دعوى الدم: المراد بها القتل من ولي المقتول، ودعوى الدم؛ كدعوى المال فيما تثبت به، لقوله ﷺ: «لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لادَّعَى نَاسٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالَهمْ؛ وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ» (^١). فتثبت دعوى الدم بشاهدي عدل، كدعوى المال.
والقَسَامة: هي أيمان مكررة في دعوى قتل معصوم، ليس فيها مع المدعي بينة، وتكون من الجانبين؛ المدعي والمدعى عليه، وهي خمسون يمينًا، لذلك سميت قسامة، من القَسَم؛ بمعنى الحلف. فإن حلف المدعون على معين؛ دفع إليهم، واستحقوا القصاص منه.
* * * * *
(١٣٥٣) عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ ﵁، عَنْ رِجَالٍ مِنْ كُبَرَاءِ قَوْمِهِ؛ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ سَهْلٍ ومُحَيِّصَةَ بْنَ مَسْعُودٍ خَرَجَا إِلَى خَيْبَرَ مِنْ جَهْدٍ أَصَابَهُمْ، فَأُتِيَ مَحَيِّصَةُ فَأُخْبِرَ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ سَهْلٍ قَدْ قُتِلَ، وَطُرِحَ فِي عَيْنٍ، فَأَتَى يَهُودَ، فَقَالَ: أَنْتُمْ وَاللهِ قَتَلْتُمُوهُ. قَالُوا: وَاللهِ مَا قَتَلْنَاهُ، فَأَقْبَلَ هُوَ وَأَخُوهُ حُوَيِّصَةُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ، فَذَهَبَ مُحَيِّصَةُ لِيَتَكَلَّمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهُ ﷺ: «كَبِّرْ كَبِّرْ» يُرِيدُ السِّنَّ، فَتَكَلَّمَ حُوَيِّصَةُ، ثُمَّ تَكَلَّمَ مُحَيِّصَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِمَّا أَنْ يَدُوا صَاحِبَكُمْ، وَإِمَّا أَنْ يَأْذَنُوا بِحَرْبٍ»، فَكَتَبَ إِلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ. فَكَتَبُوا: إِنَّا وَاللهِ مَا قَتَلْنَاهُ، فَقَالَ لِحُوَيِّصَةَ وَمُحَيِّصَةَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَهْلٍ: «أَتَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ؟» قَالُوا: لَا. قَالَ: «فَتَحْلِفُ لَكُمْ يَهُودُ؟» قَالُوا: لَيْسُوا مُسْلِمِينَ،
_________________
(١) رواه البخاري (٤٥٥٢)، ومسلم (١٧١١)، واللفظ لمسلم.
[ ٣ / ٣٦ ]
فَوَدَاهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ عِنْدِهِ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ مِئَةَ نَاقَةٍ. قَالَ سَهْلٌ: فَلَقَدْ رَكَضَتْنِي مِنْهَا نَاقَةٌ حَمْرَاءُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١).
(١٣٥٤) وَعَنْ رَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَقَرَّ الْقَسَامَةَ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَقَضَى بِهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْنَ نَاسٍ مِنَ الْأَنْصَارِ فِي قَتِيلٍ ادَّعَوْهُ عَلَى الْيَهُودِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٢).
* * *
هذان الحديثان هما الأصل في مشروعية القَسامة في الإسلام.
وفي الحديثين فوائد؛ منها:
١ - أن القسامة كان معمولًا بها في الجاهلية.
٢ - أن الله أقرها في الإسلام على ما كانت عليه.
٣ - أن النبي ﷺ حكم بها في دعوى قتيل من الأنصار اتهم به اليهود، وهو عبد الله بن سهل.
٤ - أن شرط الحكم بالقسامة التهمة.
٥ - أن الأيمان تتوجه على المدَّعِي، ثم إن حلف، وإلا توجهت على المدَّعَى عليه. فإن كان المدَّعِي أو المدَّعَى عليه جماعة وزعت الأيمان عليهم.
٦ - أن من المستقر عند المسلمين عداوة اليهود للمسلمين.
٧ - أن اليهود وغيرهم من الكفار لهم جرأة على الأيمان؛ فلا يوثق بهم، ويشبههم في ذلك الرافضة.
٨ - جواز الكتابة في القضاء.
٩ - أن القسامة إذا تمت شروطها يجب فيها القصاص.
_________________
(١) البخاري (٧١٩٢)، ومسلم (١٦٦٩).
(٢) مسلم (١٦٧٠).
[ ٣ / ٣٧ ]
١٠ - أن أحكام القضاء تجري على الكافر كالمسلم.
١١ - أن المسلم إذا قتل ولم يتعين قاتله فديته في بيت المال، ولا يذهب دمه هدرًا؛ لقوله: «فَوَدَاهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ عِنْدِهِ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ مِئَةَ نَاقَةٍ».
١٢ - أن الدية مئة من الإبل، وقد تضافرت في ذلك الأحاديث.
١٣ - تقديم الأكبر سنًّا في الكلام والإكرام.
* * * * *
[ ٣ / ٣٨ ]