المَوَاقِيتُ: جمع ميقاتٍ؛ وهو: الوقت المحدود لأمرٍ ما، ويطلق على المكان المحدود كذلك، كما في مواقيت الإحرام.
وَالمَقْصُودُ بِهَذَا البَابِ: بيان أوقات الصَّلوات الخمس، بذكر الأحاديث الدَّالَّة عليها من السُّنَّة، فإنَّها مبيِّنةٌ لما أجمل في القرآن؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا (١٠٣)﴾ [النساء: ١٠٣]، وقوله: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا (٧٨)﴾ [الإسراء: ٧٨].
* * * * *
(١٦٦) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو ﵃، أَنَّ نَبِيَّ اللهِ ﷺ قَالَ: «وَقْتُ الظُّهْرِ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ، وكَانَ ظِلُّ الرَّجُلِ كَطُولِهِ مَا لَمْ يَحْضُرْ وَقْتُ الْعَصْرِ، وَوَقْتُ الْعَصْرِ مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ، وَوَقْتُ صَلاةِ الْمَغْرِبِ مَا لَمْ يَغِبِ الشَّفَقُ، وَوَقْتُ صَلاةِ العِشَاءِ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ الأَوْسَطِ، وَوَقْتُ صَلاةِ الصُّبْحِ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ مَا لَمْ تَطْلُعِ الشَّمْسُ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^١).
* * *
هذا الحديث أصلٌ في بيان مواقيت الصَّلوات الخمس، وهو أجمع حديثٍ بيَّن فيه النَّبيُّ ﷺ بقوله أوقات الصَّلاة، فإنَّ ما سواه من أحاديث المواقيت إخبارٌ عن فعله ﷺ. وقد ذكر الحافظ ﵀ أطرافًا منها حسب ما يقتضيه المقام والاختصار.
_________________
(١) مسلمٌ (٦١٢).
[ ١ / ١٨٥ ]
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - أوَّل وقت الظُّهر؛ وهو زوال الشَّمس، وذلك بإجماع العلماء.
٢ - آخر وقت الظُّهر؛ وهو إذا صار ظلُّ الشَّيء مثله؛ لقوله ﷺ: «وَكَانَ ظِلُّ الرَّجُلِ كَطُولِهِ»، وعنده يحضر وقت العصر، وإليه ذهب الجمهور لهذا الحديث. وذهب أبو حنيفة إلى أنَّ آخر وقت الظُّهر إذا صار ظلُّ الشَّيء مثليه، وحينئذٍ يدخل وقت العصر عنده.
٣ - أوَّل وقت العصر.
٤ - آخر وقت العصر الاختياريِّ، وهو اصفرار الشَّمس.
٥ - أوَّل وقت المغرب؛ وهو غروب الشَّمس، كما يدلُّ عليه اسم هذه الصَّلاة.
٦ - آخر وقت صلاة المغرب؛ وهو مغيب الشَّفق، وهو الحمرة كما سيأتي.
٧ - آخر وقت صلاة العشاء؛ وهو نصف اللَّيل.
٨ - أوَّل وقت صلاة الصُّبح؛ وهو طلوع الفجر.
٩ - آخر وقت صلاة الصُّبح؛ وهو طلوع الشَّمس.
١٠ - بيان مواقيت الصَّلاة بالتَّحديد لأوَّلها وآخرها، وقد دلَّ على ذلك أيضًا حديث جبريل عندما صلَّى بالنَّبيِّ ﷺ في يومين في أوَّل الوقت وفي آخره (^١).
وقد أجمع العلماء على أوائل أوقات الصَّلاة على ما تقدَّم إلَّا العصر؛ فالجمهور على أنَّ أوَّل وقتها حين يصير ظلُّ الشَّيء مثله، وقال أبو حنيفة: «أوَّل وقتها حين يصير ظلُّ الشَّيء مثليه».
_________________
(١) رواه أحمد (٣٠٨١)، وأبو داود (٣٩٣)، والترمذيُّ (١٤٩)، وابن خزيمة (٣٢٥)، عن ابن عباسٍ ﵃. وصححه ابن عبد البرِّ، ينظر: «التلخيص الحبير» (٢٤٣).
[ ١ / ١٨٦ ]
وأجمع العلماء على أنَّ آخر وقت صلاة الفجر؛ ما لم تطلع الشَّمس. وأنَّ آخر وقت المغرب ما لم يغب الشَّفق. واختلفوا في آخر وقت الظُّهر، فقيل: إذا صار ظلُّ الشَّيء مثله، وهو أوَّل وقت العصر، وعليه؛ فهذا الوقت مشتركٌ بين الظُّهر والعصر، وهذا مذهب الجمهور، وقال أبو حنيفة: «آخر وقت الظُّهر إذا صار ظلُّ الشَّيء مثليه»، وقيل: ما لم تصفرَّ الشَّمس، وقيل: إلى أن يبقى قدر خمس ركعاتٍ قبل أن تغرب الشَّمس، والصَّواب: الأوَّل، وما بعد ذلك فهو وقتٌ للجمع أو للضَّرورة.
واختلفوا في آخر وقت العصر، فقيل: إلى أن يصير ظلُّ الشَّيء مثليه، على ما جاء في حديث جبريل، وقيل: ما لم تصفرَّ الشَّمس، على ما في حديث عبد الله بن عمرٍو ﵃ هذا، وهذا هو الرَّاجح؛ لأنَّ حديث عبد الله متأخِّرٌ، وهو من البيان بالقول لا بالفعل، وقيل: آخر وقت العصر قدر ركعةٍ قبل أن تغرب الشَّمس، والصَّحيح: أنَّ هذا وقت ضرورةٍ لا وقت اختيارٍ. والله أعلم.
