(السَّهو) و(النِّسيان) و(الذُّهول) و(الغفلة)؛ يظهر أنَّ النِّسيان أعمُّ منها كلِّها، فالنِّسيان: غياب الشَّيء عن الذِّهن بعد العلم به؛ سواءٌ ذكره أو لم يذكره، وسواءٌ كان حاضرًا أو متقدِّمًا.
والسَّهو: نوعٌ من النِّسيان لكنَّه يختصُّ بما هو قريبٌ.
والذُّهول: هو الغفلة عن الشَّيء مع حصوله في العلم.
والغفلة: عدم العلم بالشَّيء والشُّعور به للإعراض عنه، أو الذُّهول عنه بسبب مفاجأةٍ.
وكلُّ هذه الأحوال منها الممدوح والمذموم ودون ذلك بحسب أسبابه ومتعلَّقاته.
وممَّا ذكر من الفرق بين السَّهو والنِّسيان؛ أنَّ السَّهو -لتعلُّقه بالفعل- لا يرد على معيَّنٍ مرَّتين؛ فيسهى عنه ثمَّ يسهى عنه في وقتٍ آخر بل عن مثله، بخلاف النِّسيان، فإنَّ الشَّيء ينسى ثمَّ يذكر ثمَّ ينسى بعينه وذلك في غير الأفعال، ويظهر من هذا فرقٌ آخر، وهو أنَّ السَّهو يتعلَّق بالأفعال، والنِّسيان عامٌّ.
وسجود السَّهو هو ما يشرع من السُّجود بسبب السَّهو في الصَّلاة، فإضافته إليه من إضافة الشَّيء إلى سببه، وهو يشرع لثلاثة أشياء: الزِّيادة، والنَّقص، والشَّكِّ.
* * * * *
(٣٧٦) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُحَيْنَةَ ﵁؛ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى بِهِمُ الظُّهْرَ، فَقَامَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَييْنِ، وَلَمْ يَجْلِسْ، فَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ، حَتَّى إِذَا قَضَى الصَّلاةَ، وَانْتَظَرَ
[ ١ / ٣٥٠ ]
النَّاسُ تَسْلِيمَهُ، كَبَّرَ وهُوَ جَالِسٌ، وَسَجَدَ سَجْدَتَيْن، قبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ، ثُمَّ سَلَّمَ». أَخْرَجَهُ السَّبْعَةُ، وَهَذَا لَفْظُ البُخَارِيِّ (^١).
(٣٧٧) وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: «يُكَبِّرُ فِي كُلِّ سَجْدَةٍ وهُوَ جَالِسٌ، وَسَجَدَ النَّاسُ مَعَهُ، مَكَانَ مَا نَسِيَ مِنَ الجُلوسِ» (^٢).
* * *
هذا الحديث من أصحِّ الأحاديث في سجود السَّهو، وهو دليل السُّجود للنَّقص، وراويه عبد الله بن مالكٍ الأزديِّ ﵁، وبحينة أمُّه وهي بنت الحارث بن المطَّلب بن عبد منافٍ.
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - وجوب التَّشهُّد الأوَّل.
٢ - أنَّه يسقط بالسَّهو.
٣ - أنَّ الصَّلاة بتركه تجبر بسجود السَّهو.
٤ - أنَّ سجود السَّهو سجدتان.
٥ - أنَّ محلَّ السُّجود قبل السَّلام.
٦ - مشروعيَّة التَّكبير بكلِّ سجدةٍ في الخفض والرَّفع.
٧ - وقوع السَّهو من النَّبيِّ ﷺ، ومن حكمة تقدير الله لذلك في الصَّلاة؛ بيان الأحكام.
٨ - وجوب سجود السَّهو لترك التَّشهُّد الأوَّل؛ لأنَّ بدل الواجب واجبٌ.
٩ - استنباط حكم الفعل من القرينة، لقوله ﵁: «مكان ما نسي من الجلوس».
١٠ - أنَّ من نسي التَّشهُّد الأوَّل وقام لا يرجع إليه.
_________________
(١) البخاريُّ (٨٢٩)، ومسلمٌ (٥٧٠)، وأحمد (٢٢٩٢٩)، وأبو داود (١٠٣٤)، والترمذيُّ (٣٩١)، والنَّسائيُّ (١٢٢١)، وابن ماجه (١٢٠٦).
(٢) مسلمٌ (٥٧٠)، وهي كذلك عند البخاريِّ (١٢٣٠).
[ ١ / ٣٥١ ]
١١ - مشروعيَّة التَّسليم من الصَّلاة، وقد تقدَّم أنَّه واجبٌ لا يخرج من الصَّلاة إلَّا به.
١٢ - وجوب متابعة المأمومين للإمام إذا قام وترك التَّشهُّد الأوَّل.
