الشُّروط: جمع شَرْطٍ بإسكان الرَّاء، وهو لغةً: الإلزام والالتزام، كما في البيع ونحوه، ويطلق على الأمر المشروط، من إطلاق المصدر وإرادة اسم المفعول.
والشَّرط في اصطلاح العلماء: ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجودٌ ولا عدمٌ، وقيل: ما يتوقَّف عليه الشَّيء؛ كالطَّهارة للصَّلاة، والرِّضا في البيع.
وشروط العقود شروطٌ للصِّحَّة، والشُّروط في العبادات؛ منها: ما هو شرطٌ للوجوب، ومنها: ما هو شرطٌ للصِّحَّة، ومنها: ما هو شرطٌ للوجوب والصِّحَّة معًا، ومنها: ما هو شرطٌ للإجزاء.
فالطَّهارة شرطٌ لصحَّة الصَّلاة، ودخول الوقت شرطٌ للوجوب والصِّحَّة، والبلوغ شرطٌ للوجوب، والبلوغ والحرِّيَّة شرطٌ للوجوب والإجزاء في الحجِّ، والعقل شرطٌ للوجوب والصِّحَّة، والإسلام شرطٌ للصِّحَّة.
* * * * *
(٢٢٥) عَنْ عَلِيِّ بْنِ طَلْقٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِذَا فَسَا أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَلْيَنْصَرِفْ، وَلْيَتَوَضَّأْ، وَلْيُعِدِ الصَّلَاةَ». رَوَاهُ الخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (^١).
* * *
_________________
(١) أحمد (٦٥٥)، وأبو داود (٢٠٥)، والترمذيُّ (١١٦٤)، والنَّسائيُّ في «الكبرى» (٨٩٧٦)، وابن حبان (٢٢٣٧). وقد جعله الإمام أحمد من مسند عليِّ بن أبي طالبٍ ﵁؛ وهو خطأٌ كما نبَّه عليه الحافظ ابن كثيرٍ عند تفسير قوله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]، والحديث ليس في ابن ماجه.
[ ١ / ٢٢٤ ]
هذا الحديث من أدلَّة اشتراط الطَّهارة للصَّلاة، وقد دلَّ على ذلك الكتاب والسُّنَّة والإجماع.
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - أنَّ الحدث -وهو الفساء والضُّراط- مبطلٌ للطَّهارة، كما قال أبو هريرة ﵁ لمَّا سئل: ما الحدث؟ (^١)، وهذا بإجماع أهل العلم. ومن أدلَّة ذلك قوله ﷺ: «لَا يَقْبَلُ اللهُ صَلَاةَ أَحَدِكُمْ إِذَا أَحْدَثَ حتَّى يَتَوَضَّأَ» (^٢)، وفي حكم الحدث سائر نواقض الوضوء على ما فيها من خلافٍ: كأكل لحم الإبل، والقيء، والنَّوم.
٢ - أنَّ الطَّهارة شرطٌ لصحَّة الصَّلاة.
٣ - أنَّ الصَّلاة تبطل بالحدث في أثنائها؛ فلا يصحُّ البناء على ما قبل الحدث، وأمَّا حديث عائشة ﵂ المتقدِّم في نواقض الوضوء، وفيه: «مَنْ أَصَابَهُ قَيْءٌ أَوْ رُعَافٌ …» إلى قوله: «فَلْيَنْصَرِفْ، فَلْيَتَوَضَّأْ، ثُمَّ لِيَبْنِ عَلَى صَلاتِهِ» (^٣)، فهو ضعيفٌ لا يعارض حديث عليِّ بن طلقٍ ﵁ هذا.
٤ - وجوب الإعادة على من أحدث في الصَّلاة إذا كانت الصَّلاة واجبةً.
٥ - وجوب الانصراف من الصَّلاة بعد تيقُّن الحدث لا مع الشَّكِّ؛ لحديث عبد الله بن زيدٍ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ سئل عن رجلٍ يخيَّل إليه في الصَّلاة أنَّه يجد الحدث، قال: «لَا يَنْصَرِف؛ حتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا» (^٤).