واختلفوا في آخر وقت العشاء، فقيل: إلى ثلث اللَّيل؛ لحديث جبريل، وقيل: إلى نصف اللَّيل؛ لحديث عبد الله بن عمرٍو ﵃، وقيل: إلى طلوع الفجر، وممَّن ذهب إلى ذلك أبو حنيفة والشَّافعيُّ، واستدلَّ لهم بحديث أبي قتادة ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لَيْسَ فِي النَّوْمِ تَفْرِيطٌ، إِنَّمَا التَّفْرِيطُ عَلَى مَنْ لَمْ يُصَلِّ الصَّلَاةَ حَتَّى يَجِيءَ وَقْتُ الصَّلَاةِ الأُخْرَى» (^١)، وخصَّ من ذلك صلاة الفجر، فإنَّ ما بعد طلوع الشَّمس ليس وقتًا لها بالإجماع.
وقيل: ما بعد ثلث اللَّيل أو نصفه وقت ضرورةٍ، وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد، وقال ابن حزمٍ: ما بعد نصف اللَّيل ليس وقتًا لصلاة العشاء مطلقًا، كما أنَّ ما بعد طلوع الشَّمس ليس وقتًا لصلاة الصُّبح.
١١ - التَّيسير في أوقات الصَّلاة؛ حيث جعلها الله موسَّعةً.
_________________
(١) رواه مسلمٌ (٦٨١).
[ ١ / ١٨٧ ]
(١٦٧) وَلَهُ (^١) مِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ ﵁ فِي العَصْرِ: «وَالشَّمْسُ بَيْضَاءُ نَقِيَّةٌ».
(١٦٨) وَمِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى ﵁: «وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ» (^٢).
(١٦٩) وَعَنْ أَبِي بَرْزَةَ الأَسْلَمِيِّ ﵁ قَالَ: «كَانَ رَسُول اللهِ ﷺ يُصَلِّي العَصْرَ، ثُمَّ يَرْجِعُ أَحَدُنَا إِلَى رَحْلِهِ فِي أَقْصَى الْمَدِينَةِ وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ، وكَانَ يَسْتحِبُّ أَنْ يُؤَخِّرَ مِنَ الْعِشَاءِ، وَكَانَ يَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَهَا وَالْحَدِيثَ بَعْدَهَا، وَكَانَ يَنْفَتِلُ مِنْ صَلاةِ الْغَدَاةِ حينَ يَعْرِفُ الرَّجُلُ جَلِيسَهُ، وكَانَ يَقْرَأُ بِالسِّتِّينَ إِلَى الْمِئَةِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٣).
(١٧٠) وَعِنْدَهُمَا مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ ﵁: «وَالْعِشَاءُ أَحْيَانًا يُقَدِّمُهَا، وَأَحْيَانًا يُؤَخِّرُهَا، إِذَا رَآهُمُ اجْتَمَعُوا عَجَّلَ، وَإِذَا رَآهُمْ أَبْطَؤُوا أَخَّرَ، وَالصُّبْحُ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّيهَا بِغَلَسٍ» (^٤).
(١٧١) وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى ﵁: «فَأَقَامَ الْفَجْرَ حينَ انْشَقَّ الْفَجْرُ، وَالنَّاسُ لا يَكَادُ يَعْرِفُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا» (^٥).
* * *
هذه الأطراف من حديث بريدة وحديث أبي موسى ﵃ -في العصر والفجر- وحديث أبي برزة، وحديث جابرٍ ﵃ كلُّها أخبارٌ عن هديه ﷺ في وقت أداء الصَّلوات الخمس، وليس فيها تحديدٌ للأوقات، وهي في جملتها تدلُّ على أنَّ هديه ﷺ: التَّبكير بالصَّلوات في أوَّل وقتها؛ إلَّا العشاء فإنَّه ﷺ يستحبُّ تأخيرها؛ لكن يعجِّلها خوف المشقَّة على أصحابه.
_________________
(١) مسلمٌ (٦١٣).
(٢) مسلمٌ (٦١٤).
(٣) البخاريُّ (٥٤١)، ومسلمٌ (٦٤٧).
(٤) البخاريُّ (٥٦٠)، ومسلمٌ (٦٤٦).
(٥) مسلمٌ (٦١٤).
[ ١ / ١٨٨ ]
وفي الأحاديث فوائد؛ منها:
١ - التَّبكير بصلاة الظُّهر؛ لقول أبي برزة ﵁ في أصل الحديث: «كان رسول الله ﷺ يصلِّي الهجير -أي: الظُّهر- حين تدحض الشَّمس»؛ أي: تزول، إلا في شدة الحر؛ لحديث: «إِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ، فَأَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ» (^١).
٢ - التَّبكير بصلاة العصر، كما يدلُّ له قول بريدة ﵁: «والشَّمس بيضاء نقيَّةٌ»، وقول أبي موسى ﵁: «والشَّمس مرتفعةٌ»، وقول أبي برزة ﵁: «ثمَّ يرجع أحدنا إلى رحله في أقصى المدينة والشَّمس حيَّةٌ»؛ أي: لم تزُل حرارتها، ولم يضعف ضوؤها، ولم يدخلها صفرةٌ.
٣ - التَّبكير بصلاة المغرب؛ لقول جابرٍ في أصل حديثه: «والمغرب إذا وجبت»؛ أي: إذا سقطت الشَّمس في الأفق؛ أي: غربت.
