(١٣٦٨) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ ﵄؛ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَعْرَابِ أَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَنْشُدُكَ بِاللهِ إِلَّا قَضَيْتَ لِي بِكِتَابِ اللهِ تَعَالَى، فَقَالَ الْآخَرُ -وَهُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ- نَعَمْ. فَاقَضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللهِ، وَأْذَنْ لِي، فَقَالَ: «قُلْ». قَالَ: إنَّ ابْنِي كَانَ عَسِيفًا عَلَى هَذَا، فَزَنَى بِامْرَأَتِهِ، وَإِنِّي أُخْبِرْتُ أَنَّ عَلَى ابْنِي الرَّجْمَ، فَافْتَدَيْتُ مِنْهُ بِمِائَةِ شَاةٍ وَوَلِيدَةٍ، فَسَأَلَتُ أَهْلَ الْعِلْمِ، فَأَخْبَرُونِي؛ أَنَّمَا عَلَى ابْنِيْ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَأَنَّ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا الرَّجْمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللهِ، الْوَلِيدَةُ وَالْغَنَمُ رَدٌّ عَلَيْكَ، وَعَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَام، وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ إِلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَهَذَا اللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ (^١).
(١٣٦٩) وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «خُذُوا عَنِّي، خُذُوا عَنِّي، فَقَدْ جَعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلًا، الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ؛ جَلْدُ مِائَةٍ وَنَفْيُ سَنَةٍ، وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ؛ جَلْدُ مِائَةٍ، وَالرَّجْمُ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٢).
(١٣٧٠) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: أَتَى رَجُلٌ مِنْ المُسْلِمِينَ رَسُولَ اللهِ ﷺ -وَهُوَ فِي المَسْجِدِ- فَنَادَاهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، إِنِّي زَنَيْتُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، فَتَنَحَّى تِلْقَاءَ وَجْهِهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، إِنِّي زَنَيْتُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، حَتَّى ثَنَّى ذَلِكَ عَلَيْهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، فَلَمَّا شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ دَعَاهُ رَسُولُ الله ﷺ فَقَالَ: «أَبِكَ جُنُونٌ؟» قَالَ: لَا، قَالَ: «فَهَلْ أَحْصَنْتَ؟»، قَالَ: نَعَمْ. فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «اذْهَبُوا بِهِ فَارْجُمُوهُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٣).
_________________
(١) البخاري (٦٨٢٧)، ومسلم (١٦٩٨).
(٢) مسلم (١٦٩٠).
(٣) البخاري (٦٨١٥)، ومسلم (١٦٩١).
[ ٣ / ٥٦ ]
(١٣٧١) وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: لَمَّا أَتَى مَاعِزُ بْنُ مَالِكٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ لَهُ: «لَعَلَّكَ قَبَّلْتَ، أَوْ غَمَزْتَ، أَوْ نَظَرْتَ؟» قَالَ: لَا يَا رَسُولَ الله. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (^١).
* * *
هذه الأحاديث هي الأصل من السنة في حدِّ الزاني المحصَن وهو الرَّجم، والزاني البكر وهو جلد مئة وتغريب عام، رجلًا كان أو امرأة. وأصله من القرآن قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢].
وفي الأحاديث فوائد كثيرة؛ منها:
١ - تحريم الزنا، وقد دلَّ عليه الكتاب والسنة وإجماع الأمة. فتحريمه معلوم من دين الإسلام بالضرورة، فمستحلُّه كافر بالإجماع.
٢ - أن حدَّ الزاني البكر جلدُ مئة وتغريب عام، وحدُّ الثيب الرجم بالحجارة حتى يموت. وأجمع العلماء على أن الزاني البكر يجلد مئة، وقد دلَّ على ذلك الكتاب والسنة، وأجمعوا على أن الزاني المحصَن يرجم، واختلفوا في هذا المقام في مسألتين:
الأولى: في التغريب، وفي الجمع بين الرجم والجلد؛ فذهب الجمهور إلى أن الزاني البكر، رجلًا كان أو امرأة يغرَّب سنة، كما في هذه الأحاديث، وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى عدم التغريب، بناء على أصلهم أن الزيادة على النصِّ نسخٌ، وأن القرآن لا يُنسخ بالسنة، وإنما دلَّ القرآن على الجلد فقط، والصواب ما ذهب إليه جمهور العلماء من الجمع في حدِّ الزاني البكر بين الجلد والتغريب، فالجلد في الكتاب والسنة، والتغريب في السنة، ومنعوا حجة أبي حنيفة، فليست الزيادة على النص نسخًا.