* * * * *
(٣٧٨) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: صَلَّى النَّبيُّ ﷺ إِحْدَى صَلَاتَيِ العَشِيِّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ قَامَ إِلَى خَشَبَةٍ فِي مُقَدَّمِ الْمَسْجِدِ، فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهَا، وَفِي الْقَوْمِ أبو بَكْرٍ وَعُمَرُ، فَهَابَا أَنْ يُكَلِّمَاهُ، وخَرَجَ سَرَعَانُ النَّاسِ، فَقَالُوا: قُصِرَتِ الصَّلَاةُ، وَرَجُلٌ يَدْعُوهُ النَّبيُّ ﷺ ذَا الْيَدَيْنِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنَسِيتَ أَمْ قُصِرَتِ الصَّلَاةُ؟ فَقَالَ: «لَمْ أَنْسَ وَلَمْ تُقْصَرْ»، فَقَالَ: بَلَى قَدْ نَسِيتَ. فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ كَبَّرَ، فَسَجَدَ مِثلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَكَبَّرَ، ثُمَّ وَضَعَ رَأْسَهُ فَكَبَّرَ، فَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَكَبَّرَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ (^١).
(٣٧٩) وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: «صَلَاةَ الْعَصْرِ» (^٢).
(٣٨٠) وَلأَبِي دَاوُدَ: فَقَالَ: «أَصَدَقَ ذُو الْيَدَيْنِ؟»، فَأَوْمَؤُوا: أَيْ نَعَمْ (^٣). وَهِيَ فِي «الصَّحِيحَيْنِ» لَكِنْ بِلَفْظِ: فَقَالُوا.
(٣٨١) وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: «وَلَمْ يَسْجُدْ حَتَّى يَقَّنَهُ اللهُ ذَلِكَ» (^٤).
(٣٨٢) عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁؛ «أَنَّ النَّبيَّ ﷺ صَلَّى بِهِمْ، فَسَهَا فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، (ثُمَّ تَشَهَّدَ)، ثُمَّ سَلَّمَ». رَوَاهُ أبو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَالحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ (^٥).
_________________
(١) البخاريُّ (١٢٢٩)، ومسلمٌ (٥٧٣).
(٢) مسلمٌ (٩٩ - ٥٧٣).
(٣) أبو داود (١٠٠٨).
(٤) أبو داود (١٠١٢).
(٥) أبو داود (١٠٣٩)، والترمذيُّ (٣٩٥)، والحاكم (١٢٠٨). وأمَّا رواية «ثمَّ تشهَّد» فشاذةٌ؛ تفرَّد بها أشعث بن عبد الملك الحمرانيُّ، ينظر: «فتح الباري» (٣/ ٩٩).
[ ١ / ٣٥٢ ]
حديث أبي هريرة ﵁ من أصحِّ الأحاديث وأشهرها في سجود السَّهو، وفي معناه حديث عمران ولكنَّ المؤلِّف اختصره، وهما من أدلَّة سجود السَّهو للزِّيادة في الصَّلاة.
وفي الحديثين فوائد؛ منها:
١ - مشروعيَّة سجود السَّهو للزِّيادة في الصَّلاة، والزِّيادة الَّتي حصلت في هذه القصَّة هي السَّلام قبل تمام الصَّلاة، والقعود للتَّشهُّد للثَّالثة في حديث عمران ﵁ في بعض رواياته (^١).
٢ - أنَّ محلَّ السُّجود للزِّيادة بعد السَّلام.
٣ - أنَّ سجود السَّهو سجدتان.
٤ - التَّكبير في سجود السَّهو خفضًا ورفعًا.
٥ - مشروعيَّة التَّسليم من سجود السَّهو.
٦ - وقوع النِّسيان من النَّبيِّ ﷺ.
٧ - مشروعيَّة التَّثبُّت في الخبر ولو مع تصديق المخبر؛ لتحصيل اليقين والطُّمأنينة.
٨ - أنَّ من سلَّم قبل تمام صلاته لا تجب عليه إعادة ما صلَّى، بل يتمُّ صلاته ويبني على ما صلَّى ما لم يطل الفصل عرفًا.
٩ - فضيلة أبي بكرٍ وعمر ﵃؛ لقوله: «فهابا أن يكلِّماه» أدبًا.
١٠ - فضيلة ذي اليدين؛ لشجاعته بمخاطبة الرَّسول ﷺ بما حصل في الصَّلاة.
١١ - التَّثبُّت في الأمر قبل الحكم، لقوله: «أنسيت أم قصرت الصَّلاة؟»، ثمَّ قال: «بلى قد نسيت».
