الهبة: مصدر وهب، وهو بذل ما ينتفع به للغير مجانًا، ويسمى بها الموهوب من التسمية بالمصدر وفي الاصطلاح تبرع جائز التبرع بشيء من ماله مجانا، ويدخل فيها العطية والوصية والصدقة والهدية، والعُمْرَى -وهي مأخوذة من العُمْر - نوع من الهبة، فعطفها عليها من نوع عطف الخاص على العام، وهي ما يقيد بعُمْرِ الموهوب له، كقولك: هي لك عُمْرَكَ، والرُّقْبى نوع من العُمْرَى، وهي التي ترجع إلى صاحبها إذا مات المُعْمَر، وسميت رُقبى لأن كلا من المُعْمِر والمُعْمَر يرقب موت صاحبه، أي: ينتظر موته، فعطف الرُّقْبَى على العُمْرَى من عطف الخاص على العام أيضًا.
* * * * *
(١٠٤٦) عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ﵄؛ أن أَبَاهُ أَتَى بِهِ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَ: إِنِّي نَحَلْتُ ابْنِي هَذَا غُلَامًا كَانَ لِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَكُلَّ وَلَدِكَ نَحَلْتَهُ مِثْلَ هَذَا؟»، فَقَالَ: لَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «فَارْجِعْهُ» (^١).
(١٠٤٧) وَفِي لَفْظٍ: فَانْطَلَقَ أَبِي إِلَى النَّبِيِّ ﷺ لِيُشْهِدَهُ عَلَى صَدَقَتِي. فَقَالَ: «أَفَعَلْتَ هَذَا بِوَلَدِكَ كُلِّهِمْ؟». قَالَ: لَا. قَالَ: «اتَّقُوا اللهَ، وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ». فَرَجَعَ أَبِي، فَرَدَّ تِلْكَ الصَّدَقَةَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٢).
(١٠٤٨) وَفِي رِوَايَةٍ لمسلم: قَالَ: «فَأَشْهِدْ عَلَى هَذَا غَيْرِي»، ثُمَّ قَالَ: «أَيَسُرُّكَ أَنْ يَكُونُوا لَكَ فِي الْبِرِّ سَوَاءً؟» قَالَ: بَلَى، قَالَ: «فَلَا إِذًا» (^٣).
_________________
(١) البخاري (٢٥٨٦)، ومسلم (١٦٢٣).
(٢) البخاري (٢٥٨٧)، ومسلم (١٦٢٣).
(٣) مسلم (١٦٢٣).
[ ٢ / ٣١٢ ]
هذا الحديث أصل في وجوب العدل بين الأولاد في العطية.
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - جواز أن يحب الوالد بعض أولاده أكثر من غيره؛ لأسباب تقتضي ذلك؛ فإن المحبة مما لا يملك الإنسان التسوية فيه.
٢ - أنه لا يجوز للوالد تخصيص بعض أولاده بعطية، وإن كان أحب إليه من غيره.
٣ - وجوب العدل بين الأولاد في العطية، واختلف العلماء في حكم العدل بين الأولاد في العطية؛ فقيل: مستحب، فيجوز التفضيل، والحديث حجة عليهم، وقيل: واجب، وهو الصواب، فيحرم تفضيل بعضهم على بعض. واختلفوا في صفة التسوية بينهم؛ فقيل ذكرهم وأنثاهم سواء، وقيل: كالميراث، للذكر مثل حظ الأنثيين، وظاهر الحديث التسوية بين الذكر والأنثى.
٤ - أن تفضيل بعض الأولاد في العطية جور.
٥ - جواز الرق في الإسلام.
٦ - مشروعية الاستفصال عند الاحتمال؛ لقوله: «أَكُلَّ وَلَدِكَ نَحَلْتَهُ مِثْلَ هَذَا؟».
٧ - تحريم الشهادة على الجور.
٨ - أن الأمر يأتي للتوبيخ لا للإذن؛ لقوله ﷺ: «فَأَشْهِدْ عَلَى هَذَا غَيْرِي».
٩ - أن شهادة النبي ﷺ على الشيء تدل على جوازه.
١٠ - أن شهادته ﷺ أوثق من كل شهادة تكون من إنسان.
١١ - أن العدل بين الأولاد من أسباب برهم، وأن الجور من أسباب عقوقهم.
[ ٢ / ٣١٣ ]
١٢ - جواز أن يقسم الوالد ماله بين أولاده إذا عدل في ذلك.
١٣ - أن التسوية بين الأولاد تكون في العطية لا في النفقة.
١٤ - أن النهي يقتضي الفساد وأن العقد الفاسد لا ينفذ.
١٥ - فضيلة بشير بن سعد في الرجوع إلى الحق، وطاعة النبي ﷺ.
