* * *
ذكر باب المسح على الخُفَّين بعد باب الوضوء؛ لأنَّ المسح على الخُفَّين داخلٌ في صفة الوضوء؛ لأنَّه بدلٌ عن غسل الرِّجلين.
* * * * *
(٦٥) عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ﵁ قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، فَتَوَضَّأَ، فَأَهْوَيْتُ لأَنْزِعَ خُفَّيْهِ، فَقَالَ: «دَعْهُمَا، فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ»، فَمَسَحَ عَلَيْهِمَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١).
(٦٦) وَلِلأرْبَعَةِ عَنْهُ إِلَّا النَّسَائِيّ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَسَحَ أَعْلَى الْخُفِّ وَأَسْفَلَهُ». وَفِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ (^٢).
(٦٧) وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: «لَوْ كَانَ الدِّينُ بِالرَّأْيِ لَكَانَ أَسْفَلُ الْخُفِّ أَوْلَى بِالْمَسْحِ مِنْ أَعْلَاهُ، وَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَمْسَحُ عَلَى ظَاهِرِ خُفَّيْهِ». أَخْرَجَهُ أبو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ (^٣).
* * *
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - جواز المسح على الخُفَّين في الوضوء.
٢ - جواز المسح على الخفَّين وإن كان فيهما ثقوبٌ، لإطلاق اسم الخُفِّ في الأحاديث.
_________________
(١) البخاريُّ (٢٠٦)، ومسلمٌ (٢٧٤).
(٢) أبو داود (١٦٥)، والترمذيُّ (٩٧)، وابن ماجه (٥٥٠).
(٣) أبو داود (١٦٢).
[ ١ / ٨٢ ]
٣ - الرَّدُّ على الرَّافضة والخوارج في إنكار المسح على الخُفَّين.
٤ - أنَّ حكم المسح على الخُفَّين متأخِّرٌ عن آية الوضوء في المائدة؛ لأنَّ هذا الحديث كان في غزوة تبوك.
٥ - البناء على الأصل حتَّى يرد الدَّليل النَّاقل؛ لأنَّ المغيرة أراد نزع الخُفَّين بناءً على أنَّ الفرض غسل الرِّجلين.
٦ - أنَّ السُّنَّة لمن كان لابسًا للخُفَّين المسح عليهما.
٧ - أنَّ المسح على الخُفَّين أفضل من خلعهما وغسل الرِّجلين.
٨ - أنَّ خلع الخُفَّين لغسل الرِّجلين فيه مشابهةٌ لأهل البدع.
٩ - أنَّ من لم يقنع بالمسح على الخُفَّين فهو مبتدعٌ.
١٠ - أنَّ شرط المسح على الخُفَّين لبسهما على طهارةٍ بالماء، لقوله: «فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ»؛ أي: بالماء، وهذا قول الجمهور، وحكي فيه الإجماع (^١)؛ لأنَّ التَّيمُّم لا تعلُّق له بالرِّجلين، ولقوله ﷺ: «إذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ وَلَبِسَ خُفَّيْهِ، فَلْيَمْسَحْ عَلَيْهِمَا وَلْيُصَلِّ فِيهِمَا …» (^٢)، ولأنَّ طهارة التَّيمُّم تبطل بوجود الماء.
١١ - جواز المسح على الخُفَّين في الحضر والسَّفر؛ لقوله: «إِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ»، فالعلَّة عامَّةٌ.
١٢ - أنَّ الأحكام الشَّرعيَّة مُعلَّلةٌ.
١٣ - أنَّ العلَّة في هذه الرُّخصة لبسهما على طهارةٍ.
١٤ - جواز الوضوء بحضرة النَّاس.
_________________
(١) ينظر: «الاستذكار» لابن عبد البرِّ (١/ ٢٢٤).
(٢) رواه الدارقطنيُّ (٧٧٩)، والحاكم (٦٤٦)، وصحَّحه. وسيأتي برقم (٧١).
[ ١ / ٨٣ ]
١٥ - جواز إعانة المتوضِّئ بالصَّبِّ عليه وبخلع ما يحتاج إلى خلعه بلا كراهةٍ.
١٦ - فضيلة المغيرة بن شعبة ﵁ لخدمته النَّبيَّ ﷺ.
١٧ - قيل: قوله: «أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ» يدلُّ على أنَّه لا يلبس الخُفَّ اليمنى إلَّا بعد غسل اليسرى، فإن فعل لم يجزئه إلَّا أن يخلع اليمنى ثمَّ يلبسها، والصَّحيح: جوازه؛ لأنَّ المقصود حصول القدمين في الخفَّين طاهرتين، ولأنَّه لا معنى لنزع الخفِّ ثمَّ لبسه.