_________________
(١) البخاري (٦٨٢٤).
[ ٣ / ٥٧ ]
المسألة الثانية: الجمع في حدِّ الزاني المحصن بين الجلد والرجم، فذهب الجمهور من الصحابة والتابعين فمن بعدهم إلى عدم الجمع بين الجلد والرجم، والاقتصار على الرجم، وأن ما ورد في حديث عبادة منسوخٌ. واستدلوا بحديث ماعز والغامدية واليهوديين، وليس فيها إلا الرجم، وبحديث عمر ﵁ الآتي؛ أن حدَّ الزاني الرجم. ولعله قد صار إجماعًا. وذهب بعض الصحابة إلى الأخذ بحديث عبادة في الجمع بين الجلد والرجم.
٣ - قبح الفتوى بالجهل، وضلال من يستفتي الجهال.
٤ - الاستئذان من الكبير في الكلام.
٥ - أن الهدى في سؤال أهل العلم.
٦ - أن الحدود لا يعاوض عنها بالمال.
٧ - أن من عاوض عن حدٍّ وجب عليه، فالمال ردٌّ عليه، والحدُّ لازم له.
٨ - التوكيل في إثبات الحد وإقامته.
٩ - أن الهُدَى كل الهُدَى في حكم الله ورسوله ﷺ.
١٠ - أن من قبض مالًا بغير حقٍّ وجب عليه رده على صاحبه، إلا أن يكون قبض عوضًا عنه مالًا أو منفعة.
١١ - أن من الفقه إنزال كل أحد منزلته، ومن أعظم ذلك معرفة منزلة النبي ﷺ.
١٢ - جواز الحلف على ما يعلم العبد أنه محقِّق له وقادر عليه.
١٣ - أن كتاب الله يراد به حكمُه، كما يراد به القرآن، واللفظ في الحديث محتمل.
١٤ - أن نفس العبد ملك لله.
١٥ - أن مما يكثر في قسم النبي ﷺ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ».
[ ٣ / ٥٨ ]
١٦ - أن حد الزاني البكر جلد مئة وتغريب عام.
١٧ - خطر استخدام الرجال في البيوت.
١٨ - أن حدَّ الزاني المحصن الرجم.
١٩ - ثبوت حد الزنا بالاعتراف، مرةً أو أربع مرات، على الخلاف. يدل للقول الأول الحديث الأول في قوله ﷺ: «فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا»، ويدل للثاني الحديثُ الثالث، وهو حديث ماعز ﵁، وفيه؛ أنه اعترف أربع مرات. والأصل ثبوته بأربعة شهداء، كما جاء في القرآن في مواضع، والأصل في الإقرار أنه مرة.
٢٠ - تفسير السبيل في آية النساء: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللّهُ لَهُنَّ سَبِيلا (١٥)﴾ [النساء: ١٥].
٢١ - أن (جَعَل) في القرآن تأتي بمعنى شَرع.
٢٢ - أن العقوبة بحبس الزانية منسوخ، أو انتهى أمده.
٢٣ - أن حكم الرجل والمرأة في حد الزنا سواء، بكرًا أو ثيبًا، وليس من شرط ذلك تساوي الزانيين في البكارة والثيوبة، فلا مفهوم لقوله: «بِالْبِكْرِ» وقوله: «بِالثَّيِّبِ»، لأن المقصود بذلك التسوية بين الرجل والمرأة في الحد.
٢٤ - الجمع في المحصَن بين الرجم والجلد، كما يفيده حديث عبادة، وتقدم القول فيه.
٢٥ - أنه يجب على الأمَّة أخذ بيان الرسول وحكمه ﷺ بالإيمان به والعمل به، ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧].
٢٦ - حرص النبي ﷺ على البلاغ؛ لقوله: «خُذُوا عَنِّي، خُذُوا عَنِّي».
٢٧ - فضيلة ماعز ﵁ لاستعظامه الذنب، وحرصه على التطهير، وإلحاحه على النبي ﷺ في ذلك.
[ ٣ / ٥٩ ]
٢٨ - أن الإنسان مؤتمن على نفسه فيما يخبر به، مما له تعلق بدينه.
٢٩ - أن إقرار زائل العقل لا يعتبر.
٣٠ - أن الزنا الموجب للحد هو زنا الفرج، لا زنا العين والأذن واليد، كما في حديث: «فزِنَا الْعيْنَيْنِ النّظَرُ، وزِنَا اللِّسَانِ النُّطْقُ، وَالنَّفْسُ تَمَنَّى وَتَشْتَهِى، وَالْفَرْجُ يُصدِّقُ ذَلِكَ أَوْ يُكَذِّبُهُ» (^١).
