الوصايا: جمع وصيَّة، كهدايا جمع هديَّة، والوصيَّة هي العهد المؤكد بالأمر، وهي تتعلق بالموصي والموصى به والموصى إليه، والموصى له هو الوصي، ويقال للموصى به: وصية، وأصلها مصدر وصَّى يوصِّي توصية ووصيَّة. والوصية في الاصطلاح هي: تبرع الإنسان بمال بعد موته.
* * * * *
(١٠٨٢) عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُرِيدُ أَنْ يُوصِيَ فِيهِ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١).
* * *
هذا الحديث أصل في حكم الوصية، وقد دل على جوازها الكتاب والسنة والإجماع، وتجري فيها الأحكام الخمسة؛ فتجب بوفاء الديون، وتستحب في صدقة التطوع، وتحرم الوصية لوارث أو بأكثر من الثلث، وتُكره من الفقير الذي له وارث، وتباح لصديق، وقوله في الحديث: «مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ» إلخ أي: ليس من حقه ولا يباح له أن يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده، وهذا في الوصية الواجبة، و«مَا» في الحديث نافية، و«حَقُّ» مبتدأ، و«لَهُ شَيْءٌ» في موضع جر صفة لمسلم، وجملة «يُرِيدُ أَنْ يُوصِيَ» في موضع جر صفة لشيء، و«يَبِيتُ» تامة و«لَيْلَتَيْنِ» ظرف، وجملة «يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ» خبر، وجملة «إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ» حال، والاستثناء مفرغ من عموم الأحوال، أي يبيت ليلتين في أي حال من الأحوال إلا ووصيته مكتوبة.
_________________
(١) البخاري (٢٧٣٨)، ومسلم (١٦٢٧).
[ ٢ / ٣٣٩ ]
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - مشروعية المبادرة إلى الوصية فيما تجب فيه وتستحب.
٢ - التنبيه إلى قصر الأمل.
٣ - أن المبادرة إلى الوصية من موجَبات الإسلام.
٤ - التوسعة في تأخير الوصية ليلة، وجاء في رواية مسلم: «ثَلَاثَ لَيَالٍ»، فتكون التوسعة بليلتين.
٥ - أنه لا ينبغي تأخير الوصية ثلاث ليال فأكثر.
٦ - مشروعية كتابة الوصية.
٧ - الاعتماد على الخط المعروف في الوصية.
٨ - إظهار الوصية بجعل كتاب الوصية قريبًا منه حتى لا يحتاج إلى البحث عنها، يؤيده ما جاء في الرواية الأخرى: «وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَ رَأْسِهِ».
٩ - أن من محاسن الإسلام تعظيم حقوق العباد.
* * * * *
(١٠٨٣) وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنَا ذُو مَالٍ، وَلَا يَرِثُنِي إِلَّا ابْنَةٌ لِي وَاحِدَةٌ، أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي؟ قَالَ: «لَا»، قُلْتُ: أَفَأَتَصَدَّقُ بِشَطْرِهِ؟ قَالَ: «لَا»، قُلْتُ: أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثِهِ؟ قَالَ: «الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ، إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١).
* * *
_________________
(١) البخاري (١٢٩٥)، ومسلم (١٦٢٨).
[ ٢ / ٣٤٠ ]
هذا طرف من حديث طويل، وفيه أن النبي ﷺ عاد سعدًا ﵁ في مرضه، وهو بمكة في حجة الوداع، فسأل سعدٌ هذا السؤال، والحديث أصل في مقدار الوصية من المال.
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - مشروعية عيادة المريض، وهي من حق المسلم على المسلم.
٢ - أن من هديه ﷺ عيادة من مرض من أصحابه، بل عيادة الكافر لدعوته إلى الإسلام.
٣ - جواز الوصية ببعض المال بعد الموت.
٤ - جواز الوصية بالثلث فأقل.
٥ - تحريم الوصية بأكثر من ذلك.
٦ - أن سعدًا ﵁ كان من أغنياء الصحابة.
٧ - أن سعدًا حين سؤاله النبي ﷺ لم يكن له إلا ابنة واحدة، وقد رزق بعد ذلك بأولاد كثيرين بنين وبنات.
٨ - استحباب مراعاة حال الورثة في الوصية؛ فإن كانوا أغنياء استحبت الوصية، ولا تزيد على الثلث، وإن كانوا فقراء استحب الغض من الثلث إلى الربع والخمس أو ترك الوصية، سواء أكان الورثة الأولاد أم غيرهم، ويؤجر على ذلك إن كانت له نية.