١٨ - أنَّ المسح على الخُفَّين من وجوه يُسر الشَّريعة.
١٩ - أنَّ المشروع هو المسح على ظاهر الخُفِّ وهو أعلاه، كما يدلُّ عليه حديث عليٍّ ﵁، وأمَّا حديث مسح أسفل الخُفِّ فضعيفٌ، ومسح أسفل الخُفِّ كما أنَّه مخالفٌ للسُّنَّة فهو مخالفٌ للرَّأي والعقل؛ لأنَّ مسح أسفل الخُفِّ -وهو يتعرَّض للقذر- فيه تقذيرٌ لليد ولا يزول بالمسح قذرٌ.
٢٠ - التَّخيير بين مسح الخُفَّين باليدين دفعةً واحدةً أو اليمنى قبل اليسرى.
٢١ - أنَّ الدِّين ليس بالرَّأي، كما قال عليٌّ ﵁، بل بالشَّرع من الكتاب والسُّنَّة، والعقل الصَّريح لا يعارض ما جاء به الرَّسول ﷺ، بل يشهد له أو لا يحكم بشيءٍ.
* * * * *
(٦٨) وَعَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ ﵁ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَأْمُرُنَا إذَا كُنَّا سَفْرًا أَنْ لا نَنْزِعَ خِفَافَنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ إلَّا مِنْ جَنَابَةٍ، وَلَكِنْ مِنْ غَائِطٍ وَبَوْلٍ وَنَوْمٍ». أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَاللَّفْظُ لَهُ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَصَحَّحَاه (^١).
_________________
(١) النسائيُّ (١٢٧)، والترمذيُّ (٩٦)، وابن خزيمة (١٧).
[ ١ / ٨٤ ]
(٦٩) وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: «جَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ لِلْمُسَافِرِ، وَيَوْمًا وَلَيْلَةً لِلْمُقِيمِ»؛ يَعْنِي: فِي المَسْحِ عَلَى الخُفَّيْنِ. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (^١).
* * *
الحديثان أصلٌ في توقيت المسح على الخُفَّين.
وفي الحديثين فوائد؛ منها:
١ - جواز المسح على الخُفَّين في السَّفر.
٢ - أنَّ مدَّة المسح على الخُفَّين في السَّفر ثلاثة أيَّامٍ.
٣ - أنَّ مدَّة الحضر يومٌ وليلةٌ.
٤ - أنَّ ابتداء مدَّة المسح من المسح بالفعل.
٥ - أنَّ المسح لا يُشرع إلَّا في الطَّهارة من الحدث الأصغر.
٦ - النَّهي عن خلع الخُفِّ من أجل غسل الرِّجلين؛ لقوله: «أَنْ لا نَنْزِعَ خِفَافَنَا».
٧ - أنَّ النَّوم ناقضٌ للوضوء.
٨ - وجوب خلع الخُفَّين من أجل غسل الجنابة.
٩ - أنَّه لا يجوز المسح بعد انقضاء المدَّة، بل يجب استئناف الطَّهارة وغسل الرِّجلين.
١٠ - التَّوسعة في الرُّخصة للمسافر.
١١ - أنَّ للسَّفر رخصًا يختصُّ بها.
١٢ - مراعاة الشَّريعة في أحكامها لاختلاف الأحوال.
١٣ - أنَّ المشقَّة تجلب التَّيسير.
_________________
(١) مسلمٌ (٢٧٦).
[ ١ / ٨٥ ]
* * * * *
(٧٠) وَعَنْ ثَوْبَانَ ﵁ قَالَ: «بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ سَرِيَّةً، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَمْسَحُوا عَلَى الْعَصَائِبِ يَعْنِي: العَمَائِمَ وَالتَّسَاخِينِ يَعْنِي: الخِفَافَ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ (^١).
* * *
الحديث أصلٌ في جواز المسح على العمامة.
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - بعث الإمام السَّرايا للجهاد، وهو مقيمٌ.
٢ - جواز المسح على العمامة.
٣ - جواز المسح على الخُفَّين.
٤ - أنَّ الأمر يأتي للإباحة.
٥ - أنَّ المسح لا يتقيَّد بمدَّةٍ؛ لأنَّ الحديث مطلقٌ، وفي حديث صفوان وعليٍّ ﵃ تقييد المسح على الخُفَّين بمدَّةٍ، كما مرَّ، فيجب حمل المطلق على المقيَّد. وحكم المسح على العمامة في ذلك كحكم المسح على الخفَّين.