٣١ - أن على الإمام التثبت عند التردد في صحة إقرار المقر.
* * * * *
(١٣٧٢) وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁؛ أَنَّهُ خَطَبَ فَقَالَ: «إِنَّ اللهَ بَعَثَ مُحَمَّدًا بِالْحَقِّ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ، فَكَانَ فِيمَا أَنْزَلَ اللهُ عَلَيْهِ آيَةُ الرَّجْمِ، قَرَأْنَاهَا وَوَعَيْنَاهَا وَعَقَلْنَاهَا، فَرَجَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَرَجَمْنَا بَعْدَهُ، فَأَخْشَى إِنْ طَالَ بِالنَّاسِ زَمَانٌ أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ: مَا نَجِدُ الرَّجْمَ فِي كِتَابِ اللهِ، فَيَضِلُّوا بِتَرْكِ فَرِيضَةٍ أَنْزَلَهَا اللهُ، وَإِنَّ الرَّجْمَ حَقٌّ فِي كِتَابِ اللهِ؛ عَلَى مَنْ زَنَى إِذَا أُحْصِنَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، إِذَا قَامَتْ الْبَيِّنَةُ، أَوْ كَانَ الْحَبَلُ، أَوْ الاعْتِرَافُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٢).
* * *
هذا أثر عظيم عن الخليفة الراشد عمر بن الخطاب ﵁، الذي أعز الله في خلافته الإسلام وأهله، وأذل به الكفر وأهله، تضمن هذا الأثر التنويه بحد الرجم، وأنه شريعة دل عليها القرآن وسنة الرسول ﷺ، كما تضمن الدلالة على الرجم بالإجماع، فقد خطب عمر بذلك على منبر رسول الله ﷺ بمحضر من الصحابة، ولم ينكر عليه ذلك أحد، كما تضمنت خطبته ﵁ ذكر ما يَثبت به الزنا.
_________________
(١) رواه البخاري (٦٢٤٣)، ومسلم (٢٦٥٧)؛ عن أبي هريرة ﵁.
(٢) البخاري (٦٨٢٩)، ومسلم (١٦٩١).
[ ٣ / ٦٠ ]
وفي هذه الخطبة فوائد؛ منها:
١ - أن السنة في الذي يتولى الخطبة هو الإمام.
٢ - فضيلة عمر ﵁، لما تضمنته الخطبة من التأصيل والتعظيم لأحكام الله وتبليغ العلم.
٣ - التمهيد في الخطبة للمقصود منها.
٤ - التنويه بأصلَيْ الشريعة: الكتاب والسنة.
٥ - مبالغة عمر في الإخبار عن نزول آية الرجم في جملة ما نزل من القرآن؛ لقوله: «قَرَأْنَاهَا وَوَعَيْنَاهَا وَعَقَلْنَاهَا».
٦ - أن حدَّ الزاني المحصن الرجم.
٧ - أن الإحصان شرط في حد الرجم.
٨ - أنه قد نزل فيه قرآن كان يتلى، ثم نسخ لفظه وبقي حكمه، ولفظه كما جاء في بعض الروايات: «الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ إِذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا الْبَتَّةَ نَكَالًا مِنْ اللهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ» (^١). وفُسِّر الشيخ بالمحصن.
٩ - أن الرجم الذي كان في عهد النبي ﷺ كان حكمًا بالقرآن.
١٠ - أن حد الرجم لم ينسخ، فقد درج الصحابة ﵃ على رجم الزاني المحصن بعد موت النبي ﷺ؛ لقوله: «وَرَجَمْنَا بَعْدَهُ».
١١ - غلظ تحريم الزنا بعد التمتع بالنكاح المباح.
١٢ - وجوب الإيمان بحد الرجم.
١٣ - التحذير من إنكار حد الرجم.
_________________
(١) عند أحمد (٢١٢٠٧)، وابن حبان (٤٤٢٨)، والحاكم وصحح إسناده (٢/ ٤٥٠)؛ من حديث أبي ﵁، وهي عند النسائي في «الكبرى» (٧١١٨)، والبيهقي في «الكبرى» (٨/ ٢١١)؛ من حديث ابن عباس ﵄، وعزاه للصحيحين؛ ومراده أصل الحديث.
[ ٣ / ٦١ ]
١٤ - وجوب الإيمان بحكمة الله في شرعه، فلا تجوز معارضته برأي ولا قياس.