٤ - استحباب تأخير صلاة العشاء، إلَّا أن يشقَّ على المأمومين فيستحبُّ تعجيلها.
٥ - أنَّ هديه ﷺ التَّغليس بصلاة الفجر؛ أي: يصلِّيها بغلسٍ؛ وهو اختلاط ظلام اللَّيل بضياء النَّهار، وهو يدلُّ على أنَّه ﷺ يدخل فيها في أوَّل الوقت؛ لقول أبي موسى ﵁: «فأقام الفجر حين انشقَّ الفجر، والنَّاس لا يكاد يعرف بعضهم بعضًا»، وقول أبي برزة ﵁: «وكان ينفتل من صلاة الغداة حين يعرف الرَّجل جليسه»، مع تطويله القراءة ﷺ.
٦ - فضل المبادرة إلى فعل الخيرات من الفرائض، وسائر الطَّاعات، قال تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: ١٤٨].
٧ - ترك الفاضل إلى المفضول دفعًا للمشقَّة.
٨ - رأفة النَّبيِّ ﷺ ورحمته بأصحابه وأمَّته.
_________________
(١) البخاري (٥١٠)، ومسلم (٦١٥).
[ ١ / ١٨٩ ]
٩ - استحباب تطويل القراءة في صلاة الفجر؛ لقوله: «وكان يقرأ بالسِّتِّين إلى المئة»؛ أي: في صلاة الغداة، وهي صلاة الصُّبح، وقوله: «بالسِّتِّين إلى المئة» تحتمل أن يكون في الرَّكعتين، وأن يكون في إحداهما، وشكَّ في ذلك بعض الرُّواة، ولكلٍّ من الاحتمالين شاهدٌ من هديه ﷺ في قراءته في صلاة الصُّبح؛ فيشهد لاحتمال أنَّه في الرَّكعتين قراءته في فجر يوم الجمعة بالسَّجدة والإنسان، ومجموع آياتهما ستُّون، ويشهد للثَّاني ما ورد أنَّه ﷺ قرأ في الفجر سورة الصَّافَّات (^١). نبَّه إلى هذا المعنى الحافظ ابن حجرٍ (^٢) في كلامه على حديث أبي برزة حين ذكره البخاريُّ في باب القراءة في الفجر، والله أعلم.
١٠ - حرص الصَّحابة ﵃ على حضور الصَّلاة مع النَّبيِّ ﷺ؛ لقول أبي برزة ﵁: «ثمَّ يرجع أحدنا إلى رحله في أقصى المدينة».
١١ - كراهة النَّوم قبل صلاة العشاء.
١٢ - كراهة السَّمر بعد العشاء، وخصَّ من ذلك تحدُّث الرَّجل مع أهله، والإمام في مصالح المسلمين، وفي تعليم العلم، من غير تمادٍ يؤدِّي إلى ترك قيام اللَّيل وترك صلاة الفجر.
* * * * *
(١٧٢) وَعَنْ رَافِعِ بنِ خَدِيجٍ ﵁ قَالَ: «كُنَّا نُصَلِّي الْمَغْرِبَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَيَنْصَرِفُ أَحَدُنَا وَإِنَّهُ لَيُبْصِرُ مَوَاقِعَ نَبْلِهِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٣).
* * *
_________________
(١) ينظر: حديث عبد الله بن عمر ﵃ عند أحمد (٤٩٨٩).
(٢) ينظر: «فتح الباري» (٢/ ٢٨٩)، قال ابن حجر: «فقد ثبت أنه ﷺ قرأ في الصبح بالصافات …».
(٣) البخاريُّ (٥٥٩)، ومسلمٌ (٦٣٧).
[ ١ / ١٩٠ ]
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - بيان هديه ﷺ في وقت صلاة المغرب.
٢ - أنَّ السُّنَّة التَّبكير بصلاة المغرب.
٣ - عدم التَّطويل في صلاة المغرب.
٤ - صلاة المغرب جماعةً.
٥ - ضبط الوقت بمدى الرُّؤية.
٦ - الرَّدُّ على الرَّافضة الذين لا يصلُّون المغرب حتَّى تشتبك النُّجوم.
٧ - عناية الصَّحابة ﵃ بالرَّمي.
* * * * *
(١٧٣) وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: أَعْتَمَ النَّبِيُّ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ بِالعِشَاءِ، حَتَّى ذَهَبَ عَامَّةُ اللَّيْلِ، ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى، وَقَالَ: «إِنَّهُ لَوَقْتُهَا لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^١).
* * *
قولها ﵂: «أعتم»؛ أي: دخل في العتمة، وهي: ظلمة اللَّيل.
وقولها ﵂: «عامَّة اللَّيل»؛ أي: كثيرٌ من اللَّيل.
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - استحباب تأخير صلاة العشاء ما لم يخش خروج الوقت، وما لم يشقَّ على المأمومين.
٢ - تعمُّد التَّأخير -وإن شقَّ- لقصد التّعليم والبيان.
٣ - شفقته ﷺ على أمَّته.
٤ - ترك الأفضل لدفع المشقَّة، ففيه شاهدٌ لقاعدة: (المشقَّة تجلب التَّيسير)، وقاعدة: (درء المفاسد مقدَّمٌ على جلب المصالح).
_________________
(١) مسلمٌ (٦٣٨).
[ ١ / ١٩١ ]
٥ - إيثاره ﷺ الأيسر من الأمرين، وإن كان الآخر أفضل.