_________________
(١) ينظر: الترمذي (٣٩٥)، والنسائي (١٢٣٧)، وابن ماجه (١٢١٥).
[ ١ / ٣٥٣ ]
١٢ - أنَّ من أخبر عن اعتقاده لا يكون كاذبًا ولو خالف الواقع، لقوله ﷺ: «لَمْ أَنْسَ وَلَمْ تُقْصَرْ»؛ أي: في ظنِّي واعتقادي.
١٣ - تأثُّر الكُمَّل من المؤمنين نفسيًّا إذا دخل عبادتهم نقصٌ أو خللٌ، ولو لم يعلموا به؛ لقوله: «فقام إلى خشبةٍ معروضةٍ في المسجد فاتَّكأ عليها كأنَّه غضبان» (^١) كما في روايةٍ.
١٤ - تفاضل النَّاس في كلِّ زمانٍ في الاهتمام بالعبادة وأداء الواجب وطلب الفضيلة؛ لقوله: «وخرج سرعان النَّاس».
١٥ - أنَّه لا يجب بعث طلبٍ في أثر السَّرعان فضلًا أن ينادى في النَّاس: أنَّ الصَّلاة لم تتمَّ، لكن من علم أنَّ صلاته لم تتمَّ فيجب عليه إتمامها ما لم يطل الفصل، فإن طال وجب عليه إعادتها كاملةً.
١٦ - العمل بالإشارة؛ لقوله: «فأومؤوا: أي نعم».
١٧ - أنَّ الكلام في مصلحة الصَّلاة في هذه الحال لا يفسدها، بل لو لم يكن في مصلحة الصَّلاة ما لم يتيقَّن الإنسان أنَّ الصَّلاة لم تتمَّ.
* * * * *
(٣٨٣) وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ، فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى أَثَلَاثًا أَمْ أَرْبَعًا؟ فَلْيَطْرَحِ الشَّكَّ وَلْيَبْنِ عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ، ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ قبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ، فَإنْ كَانَ صَلَّى خَمْسًا شَفَعْنَ لَهُ صَلَاتَهُ، وَإنْ كَانَ صَلَّى تَمَامًا كَانَتَا تَرْغِيمًا لِلشَّيْطَانِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٢).
(٣٨٤) وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَلَمَّا سَلَّمَ قِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَحَدَثَ فِي الصَّلَاةِ شَيْءٌ؟ قَالَ: «وَمَا ذَلِكَ؟»، قَالوا: صَلَّيْتَ كَذَا، قَالَ: فَثَنَى رِجْلَيْهِ وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَسَجَدَ سَجْدَتَينِ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا
_________________
(١) رواه البخاريُّ (٤٨٢).
(٢) مسلمٌ (٥٧١).
[ ١ / ٣٥٤ ]
بِوَجْهِهِ فَقَالَ: «إنَّهُ لَوْ حَدَثَ فِي الصَّلَاةِ شَيْءٌ أَنْبَأْتُكُمْ بِهِ، وَلَكِنْ إنَّمَا أَنَا بَشَرٌ أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ، فَإذَا نَسِيتُ فَذَكِّرُوني، وَإذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَتَحَرَّ الصَّوَابَ، فَلْيُتِمَّ عَلَيْهِ، ثُمَّ لْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١).
(٣٨٥) وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ (^٢): «فَلْيُتِمَّ، ثُمَّ يُسَلِّمْ، ثُمَّ يَسْجُدْ».
(٣٨٦) وَلِمُسْلِمٍ؛ «أَنَّ النَّبيَّ ﷺ سَجَدَ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ بَعْدَ السَّلَامِ وَالْكَلَامِ» (^٣).
(٣٨٧) وَلأَحْمَدَ، وَأَبِي دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيِّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بْنِ جَعْفَرٍ ﵃ مَرْفُوعًا: «مَنْ شَكَّ فِي صَلَاتِهِ، فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ بَعْدَمَا يُسَلِّمُ»، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ (^٤).
* * *
هذه الأحاديث هي الأصل في حكم الشَّكِّ في الصَّلاة، وقد دلَّت على أنَّ الشَّكَّ في الصَّلاة نوعان: تارةً لا يكون معه ترجُّحٌ لأحد الاحتمالين، وتارةً يترجَّح أحد الاحتمالين.
دلَّ على الأوَّل وحكمه حديث أبي سعيدٍ ﵁، وعلى الثَّاني وحكمه حديث ابن مسعودٍ ﵁.
وفي الأحاديث فوائد؛ منها:
١ - حكم الشَّكِّ في عدد الرَّكعات.
٢ - البناء على اليقين مع التَّردُّد في قوله: «فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى» «وَلْيَبْنِ عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ».