١٥ - أن إقامة الحدود فريضة من فرائض الإسلام.
١٦ - أن ترك إقامة الحدود ضلال عن صراط الله.
١٧ - أن الزنا يثبت بأحد ثلاثة أمور:
أ. بالبينة، وهي أربعة شهداء، كما دل على ذلك الآيات.
ب. الاعتراف، كما دل على ذلك حديث العسيف وحديث ماعز، كما تقدم، ولا خلاف في ثبوت الزنا بهذين الأمرين.
ج. الحَبَل، وهذا يختص بالمرأة، فإذا حبلت من لا زوج لها ولا سيد ثبت بذلك زناها، ما لم تدع شبهة أو إكراهًا. وقد اختلف العلماء في زنا المرأة بالحَبَل، فذهب الجمهور إلى ما دل عليه قول عمر ﵁، وهو الصواب بالشرط المتقدم. وهو دليل في غاية القوة؛ لأنه قول المحدَّث الملهم ﵁، خطب به بمشهد من الصحابة.
١٨ - توقع أمير المؤمنين ﵁ حصول ذلك، وقد وقع ذلك، فقد أنكرت الخوارج حد الرجم، وقالوا: لا نجده في كتاب الله.
* * * * *
(١٣٧٣) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «إِذَا زَنَتْ أَمَةُ أَحَدِكُمْ، فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا، فَلْيَجْلِدْهَا الحَدَّ، وَلَا يُثَرِّبْ عَلَيْهَا، ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَلْيَجْلِدْهَا الحَدَّ، وَلَا يُثَرِّبْ عَلَيْهَا، ثُمَّ إِنْ زَنَتِ الثَّالِثَةَ فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا، فَلْيَبِعْهَا وَلَوْ بِحَبْلٍ مِنْ شَعَرٍ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَهَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ (^١).
_________________
(١) البخاري (٢١٥٢)، ومسلم (١٧٠٣).
[ ٣ / ٦٢ ]
(١٣٧٤) وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «أَقِيمُوا الحُدُودَ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. وَهُوَ فِي مُسْلِمٍ مَوْقُوفٌ (^١).
* * *
حديث أبي هريرة وأثر علي ﵄ هما الأصل من السنة في وجوب الحدود على الرقيق.
وفيهما فوائد؛ منها:
١ - وجوب إقامة حد الزنا على الأمة بكرًا كانت أو ثيبًا، وهو خمسون جلدة؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥]، والمراد بالعذاب الجلد.
٢ - أن شرط إقامة الحد على الأمة أن يتبين زناها للسيد بأيِّ طريق؛ بحبَل أو اعتراف أو برؤية السيد لها.
٣ - أنها لا تحد بعد زناها الثالثة، بل يندب بيعها.
٤ - أنه لا يجوز التثريب عليها بعد إقامة الحد، ولا تعييرها ولا توبيخها، وذهب جمهور العلماء إلى أن حكم العبد حكم الأمة في تنصيف الجلد، وخالف في ذلك الظاهرية فمنعوا القياس (^٢).
٥ - أن الذي يقيم حد الزنا على الأمة سيدها.
٦ - وجوب بيع الأمة بعد زناها المرة الثالثة، والجمهور على أن الأمر للاستحباب، ومحل ذلك إذا رجي صلاح حالها بعد بيعها، فإن الحكمة من بيعها استصلاحها.
٧ - بيان عيبها عند بيعها؛ لقوله: «وَلَوْ بِحَبْلٍ مِنْ شَعَرٍ»؛ لأنها مع بيان العيب مظنة عدم الرغبة فيها إلا بأدنى الأثمان.
٨ - أن الأمة إذا زنت لا تغرب، وكذلك العبد، على الصحيح.
٩ - اعتبار التكرار في بعض الأحوال والأحكام.
_________________
(١) أبو داود (٤٤٧٣)، ومسلم (١٧٠٥).
(٢) «المحلى» لابن حزم (١١/ ٢٤١).
[ ٣ / ٦٣ ]
١٠ - جواز عطف الأمر المقتضي للندب على الأمر المقتضي للوجوب؛ لأن الأمر بالجلد واجب، والأمر بالبيع مندوب.
١١ - وجوب إقامة الحدود على المماليك، كحد الزنا وحد السرقة.
١٢ - أن للرقيق أحكامًا تخالف أحكام الأحرار في كثير من أبواب الأحكام في الواجبات والحقوق والعقوبات. في العبادات والمعاملات والجنايات.