١٦ - أنه يجب على الابن المُفَضَّل أن يرد عطيته على إخوته بعد موت أبيه، إلا أن تطيب نفوسهم.
* * * * *
(١٠٤٩) وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَقِيءُ، ثُمَّ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١).
(١٠٥٠) وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: «لَيْسَ لَنَا مَثَلُ السَّوْءِ، الَّذِي يَعُودُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَرْجِعُ فِي قَيْئِهِ» (^٢).
(١٠٥١) وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ﵃ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ مُسْلِمٍ أَنْ يُعْطِيَ الْعَطِيَّةَ، ثُمَّ يَرْجِعَ فِيهَا إِلَّا الْوَالِدَ فِيمَا يُعْطِي وَلَدَهُ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، والأربعة، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ (^٣).
* * *
هذان الحديثان أصل في تحريم الرجوع في الهبة إلا هبة الثواب.
وفي الحديثين فوائد؛ منها:
١ - تحريم العود في الهبة بأن يطلب الواهب من الموهوب ردها إليه.
٢ - أنه لا فرق بين أن يكون الواهب غنيًا أو فقيرًا، والموهوب له صغيرًا أو كبيرًا.
_________________
(١) البخاري (٢٥٨٩) ومسلم (١٦٢٢) (٨).
(٢) البخاري (٢٦٢٢).
(٣) أحمد (٢١١٩)، وأبو داود (٣٥٣٩)، والترمذي (٢١٣٢)، والنسائي في «الكبرى» (٦٤٩٨)، وابن ماجه (٢٣٧٧)، وابن حبان (٥١٢٣)، والحاكم (٢٢٩٨).
[ ٢ / ٣١٤ ]
٣ - تقبيح العود في الهبة بما ذكر من التشبيه.
٤ - التنفير عن الشيء بتشبيهه بما جبلت النفوس على كراهته والنفرة منه، كما قال تعالى: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ﴾ [الأعراف: ١٧٦].
٥ - جواز عود الأب في عطيته لولده، ويشهد لهذا ما جاء في الحديث: «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ» (^١).
٦ - الإرشاد إلى اجتناب كل ما يتضمن التشبه بالحيوان في أحواله السيئة.
* * * * *
(١٠٥٢) وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ، وَيُثِيبُ عَلَيْهَا. رَوَاهُ البُخَارِيُّ (^٢).
(١٠٥٣) وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: وَهَبَ رَجُلٌ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ نَاقَةً، فَأَثَابَهُ عَلَيْهَا، فَقَالَ: «رَضِيتَ؟» قَالَ: لَا، فَزَادَهُ، فَقَالَ: «رَضِيتَ؟» قَالَ: لَا، فَزَادَهُ، قَالَ: «رَضِيتَ؟» قَالَ: نَعَمْ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّان (^٣).
* * *
هذان الحديثان أصل في جواز الهدية، ومشروعية قبولها والثواب عليها.
وفي الحديثين فوائد؛ منها:
١ - جواز الهدية إذا لم يقصد بها التوصل إلى حرام، فتحرم.
٢ - أن من هديه ﷺ قبول الهدية والثواب عليها.
٣ - حسن خلقه ﷺ.
٤ - مشروعية الثواب على الهدية، فإن كان الثواب على الهدية مقصودًا للمهدي فهي هدية الثواب، والإثابة عليها واجب، كما في قصة الرجل الذي لم
_________________
(١) أحمد (٦٩٠٢)، وابن ماجه (٢٢٩٢)؛ عن عبد الله بن عمرو ﵄.
(٢) البخاري (٢٥٨٥).
(٣) أحمد (٩٥٢)، وابن حبان (٦٣٨٤).
[ ٢ / ٣١٥ ]
يرض إلا بعد الثالث، أما هدية الإكرام فالمكافأة عليها مستحبة، وليس للمهدي المطالبة بالثواب.
* * * * *
(١٠٥٤) وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «الْعُمْرَى لِمَنْ وُهِبَتْ لَهُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١).
(١٠٥٥) وَلِمُسْلِمٍ: «أَمْسِكُوا عَلَيْكُمْ أَمْوَالَكُمْ وَلَا تُفْسِدُوهَا، فَإِنَّهُ مَنْ أَعْمَرَ عُمْرَى فَهِيَ لِلَّذِي أُعْمِرَهَا حَيًا وَمَيِّتًا، وَلِعَقِبِهِ» (^٢).
(١٠٥٦) وَفِي لَفْظٍ: «إِنَّمَا الْعُمْرَى الَّتِي أَجَازَ رَسُولُ اللهِ ﷺ؛ أن يَقُولَ: هِيَ لَكَ وَلِعَقِبِكَ، فَأَمَّا إِذَا قَالَ: هِيَ لَكَ مَا عِشْتَ، فَإِنَّهَا تَرْجِعُ إِلَى صَاحِبِهَا» (^٣).