٦ - أنَّ الأمر يقتضي الوجوب، كما جاء في روايةٍ: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي -أَوْ عَلَى النَّاسِ- لأَمَرْتُهُمْ بِالصَّلَاةِ هَذِهِ السَّاعَةَ» (^١).
٧ - أنَّ الغالب من هديه ﷺ عدم تأخير العشاء لآخر وقتها.
٨ - أنَّ اليسير من النَّوم لا ينقض الوضوء، كما جاء في روايةٍ أنَّ عمر ﵁ قال: «يا رسول الله نام النِّساء والصِّبيان» (^٢).
٩ - جواز الاجتهاد للنبيِّ ﷺ.
١٠ - جواز أن يأمر النَّبيُّ ﷺ باجتهادٍ؛ ويكون أمره ملزمًا.
١١ - احترام الصَّحابة ﵃ للنَّبيِّ ﷺ بانتظارهم إيَّاه، وصبرهم له مع التَّأخير الكثير.
* * * * *
(١٧٤) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ؛ فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٣).
* * *
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - استحباب تأخير صلاة الظُّهر في شدَّة الحرِّ.
والإبراد هو: التَّأخير إلى امتداد الفيء، وانكسار حرارة الرَّمضاء، وليس المراد زوال الرَّمضاء بالكلِّيَّة، وبهذا يظهر الجمع بين هذا الحديث وحديث خبَّابٍ ﵁: «شكونا إلى رسول الله ﷺ الصَّلاة في الرَّمضاء، فلم يشكنا» (^٤).
_________________
(١) رواه البخاريُّ واللفظ له (٧٢٣٩)، ومسلمٌ (٦٤٢) عن ابن عباس ﵃.
(٢) رواه البخاريُّ (٥٦٦)، ومسلمٌ (٦٣٨).
(٣) البخاريُّ (٥٣٦)، ومسلمٌ (٦١٥).
(٤) رواه مسلمٌ (٦١٩).
[ ١ / ١٩٢ ]
وقيل: إنَّ الأمر للوجوب على الأصل، والجمهور على أنَّه للاستحباب، ثمَّ قيل: إنَّ استحباب الإبراد عامٌّ لكلِّ مصلٍّ، وقيل: إنَّه خاصٌّ بمن يلحقه مشقَّةٌ بالتَّعجيل في شدَّة الحرِّ، وهذا -والله أعلم- أظهر، وإذا كانت المشقَّة في التَّأخير لسببٍ ما، كان التَّعجيل أفضل، كما كان النَّبيُّ ﷺ يراعي ذلك في صلاة العشاء، إذا رآهم اجتمعوا عجَّل، وإذا رآهم أبطؤوا تأخَّر.
٢ - أنَّ الأصل في الظُّهر فعلها في أوَّل وقتها.
٣ - تخصيص أدلَّة المسارعة في الخيرات.
٤ - تعليل الأحكام.
٥ - حسن تعليمه ﷺ ببيان علَّة الحكم.
٦ - أنَّ شدَّة الحرِّ من فيح جهنَّم، و«من»: للتَّبعيض، أو للتَّشبيه، ويرجِّح الأوَّل قوله ﷺ: «اشْتَكَتِ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا، فَقَالَتْ: يَا رَبِّ أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا؛ فَأَذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ، نَفَسٍ فِي الشِّتَاءِ ونَفَسٍ فِي الصَّيْفِ» (^١).
٧ - أنَّ النَّار موجودةٌ الآن.
* * * * *
(١٧٥) وَعَنْ رَافِعِ بنِ خَدِيجٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَصْبِحُوا بِالصُّبْحِ؛ فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لأُجُورِكُمْ». رَوَاهُ الخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ (^٢).
* * *
_________________
(١) رواه البخاريُّ (٣٢٦٠)، ومسلمٌ (٦١٧) عن أبي هريرة ﵁.
(٢) أحمد (١٧٢٥٧)، وأبو داود (٤٢٤)، والترمذيُّ (١٥٤)، والنَّسائيُّ في «الكبرى» (١٥٤٣)، وابن ماجه (٦٧٢)، وابن حبان (١٤٩٠).
[ ١ / ١٩٣ ]
استدلَّ بهذا الحديث من يرى تأخير صلاة الفجر إلى وقت الإسفار؛ وهو ذهاب الغلس، وقد ذهب إلى ذلك أبو حنيفة وأصحابه، وذهب الجمهور من العلماء إلى استحباب التَّغليس بصلاة الفجر؛ عملًا بالأحاديث الدَّالَّة على ذلك كما تقدَّم، وحملوا الإصباح -في هذا الحديث- والإسفار -كما في روايةٍ- على التَّحقُّق من طلوع الفجر، أو تطويل الصَّلاة حتَّى يحصل الإسفار، وهذا أجود، والأولى حمل الإسفار على الإمهال في صلاة الفجر من غير أن يخرج بها عن وقت الغلس.
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - استحباب إطالة صلاة الفجر وإطالة القراءة فيها.
٢ - فضيلة صلاة الفجر.
٣ - تفاضل الأعمال في الأجور.
٤ - التَّعبير عن الصَّلاة بوقتها، وهو من مجاز الحذف؛ أي: أصبحوا بصلاة الصُّبح.
٥ - تسمية الثَّواب أجرًا، وشواهد هذا المعنى في القرآن كثيرةٌ؛ كقوله تعالى: ﴿لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُون (٨)﴾ [فصلت: ٨].
* * * * *
(١٧٦) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الصُّبْحِ رَكْعَةً قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ، وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الْعَصْرَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١).