٦ - جواز التَّصريح بما يستهجن ذكره لبيان الدِّين، وأنَّ ذلك لا ينافي الحياء.
_________________
(١) في حديثٍ أخرجه البخاريُّ (١٣٥).
(٢) البخاريُّ (٦٩٥٤)، ومسلمٌ (٢٢٥)، عن أبي هريرة ﵁.
(٣) تقدَّم برقم (٨٢).
(٤) تقدَّم برقم (٩١).
[ ١ / ٢٢٥ ]
٧ - أنَّ خروج الرِّيح لا يجب له الاستنجاء؛ لأنَّ الرَّسول ﷺ إنَّما أمر بالوضوء فقط، وهذا بالإجماع.
٨ - عظم شأن الصَّلاة؛ إذ لا تصحُّ إلَّا على طهارةٍ.
* * * * *
(٢٢٦) وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يَقْبَلُ اللهُ صَلَاةَ حَائِضٍ إِلَّا بِخِمَارٍ». رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلَّا النَّسَائِيَّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ (^١).
* * *
هذا الحديث من أحاديث ما يجب ستره من البدن في الصَّلاة وحكمه مختصٌّ بالمرأة.
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - أنَّ العمل منه مقبولٌ ومنه مردودٌ، فما كان على وفق ما شرع الله فهو مقبولٌ، وما كان على خلافه فهو مردودٌ، كما قال ﷺ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (^٢)، ونفي القبول في الأحاديث أنواعٌ:
أ - ما يتضمَّن حرمان الثَّواب مع الإجزاء؛ كقوله ﷺ: «مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ، لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً» رواه مسلمٌ (^٣).
ب - ما يتضمَّن عدم الإجزاء؛ كقوله ﷺ: «لَا يَقْبَلُ اللهُ صَلَاةً بِغَيْرِ طُهُور» (^٤)، ومنه هذا الحديث.
_________________
(١) أحمد (٢٥١٦٧)، وأبو داود (٦٤١)، والترمذيُّ (٣٧٧)، وابن ماجه (٦٥٥)، وابن خزيمة (٧٧٥).
(٢) رواه البخاريُّ (٢٦٩٧)، ومسلمٌ (١٧١٨)، عن عائشة ﵂.
(٣) مسلمٌ (٢٢٣٠)؛ من حديث صفيَّة ﵂ عن بعض أزواج النَّبيِّ ﷺ.
(٤) رواه مسلمٌ (٢٢٤)، عن عبد الله بن عمر ﵃.
[ ١ / ٢٢٦ ]
ج - ما يتضمَّن عدم الثَّواب وعدم الإجزاء؛ كقوله تعالى في الحديث القدسيِّ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ» (^١).
٢ - وجوب ستر المرأة رأسها في الصَّلاة وأنَّ ذلك شرطٌ لصحَّتها.
٣ - صحَّة صلاة من لم تبلغ ولو لم تستر رأسها، لقوله ﷺ: «صَلَاةَ حَائِضٍ»؛ أي: بالغٍ.
٤ - أنَّه لا فرق في مقتضى هذا الحديث بين الحرَّة والأمة، وقد اختلف العلماء في ذلك؛ فمنهم من قال: عورة الأمة في الصَّلاة ما بين السُّرَّة والرُّكبة، وأمَّا الحرَّة فكلُّها عورةٌ في الصَّلاة إلَّا وجهها، وقال بعضهم: إلَّا وجهها وكفَّيها، وقال بعضهم: وجهها وكفَّيها وباطن قدميها، والحديث لم يدلَّ إلَّا على وجوب ستر الرَّأس.
٥ - أنَّ الحيض من علامات البلوغ.
