النفقات: جمع نَفَقة، وهي اسم مصدر من الإنفاق، وليست من نَفَق الثلاثي، فإنه معنى آخر، والنفقة في اصطلاح الفقهاء: ما يبذل للإنسان لكفايته من طعام وشراب ولباس، وهي حقٌّ للزوجة والقريب والمملوك، كما قال تعالى: ﴿وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، وقال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة: ٢١٥]، وقال سبحانه: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦]، وقال: ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ [الطلاق: ٧].
وباب النفقات من محاسن الإسلام، وهي من جنس ما يسمى بالتكافل الاجتماعي، وتكون واجبة ومستحبة، فتجب للزوجة على زوجها، وللقريب على قريبه الوارث؛ لقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، كما سيأتي بيانه. وتجب للمملوك من الرقيق والبهائم.
ومثل هذه الواجبات أو المستحبات تجري في عرف الناس مجرى العادات لا يفعلها أكثر الناس إلا بحكم العادة، أو للتخلص من المطالبة، لا يفعلونها احتسابًا لنيل الثواب من الله، ولا ينوون بها امتثال أمر الله، فلا تقع منهم على وجه العبادة؛ لأنهم لم يفعلوها لله، فلا يجدون فيها لذة العبادة؛ التي يجدونها في صدقاتهم إذا تصدقوا.
وقد رغَّب النبي ﷺ في إحسان القصد في النفقة على الأهل والعيال حين قال لسعد بن أبي وقاص: «إِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللهِ ﷿ إِلَّا أُجِرْتَ بِهَا، حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فَمِ امْرَأَتِكَ» (^١)، مع أن نفقة المرأة فيها شائبة المعاوضة،
_________________
(١) رواه البخاري (١٢٩٥)، ومسلم (١٦٢٨)؛ عن سعد بن أبي وقاص ﵁.
[ ٢ / ٤٨٨ ]
فكيف بالنفقة على الأولاد، مع صلاح النية، ولهذا كان من المناسب ذكر حديث سعد في باب النفقات، للتنبيه على ما تضمنه من معنى الاحتساب وترتب الثواب، والله أعلم.
* * * * *
(١٢٩٦) عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: دَخَلَتْ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ -امْرَأَةُ أَبِي سُفْيَانَ- عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ. فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ لَا يُعْطِينِي مِنَ النَّفَقَةِ مَا يَكْفِينِي وَيَكْفِي بَنِيَّ إِلَّا مَا أَخَذْتُ مِنْ مَالِهِ بِغَيْرِ عِلْمِهِ، فَهَلْ عَلَيَّ فِي ذَلِكَ مِنْ جُنَاحٍ؟ فَقَالَ: «خُذِي مِنْ مَالِهِ بِالْمَعْرُوفِ مَا يَكْفِيكِ، وَيَكْفِي بَنِيكِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١).
(١٢٩٧) وَعَنْ طَارِقٍ الْمُحَارِبِيِّ قَالَ: قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ، فَإِذَا رَسُولُ اللهِ ﷺ قَائِمٌ يَخْطُبُ وَيَقُولُ: «يَدُ الْمُعْطِي الْعُلْيَا، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ: أُمَّكَ وَأَبَاكَ، وَأُخْتَكَ وَأَخَاكَ، ثُمَّ أَدْنَاكَ أَدْنَاكَ». رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّان وَالدَّارَقُطْنِيُّ (^٢).
* * *
تضمن هذان الحديثان حكم النفقة على الزوجة والولد والقرابة.
وفي الحديثين فوائد؛ منها:
في حديث عائشة ﵂:
١ - وجوب النفقة على الزوج لزوجته، وعلى الأب لأولاده.
٢ - جواز أن تأخذ الزوجة من مال زوجها بغير إذنه لتنفق على نفسها وأولادها.
٣ - جواز ذكر الإنسان بما يكره، وهو غائب، لغرض شرعي؛ كالاستفتاء، وهي من المسائل المستثناة من حكم الغيبة.
_________________
(١) البخاري (٥٣٦٤)، ومسلم (١٧١٤).
(٢) النسائي في «الكبرى» (٢٣٢٣)، وابن حبان (٣٣٤١)، والدارقطني (٢٩٧٦).
[ ٢ / ٤٨٩ ]
٤ - اعتبار العرف في قدر النفقة.
٥ - حسن تصرف هذه المرأة، امرأة أبي سفيان، حيث لم تقدم على ما همَّت به إلا بعد سؤال النبي ﷺ.