(١٧٧) وَلِمُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ نَحْوُهُ، وَقَالَ: «سَجْدَةً» بَدَلَ «رَكْعَةً»، ثُمَّ قَالَ: «وَالسَّجْدَةُ إِنَّمَا هِيَ الرَّكْعَةُ» (^٢).
* * *
_________________
(١) البخاريُّ (٥٧٩)، ومسلمٌ (٦٠٨).
(٢) مسلمٌ (٦٠٩).
[ ١ / ١٩٤ ]
تقدَّم في حديث عبد الله بن عمرٍو ﵃ أنَّ وقت الفجر ما لم تطلع الشَّمس، ووقت العصر ما لم تصفرَّ الشَّمس، وهذا الحديث موافقٌ لحديث عبد الله بن عمرٍو ﵃ في آخر وقت صلاة الفجر، ودالٌّ على الزِّيادة في وقت صلاة العصر إلى غروب الشَّمس.
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - أنَّ وقت الفجر إلى طلوع الشَّمس.
٢ - أنَّ وقت العصر إلى غروب الشَّمس.
٣ - أنَّ من أدرك ركعةً من صلاة الصُّبح قبل طلوع الشَّمس فقد أدرك الصَّلاة في وقتها، ومن أدرك ركعةً من العصر قبل غروب الشَّمس فقد أدرك العصر في وقتها، وهذا محمولٌ عند العلماء على حال الضَّرورة؛ كحائضٍ طهرت، وصبيٍّ بلغ، وكافرٍ أسلم، ونائمٍ استيقظ من نومه، وعلى هذا؛ فلا يجوز تعمُّد تأخير الصَّلاة إلى هذه الغاية، فلا يجوز تعمُّد تأخير العصر إلى أن تصفرَّ الشَّمس، ولا يجوز تأخير الصُّبح حتَّى لا يبقى إلَّا قدر ركعةٍ.
٤ - جواز فعل فرض الوقت وفعل الفائتة في وقت النَّهي، وقد ذهب الجمهور إلى ذلك، وذهبت الحنفيَّة إلى جواز ذلك في فرض الوقت كركعةٍ من صلاة العصر قبل غروب الشَّمس، ومنعوا ذلك في الفائتة، ولهذا قالوا: من أدرك ركعةً من العصر قبل أن تغرب الشَّمس أتمَّها وصحَّت منه، ومن أدرك ركعةً من الصُّبح فإنَّها لا تصحُّ منه؛ لأنَّ الرَّكعة الثَّانية تقع في وقت النَّهي، فتبطل الرَّكعة الأولى (^١)، وهذا باطلٌ؛ فإنَّه خلاف نصِّ الحديث.
٥ - أنَّ من أدرك أقلَّ من ركعةٍ لم يكن مدركًا للوقت، وذهب بعض العلماء إلى أنَّ من أدرك من الوقت قدر تكبيرةٍ فقد أدرك الوقت، وهذا خلاف ظاهر الحديث.
_________________
(١) ينظر: «عمدة القاري» (٤/ ١٩٧).
[ ١ / ١٩٥ ]
٦ - إطلاق السَّجدة على الرَّكعة، وهذا من التَّعبير بالجزء عن الكلِّ، ونحوه إطلاق الرَّكعة على مجموع أفعال الرَّكعة من ركعات الصَّلاة.
* * * * *
(١٧٨) وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْريِّ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا صَلَاةَ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، ولا صَلَاةَ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١).
(١٧٩) وَلَفْظُ مُسْلِمٍ: «لَا صَلَاةَ بَعْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ».
(١٨٠) وَلَهُ (^٢) عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁: «ثَلَاثُ سَاعَاتٍ كَانَ رَسُول اللهِ ﷺ يَنْهَانَا أَنْ نُصَلِّيَ فيهِنَّ، وَأَنْ نَقْبُرَ فيهِنَّ مَوْتَانَا: حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ بَازِغَةً؛ حَتَّى تَرْتَفِعَ، وَحِينَ يَقُومُ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ؛ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ، وَحِينَ تَتَضَيَّفُ الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ».
والحكم الثَّاني عند الشَّافعيِّ من:
(١٨١) حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ، وَزَادَ: «إِلَّا يَوْمَ الْجُمُعَةِ» (^٣).
(١٨٢) وَكَذَا لأَبِي دَاوُدَ: عَنْ أَبِي قَتَادَةَ نَحْوُهُ (^٤).
* * *
هذان الحديثان صريحان في النَّهي عن الصَّلاة في هذه الأوقات، وهي خمسةٌ:
١ - بعد صلاة الفجر حتَّى تطلع الشَّمس.
٢ - إذا طلعت الشَّمس حتَّى ترتفع.
_________________
(١) البخاريُّ (٥٨٦)، ومسلمٌ (٨٢٧).
(٢) مسلمٌ (٨٣١).
(٣) مسند الشافعيِّ (١٥٧).
(٤) أبو داود (١٠٨٣).
[ ١ / ١٩٦ ]
٣ - حين يقوم قائم الظَّهيرة؛ أي: حين تتوسَّط الشَّمس في كبد السَّماء حتَّى تزول.
٤ - بعد العصر حتَّى تتضيَّف الشَّمس للغروب؛ أي: حين تشرع في الغروب.
٥ - إذا شرعت في الغروب حتَّى يتمَّ.
وهذه الأوقات تنقسم إلى قسمين: وقتان طويلان؛ وهما الأوَّل والرَّابع، وثلاثةٌ قصيرةٌ؛ وهي السَّاعات المذكورة في حديث عقبة؛ وهي الثَّاني والثَّالث والخامس.