_________________
(١) البخاريُّ (٤٠١)، ومسلمٌ (٥٧٢). واللفظ لمسلمٍ؛ إذ في البخاريِّ زيادة: «ثُمَّ ليُسَلِّمْ» وهو ما اعتبره الحافظ روايةً للبخاريِّ.
(٢) في الحديث المتقدِّم.
(٣) مسلمٌ (٩٥ - ٥٧٢).
(٤) أحمد (١٧٥٢)، وأبو داود (١٠٣٣)، والنَّسائيُّ (١٢٤٧)، وابن خزيمة (١٠٢٢).
[ ١ / ٣٥٥ ]
٣ - البناء على غالب الظَّنِّ، لقوله في حديث ابن مسعودٍ ﵁: «فَلْيَتَحَرَّ الصَّوَابَ، فَلْيُتِمَّ عَلَيْهِ». وقد اختلف العلماء في هذه الحال فقيل: إنَّ هذا حكم الإمام والمنفرد، فكلاهما يبني على غالب ظنِّه، وقيل: يختصُّ ذلك بالإمام لاعتضاده بسكوت المأمومين، والصَّواب: الأوَّل لعموم حديث ابن مسعودٍ ﵁.
وفي الحديثين دليلٌ لقاعدة: البناء على اليقين عند الشَّكِّ، والعمل بغالب الظَّنِّ.
٤ - أنَّ سجود السَّهو للشَّكِّ سجدتان.
٥ - أنَّ من بنى على ما استيقن يسجد قبل السَّلام، كما في حديث أبي سعيدٍ ﵁، ومن بنى على غالب ظنِّه يسجد بعد السَّلام كما في حديث ابن مسعودٍ ﵁.
٦ - أنَّ النِّسيان من العوارض البشريَّة.
٧ - الحكمة من سجود السَّهو؛ وهي: جبر النَّقص أو شفع الصَّلاة إن حصل فيها زيادة ركعةٍ، وإلَّا كان ترغيمًا للشَّيطان، وسجود السَّهو ترغيمٌ للشَّيطان بكلِّ حالٍ؛ لما في سجود السَّهو من جبر الصَّلاة وزيادة الأجر.
ومن فوائد حديث ابن مسعودٍ ﵁:
٨ - وقوع النِّسيان من النَّبيِّ ﷺ.
٩ - مشروعيَّة تذكير النَّاسي في الصَّلاة، وإن كان النَّبيَّ ﷺ.
١٠ - مشروعيَّة سجود السَّهو للزِّيادة في الصَّلاة ولو لم يعلم به إلَّا بعد السَّلام والانصراف عن القبلة.
١١ - مشروعيَّة التَّسليم من الصَّلاة.
١٢ - مشروعيَّة التَّسليم من سجود السَّهو الَّذي محلُّه بعد السَّلام.
[ ١ / ٣٥٦ ]
١٣ - أنَّ الرَّسول ﷺ بشرٌ تجوز عليه العوارض البشريَّة كالمرض وغيره.
١٤ - إمكان نزول الوحي على رسول الله ﷺ في الصَّلاة لقوله: «إنَّهُ لَوْ حَدَثَ فِي الصَّلَاةِ شَيْءٌ أَنْبَأْتُكُمْ بِهِ».
وأمَّا حديث عبد الله بن جعفرٍ ﵁ فإنَّه مجملٌ يفسِّره حديث ابن مسعودٍ ﵁ المتقدِّم، فيكون المراد به: الشَّكَّ الَّذي يكون معه رجحانٌ لأحد الاحتمالين ويبني فيه المصلِّي على ما ترجَّح عنده، يدلُّ لذلك قوله: «فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ بعْدَمَا يُسَلِّمُ» وهذا هو الذي ذكر في حديث ابن مسعودٍ ﵁. والله أعلم.
* * * * *
(٣٨٨) عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: «إذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ، فَقَامَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ، فَاسْتَتَمَّ قَائِمًا، فَلْيَمْضِ، وَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ، وَإنْ لَمْ يَسْتَتِمَّ قَائِمًا فَلْيَجْلِسْ ولا سَهْوَ عَلَيْهِ»، رَوَاهُ أبو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَه، وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَاللَّفْظُ لَهُ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ (^١).
* * *
هذا الحديث ضعَّفه الحافظ كما ترى، ويشهد لمعناه حديث عبد الله بن بحينة ﵁ المتقدِّم أوَّل الباب (^٢)، فإنَّه ﷺ قام من اثنتين ولم يتشهَّد، ومضى في صلاته.