٦ - أنه لا يجوز للمرأة أن تسرق من مال زوجها.
٧ - أنه لا يجوز للمرأة أن تأخذ من مال زوجها إلا بإذنه، أو ما أذن به الشرع.
٨ - أن للمرأة ولاية على أولادها.
٩ - أن المعتبر في النفقة الكفاية.
١٠ - أن من له حق عند أحد فيجوز أن يستوفيه من ماله، إذا ظفر بشيء منه، وهذه مسألة الظفر. وخص ذلك بعض المحققين في الحق الظاهر سببُه؛ كالزوجية.
وفي حديث طارق ﵁:
١ - أن السنة للخطيب القيام على المنبر.
٢ - فضل المعطي على الآخذ من جهة العطاء والأخذ.
٣ - فضل الإحسان.
٤ - فضل الاستغناء عما في أيدي الناس.
٥ - فضل القائم على غيره في النفقة، ويشهد لهذا قوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء﴾ [النساء: ٣٤].
٦ - وجوب نفقة القرابة.
٧ - البداءة بمن هم تحت رعاية المنفق، ثم الأقرب فالأقرب.
٨ - تقديم الأبوين والإخوة على من بعدهم.
[ ٢ / ٤٩٠ ]
٩ - البداءة بالأضعف؛ لقوله: «أُمَّكَ وَأَبَاكَ، وَأُخْتَكَ وَأَخَاكَ».
١٠ - أن الحكم يتفاوت بتفاوت علته؛ لقوله: «أُمَّكَ وَأَبَاكَ» إلخ.
١١ - تقرير الأحكام في الخطبة، سواء أكانت خطبةً راتبة كخطبة الجمعة، أم غير راتبة، أي: خطبة عارضة لسبب، كما في قصة بريرة ﵂ (^١)، والرَّهط الذين سألوا عن عمل النبي ﷺ، ثم قالوا ما قالوا (^٢).
* * * * *
(١٢٩٨) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لِلْمَمْلُوكِ طَعَامُهُ وَكِسْوَتُهُ، وَلَا يُكَلَّفُ مِنَ الْعَمَلِ إِلَّا مَا يُطِيقُ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٣).
* * *
هذا الحديث أصل في وجوب نفقة العبد على سيده.
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - ثبوت الرق في الإسلام.
٢ - أن أهم حوائج الإنسان الطعام والكسوة، كما قال تعالى: ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ﴾ [النساء: ٥].
٣ - أن علة هذا الاستحقاق هي الملك. وفي حديث أبي ذر ﵁ في الصحيح (^٤): أن على السيد أن يطعم المملوك مما يأكل، ويلبسه مما يلبس.
٤ - الإرشاد إلى الرفق بالمملوك.
٥ - جواز تكليف المملوك بما يطيق.
٦ - أن المملوك لا يكلَّف من العمل إلا ما يطيق.
_________________
(١) متفق عليه، وتقدم تخريجه برقم (٨٨٤).
(٢) متفق عليه، وتقدم برقم (١٠٩٢).
(٣) مسلم (١٦٦٢).
(٤) رواه البخاري (٣٠)، ومسلم (١٦٦١).
[ ٢ / ٤٩١ ]
٧ - وجوب إعانتهم فيما يعجزون عنه.
٨ - حماية الشرع للحقوق التي بين العباد.
* * * * *
(١٢٩٩) وَعَنْ حَكِيمِ بْنِ مُعَاوِيَةَ الْقُشَيْرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! مَا حَقُّ زَوْجَةِ أَحَدِنَا عَلَيْهِ؟ قَالَ: «أَنْ تُطْعِمَهَا إِذَا طَعِمْتَ، وَتَكْسُوَهَا إِذَا اكْتَسَيْتَ، وَلَا تَضْرِبِ الْوَجْهَ، وَلَا تُقَبِّحْ …». الْحَدِيثَ. وتَقَدَّمَ فِي عِشْرَةِ النِّسَاءِ (^١).
(١٣٠٠) وَعَنْ جَابِر بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَدِيثِ الْحَجِّ بِطُولِهِ قَالَ فِي ذِكْرِ النِّسَاءِ: «وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (^٢).
* * *
هذان الحديثان أصل في وجوب حق المرأة على زوجها.
وفيهما فوائد؛ منها:
١ - أن للمرأة حقًا على الزوج.