وأجمع العلماء على أنَّه لا يدخل في النَّهي عن الصَّلاة بعد الفجر وبعد العصر فرض الوقت.
واختلفوا فيما سوى ذلك من الفوائت، وأنواع التَّطوُّعات، وذهب أبو حنيفة إلى أنَّ النَّهي عامٌّ في جميع الصَّلوات، وخصَّ الجمهور من ذلك الفرائض الفائتة، وخصَّ الشَّافعيُّ من ذلك ذوات الأسباب؛ كتحيَّة المسجد، وركعتي الطَّواف، وصلاة الكسوف.
وعلى هذا، فالمحرَّم تعمُّد الصَّلاة في هذه الأوقات من غير سببٍ. والمخصِّص لأحاديث النَّهي في الصَّلوات الفائتة قوله ﷺ: «مَنْ نَسِيَ صَلاةً أَوْ نَامَ عَنْهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا، لا كَفَّارَةَ لَهَا إِلَّا ذَلِكَ» (^١)، وفي ذوات الأسباب الأحاديث الواردة في مشروعيَّتها؛ كقوله ﷺ: «إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ المَسْجِدَ فَلا يَجْلِسْ حتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ» (^٢)، وقوله ﷺ في صلاة الكسوف: «فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَصَلُّوا وَادْعُوا اللهَ …» (^٣) الحديث.
_________________
(١) رواه البخاريُّ (٥٩٧)، ومسلمٌ (٦٨٤) عن أنسٍ ﵁.
(٢) سيأتي في «باب المساجد» برقم (٢٩٢).
(٣) رواه البخاريُّ (١٢١٢) عن عائشة ﵂.
[ ١ / ١٩٧ ]
وفي الحديثين فوائد؛ منها:
١ - تحريم الصَّلاة في هذه الأوقات الخمسة إلَّا ما خصَّه الدَّليل على ما تقدَّم.
٢ - الحكمة من النَّهي عن الصَّلاة عند طلوع الشَّمس وعند غروبها، وهي عدم مشابهة الكفَّار الَّذين يسجدون للشَّمس عند طلوعها وغروبها، كما جاء النَّصُّ على ذلك في أحاديث أخرى، وهذا من أدلَّة تحريم التَّشبُّه بالكفَّار.
٣ - أنَّ حكمة النَّهي عن الصَّلاة في الوقتين الطَّويلين سدُّ ذريعة التَّشبُّه بالكفَّار، فهو من أدلَّة سدِّ الذَّرائع. وبهذا يتبيَّن أنَّ النَّهي عن الصَّلاة في الوقتين الطَّويلين أخفُّ من الصَّلاة عند طلوع الشَّمس وعند غروبها؛ لأنَّ الأوَّل من تحريم الوسائل، والثَّاني من تحريم الغايات.
٤ - تحريم الصَّلاة عند توسُّط الشَّمس في كبد السَّماء، وهو حين يقف الظِّلُّ قبيل زوال الشَّمس، وخصَّ من ذلك يوم الجمعة لمن حضرها؛ لما جاء في الآثار من أنَّ الصَّحابة ﵃ كانوا يصلُّون حتَّى يخرج الإمام (^١).
٥ - تحريم دفن الميِّت في السَّاعات الثَّلاث؛ لقوله: «وأن نقبر فيهنَّ موتانا».
* * * * *
_________________
(١) ومن ذلك ما أخرجه مالكٌ في «الموطأ» (٢٣٣) عن ثعلبة بن أبي مالكٍ القرظيِّ ﵁؛ «أنهم كانوا في زمان عمر بن الخطاب ﵁ يصلون يوم الجمعة حتَّى يخرج عمر، فإذا خرج عمر وجلس على المنبر وأذَّن المؤذنون قال ثعلبة: جلسنا نتحدث، فإذا سكت المؤذنون وقام عمر يخطب أنصتنا فلم يتكلم منا أحدٌ». صحَّحه النوويُّ في «خلاصة الأحكام» (٢/ ٨٠٨).
[ ١ / ١٩٨ ]
(١٨٣) وَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، لا تَمْنَعُوا أَحَدًا طَافَ بِهَذا الْبَيْتِ وَصَلَّى أَيَّةَ سَاعَةٍ شَاءَ مِنْ لَيْلٍ أوْ نَهَارٍ». رَوَاهُ الخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ (^١).
* * *
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - فضل بني عبد منافٍ، وهو الجدُّ الثَّالث للنَّبيِّ ﷺ.
٢ - اختصاصهم بأمر البيت سدانةً وسقايةً.
٣ - أنَّ لهم أمرًا ونهيًا في المسجد الحرام، وأنَّ أمر الشَّرع فوق أمرهم.
٤ - جواز الطَّواف بالبيت في كلِّ وقتٍ.
٥ - جواز الصَّلاة في المسجد الحرام في كلِّ وقتٍ، فيحتمل أن يكون ذلك مطلقًا بسببٍ أو بغير سببٍ، وقد قيل بذلك في جميع الحرم، وهو المشهور عند الشَّافعيِّ، ويحتمل أن يكون المراد ركعتي الطَّواف؛ لأنَّها من ذوات الأسباب، وهذا الاحتمال أظهر؛ لأنَّه عطف الصَّلاة على الطَّواف بالواو.