وحديث ابن بحينة ﵁ هو الأصل في هذه المسألة، وأنَّ من نسي التَّشهُّد الأوَّل، وشرع في الرَّكعة بأن استتمَّ قائمًا فإنَّه يمضي، أمَّا من نهض ولم يستتمَّ قائمًا وتذكَّر فإنَّه يرجع للتَّشهُّد، ولا سجود عليه لهذا السَّهو؛ لعدم ما يوجبه من زيادةٍ أو نقصٍ أو شكٍّ.
_________________
(١) أبو داود (١٠٣٦)، وابن ماجه (١٢٠٨)، والدارقطنيُّ (١٤١٩).
(٢) تقدَّم برقم (٣٧٦).
[ ١ / ٣٥٧ ]
فإن كان نهوضه لشكٍّ في عدد الرَّكعات رجع لزوال الشَّكِّ، فلا أثر له، وإن لم يزل الشَّكُّ فعليه العمل بما استيقن أو بما ترجَّح عنده، على ما تقدَّم في حديث أبي سعيدٍ وابن مسعودٍ ﵃، ويجب حمل الحديث على أنَّ الشَّكَّ قد زال.
وقد فصَّل الفقهاء ﵏ فيمن سها عن التَّشهُّد الأوَّل فقالوا: إن ذكر قبل أن يستتمَّ قائمًا رجع إليه وجوبًا، فإن استتمَّ قائمًا كره الرُّجوع، فإن شرع في القراءة حرم الرُّجوع، وهذا تفصيلٌ حسنٌ، ويستدلُّون لذلك بحديث المغيرة وحديث ابن بحينة ﵃.
وممَّا يضعف حديث المغيرة ﵁ من جهة المتن: أنَّه يخالف ظاهره حديثي أبي سعيدٍ وابن مسعودٍ ﵃، وأنَّه في حكم من شكَّ فقام من اثنتين، والمسألة في حكم من سها عن التَّشهُّد الأوَّل لا من شكَّ في عدد الرَّكعات، وهذا هو الَّذي وقع من النَّبيِّ ﷺ -أعني السَّهو دون الشَّكِّ-، وفرقٌ بين السَّهو والشَّكِّ، فالشَّكُّ تردُّدٌ، والسَّهو نسيانٌ عارضٌ. والله أعلم.
* * * * *
(٣٨٩) عَنْ عُمَرَ ﵁ عَنِ النّبِيِّ ﷺ قَالَ: «ليْسَ عَلَى مَنْ خَلْفَ الإمَامِ سَهْوٌ، فَإنْ سَهَا الإمَامُ فَعَلَيْهِ وَعَلَى مَنْ خَلْفَهُ». رَوَاهُ البَزَّارُ وَالبَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ (^١).
* * *
هذا الحديث ضعَّفه المصنِّف، وهو في حكم سهو الإمام والمأموم، ويشهد له في الجملة قوله ﷺ في الأئمَّة: «يُصَلُّونَ لَكُمْ، فَإِنْ أَصَابُوا فَلَكُمْ، وَإِنْ أَخْطَؤُوا فَلَكُمْ وَعَلَيْهِمْ» وهو في صحيح البخاريِّ (^٢).
_________________
(١) رواه الدارقطنيُّ (١٤١٣)، والبيهقيُّ معلقًا في «الكبرى» (٢/ ٣٥١)، ولم أجده في «مسند البزار» ولم يعزه المصنف له في «التلخيص»، وإنما عزاه للدارقطنيِّ فقط.
(٢) رواه البخاريُّ (٦٩٤)، عن أبي هريرة ﵁.
[ ١ / ٣٥٨ ]
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - أنه ليس على المأموم سهوٌ، ومعناه: أنَّه لا سجود عليه، فإنَّه تابعٌ للإمام في الانصراف من الصَّلاة فيسلِّم إذا سلَّم، وخصَّ الفقهاء ذلك بغير المسبوق، فأمَّا المسبوق بركعةٍ أو أكثر فقالوا: يسجد لسهوه مع إمامه، ولسهوه فيما انفرد فيه، بل ولسهو إمامه.
٢ - أنَّ سهو الإمام يلزم حكمه من خلفه؛ فيقوم مع الإمام إذا ترك التَّشهُّد الأوَّل، ويسجد معه سجود السَّهو ولو لم يكن من المأموم سهوٌ.
٣ - أنَّ بين صلاة المأموم والإمام ارتباطًا ترتَّب عليه أحكامٌ، ومن ذلك: أنَّ الإمام يحمل عن المأموم سهوه، فلا سجود عليه، وأنَّ المأموم يلزمه حكم سهو إمامه.
واختلف العلماء في بطلان صلاة المأموم ببطلان صلاة الإمام، والصَّواب: أنَّها لا تبطل؛ فلو صلَّى الإمام محدثًا ناسيًا لحدثه ولم يذكر الإمام ذلك حتَّى سلَّم من الصَّلاة بطلت صلاة الإمام دون المأموم، وكذا لو ذكر الإمام في أثناء الصَّلاة على الصَّحيح، ويستخلف من يتمُّ.