٢ - أن من حقها الإنفاق عليها بتوفير الطعام والكسوة. والمعتبر في النفقة من حيث الغنى والفقر: حال الزوج؛ لقوله تعالى: ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ [الطلاق: ٧].
٣ - أن من حق المرأة السكنى، وهو المذكور في قوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ﴾ [الطلاق: ٦].
٤ - أنه لا يجب عليه علاجها إذا مرضت، لكنه من مكارم الأخلاق.
٥ - تحريم التقبيح وضرب الوجه.
٦ - أن تقبيح الرجل للمرأة من الظلم الذي حرمه الله بين العباد.
_________________
(١) تقدم تخريجه برقم (١١٥٧).
(٢) مسلم (١٢١٨).
[ ٢ / ٤٩٢ ]
٧ - أن في الحديث شاهدًا لقوله سبحانه: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، وقوله: ﴿وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣].
٨ - أن للمرأة الفسخ إذا أعسر الزوج بالنفقة، إلا أن تكون تزوجته في حال إعساره، كما يدل لذلك أثر سعيد بن المسيب الآتي في الرجل لا يجد ما ينفق على أهله قال: يفرق بينهما، قال سعيد: سنة، وأثر عمر ﵁ أنه كتب إلى أمراء الأجناد في رجال غابوا عن نسائهم: أن يأخذوهم بأن ينفقوا أو يطلقوا، فإن طلقوا بعثوا بنفقة ما حبسوا (^١).
* * * * *
(١٣٠١) وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ». رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. وَهُوَ عِنْدَ مُسْلِمٍ بِلَفْظِ: «أَنْ يَحْبِسَ عَمَّنْ يَمْلِكُ قُوتَهُ» (^٢).
* * *
في هذا الحديث تغليظ إثم من امتنع عن بذل ما يجب عليه من نفقة زوجة أو قريب أو مملوك أو بهيمة. ومعنى «كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا» أي: كفى المرءَ إثمًا تضييعُه من يقوت. فيفيد أن ذلك إثم عظيم، فهو من كبائر الذنوب. وكفى فعل ماض، والباء حرف زائد داخل على المفعول، و«أَنْ يُضَيِّعَ» مصدر في موضع رفع فاعل.
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - أن الامتناع من بذل النفقة الواجبة حرام.
٢ - أن للحاكم إجباره على أداء الواجب.
_________________
(١) سيأتي تخريجهما قريبًا.
(٢) النسائي في «الكبرى» (٩١٣٢)، ومسلم (٩٩٦).
[ ٢ / ٤٩٣ ]
٣ - جواز تعزيره حتى يؤدي الواجب.
٤ - رعاية الشرع لأصحاب الحقوق بالتحذير من ظلمهم بتضييع حقوقهم.
* * * * *
(١٣٠٢) وَعَنْ جَابِرٍ يَرْفَعُهُ، فِي الْحَامِلِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا قَالَ: «لَا نَفَقَةَ لَهَا». أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، لَكِنْ قَالَ: الْمَحْفُوظُ وَقْفُهُ (^١).
(١٣٠٣) وَثَبَتَ نَفْيُ النَّفَقَةِ فِي حَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ كَمَا تَقَدَّمَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٢).
* * *
هذا الأثر دليل على أن الحامل المتوفى عنها لا نفقة لها؛ لانقطاع السبب الموجب للنفقة؛ لأن فرقة الوفاة فرقة تامة، كبينونة المطلقة ثلاثًا، ولهذا أشار الحافظ إلى حديث فاطمة بنت قيس وقد طلقت ثلاثًا، فأخبرها النبي ﷺ أنه لا نفقة لها. ولكن قال الفقهاء: تجب لها النفقة من أجل الحمل من ماله، أو من مال من تجب عليه نفقته، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦].
* * * * *
(١٣٠٤) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى، وَيَبْدَأُ أَحَدُكُمْ بِمَنْ يَعُولُ»، تَقُولُ الْمَرْأَةُ: أَطْعِمْنِي، أَوْ طَلِّقْنِي. رَوَاهُ الدَّارَقُطْنيُّ، وإسْنَادُهُ حَسَنٌ (^٣).
* * *
_________________
(١) البيهقي (٧/ ٤٣١).
(٢) مسلم (١٤٨٠).
(٣) الدارقطني في «السنن» (٣٧٨٠).