١٣ - جواز إضافة الملك إلى الإنسان، وليس كملك الله.
* * * * *
(١٣٧٥) وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصِينٍ ﵁؛ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ جُهَيْنَةَ أَتَتْ نَبِيَّ اللهِ ﷺ وَهِيَ حُبْلَى مِنْ الزِّنَا فَقَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللهِ، أَصَبْتُ حَدًّا، فَأَقِمْهُ عَلَيَّ، فَدَعَا نَبِيُّ اللهِ ﷺ وَلِيَّهَا. فَقَالَ: «أَحْسِنْ إِلَيْهَا فَإِذَا وَضَعَتْ فَائْتِنِي بِهَا» فَفَعَلَ. فَأَمَرَ بِهَا فَشُكَّتْ عَلَيْهَا ثِيَابُهَا، ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَرُجِمَتْ، ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهَا، فَقَالَ عُمَرُ: تُصَلِّي عَلَيْهَا يَا نَبِيَّ اللهِ وَقَدْ زَنَتْ؟ فَقَالَ: «لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ قُسِّمَتْ بَيْنَ سَبْعِينَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَوَسِعَتْهُمْ، وَهَلْ وَجَدَتْ أَفَضَلَ مِنْ أَنْ جَادَتْ بِنَفْسِهَا لِلهِ؟». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^١).
* * *
هذا الحديث تضمن قصة المرأة الغامدية أو الجهنية التي حبلت من الزنا واعترفت، وطلبت من النبي ﷺ إقامة الحد عليها، فأمر بها النبي ﷺ فرُجمت، والحديث من أدلة حد الزاني المُحصَن، وهو الرجم.
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - ثبوت الزنا بالاعتراف، ولا سيما مع الحبَل. وهذا هو السبب في أن النبي ﷺ لم يتوقف في أمرها، فلم يتثبت في أمرها كما تثبت في أمر ماعز ﵁.
٢ - جواز إقرار الإنسان على نفسه بالذنب لإقامة الحد عليه.
_________________
(١) مسلم (١٦٩٦).
[ ٣ / ٦٤ ]
٣ - أن الحامل لا ترجم حتى تضع، ولا المرضع حتى تفطم وليدها.
٤ - الأمر بالإحسان للمرأة الزانية إذا تابت، وظهر صدق توبتها.
٥ - فضل هذه المرأة، وذلك من وجوه:
١ - شدة خوفها من الله.
٢ - صدقها في التوبة.
٣ - عظم توبتها.
٤ - بذلها نفسها لله.
٥ - ثناء النبي ﷺ عليها.
٦ - بشارة النبي ﷺ بقبول توبتها.
٦ - أن التوبة تتفاوت في القلوب.
٧ - الإشارة إلى كمال الإخلاص في التوبة.
٨ - أن للذنب حرقة في نفس المؤمن.
٩ - أن الإقرار بالذنب وطلب التطهير يتضمن التوبة.
١٠ - صفة إقامة حد الرجم على المرأة، وهي أن تقعد، وتشد عليها ثيابها.
١١ - الصلاة على من أقيم عليه الحد، فمعصيته لا تمنع من الصلاة عليه.
١٢ - أن إقامة الحد -وإن كان كفارة- لا يسقط الصلاة عليه.
١٣ - فضل عمر ﵁ لغيرته لله.
١٤ - أنه ليس بمعصوم، وإن كان مُحَدَّثًا، واعتراضه على الصلاة عليها من جنس اعتراضه على صلاة النبي ﷺ على ابن أبيٍّ، وقد وافقه هناك القرآن.
١٥ - التصريح بذكر ما يستحيى من ذكره عند الحاجة.
١٦ - قصور المرأة وحاجتها إلى ولي.
[ ٣ / ٦٥ ]
١٧ - أنه لا يحفر للمرجوم إذا كان أصلح.
١٨ - سد الذريعة المفضية إلى المفسدة؛ لقوله: «فَشُكَّتْ عَلَيْهَا ثِيَابُهَا».
١٩ - التوكيل في إنفاذ الحد؛ لقوله: «ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَرُجِمَتْ».
٢٠ - أن ارتكاب الكبيرة لا يوجب الكفر، ففيه:
٢١ - الرد على الخوارج.
* * * * *
(١٣٧٦) وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله ﵄ قَالَ: «رَجَمَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا مَنْ أَسْلَمَ، وَرَجُلًا مِنْ الْيَهُودِ، وَامْرَأَةً». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^١).