٦ - جواز المسح على العمامة والخُفَّين على أيِّ حالٍ كان لبسهما، ولكن دلَّ حديث المغيرة المتقدِّم (^٢) وغيره على اشتراط لبس الخُفَّين على طهارةٍ وأنَّ ذلك علَّة المسح، وحكم العمامة في ذلك كالخفَّين، فيشترط لجواز المسح اللُّبس على طهارةٍ.
٧ - توجيه الإمام من يبعثه في أمرٍ إلى ما يحتاج إليه.
* * * * *
_________________
(١) أحمد (٢٢٣٨٣)، وأبو داود (١٤٦)، والحاكم (٦٠٤).
(٢) تقدَّم برقم (٦٥).
[ ١ / ٨٦ ]
(٧١) وَعَنْ عُمَرَ ﵁ مَوْقُوفًا، وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ مَرْفُوعًا: «إذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ وَلَبِسَ خُفَّيْهِ فَلْيَمْسَحْ عَلَيْهِمَا وَلْيُصَلِّ فِيهِمَا، ولا يَخْلَعْهُمَا -إنْ شَاءَ- إِلَّا مِنْ جَنَابَةٍ». أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ (^١).
(٧٢) وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «أَنَّهُ رَخَّصَ لِلْمُسَافِرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ، وَلِلْمُقِيمِ يَوْمًا وَلَيْلَةً، إذَا تَطَهَّرَ فَلَبِسَ خُفَّيْهِ أَنْ يَمْسَحَ عَلَيْهِمَا». أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ (^٢).
(٧٣) وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ عِمَارَةَ ﵁، أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ؟ قَالَ: «نَعَمْ» قَالَ: يَوْمًا؟ قَالَ: «نَعَمْ» قَالَ: وَيَوْمَيْنِ؟ قَالَ: «نَعَمْ» قَالَ: وَثَلَاثَةَ أَيَّامٍ؟ قَالَ: «نَعَمْ، وَمَا شِئْتَ». أَخْرَجَهُ أبو دَاوُدَ وَقَالَ: لَيْسَ بِالقَوِيِّ (^٣).
* * *
وفي الأحاديث فوائد؛ منها:
١ - جواز المسح على الخُفَّين.
٢ - التَّخيير بين المسح على الخُفَّين أو خلعهما وغسل الرِّجلين؛ لقوله: «إنْ شَاءَ»، لكن لا زهدًا في الرُّخصة ولا تحرُّجًا.
٣ - اشتراط لبس الخُفَّين على طهارةٍ لجواز المسح؛ لقوله: «إِذَا تَوَضَّأَ»، «إذا تطهَّر».
٤ - وجوب خلع الخُفَّين للغسل من الجنابة، فلا يجزئ المسح عليها في الغسل من الجنابة وهذا مجمعٌ عليه.
٥ - أنَّ المسح على الخُفَّين موقَّتٌ بيومٍ وليلةٍ للمقيم، وثلاثة أيَّامٍ للمسافر، فلا يجوز المسح بعد انقضاء المدَّة.
_________________
(١) الدارقطنيُّ (٧٧٩، ٧٨٠)، والحاكم (٦٤٦).
(٢) الدارقطنيُّ (٧٤٧)، وابن خزيمة (١٩٢).
(٣) أبو داود (١٥٨).
[ ١ / ٨٧ ]
٦ - أنَّ المسح على الخُفَّين رخصةٌ.
٧ - رحمة الله بعباده بتيسير شرائعه.
٨ - وفي حديث أُبيٍّ: جواز المسح على الخُفَّين وأنَّه غير موقَّتٍ بمدَّةٍ، ولكنَّ الحديث ليس بالقويِّ فلا يقاوم الأحاديث المستفيضة الدَّالَّة على التَّوقيت.
وبهذا يعلم أنَّ الصَّواب: قول من يقول بتوقيت المسح بما ورد في حديث صفوان وعليٍّ وأبي بكرة، وهم الجمهور، وجمع بعض أهل العلم بين حديث أُبيٍّ وهذه الأحاديث بحمل حديث أُبيٍّ على من يتضرَّر بمراعاة التَّوقيت؛ كصاحب البريد والمريض، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيميَّة (^١). والله أعلم.
* * * * *
_________________
(١) «الفتاوى الكبرى» (١/ ٤٢٠).
[ ١ / ٨٨ ]