٦ - تخصيص أحاديث أوقات النَّهي عن الصَّلاة بهذا الحديث، وقال بذلك جمعٌ من أهل العلم، وذهب آخرون إلى تخصيص حديث جبيرٍ ﵁ هذا بأحاديث النَّهي عن الصَّلاة في الأوقات المخصوصة، كما جاء عن ابن عمر ﵃ أنَّه كان لا يصلِّي ركعتي الطَّواف بعد العصر، وهكذا كلُّ من لا يرى فعل ذوات الأسباب في أوقات النَّهي.
٧ - إقرار النَّبيِّ ﷺ لهم على ما لهم من السِّدانة والسِّقاية.
* * * * *
_________________
(١) أبو داود (١٨٩٤)، والترمذيُّ (٨٦٨)، والنَّسائيُّ (٥٨٤)، وابن ماجه (١٢٥٤)، وأحمد (١٦٧٣٦)، وابن حبان (١٥٥٣).
[ ١ / ١٩٩ ]
(١٨٤) وَعَنِ ابنِ عُمَرَ ﵃ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «الشَّفَقُ الْحُمْرَةُ». رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ (^١)، وَصَحَّحَ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَغَيْرُهُ وَقفَهُ (^٢).
* * *
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - أنَّ الشَّفق الحمرة في الأفق التي تكون بعد غروب الشَّمس، وهذا قول الجمهور، وقال بعض العلماء: الشَّفق: البياض، وقال بعضهم: الشَّفق: الحمرة، ولكن يعرف غيابه بذهاب البياض، ولهذا فرَّق بعضهم بين السَّفر والحضر، ففي الحضر يعتبر ذهاب البياض، وفي السَّفر يعتبر ذهاب الحمرة.
٢ - أنَّ وقت المغرب ينتهي بمغيب الحمرة، كما جاء في حديث عبد الله بن عمرٍو ﵃ (^٣).
٣ - أنَّ دخول وقت العشاء إذا غاب الشَّفق كما تقدَّم.
* * * * *
(١٨٥) وَعَنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵃ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «الْفَجْرُ فَجْرَانِ: فَجْرٌ يُحَرِّمُ الطَّعَامَ وَتَحِلُّ فيهِ الصَّلَاةُ، وَفَجْرٌ تَحْرُمُ فيهِ الصَّلَاةُ -أَيْ: صَلاةُ الصُّبْحِ- وَيَحِلُّ فيهِ الطَّعَامُ». رَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَالحَاكِمُ، وَصَحَّحَاهُ (^٤).
(١٨٦) وَلِلْحَاكِمِ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ ﵁ نَحْوُهُ، وَزَادَ فِي الذِي يُحَرِّمُ الطَّعَامَ: «إِنَّهُ يَذْهَبُ مُسْتَطِيلًا فِي الأُفُقِ»، وَفِي الآخَرِ: «إِنَّهُ كَذَنَبِ السِّرْحَان» (^٥).
* * *
_________________
(١) الدَّارقطنيُّ (١٠٥٦) عن ابن عمر ﵃ مرفوعًا، ورواه موقوفًا من طريقٍ آخر. قال البيهقيُّ في «السنن» (١/ ٣٧٣): «الصحيح موقوفٌ».
(٢) رواه ابن خزيمة (٣٥٤) لكن عن عبد الله بن عمرٍو ﵃ ولم يصححه بل أشار إلى ضعفه. تنبيهٌ: في بعض نسخ «البلوغ»: «وصحح ابن خزيمة، وغيره وقفه على ابن عمر»، والله أعلم. ينظر أيضًا: «التلخيص الحبير» (٢٥١).
(٣) تقدَّم في أول الباب برقم (١٦٦).
(٤) ابن خزيمة (٣٥٦)، والحاكم (٦٩٠).
(٥) الحاكم (٦٩١)، وقال: «وإسناده صحيحٌ».
[ ١ / ٢٠٠ ]
المراد بالفجر: ظهور الضَّوء من قبل المشرق آخر اللَّيل.
وفي الحديثين فوائد؛ منها:
١ - أنَّ الفجر نوعان.
٢ - الفرق بينهما في الصِّفة:
وذلك أنَّ الفجر الأوَّل -ويسمَّى الكاذب- يكون «كَذَنَبِ السِّرْحَان»، أي: عموديًّا رأسيًّا.
والفجر الثَّاني -ويسمَّى الصَّادق- يكون ضوؤه مستطيلًا في الأفق، أي: معترضًا يمينًا وشمالًا.
٣ - الفرق بينهما في الحكم:
- الفجر الكاذب يحلُّ فيه الطَّعام لمن يريد الصَّوم، وتحرم فيه صلاة الفجر.
- الفجر الصَّادق يحرم فيه الطَّعام للصَّائم، وتحلُّ فيه صلاة الفجر.
٤ - وجوب العلم بالفرق بينهما صفةً وحكمًا.
* * * * *
(١٨٧) وَعَنِ ابنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَفْضَلُ الأَعْمَالِ الصَّلَاةُ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا». رَوَاهُ الترمِذِيُّ، وَالحَاكمُ، وَصَحَّحَاهُ، وَأصْلُهُ فِي «الصَّحِيحَيْنِ» (^١).
(١٨٨) وَعَنْ أَبِي مَحْذُورَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «أَوَّلُ الْوَقْتِ رِضْوَانُ اللهِ، وَأَوْسَطُهُ رَحْمَةُ اللهِ، وَآخِرُهُ عَفْوُ اللهِ». أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ جِدًّا (^٢).
_________________
(١) الترمذيُّ (١٧٣)، والحاكم (٦٧٨)، وأصله في البخاريِّ (٥٢٧)، ومسلمٍ (٨٥).