٩ - أن الغنى قد يراد به حصول الكفاية، وقد يراد به ملك النصاب؛ لقوله ﷺ: «تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ» (^١).
١٠ - أن الغنى خير من الفقر الذي يلجئ للسؤال.
_________________
(١) رواه البخاري (١٤٥٨)، ومسلم (١٩)؛ عن ابن عباس ﵄. وتقدم (٦٨٤).
[ ٢ / ٣٤١ ]
١١ - أن على السائل أن يوضح الحال للمفتي حتى لا يحتاج إلى الاستفصال فيما يختلف فيه الحكم.
١٢ - إجراء الأمور على ظاهر الحال؛ لقوله: «أَنَا ذُو مَالٍ، وَلَا يَرِثُنِي إِلَّا ابْنَةٌ لِي وَاحِدَةٌ».
١٣ - أن من فوائد عيادة المريض نصيحته وإرشاده.
١٤ - جواز تصرف المريض في الجملة.
١٥ - مشروعية السؤال عما يشكل من مسائل الدين.
١٦ - حسن تعليم النبي ﷺ؛ لأنه قال: «وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ»، ثم علله بقوله: «أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ»، إلخ.
١٧ - فضل سعد بن أبي وقاص ﵁ لعيادة النبي ﷺ له، وسؤال سعد النبي ﷺ عن صدقته، وبشارة النبي ﷺ له بقوله: «إِنَّكَ لَنْ تُخَلَّفَ، وَلَعَلَّكَ تُخَلَّفُ حَتَّى يُنْفَعَ بِكَ أَقْوَامٌ، وَيُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ».
١٨ - فيه من فوائد العربية جواز حذف الفاء مع المبتدأ من الجملة الاسمية الواقعة في جواب الشرط؛ لقوله: «خَيْرٌ»، والتقدير: فهو خير، وذلك على رواية: «إِنَّكَ إِنْ تَذَرْ» بكسر همزة (إنَّ).
* * * * *
(١٠٨٤) وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂؛ أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أُمِّي اُفْتُلِتَتْ نَفْسُهَا وَلَمْ تُوصِ، وَأَظُنُّهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ، أَفَلَهَا أَجْرٌ إِنْ تَصَدَّقْتُ عَنْهَا؟ قَالَ: «نَعَمْ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، واللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ (^١).
* * *
_________________
(١) البخاري (١٣٨٨)، ومسلم (١٠٠٤).
[ ٢ / ٣٤٢ ]
هذا الحديث أصل في وصول ثواب الصدقة عن الميت، فهو من أدلة مسألة انتفاع الأموات بسعي الأحياء، فيكون الحديث مخصصًا لقوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى (٣٩)﴾ [النجم: ٣٩]، وقد يقال: إن انتفاع الإنسان بمال غيره أو عمله أوسع من استحقاقه وملكه، فلا يكون هناك تخصيص، وعليه فلا يكون في الآية تخصيص.
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - استحباب الصدقة عن الوالدين.
٢ - أن أجر الصدقة عن الميت للميت، وللمتصدِّق عنه أجر الإحسان.
٣ - أن الوصية لا تثبت بمجرد النية، وإنما تثبت بالكلام.
٤ - أن التسويف في العمل الصالح سبب للفوت.
٥ - العمل بالظن المستند إلى دليل.
٦ - مشروعية الإشهاد على الصدقة الجارية؛ لقول الرجل -وهو سعد بن عبادة - في بعض روايات الحديث للنبي ﷺ: «أُشْهِدُكَ أَنَّ حَائِطِيَ المِخْرَافَ صَدَقَةٌ عَلَيْهَا» (^١).
٧ - فضيلة سعد بن عبادة لبره بأمه.
٨ - الذي ذكر أنه سعد هو ابن عبد البر، كما في الفتح.
* * * * *
_________________
(١) رواه البخاري (٢٧٦٢).
[ ٢ / ٣٤٣ ]
(١٠٨٥) وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ ﵁ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ اللهَ قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْأَرْبَعَةُ إِلَّا النَّسَائِيَّ، وَحَسَّنَهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَوَّاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ الْجَارُودِ (^١).