[ ٢ / ٤٩٤ ]
في هذا الحديث الترغيب في الإنفاق الواجب والمستحب؛ لقوله ﷺ: «الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى»، وجاء في رواية عند الطبراني: «يَدُ الْمُعْطِي الْعُلْيَا وَيَدُ الْآخِذِ السُّفْلَى» (^١). وأورده المؤلف لدلالته على نفقة الزوجة.
وقول الحافظ هنا: «إسناده حسن» يوهم أن الحديث كلَّه مرفوع، وقد جاء في صحيح البخاري أن أبا هريرة ﵁ سئل: سمعت هذا من رسول الله؟ قال: «لا، هذا من كيس أبي هريرة» (^٢)، وفي هذا السياق عند الدارقطني خلط، وحملوا ذلك على عاصم بن بهدلة، ولهذا حكم الحافظ في فتح الباري (^٣) أن رفع هذا اللفظ: «تَقُولُ الْمَرْأَةُ: …» خطأ.
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - فضل الإنفاق وشرف المنفِق.
٢ - الترغيب في الزهد عما في أيدي الناس.
٣ - البداءة في نفقة الأقارب بالعيال.
٤ - وجوب النفقة للزوجة.
* * * * *
(١٣٠٥) وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ -فِي الرَّجُلِ لَا يَجِدُ مَا يُنْفِقُ عَلَى أَهْلِهِ- قَالَ: «يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا». أَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ؛ عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْهُ. قَالَ: «فَقُلْتُ لِسَعِيدٍ: سُنَّةٌ؟ فَقَالَ: سُنَّةٌ». وَهَذَا مُرْسَلٌ قَوِيٌّ (^٤).
(١٣٠٦) وَعَنْ عُمَرَ ﵁؛ أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى أُمَرَاءِ الْأَجْنَادِ فِي رِجَالٍ غَابُوا عَنْ نِسَائِهِمْ؛ أَنْ يَأْخُذُوهُمْ بِأَنْ يُنْفِقُوا أَوْ يُطَلِّقُوا، فَإِنْ طَلَّقُوا بَعَثُوا بِنَفَقَةِ مَا حَبَسُوا. أَخْرَجَهُ الشَّافِعِيُّ، ثُمَّ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ (^٥).
* * *
_________________
(١) «المعجم الكبير» (٤٤٠٣)؛ عن رافع بن خديج ﵁.
(٢) البخاري (٥٣٥٥).
(٣) «فتح الباري» (٩/ ٥٠١).
(٤) «سنن سعيد بن منصور» (٢٠٢٢).
(٥) الشافعي (٢/ ٦٥)، والبيهقي (٢٩١٤).
[ ٢ / ٤٩٥ ]
هذان الأثران استدل بهما من ذهب إلى أن إعسار الزوج بالنفقة يوجب أن يكون للمرأة حقُّ الفسخ في هذه الحال؛ فأما أثر سعيد فدلالته على ذلك ظاهرة؛ لأنه قال: «يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا» أي: إذا طلبت المرأة ذلك، وقوله: «سُنَّةٌ» يحتمل أنه أراد سنَّة النبي ﷺ، وهو الأظهر؛ فهو من مراسيل سعيد بن المسيَّب، وهي من أقوى المراسيل عند أهل العلم.
أما أثر عمر فليست دلالته ظاهرة على هذا الحكم، أعني التفريق بالإعسار بالنفقة، لأن قوله: «أَنْ يُنْفِقُوا» وقوله: «فَإِنْ طَلَّقُوا بَعَثُوا بِنَفَقَةِ مَا حَبَسُوا»، ليس فيه ذكر للإعسار، بل ظاهره أنهم قادرون، ولا شك أن من امتنع من النفقة على امرأته وهو قادر؛ أنَّه يجبر على الإنفاق أو يفرق بينهما، وقد اختلف العلماء في هذه المسألة؛ فذهب الجمهور إلى ما دلَّ عليه أثر سعيد بن المسيَّب، وقالوا: إذا أعسر الزوج بالنفقة فُرِّق بينهما، وقاسوا ذلك على العجز عن الوطء، والضرورة إلى الطعام أشدُّ من ضرورة الاستمتاع.
وذهب جماعة من أهل العلم إلى أن الإعسار بالنفقة لا يوجب التفريق، ولا يجعل للمرأة حق الفسخ، وقد قال الله ﷾: ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا (٧)﴾ [الطلاق: ٧]، قالوا: ولم ينقل عن أحد من الصحابة أو التابعين أنه فُرِّق بينه وبين امرأته لإعساره، مع ما نقل من قلة ذات اليد عن كثير منهم، وهو مذهب أبي حنيفة وأهل الظاهر، ونصره ابن القيم ﵀ في «زاد المعاد» (^١)، وتوسط بعضهم فقال: لا يفرق بينهما، لكن على الزوج أن يمكنها من الاكتساب.