(١٣٧٧) وَقِصَّةُ رَجْمِ الْيَهُودِيَّيْنِ فِي «الصَّحِيحَيْنِ» مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ (^٢).
* * *
تضمن هذا الحديث الخبر من جابر ﵁ عما وقع من الرجم في عهد النبي ﷺ وبأمره، فذكر أنهم أربعة: رجلٌ من أسلم وهو ماعز، وامرأة وهي الغامدية، وقد تقدم ذكرهما (^٣)، واليهودِيَّان، وأجمل في قصتهما، ولكن قصة اليهودِيَّيْن جاءت مفصلة في حديث ابن عمر ﵄، كما أشار إلى ذلك المصنف، وخلاصة قصتهما: أن اليهود رفعوا أمر رجل وامرأة منهم قد زنيا، فسألهم النبي ﷺ عن حد الزاني المحصن عندهم، فقالوا: يحمم ويخزى، فقال: كذبتم، بل حده الرجم، فقالوا: لا نجد ذلك في التوراة، فطلبها النبي ﷺ، فجيء بها، فوضع القارئ يده على آية الرجم يخفيها، فقيل له ارفع يدك، فإذا فيها آية الرجم تلوح، فأمر بهما النبي ﷺ فرجما، وليس هذا حكمًا بما في التوراة، بل المراد الاحتجاج على اليهود بها.
_________________
(١) مسلم (١٧٠١).
(٢) البخاري (٦٨٤١)، ومسلم (١٦٩٩).
(٣) تقدَّما برقم (١٣٧٠) و(١٣٧٥).
[ ٣ / ٦٦ ]
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - ثبوت حد الرجم على الزاني المحصن.
٢ - أن حد الرجم عام في الرجل والمرأة.
٣ - إقامة الحد على الكافر الذمي إذا زنى.
٤ - الحكم في أهل الكتاب بما في شرعنا إذا تحاكموا إلينا، وأصل ذلك في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ جَاؤُوكَ فَاحْكُم بَيْنَهُم أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِين (٤٢)﴾ [المائدة: ٤٢]، ومن المشهور أن الآية نزلت في اليهودِيَّيْن.
* * * * *
(١٣٧٨) وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ ﵄ قَالَ: كَانَ بَيْنَ أَبْيَاتِنَا رُوَيْجِلٌ ضَعِيفٌ، فَخَبَثَ بِأَمَةٍ مِنْ إِمَائِهِمْ، فَذَكَرَ ذَلِكَ سَعْدٌ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: «اضْرِبُوهُ حَدَّهُ». فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهُ أَضْعَفُ مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: «خُذُوا عِثْكَالًا فِيهِ مِائَةُ شِمْرَاخٍ، ثُمَّ اضْرِبُوهُ بِهِ ضَرْبَةً وَاحِدَةً». فَفَعَلُوا. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ. لَكِنِ اخْتُلِفَ فِي وَصْلِهِ وَإِرْسَالِهِ (^١).
* * *
هذا الحديث أصل في تخفيف حدِّ الجلد في الزنا عن الضعيف والمريض.
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - خطر مخالطة الرجال للنساء وضرره البالغ، ولو كان الرجل ضعيفًا لا يظن به أنه يفعل شيئًا.
٢ - ألا يغتر بالمظاهر.
٣ - أن هذا الرويجل ليس محصنًا.
٤ - وجوب إقامة الحد على الزاني بحسب الاستطاعة.
_________________
(١) أحمد (٢١٩٢٥)، والنسائي في «الكبرى» (٧٢٦٥)، وابن ماجه (٢٥٧٤).
[ ٣ / ٦٧ ]
٥ - أن من صور تخفيف الجلد عن الزاني الضعيف أن يضرب بعِثْكال، وهو عِذْق النخل الذي نزع عنه التمر، فبقي أعوادًا فيه الشماريخ.
* * * * *
(١٣٧٩) وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فَاقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ بِهِ، وَمَنْ وَجَدْتُمُوهُ وَقَعَ عَلَى بَهِيمَةٍ فَاقْتُلُوهُ وَاقْتُلُوا الْبَهِيمَةَ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْأَرْبَعَةُ، وَرِجَالُهُ مُوَثَّقُونَ، إِلَّا أَنَّ فِيهِ اخْتِلَافًا (^١).
* * *
تضمن الحديث مسألتين:
الأولى: حكم من عمِل عمَلَ قوم لوط.
الثانية: حكم من وقع على بهيمة.
