جواز المساقاة والمزارعة، والمزارعة دفع الأرض لمن يزرعها بجزء مشاع معلوم من غلتها.
وفي الحديث فوائد، منها:
١ - جواز المساقاة.
٢ - جواز المزارعة.
٣ - جواز المساقاة بالنصف.
٤ - جواز أن يكون العقد جائزا من طرف، ولازما من طرف.
٥ - أنه لا يشترط أن يكون البذر من رب الأرض.
٦ - أن النبي ﷺ لم يأسر يهود خيبر، ولم يضرب عليهم الجزية؛ لأنها لم تشرع في ذلك الوقت.
٧ - أن هؤلاء اليهود هم ممن أمر النبي ﷺ بإجلائهم من خيبر، ولكنهم طَلبوا أن يعملوا في خيبر في نخيلها وأراضيها، فقبل النبي ﷺ ذلك، ولكنه جعله جائزا من طرف المسلمين، فقال: «نُقِرُّكُمْ بِهَا عَلَى ذَلِكَ مَا شِئْنَا».
٨ - أن هؤلاء اليهود بقوا حتى أجلاهم عمر ﵁.
٩ - جواز معاملة الكفار بالمؤاجرة والمساقاة ونحوهما.
١٠ - جواز ائتمان الكافر إلا في الولايات.
١١ - أنه إذا سمي سهم لأحد المتعاملين فالباقي للآخر.
_________________
(١) مسلم (١٥٥١).
[ ٢ / ٢٩٤ ]
١٢ - جواز المشاركة القائمة على العدل.
١٣ - تنفيذ عمر ﵁ لوصية النبي ﷺ، وهي قوله: «أَخْرِجُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ».
وقد اختلف العلماء في حكم المساقاة والمزارعة على مذاهب؛ أحدها: جواز المساقاة والمزارعة، كما دل على ذلك هذا الحديث، وشرط بعضهم في المزارعة أن يكون البذر من رب الأرض. الثاني: لا تجوز المزارعة ولا المساقاة، بل تجب إجارتها بمال معلوم. الثالث: تجوز المساقاة دون المزارعة، وعلة المنع أن المساقاة والمزارعة عندهم عقد إجارة، ومن شرط الإجارة العلم بالأجرة، وغلة الشجر والأرض غير معلومة، فلذلك أجازوا تأجير الأرض والشجر بثمن معلوم.
* * * * *
(١٠٢٤) وَعَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: «سَأَلْتُ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ ﵁ عَنْ كِرَاءِ الْأَرْضِ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ؟ فَقَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ، إِنَّمَا كَانَ النَّاسُ يُؤَاجِرُونَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَلَى الْمَاذِيَانَاتِ، وَأَقْبَالِ الْجَدَاوِلِ، وَأَشْيَاءَ مِنْ الزَّرْعِ، فَيَهْلِكُ هَذَا وَيَسْلَمُ هَذَا، وَيَسْلَمُ هَذَا وَيَهْلِكُ هَذَا، وَلَمْ يَكُنْ لِلنَّاسِ كِرَاءٌ إِلَّا هَذَا، فَلِذَلِكَ زَجَرَ عَنْهُ، فَأَمَّا شَيْءٌ مَعْلُومٌ مَضْمُونٌ فَلَا بَأْسَ بِهِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^١).
وَفِيهِ بَيَانٌ لِمَا أُجمِلَ فِي المُتَّفَقِ عَلَيْهِ مِنْ إِطْلَاقِ النَّهْيِ عَنِ كِرَاءِ الأَرْضِ.
(١٠٢٥) وَعَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ ﵁؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنِ المُزَارَعَةِ وَأَمَرَ بِالْمُؤَاجَرَةِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ أيضًا (^٢).
* * *
_________________
(١) مسلم (١٥٤٧).
(٢) مسلم (١٥٤٩).
[ ٢ / ٢٩٥ ]
هذان الحديثان أصل في جواز تأجير الأرض للزرع بالذهب والفضة أو غيرهما من الأثمان.