وفي الأثرين فوائد؛ منها:
١ - منزلة سعيد بن المسيب في الفتوى.
٢ - بعث عمر ﵁ الجنود للجهاد وحماية البلاد.
_________________
(١) «زاد المعاد» (٥/ ٥١١).
[ ٢ / ٤٩٦ ]
٣ - رعاية عمر ﵁ لحقوق المُغِيبات على أزواجهن.
٤ - أن نفقة الزوجة لا تسقط بمضي الزمن؛ لقوله: «فَإِنْ طَلَّقُوا بَعَثُوا بِنَفَقَةِ مَا حَبَسُوا».
٥ - وجوب النفقة على الزوج لامرأته وإن كان غائبًا للجهاد.
٦ - أن لغياب الرجل عن امرأته مدة مقدَّرة، وهي أربعة أشهر، كما جاء في أثر عن عمر (^١).
* * * * *
(١٣٠٧) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! عِنْدِي دِينَارٌ؟ قَالَ: «أَنْفِقْهُ عَلَى نَفْسِكَ». قَالَ: عِنْدِي آخَرُ؟ قَالَ: «أَنْفِقْهُ عَلَى وَلَدِكَ». قَالَ: عِنْدِي آخَرُ؟ قَالَ: «أَنْفِقْهُ عَلَى أَهْلِكَ». قَالَ: عِنْدِي آخَرُ، قَالَ: «أَنْفِقْهُ عَلَى خَادِمِكَ». قَالَ عِنْدِي آخَرُ، قَالَ: «أَنْتَ أَعْلَمُ». أَخْرَجَهُ الشَّافِعِيُّ وَاللَّفْظُ لَهُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَالْحَاكِمُ بِتَقْدِيمِ الزَّوْجَةِ عَلَى الْوَلَدِ (^٢).
* * *
هذا الحديث أصل في باب النفقات.
وفيه فوائد؛ منها:
١ - أن نفقة الإنسان على نفسه مقدمة على نفقة غيره.
٢ - تقديم نفقة الولد على الزوجة.
_________________
(١) رواه البيهقي في سننه (١٧٦٧٣)، وعبد الرزاق في مصنفه (١٢٥٩٤)؛ أن عمر بن الخطاب ﵁ سأل حفصة ﵄: «كَمْ أَكْثَرُ مَا تَصْبِرُ الْمَرْأَةُ عَنْ زَوْجِهَا؟ فَقَالَتْ: سِتَّةَ أَوْ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ. فَقَالَ عُمَرُ ﵁: لَا أَحْبِسُ الْجَيْشَ أَكْثَرَ مِنْ هَذَا».
(٢) الشافعي (٢٠٩)، وأبو داود (١٦٩١)، والنسائي (٢٥٣٥)، والحاكم (١٥١٤).
[ ٢ / ٤٩٧ ]
٣ - وجوب النفقة على الخادم، وهو الأجير أو المملوك.
٤ - أن ما فضل عن النفقات الواجبة فلصاحب المال التصرف فيه بما شاء من مستحب أو مباح.
* * * * *
(١٣٠٨) وَعَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! مَنْ أَبَرُّ؟ قَالَ: «أُمَّكَ». قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: «أُمَّكَ». قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: «أُمَّكَ». قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: «أَبَاكَ، ثُمَّ الْأَقْرَبَ فَالْأَقْرَبَ». أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ (^١).
* * *
هذا الحديث يدل على صلة الرحم، وأن آكدها برُّ الوالدين، ومناسبة الحديث لباب النفقات ظاهرة؛ فإن النفقة على الوالدين والرحم وسائر القرابة من البر والصلة.
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - مشروعية صلة الرحم، والرحم هي القرابة مطلقًا.
٢ - أن أحق الرحم بالصلة الوالدان.
٣ - أن أحق الوالدين بالبر الأم.
٤ - أن الإحسان إلى الوالدين هو برهما.
٥ - أن صلة الرحم تتفاضل تبعًا لدرجة القرابة، فمن كان أقرب كان أحق بالصلة.
* * * * *
_________________
(١) أبو داود (٥١٣٩)، والترمذي (١٨٩٧).
[ ٢ / ٤٩٨ ]