٤ - أهمِّيَّة متابعة المأموم للإمام، ووجهه وجوب سجود السَّهو على المأموم تبعًا لإمامه وإن لم يسْهُ المأموم، وسقوط السَّهو عنه وإن سها.
٥ - قوَّة ارتباط صلاة المأموم بصلاة الإمام.
* * * * *
(٣٩٠) عَنْ ثَوْبَانَ ﵁ عَنِ النّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لِكُلِّ سَهْوٍ سَجْدَتَانِ بَعْدَمَا يُسَلِّمُ». رَوَاهُ أبو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ (^١).
* * *
_________________
(١) أبو داود (١٠٣٨)، وابن ماجه (١٢١٩).
[ ١ / ٣٥٩ ]
هذا الحديث ضعيفٌ، وهو مخالفٌ لحديث ابن بحينة ﵁ في موضع سجود السَّهو، وسجود السَّهو منه ما محلُّه قبل السَّلام، ومنه ما محلُّه بعد السَّلام.
وفي الحديث فائدتان:
١ - أنَّ كلَّ سهوٍ يشرع له السُّجود، وظاهره: أنَّه يتكرَّر السُّجود لتكرُّر السَّهو، ولم يقل ذلك أحدٌ بإطلاقٍ، والجمهور على أنَّ السُّجود لا يتعدَّد بتعدُّد السَّهو، بل يكفي سجدتان وإن سها المصلِّي مرَّتين أو ثلاثًا؛ سواءٌ أكان السَّهو من جنسٍ أو أجناسٍ. لكن إذا اختلفت مرَّات السَّهو في موضع السُّجود؛ قدِّم ما كان قبل السَّلام وأغنى عن السُّجود بعد السَّلام.
وذهب بعض أهل العلم إلى السُّجود قبل السَّلام وبعد السَّلام، والصَّواب: أنَّ السُّجود لا يتكرَّر بتكرُّر السَّهو؛ لأنَّ الحديث ضعيفٌ، ولأنَّه لا يمكن العمل بظاهره. والله أعلم.
٢ - أنَّ محلَّ سجود السَّهو بعد السَّلام مطلقًا، وقد اختلف العلماء في ذلك؛ فمنهم من عمل بظاهر هذا الحديث وقال: سجود السَّهو كلُّه بعد السَّلام، ومنهم من قال: كلُّه قبل السَّلام، والقولان ضعيفان؛ لأنَّ كلًّا منهما يخالف بعض الأحاديث المتقدِّمة، وهي صحيحةٌ، والقول الثَّالث: أنَّ من سجود السَّهو ما محلُّه قبل السَّلام، ومنه ما محلُّه بعد السَّلام على ما جاء في أحاديث ابن بحينة وأبي سعيدٍ وابن مسعودٍ ﵃، وهذا القول هو الصَّحيح.
* * * * *
(٣٩١) عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «سَجَدْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ في: ﴿إِذَا السَّمَاء انشَقَّت (١)﴾ [الانشقاق]، و﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق]»، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^١).
(٣٩٢) وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ قَالَ: «﴿ص﴾ ليْسَتْ مِنْ عَزَائِمِ السُّجُودِ، وَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَسْجُدُ فِيهَا». رَوَاهُ البُخَارِيُّ (^٢).
_________________
(١) مسلمٌ (٥٧٨).
(٢) البخاريُّ (١٠٦٩).
[ ١ / ٣٦٠ ]
(٣٩٣) وَعَنْهُ ﵁؛ «أَنَّ النَّبيَّ ﷺ سَجَدَ بِالنَّجْمِ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ (^١).
(٣٩٤) وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁ قَالَ: «قَرَأْتُ عَلَى النَّبيِّ ﷺ النَّجْمَ فَلَمْ يَسْجُدْ فِيها». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٢).
(٣٩٥) عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ ﵀ قَالَ: «فُضِّلَتْ سُورَةُ الحَجِّ بِسَجْدَتَيْنِ». رَوَاهُ أبو دَاوُدَ فِي (المَرَاسِيلِ) (^٣).
(٣٩٦) وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ مَوْصُولًا مِنْ حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁، وَزَادَ: «فَمَنْ لَمْ يَسْجُدْهُمَا، فَلَا يَقْرَأْهَا». وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ (^٤).
(٣٩٧) وَعَنْ عُمَرَ ﵁ قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ: إنَّا نَمُرُّ بِالسُّجُودِ، فَمَنْ سَجَدَ فَقَدْ أَصَابَ، وَمَنْ لَمْ يَسْجُدْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ (^٥).