(١٠٨٦) وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄، وَزَادَ فِي آخِرِه: «إِلَّا أَنْ يَشَاءَ الوَرَثَةُ» (^٢)، وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ.
* * *
هذا الحديث أصل في تحريم الوصية لوارث، وقد استُدل به على نسخ قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِين (١٨٠)﴾ [البقرة: ١٨٠].
والصواب أن الناسخ لآية البقرة آيات المواريث، والحديث مبين لذلك، وقال بعض العلماء: إن آية البقرة محكمة، لكن آيات المواريث مخصصة لها، والسلف يسمون التخصيص نسخًا.
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - أن الله هو المعطي وحده، كما في الحديث: «إِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ، وَاللهُ يُعْطِي» (^٣)، والعطاء من الله كوني وشرعي، والمذكور في الحديث هو الشرعي.
٢ - وجوب الرضا بقسمة الله للمواريث.
٣ - تحريم الوصية للوارث.
٤ - أن الوصية للوارث باطلة.
٥ - جواز إمضائها إذا رضي الباقون من الورثة.
_________________
(١) أحمد (٢٢٢٩٤)، وأبو داود (٣٥٦٥)، والترمذي (٢١٢٠)، وابن ماجه (٢٧١٣)، وابن الجارود في «المنتقى» (٩٠٤٩)، ينظر: «نصب الراية» (٤/ ٤٠٣).
(٢) الدارقطني (٤١٥٠).
(٣) رواه البخاري (٧١)، ومسلم (١٠٣٧)؛ عن معاوية ﵁.
[ ٢ / ٣٤٤ ]
٦ - أن الذي تحرم الوصية له هو الوارث بالفعل بعد الموت، فمن أوصى لغير وارث ثم صار وارثًا بطلت الوصية له، ومن أوصى لوارث ثم صار عند الموت غير وارث فيحتمل أن تصح له الوصية.
٧ - جواز الوصية لغير الوارث، وإن كان من الأقارب.
* * * * *
(١٠٨٧) وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّ اللهَ تَصَدَّقَ عَلَيْكُمْ بِثُلُثِ أَمْوَالِكُمْ عِنْدَ وَفَاتِكُمْ؛ زِيَادَةً فِي حَسَنَاتِكُمْ». رَوَاهُ الدَّارَقُطْنيُّ (^١).
(١٠٨٨) وأَخْرَجَهُ أحمَدُ، والبَزّارُ؛ مِنْ حَدِيْثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ (^٢).
(١٠٨٩) وَابْنُ مَاجَهْ؛ مِنْ حَدِيْثِ أبي هُرَيْرَة (^٣)، وَكُلُّهَا ضَعِيفَةٌ، لَكِنْ قَدْ يَقْوَى بَعْضُهَا بِبَعْضٍ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
* * *
هذا الحديث يشهد لصحة معناه حديث سعد بن أبي وقاص المتقدم، فلو ضم إليه لكان أنسب في الترتيب، ومعنى: «تَصَدَّقَ عَلَيْكُمْ» أي: أباح لكم التصدق بثلث أموالكم وصية بعد الموت.
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - جواز الوصية بثلث فأقل.
٢ - أن الإنسان يثاب على التبرع بعد الموت.
٣ - أنه ليس للإنسان أن يوصي بأكثر من الثلث، ووجهه أن المقام مقام الامتنان، فلو كان يجوز بأكثر من الثلث لذكره.
٤ - أن جواز الوصية بالثلث فضلٌ من الله تعالى.
_________________
(١) الدارقطني (٤٢٨٩).
(٢) أحمد (٢٧٤٨٢)، والبزار (٤١٣٣).
(٣) ابن ماجه (٢٧٠٩).
[ ٢ / ٣٤٥ ]
٥ - أن الوصية بالثلث لا تجوز إلا فيما هو قربة؛ لقوله: «زِيَادَةً فِي حَسَنَاتِكُمْ»، فمن جعل وصيته فيما لا ينفعه في الآخرة من مباح أو حرام وجب صرفها إلى ما هو قربة.
٦ - أن الإنسان ليس حرًّا في ماله يتصرف فيه كيف شاء، بل بإذنه تعالى.
٧ - حاجة العبد إلى زيادة حسناته.
٨ - نسبة التصدق إلى الله، وهو مختص بالعطاء الشرعي، فيشمل معناه جميع الرخص؛ كالقصر والفطر في السفر.
* * * * *
[ ٢ / ٣٤٦ ]