(١٠٥٧) ولأَبِي دَاوُدَ والنَّسَائِيِّ: «لَا تُرْقِبُوا، وَلَا تُعْمِرُوا، فَمَنْ أُرْقِبَ شَيْئًا أَوْ أُعْمِرَ شَيْئًا فَهُوَ لِوَرَثَتِهِ» (^٤).
* * *
هذا الحديث أصل في جواز العُمرى، وهي -كما تقدم - مأخوذة من العُمْر.
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - جواز العُمْرَى والرُّقْبَى.
٢ - أن العُمْرَى مطلقة أو مقيدة هي للمعمَر ولورثته.
٣ - أن العُمْرَى إذا قيدت بحياة المعْمَر أوعيشه فإنها ترجع بعد موته إلى المعْمِر.
٤ - مشروعية حفظ المال، وعدم تعريضه لفواته على صاحبه.
٥ - اعتبار الشروط في العقود، وأن الوفاء بها من الوفاء بالعقد.
_________________
(١) البخاري (٢٦٢٥)، ومسلم (١٦٢٥) (٢٥).
(٢) مسلم (١٦٢٥) (٢٦).
(٣) مسلم (١٦٢٥) (٢٣).
(٤) أبو داود (٣٥٥٦)، والنسائي (٦٥٢٧).
[ ٢ / ٣١٦ ]
(١٠٥٨) وَعَنْ عُمَرَ ﵁ قَالَ: حَمَلْتُ عَلَى فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللهِ فَأَضَاعَهُ صَاحِبُهُ، فَظَنَنْتُ أَنَّهُ بَائِعُهُ بِرُخْصٍ، فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ. فَقَالَ: «لَا تَبْتَعْهُ، وَإِنْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ …» الْحَدِيثَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١).
(١٠٥٩) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «تَهَادَوْا تَحَابُّوا». رَوَاهُ البُخَارِيُّ فِي «الأَدَبِ الْمُفْرَدِ» وَأَبُو يَعْلَى بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ (^٢).
(١٠٦٠) وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «تَهَادَوْا، فَإِنَّ الْهَدِيَّةَ تَسُلُّ السَّخِيمَةَ». رَوَاهُ البَزّارُ بِإِسْنَادٍ ضَعِيْفٍ (^٣).
(١٠٦١) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «يَا نِسَاءَ الْمُسْلِمَاتِ، لَا تَحْقِرَنَّ جَارَةٌ لِجَارَتِهَا وَلَوْ فِرْسِنَ شَاةٍ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٤).
(١٠٦٢) وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ وَهَبَ هِبَةً، فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا، مَا لَمْ يُثَبْ عَلَيْهَا». رَوَاهُ الْحَاكِمُ وصَحَّحَهُ (^٥)، والمحْفُوظُ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ عُمَرَ قَولُهُ (^٦).
* * *
هذه الأحاديث الخمسة مكمِّلات لما تضمَّنته الأحاديث السابقة، وهذه عادة المؤلف ﵀؛ فإنه يذكر أصول الباب في أوله، ثم يتبعها أحاديث متممات.
وفي الأحاديث فوائد؛ منها:
١ - هبة الفرس أو غيره من آلة الحرب لمن يجاهد عليه في سبيل الله.
_________________
(١) البخاري (٢٦٢٣)، ومسلم (١٦٢٠).
(٢) البخاري في «الأدب المفرد» (٥٩٤)، وأبو يعلى في «المسند» (٦١٤٨).
(٣) البزار (٧٥٢٩).
(٤) البخاري (٢٥٦٦)، ومسلم (١٠٣٠).
(٥) الحاكم (٢٣٢٣).
(٦) قال البخاري: «هذا أصح». ينظر: «التلخيص الحبير» (٣/ ١٥٩).
[ ٢ / ٣١٧ ]
٢ - أن من أخرج شيئًا لله؛ كالزكاة والصدقة لا يحل له شراؤه من المتصدق عليه؛ فإن ذلك نوع من الرجوع.
٣ - فضيلة عمر ﵁، وذلك من جهتين؛ الأولى: تبرعه بالفرس في سبيل الله. الثانية: سؤاله النبي ﷺ عما اشتبه عليه حكمه.
٤ - استحباب الهدية توددًا للجار والقريب والصديق.
٥ - أن الهدية تجلب المودة وتزيل الحقد.
٦ - استحباب هدية المرأة لجارتها بما تيسر، ونساء المسلمات من إضافة الموصوف إلى الصفة، وفرسن الشاة هو الظلف، وهو شيء حقير في العادة.
٧ - أن من أهدى هدية ليثاب عليها فله الرجوع فيها إن لم يثب عليها، وحكمها عند الفقهاء كالبيع.
* * * * *
[ ٢ / ٣١٨ ]