(٣٩٨) وَفِيهِ: «إِنَّ اللهَ تَعَالَى لَمْ يَفْرِضِ السُّجُودَ إِلَّا أَنْ نَشَاءَ»، وَهُوَ فِي «المُوَطَّأِ» (^٦).
(٣٩٩) وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵃ قَالَ: «كَانَ النّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ عَلَيْنَا القُرْآنَ، فَإِذَا مَرَّ بِالسَّجْدَةِ كَبَّرَ، وَسَجَدَ، وَسَجَدْنَا مَعَهُ». رَوَاهُ أبو دَاوُدَ بِسَنَدٍ فِيهِ لِينٌ (^٧).
* * *
هذه الأحاديث منها ما هو صحيحٌ، ومنها ما فيه مقالٌ، وكلُّها قد استدلَّ بها على مشروعيَّة سجود التِّلاوة، واختلف العلماء في سجود التِّلاوة هل هو صلاةٌ أو عبادةٌ مستقلَّةٌ؟ ذهب الجمهور إلى أنَّه صلاةٌ فيشترط فيه ما يشترط في الصَّلاة (^٨)، وذهب آخرون إلى أنَّه ليس بصلاةٍ فلا تشترط له الطَّهارة ولا السِّتارة (^٩).
_________________
(١) البخاريُّ (١٠٧١).
(٢) البخاريُّ (١٠٧٣)، ومسلمٌ (٥٧٧).
(٣) «المراسيل» لأبي داود (٧٦).
(٤) أحمد (١٧٣٦٤)، والترمذيُّ (٥٧٨).
(٥) البخاريُّ (١٠٧٧).
(٦) الموطأ (٥٥١).
(٧) أبو داود (١٤١٣).
(٨) ينظر: «المغني» (٢/ ٣٥٨)، و«المجموع» (٣/ ٥٥٨).
(٩) أي: ستر العورة.
[ ١ / ٣٦١ ]
وفي القرآن خمس عشرة سجدةً، ذكر المؤلِّف أدلَّة ستَّةٍ منها؛ وهي: (ص)، و(النَّجم)، و(الانشقاق)، و(العلق)، وسورة (الحجِّ) وفيها سجدتان، وقد دلَّ على ذلك حديث أبي هريرة وحديث ابن عبَّاسٍ ﵃ في (ص) و(النَّجم)، وحديث خالد بن معدان ﵁.
وقد اختلف العلماء في عدد سجدات التِّلاوة: فذهب الجمهور إلى أنَّها أربع عشرة سجدةً، ولم يعدُّوا سجدة (ص)، وقال آخرون: بل هي خمس عشرة؛ أي: بسجدة (ص)، وذهب كثيرٌ من العلماء إلى أنَّ السَّجدات إحدى عشرة، وقالوا: إنَّ سجدات المفصَّل منسوخةٌ، وسجدة (ص) ليست من عزائم السُّجود (^١).
والرَّاجح: أنَّ سجدات التِّلاوة خمس عشرة، وسجدة (ص) وإن لم تكن من عزائم السُّجود فقد سجدها النَّبيُّ ﷺ، وكفى بهذا دليلًا.
وأمَّا سجدات المفصَّل فقد ذكر أبو هريرة ﵁ أنَّه سجد مع النَّبيِّ ﷺ في سورة الانشقاق، وسورة ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾، وإسلام أبي هريرة كان في السَّنة السَّابعة فتبطل دعوى النَّسخ.
وفي الأحاديث فوائد؛ منها:
١ - مشروعيَّة السُّجود في سورة الانشقاق.
٢ - مشروعيَّة السُّجود في سورة العلق.
٣ - الرَّدُّ على من قال بنسخ السُّجود في المفصَّل.
٤ - مشروعيَّة السُّجود في سورة ص.
٥ - مشروعيَّة السُّجود في سورة النَّجم.
٦ - أنَّ سجود التِّلاوة ليس بواجبٍ، ويؤخذ ذلك من حديث زيدٍ ﵁؛ لأنَّ الرَّسول ﷺ لم يأمره، ومن حديث عمر ﵁ وهو صريحٌ.
٧ - مشروعيَّة سجود التِّلاوة في الصَّلاة وخارج الصَّلاة.
_________________
(١) ينظر: «المغني» (٢/ ٣٥٢).
[ ١ / ٣٦٢ ]
٨ - أنَّ سورة الحجِّ فيها سجدتان، واختلف في السَّجدة الثَّانية، والجمهور على مشروعيَّتها (^١).
٩ - مشروعيَّة التَّكبير لسجود التِّلاوة في الخفض دون الرَّفع، وهذا خارج الصَّلاة، أمَّا داخلها فيكبِّر في الخفض والرَّفع لعموم أدلَّة التَّكبير في الصَّلاة.