أما الأولى، فقد أجمع الصحابة على قتل من عمِل عمَلَ قوم لوط، محصنًا كان أو غير محصَن، قال ابن القيم: لكن اختلفوا في صفة قتله (^٢)، ثم اختلف العلماء بعد ذلك على ثلاثة مذاهب:
الأول: القتل بكل حال، على ما جاء عن الصحابة، وليس المعوَّل عند هؤلاء على هذا الحديث.
الثاني: أنه كالزنا يفرق فيه بين المحصَن وغير المحصَن، وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد. وهذا منهم قياسًا على الزنا.
الثالث: أنه يعزَّر تعزيرًا بالغًا، والصواب هو القول الأول، ولا ريب أن فاحشة اللواط أعظم من فاحشة الزنا، وقد ذمَّ الله به قوم لوط أعظمَ ذمٍّ، وعيَّرهم ووصفهم بأقبح صفات، من الإسراف والفسوق والفحش والجهل والخُبث والعدوان والإفساد.
_________________
(١) أحمد (٢٧٢٧)، وأبو داود (٤٤٦٢)، والترمذي (١٤٥٦)، والنسائي في «الكبرى» (٧٢٩٧)، وابن ماجه (٢٥٦١).
(٢) «الجواب الكافي» (١/ ١٢٠).
[ ٣ / ٦٨ ]
المسألة الثانية: حكم من وقع على بهيمة، والجمهور على أنه يعزَّر على معصيته، ولا يقتل؛ لأن الحديث لا يبلغ درجة الدلالة على إثبات مثل هذا الحكم، فالحديث من قسم الضعيف، ويتعلق بهذا الحكم حكمُ البهيمة، وظاهر الحديث أنها تقتل، وإلى هذا ذهب بعض العلماء، وذهب الأكثر إلى أنها لا تقتل، وينتفع بها، فعلى القول الأول إن كانت للفاعل فقد أتلفها على نفسه، وإن كانت لغيره لزمه أن يغرمها؛ لأنه المتسبب بقتلها. قيل: الحكمة في قتلها أن بقاءها يذكر بالفَعلة القبيحة، وقيل: ربما حبلت فأتت بصورة شنيعة، ويحتمل أن ذلك لأنها أصبحت مستخبثة ومستقذرة. والله أعلم.
* * * * *
(١٣٨٠) وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ضَرَبَ وَغَرَّبَ وَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ ضَرَبَ وَغَرَّبَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، إِلَّا أَنَّهُ اخْتُلِفَ فِي رَفْعِهِ وَوَقْفِهِ (^١).
* * *
مضمون هذا الحديث قد تقدم في أحاديث أول الباب، عند حديث أبي هريرة وزيد بن خالد، وحديث عبادة بن الصامت، لكن الحديثين من قوله ﷺ، وهذا الحديث خبر عن فعله ﷺ، فكما كان الرجم ثابتًا بقوله وفعله ﷺ، فكذلك الجلد والتغريب. ولا ينبني على الخلاف في رفع الحديث ووقفه إشكالٌ في أصل الحكم، وإن كان الراجح عند أهل الشأن وقف الحديث (^٢)، والراجح من حيث النظر رفعه. فلا بد أن يكون الرسول ﷺ لما حكم على العسيف بالجلد والتغريب أنه جلده وغربَّه، وقولُ ابن عمر هذا في الجلد والتغريب كقول أبيه ﵄: «فَرَجَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَرَجَمْنَا بَعْدَهُ» (^٣). والله أعلم.
_________________
(١) الترمذي (١٤٣٨).
(٢) وممن رجح وقفه الدارقطني. ينظر: «نصب الراية» للزيلعي (٣/ ٣٣١).
(٣) تقدم (١٣٧٢).
[ ٣ / ٦٩ ]
(١٣٨١) وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: لَعَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ المُخَنَّثِينَ مِنَ الرِّجَالِ، وَالمُتَرَجِّلَاتِ مِنَ النِّسَاءِ، وَقَالَ: «أَخْرِجُوهُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ (^١).
* * *
هذا الحديث أصلٌ في تحريم تشبه الرجال بالنساء، وهم المخنثون، وتشبه النساء بالرجال، وهن المترجلات.
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - تحريم تشبه الرجال بالنساء.
٢ - تحريم تشبه النساء بالرجال، والتشبه يكون باللسان والكلام والحركة واللباس.
٣ - أن ذلك من كبائر الذنوب.
٤ - وجوب إخراج كلٍّ من الصنفين من البيوت؛ لأن مخالطتهم من أعظم وسائل الوقوع في الفاحشة؛ زنًا أو لواطًا أو سحاقًا.