(٢) الدَّارقطنيُّ (١/ ٤٦٩).
[ ١ / ٢٠١ ]
(١٨٩) وَلِلتِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵃ نَحْوُهُ، دُونَ الأَوْسَطِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ أَيْضًا (^١).
* * *
وفي الأحاديث فوائد؛ منها:
١ - فضل الصَّلاة في أوَّل وقتها، ويستثنى من هذا الظُّهر في شدَّة الحرِّ، وصلاة العشاء، فالأفضل فيهما التَّأخير.
٢ - أنَّ الصَّلاة في أوَّل وقتها أفضل الأعمال، ولفظ «الصَّحيحين»: «الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا».
٣ - أنَّ أوقات الصَّلوات موسَّعةٌ، والوقت الموسَّع للعبادة هو ما يتَّسع لأكثر من فعلها.
٤ - إثبات هذه الصِّفات لله: الرِّضا، والرَّحمة، والعفو، وهي ثابتةٌ بالنُّصوص من الكتاب والسُّنَّة الصَّحيحة.
٥ - تفاضل الصَّلاة من حيث الوقت؛ أوَّله، وأوسطه، وآخره.
٦ - تفاضل العاملين بحسب حظِّهم من الفضائل.
* * * * *
(١٩٠) وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا صَلَاةَ بَعْدَ الْفَجْرِ إِلَّا سَجْدَتَيْنِ». أَخْرَجَهُ الخَمْسَةُ إِلَّا النَّسَائِيَّ (^٢).
(١٩١) وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ: «لَا صَلَاةَ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ إِلَّا رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ» (^٣).
(١٩٢) وَمِثْلُهُ لِلدَّارَقُطْنِيِّ عَنِ ابْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ ﵃ (^٤).
_________________
(١) الترمذيُّ (١٧٢).
(٢) أحمد (٥٨١١)، وأبو داود (١٢٧٨)، والترمذيُّ (٤١٩)، وابن ماجه (٢٣٥).
(٣) عبد الرزَّاق في «المصنف» (٤٧٦٠).
(٤) الدَّارقطنيُّ (٩٦٥)، وعبد الرزاق في «المصنف» (٤٧٥٧).
[ ١ / ٢٠٢ ]
الحديثان فيهما فوائد، منها:
١ - أنَّ راتبة الفجر قبليَّةٌ.
٢ - النَّهي عن الصَّلاة بعد طلوع الفجر إلَّا ركعتي الفجر، وخُصَّ من ذلك ذوات الأسباب كركعتي الطَّواف، وتحيَّة المسجد على الصَّحيح كما تقدَّم، وخُصَّ من ذلك أيضًا الوتر لمن نام عنه أو نسيه؛ لحديث أبي سعيدٍ الخدريِّ ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: «مَنْ نَامَ عَنِ الْوِتْرِ أَوْ نَسِيَهُ فَلْيُصَلِّ إِذَا أَصْبَحَ أَوْ ذَكَرَ» (^١).
وقد ذهب الجمهور إلى كراهة التَّطوُّع بالصَّلاة بعد طلوع الفجر؛ لظاهر حديثي ابن عمر، وابن عمرٍو ﵃.
وقال بعض العلماء بجواز التَّطوُّع من غير استحبابٍ. والأظهر: أنَّ النَّهي في الحديثين للتَّحريم؛ كنظائره في أحاديث النَّهي المتقدِّمة. والله أعلم.
* * * * *
(١٩٣) وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ: صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ الْعَصْرَ، ثُمَّ دَخَلَ بَيْتِي، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ. فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: «شُغِلْتُ عَنْ رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ، فَصَلَّيْتُهُمَا الآنَ»، قُلْتُ: أَفَنَقْضِيهِمَا إِذَا فَاتَتَا؟ قَالَ: «لَا». أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ (^٢).
(١٩٤) وَلأَبِي دَاوُدَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ بِمَعْنَاهُ (^٣).
* * *
وفي الحديثين فوائد؛ منها:
١ - مشروعيَّة ركعتين بعد الظُّهر، وهما الرَّاتبة.
_________________
(١) سيأتي برقم (٤٤٥).
(٢) أحمد (٢٦٦٧٨).
(٣) أبو داود (١٢٨٠).
[ ١ / ٢٠٣ ]
٢ - قضاؤهما بعد العصر إذا فاتتا، وكذا سائر الرَّواتب إذا فاتت، وأمَّا رواية: أفنقضيهما إذا فاتتا؟ قال: «لَا»، فمختلفٌ في صحَّتها، ومن صحَّحها قال: لا يجوز قضاء الرَّاتبة بعد العصر.
٣ - جواز قضاء الرَّاتبة بعد العصر؛ لفعله ﷺ، وهذا من أدلَّة جواز فعل ذوات الأسباب في أوقات النَّهي.
٤ - مداومته ﷺ على صلاة الرَّكعتين بعد العصر، كما في «الصَّحيحين» عن عائشة ﵂، قالت: «ما ترك رسول الله ﷺ ركعتين بعد العصر عندي قطُّ» (^١)، وقد أخذ منه بعض العلماء جواز الصَّلاة بعد العصر، وذهب الجمهور إلى أنَّ هذا من خصائصه ﷺ، وهذا هو الصَّواب، وبه يحصل الجمع بين الأدلَّة.
* * * * *
_________________
(١) البخاريُّ (٥٩١)، ومسلمٌ (٨٣٥).
[ ١ / ٢٠٤ ]