١٠ - أنَّه لا يشرع القيام في سجود التِّلاوة، ولا التَّشهُّد ولا السَّلام؛ لعدم نقل ذلك.
١١ - مشروعيَّة السُّجود للمستمع إذا سجد القارئ.
وهذه مواضع السُّجود في القرآن: الأعراف، الرعد، النحل، الإسراء، مريم، الحج، الفرقان، النمل، آلم تنزيل، ص، فصلت، النجم، الانشقاق، العلق.
* * * * *
(٤٠٠) وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ ﵁، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إذَا جَاءَهُ أَمْرٌ يَسُرُّهُ خَرَّ سَاجِدًا للهِ». رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلَّا النَّسَائِيَّ (^٢).
(٤٠١) وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ﵁ قَالَ: سَجَدَ النَّبيُّ ﷺ، فَأَطَالَ السُّجُودَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَه، وقَالَ: «إِنَّ جِبْرِيلَ أَتَانِي، فَبَشَّرَنِي، فَسَجَدتُّ للهِ شُكْرًا». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ (^٣).
(٤٠٢) وَعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵃، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ عَلِيًّا إِلَى الْيَمَنِ … فَذَكَرَ الحَدِيثَ قَالَ: «فَكَتَبَ عَلِيٌّ ﵁ بِإِسْلَامِهِمْ، فَلَمَّا قَرَأَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْكِتَابَ خَرَّ سَاجِدًا». رَوَاهُ البَيْهَقِيُّ (^٤)، وَأَصْلُهُ فِي البُخَارِيِّ (^٥).
* * *
_________________
(١) ينظر: «المغني» (٢/ ٣٥٦).
(٢) أحمد (٢٠٤٥٥)، وأبو داود (٢٧٧٤)، والترمذيُّ (١٥٧٨)، وابن ماجه (١٣٩٤).
(٣) أحمد (١٦٦٤)، والحاكم (٢٠٧١).
(٤) البيهقيُّ (٤٧٤٤).
(٥) البخاريُّ (٤٣٤٩). وهو سياقٌ مختصرٌ ليس فيه تمام الحديث المتقدم، لذا لم يرد فيه ذكر سجود الشكر، لكن قال البيهقيُّ: «وسجود الشكر في تمام الحديث صحيحٌ على شرطه».
[ ١ / ٣٦٣ ]
سجود الشُّكر كسجود التِّلاوة ليس هو بصلاةٍ، وإضافة السُّجود إلى الشُّكر هو من إضافة الشَّيء إلى نوعه؛ كقولهم: صلاة التَّطوُّع.
وكلُّ هذه الأحاديث فعليَّةٌ، أي من سنَّة النَّبيِّ ﷺ الفعليَّة.
وفي الأحاديث فوائد؛ منها:
١ - مشروعيَّة سجود الشُّكر، وذهب إلى ذلك جمهور العلماء، وقال بعضهم: لا يشرع للشُّكر سجودٌ. وهذه الأحاديث حجَّةٌ عليهم (^١).
٢ - أنَّ سبب سجود الشُّكر تجدُّد النِّعم العظيمة عامَّةً أو خاصَّةً.
٣ - أنَّ الشُّكر ما كان من الطَّاعة في مقابل نعمةٍ.
٤ - حرص النَّبيِّ ﷺ على هداية الخلق وفرحه بذلك.
٥ - فرحة النَّبيِّ ﷺ بكرامة الله لأمَّته، كما جاء في حديث سعدٍ ﵁ لمَّا شفع النَّبيُّ ﷺ لأمَّته، رواه أبو داود (^٢).
٦ - فرحه ﷺ بمضاعفة أجر الصَّلاة عليه، كما بيَّن ذلك في بعض روايات حديث عبد الرَّحمن بن عوفٍ ﵁.
٧ - فضل عليٍّ ﵁.
٨ - مشروعيَّة بعث الدُّعاة إلى الله.
٩ - اعتماد الكتابة إذا عرف الخطُّ أو علم صدق حامل الكتاب.
١٠ - فضيلة أهل اليمن؛ لمبادرتهم إلى الإسلام بلا قتالٍ، وعناية الرَّسول ﷺ بهم.
١١ - أنَّ سجود الشُّكر على الفور عند وجود سببه.
١٢ - أنَّه لا يشرع فيه تكبيرٌ ولا تسليمٌ.
* * * * *
_________________
(١) ينظر: «المجموع» (٣/ ٥٦٥).
(٢) أبو داود (٢٧٧٥)، عن سعد بن أبي وقاصٍ ﵁. وصحَّحه النوويُّ في «المجموع» (٣/ ٥٦٦).
[ ١ / ٣٦٤ ]