وفيهما فوائد، منها:
١ - جواز تأجير الأرض بمال معلوم.
٢ - النهي عن تأجير الأرض بما يخرج في بعض نواحيها؛ لما فيه من الغرر.
٣ - تحريم الغرر في كل العقود؛ كالمساقاة والمزارعة والإجارة، ونحوها.
٤ - النهي عن المزارعة، كما في حديث ثابت، ويجب حمل ذلك على ما جاء في حديث رافع، وهي المزارعة المفضية إلى الغرر، وبهذا يحصل الجمع بين حديث ثابت وحديث ابن عمر المتقدم.
٥ - تفسير ما جاء في «الصَّحِيحَيْنِ» من إطلاق النهي عن كراء الأرض، كما نبه عليه المؤلف ﵀.
* * * * *
(١٠٢٦) وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄؛ أَنَّهُ قَالَ: «احْتَجَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَعْطَى الَّذِي حَجَمَهُ أَجْرَهُ وَلَوْ كَانَ حَرَامًا لَمْ يُعْطِهِ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ (^١).
(١٠٢٧) وَعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «كَسْبُ الْحَجَّامِ خَبِيثٌ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٢).
(١٠٢٨) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «قَالَ اللهُ ﷿: ثَلَاثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ، وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ، وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ، وَلَمْ يُعْطِهِ أَجْرَهُ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٣).
_________________
(١) البخاري (٢١٠٣).
(٢) مسلم (١٥٦٨).
(٣) لم يروه مسلم بل البخاري (٢٢٢٧).
[ ٢ / ٢٩٦ ]
(١٠٢٩) وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ أَحَقَّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللهِ». أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ (^١).
(١٠٣٠) وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَعْطُوا الْأَجِيرَ أَجْرَهُ قَبْلَ أَنْ يَجِفَّ عَرَقُهُ». رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ (^٢).
(١٠٣١) وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁؛ أن النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنِ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا، فَلْيُسَمِّ لَهُ أُجْرَتَهُ». رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَفِيهِ انْقِطَاعٌ، وَوَصَلَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي حَنِيفَةَ (^٣).
* * *
كل هذه الأحاديث تتعلق بعقد الإجارة، وهو عقد على منفعة معلومة يمكن استيفاؤها من العين المؤجرة، وكل ما في هذه الأحاديث هو من استئجار الآدمي.
وفي هذه الأحاديث فوائد، منها:
١ - جواز عقد الإجارة.
٢ - جواز استئجار الآدمي، فإن كان حرًّا فله أن يؤاجر نفسه، وإن كان عبدًا فبإذن سيده.
ومنها في حديث ابن عباس:
١ - جواز الحجامة، وأنها من الطب النبوي.
٢ - جواز العمل في الحجامة.
٣ - أن أخذ الأجرة على الحجامة جائز، كما قال ابن عباس: «وَلَوْ كَانَ حَرَامًا لَمْ يُعْطِهِ».
٤ - أن من لا يحسن غير الحجامة ونحوها لا يُنهَى عنها.
٥ - أنه لا يجوز بذل الأجر على العمل المحرم.
_________________
(١) البخاري (٥٧٣٧).
(٢) ابن ماجه (٢٤٤٣).
(٣) «المصنف» (١٥٠٢٤)، والبيهقي في «الكبرى» (١١٦٥١).
[ ٢ / ٢٩٧ ]
وفي حديث رافع ﵁:
١ - أن كسب الحجام خبيث.
٢ - كراهة حرفة الحجامة.
٣ - أن الخبث في كسب الحجام ليس خبث التحريم، بدليل حديث ابن عباس المتقدم.
٤ - تفاضل أسباب الكسب.
٥ - التنفير عن الحرف الرديئة.
وفي حديث أبي هريرة ﵁:
١ - أن من السنة ما يرويه النبي ﷺ عن ربه، وهو الحديث القدسي.
٢ - تحريم الغدر في العهد.
