المقصود بهذا الباب بيان عقوبة من يقذف غيره بالزنا، وأصل القذف: الرمي بالحجر ونحوه، وفي الاصطلاح: الرمي بالزنا، وهو من كبائر الذنوب. والدليل على ذلك من كتاب الله قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُون (٤)﴾ [النور: ٤].
* * * * *
(١٣٨٦) عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «لَمَّا نَزَلَ عُذْرِي، قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى المِنْبَرِ، فَذَكَرَ ذَلِكَ وَتَلَا الْقُرْآنَ، فَلَمَّا نَزَلَ أَمَرَ بِرَجُلَيْنِ وَامْرَأَةٍ فَضُرِبُوا الحَدَّ». أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالْأَرْبَعَةُ. وَأَشَارَ إِلَيْهِ البُخَارِيُّ (^١).
* * *
هذا الحديث يتعلق بقصة الإفك، ويتضمن بعض ما جرى على إثر ذلك.
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - أن القرآن نزل بعذر أم المؤمنين عائشة ﵂ مما رماها به المنافقون والجاهلون، وقولها: «عُذْرِي» أي: براءتي.
٢ - أن من رمى أم المؤمنين بما برأها الله منه في القرآن فإنه مكذِّب للقرآن، فيكون كافرًا. وهذا ينطبق على الروافض.
_________________
(١) أحمد (٢٤٠٦٦)، وأبو داود (٤٤٧٤)، والترمذي (٣١٨١)، والنسائي في «الكبرى» (٧٣١١)، وابن ماجه (٢٥٦٧). وأشار إليه البخاري بقوله: «وشاور عليًا وأسامة فيما رمى به أهل الإفك عائشة، فسمع منهما حتى نزل القرآن فجلد الرامين». ينظر: «الفتح» (١٣/ ٣٤١).
[ ٣ / ٧٣ ]
٣ - أن الرسول ﷺ أقام حدَّ القذف على من خاض في شأن عائشة ﵂ من المسلمين، والرجلان قيل: هما حسان بن ثابت ومِسطح بن أُثاثة، والمرأة قيل: حَمْنة أخت زينب أم المؤمنين ﵃.
٤ - تبليغ الأحكام، وتلاوة القرآن على المنبر.
٥ - مبادرته ﷺ إلى تنفيذ حكم الله.
٦ - أن حدَّ القذف جلدٌ، كما في الآية.
٧ - أن النبي ﷺ لم يقم الحدَّ على رأس المنافقين ابن أبيٍّ؛ لأن الحدَّ لا يطهره، مع أنه هو الذي تولَّى كبر الإفك.
* * * * *
(١٣٨٧) وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: أَوَّلُ لِعَانٍ كَانَ فِي الْإِسْلَامِ أَنَّ شَرِيكَ بنَ سَحْمَاءَ قَذَفَهُ هِلَالُ بْنُ أُمَيَّةَ بِامْرَأَتِهِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «الْبَيِّنَةَ وَإِلَّا فَحَدٌّ فِي ظَهْرِكَ» الحَدِيثَ. أَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَي، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ (^١).
(١٣٨٨) وَهُوَ فِي الْبُخَارِيِّ نَحْوُهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ (^٢).
* * *
هذا الحديث طرف من قصة هلال بن أمية مع امرأته، وأصله في الصحيح، وهذا الحكم كان قبل أن ينزل القرآن بحكم اللعان.
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - أن على القاذف البينة على دعواه، وهم أربعة شهود، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء﴾ [النور: ٤] الآية، وقال: ﴿لَوْلَا جَاؤُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء﴾ [النور: ١٣].
_________________
(١) «مسند أبي يعلى» (٢٨٢٤).
(٢) البخاري (٢٦٧١).
[ ٣ / ٧٤ ]
٢ - أن على القاذف الحدَّ إذا لم يأت ببينة، وهو الجلد ثمانين جلدة، بنص القرآن، ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤]، وخرج من هذا الحكم الزوجُ إذا قذف زوجته، فبينته أربع شهادات من نفسه، كما في آيات اللعان، ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُمْ شُهَدَاء إِلاَّ أَنفُسُهُمْ﴾ [النور: ٦] الآيات.
٣ - أن هذا الحكم الذي في هذا الحديث منسوخ بآيات اللعان.
* * * * *
(١٣٨٩) وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَامِر بْنِ رَبِيعَةَ قَالَ: «لَقَدْ أَدْرَكْتُ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ ﵃ وَمَنْ بَعْدَهُمْ، فَلَمْ أَرَهُمْ يَضْرِبُونَ المَمْلُوكَ فِي الْقَذْفِ إِلَّا أَرْبَعِينَ». رَوَاهُ مَالِكٌ وَالثَّوْرِيُّ فِي «جَامِعِهِ» (^١).
* * *
هذا الأثر أصل في وجوب حد القذف على الرقيق، وأنه نصف حد الحر، أربعون جلدة.
وفيه فوائد؛ منها:
١ - أن الخلفاء الراشدين ﵃ كانوا يقيمون حد القذف على العبد.
٢ - تنصيف حد القذف على المملوك.
٣ - أن المملوك على النصف من الحر في الأحكام، أخذًا من قوله تعالى في المحصنات من الإماء: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥]، فتنصيف حد الزنا دل عليه القرآن، وأما تنصيف غيره من الأحكام، فبالقياس على تنصيف حد الزنا.
* * * * *
_________________
(١) مالك في «الموطأ» (٧٠٦).
[ ٣ / ٧٥ ]
(١٣٩٠) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ قَذَفَ مَمْلُوكَهُ يُقَامُ عَلَيْهِ الحَدُّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ كَمَا قَالَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١).
* * *
تضمن هذا الحديث حكم قذف المملوك، وهو التحريم.
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - وجوب حد القذف على قاذف العبد أو الأمة، إلا أن يكون السيد.
٢ - أن السيد لا يجب عليه الحد في الدنيا بقذف مملوكه.
٣ - أنه يحد يوم القيامة.
٤ - أنه لا حد على السيد يوم القيامة إذا كان العبد قد زنى. ويستفاد من هذا أن من حلف أو تصرف بطلاق وغيره، بناءً على اعتقاد، ثم تبين الأمر بخلافه، لم يحنث في يمينه، ولم ينفذ تصرفه.
٥ - أن السيد يحرم عليه قذف عبده.
٦ - وجوب احترام المسلم، ولو كان مملوكًا، فلا يُظلم ولا يُقذف.
٧ - رعاية الإسلام لحقوق الضعفة من المماليك وغيرهم، وهذا من محاسنه.
* * * * *
_________________
(١) البخاري (٦٨٥٨)، ومسلم (١٦٦٠).
[ ٣ / ٧٦ ]