٥ - جواز لعن أصحاب المعاصي على العموم، واللعن من الله الطرد والإبعاد من رحمته. ومن الرسول ﷺ إمَّا دعاءٌ أو خبر. وكلاهما يدل على قبح موجِبه وغلظ تحريمه.
٦ - أن من مقاصد الشرع تميز صنفي الرجال والنساء كل عن الآخر، كما ميَّز الله بينهما في الخِلقة والخُلُق والأحكام الشرعية، فتَشَبُّه أحدهما بالآخر منافٍ للفطرة ولمقتضَى الشريعة.
٧ - الرد على من ينادي بالتسوية بين الرجل والمرأة.
٨ - الرد على من يبيح تمثيل كل من الجنسين للآخر.
* * * * *
_________________
(١) البخاري (٥٨٨٦).
[ ٣ / ٧٠ ]
(١٣٨٢) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «ادْفَعُوا الْحُدُودَ، مَا وَجَدْتُمْ لَهَا مَدْفَعًا». أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ (^١).
(١٣٨٣) وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ بِلَفْظِ: «ادْرَأُوا الحُدُودَ عَنِ المُسْلِمِينَ مَا اسْتَطَعْتُمْ». وَهُوَ ضَعِيفٌ أَيْضًا (^٢).
(١٣٨٤) وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ مِنْ قَوْلِهِ بِلَفْظِ: «ادْرَأُوا الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ» (^٣).
* * *
استُدل بهذه الأحاديث على ترك إقامة الحد على من وجب عليه بالشبهات التي يمكن أن تكون عذرًا له؛ كالجهل والتأويل والخطأ والنسيان.
وفي الأحاديث فوائد؛ منها:
١ - ابتناء الشريعة على التيسير.
٢ - تشوف الشريعة إلى العفو.
٣ - أن من شروط إقامة الحد انتفاء الشبهة.
٤ - أن الحد يسقط بالشبهة في الجملة. وهذان الحديثان، وإن كانا ضعيفين، فيعضدهما الموقوف، وإلى معناهما ذهب عامة العلماء على تفصيل في نوع الشبهة التي يدرأ بها الحد. ثم الأمر بعد ذلك إلى اجتهاد القاضي. والله أعلم.
* * * * *
_________________
(١) ابن ماجه (٢٥٤٥).
(٢) الترمذي (١٤٢٤)، والحاكم (٨٢٤٣).
(٣) البيهقي في «الكبرى» (١٧٦٠)؛ وهو فيه مرفوعًا، وفي سنده المختار بن نافع. نقل البيهقي قول البخاري فيه: «منكر الحديث».
[ ٣ / ٧١ ]
(١٣٨٥) وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «اجْتَنِبُوا هَذِهِ الْقَاذُورَاتِ الَّتِي نَهَى اللهُ تَعَالَى عَنْهَا، فَمَنْ أَلَمَّ بِهَا فَلْيَسْتَتِرْ بِسِتْرِ اللهِ تَعَالَى، وَلْيَتُبْ إِلَى اللهِ تَعَالَى، فَإِنَّهُ مَنْ يُبْدِ لَنَا صَفْحَتَهُ نُقِمْ عَلَيْهِ كِتَابَ اللهِ ﷿». رَوَاهُ الْحَاكِمُ، وَهُوَ فِي «المُوْطَّإِ» مِنْ مُرْسَلِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ (^١).
* * *
هذا الحديث أصل في وجوب الاستتار بستر الله عند اقتراف المعاصي، مما شأنُه أن يستتر فاعله، كالزنا واللواط، فتلك هي الخبائث والقاذورات.
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - وجوب اجتناب المعاصي.
٢ - تحريم المجاهرة بالذنوب.
٣ - وجوب ستر الإنسان على نفسه.
٤ - وجوب التوبة.
٥ - أن من مقاصد الشريعة ستر الذنوب وإخفاءها.
٦ - جواز تسمية هذا النوع من الذنوب قاذورات.
٧ - أن من أقر بالذنب عند الحاكم وجب إقامة حكم الله عليه، وهذا معنى قوله: «فَإِنَّهُ مَنْ يُبْدِ لَنَا صَفْحَتَهُ نُقِمْ عَلَيْهِ كِتَابَ اللهِ ﷿».
٨ - الاعتماد في الأحكام على حكم الله.
* * * * *
_________________
(١) الحاكم (٨٢٣٨)، و«الموطأ» (٣٠٤٨).
[ ٣ / ٧٢ ]