٣ - غلظ العهد المؤكد بالله؛ لقوله: «رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ».
٤ - تحريم بيع الحر، ولو أذن.
٥ - أن ثمن الحر حرام.
٦ - تحريم ظلم الأجير بجحد أجرته أو منعه منها.
٧ - أن كل هذه الخصال من كبائر الذنوب؛ للوعيد بخصومة الله لهم.
٨ - نصرة الله للمظلوم.
٩ - أن الله خصم لهؤلاء الثلاثة، ومن كان الله خصمه فهو مخصوم.
وفي حديث ابن عباس ﵄:
١ - جواز أخذ الأجر على القرآن، والمراد بالأجر الأجرة، وهذا الحديث مجمل يحتمل: التلاوة والتعليم والرقية، فأما الرقية فهي سبب الحديث، وهو أَنَّ نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ مَرُّوا بِمَاءٍ، فِيهِمْ لَدِيغٌ أَوْ سَلِيمٌ، فَعَرَضَ لَهُمْ
[ ٢ / ٢٩٨ ]
رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ المَاءِ، فَقَالَ: هَلْ فِيكُمْ مِنْ رَاقٍ، إِنَّ فِي المَاءِ رَجُلًا لَدِيغًا أَوْ سَلِيمًا، فَانْطَلَقَ رَجُلٌ مِنْهُمْ، فَقَرَأَ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ عَلَى شَاءٍ، فَبَرَأَ، فَجَاءَ بِالشَّاءِ إِلَى أَصْحَابِهِ، فَكَرِهُوا ذَلِكَ وَقَالُوا: أَخَذْتَ عَلَى كِتَابِ اللهِ أَجْرًا، حَتَّى قَدِمُوا المَدِينَةَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَخَذَ عَلَى كِتَابِ اللهِ أَجْرًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ أَحَقَّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللهِ» (^١). وجاء معناه في «الصَّحِيحَيْنِ» عن أبي سعيد (^٢).
وهذان الحديثان من حجة من قال بأخذ الأجرة على تعليم القرآن، ويعضده حديث الواهبة، التي جعل النبي ﷺ صداقها أن يعلمها ذلك الرجل ما معه من القرآن، ويدخل في التعليم: تعليم حروف القرآن ومعانيه. وأما تلاوة القرآن فتخرج من عموم هذا الحديث؛ فلا يجوز أخذ الأجرة عليها؛ لأنها عبادة محضة كالصلاة والصيام.
٢ - فضل الصحابة، وذلك من وجوه:
١ - أنهم لم يمتنعوا من فعل المعروف بالرقية مجانًا إلا لأن القوم منعوهم حق الضيافة، كما جاء في حديث أبي سعيد.
٢ - أن المستقر عند الصحابة أن القرآن لا يؤخذ عليه أجر، لذلك توقفوا عن التصرف في الشاء.
٣ - رجوعهم في هذا الأمر إلى النبي ﷺ.
٤ - معرفتهم لفضل الفاتحة.
٣ - أن الفاتحة أفضل ما يرقى به من القرآن؛ لأنها أفضل سورة، ولهذا سماها الرسول ﷺ رقية.
٤ - استحباب اشتراك الرفاق في اقتسام ما يكتسبه أحدهم.
_________________
(١) البخاري (٥٧٣٧).
(٢) البخاري (٥٧٤٩)، ومسلم (٢٢٠١).
[ ٢ / ٢٩٩ ]
٥ - أن ما يستحله النبي ﷺ في خاصته هو أكمل ما يكون في الحل؛ لقوله كما في حديث أبي سعيد: «اضْرِبُوا لِي بِسَهْمٍ».
وفي حديثي ابن عمر وأبي سعيد ﵃:
١ - وجوب إعطاء الأجير أجره، واستحباب المبادرة إلى إعطاء الأجير أجره، وتحريم المطل.
٢ - مشروعية تسمية الأجرة للأجير باللفظ، ويقوم مقامها العرف.
* * * * *
[ ٢ / ٣٠٠ ]