* * * * *
(٢٢٧) وَعَنْ جَابِرٍ ﵁؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُ: «إِنْ كَانَ الثَّوْبُ وَاسِعًا فَالْتَحِفْ بِهِ»؛ - يَعْنِي: فِي الصَّلَاةِ - وَلِمُسْلِمٍ: «فَخَالِفْ بَيْنَ طَرَفَيْهِ» - «وَإِنْ كَانَ ضَيِّقًا فَاتَّزِرْ بِهِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٢).
(٢٢٨) وَلَهُمَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرةَ ﵁: «لَا يُصَلِّي أَحَدُكُمْ فِي الثَّوْبِ الوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى عَاتِقِهِ مِنْهُ شَيْءٌ» (^٣).
* * *
حديث جابرٍ وحديث أبي هريرة ﵃ يتعلَّقان بستر العورة في الصَّلاة. وعورة الرَّجل -في حكم النَّظر- من السُّرَّة إلى الرُّكبة، وهذا قول كثيرٍ من
_________________
(١) رواه مسلمٌ (٢٩٨٥)، عن أبي هريرة ﵁.
(٢) البخاريُّ (٣٦١)، ومسلمٌ (٣٠١٠).
(٣) البخاريُّ (٣٥٩)، ومسلمٌ (٥١٦).
[ ١ / ٢٢٧ ]
العلماء، ومنهم من أدخل السُّرَّة والرُّكبة في العورة، ومنهم من أخرجهما، وهذا قول من يقول: إنَّ الفخذ عورةٌ، وقد جاء في الحديث: «الْفَخِذُ عَوْرَةٌ» (^١)، وفي حديثٍ آخر: «لَا تَكْشِفْ فَخِذَكَ، ولا تَنْظُرْ إِلَى فَخِذِ حَيٍّ ولا مَيِّتٍ» (^٢).
وذهب بعض أهل العلم إلى أنَّ الفخذ ليس بعورةٍ، مستدلًّا بما ورد من انكشاف فخذ النَّبيِّ ﷺ في عددٍ من المناسبات، ومن ذهب إلى ذلك يقول: العورة: السَّوءتان؛ القبل والدُّبر.
ومن قال: الفخذ عورةٌ قال: العورة نوعان: مغلَّظةٌ وغير مغلَّظةٍ، فالمغلَّظة لا يجوز النَّظر إليها إلَّا للضَّرورة، وغير المغلَّظة لا يجوز كشفها ولا النَّظر إليها إلَّا بصفةٍ عارضةٍ، وعلى وجه النُّدرة.
وأمَّا ما يجب على الرَّجل ستره في الصَّلاة فهو العورة والعاتقان أو أحدهما، فمن صلَّى مكشوف العورة أو شيءٍ منها من غير عذرٍ لم تصحَّ صلاته، ومن صلَّى مكشوف العاتقين، فقيل: يكره، وقيل: يحرم، ولا تصحُّ صلاته، وهذا أظهر في الدَّليل. والله أعلم.
وفي الحديثين فوائد؛ منها:
١ - جواز الصَّلاة في الثَّوب الواحد.
٢ - أنَّ الاتِّزار بالثَّوب الواحد يجزئ إذا كان ضيِّقًا لا يتَّسع للالتحاف به، ولا يوجد غيره.
_________________
(١) رواه أبو داود (٤٠١٦)، والترمذيُّ (٢٧٩٦)، والبخاريُّ معلقًا غير مجزومٍ به، في (باب ما يذكر في الفخذ) (١/ ١٣٩)، عن جرهدٍ الأسلميِّ وابن عباسٍ ومحمد بن جحشٍ ﵃. والحديث مختلفٌ في صحته. ينظر: «نصب الراية» (٤/ ٣١٣)، و«البدر المنير» (٤/ ١٤٦).
(٢) رواه أحمد (١٢٤٩)، وأبو داود (٤٠١٥)، وابن ماجه (١٤٦٠)، عن عليٍّ ﵁. وأعلَّ بالطعن في أحد رواته والانقطاع. ينظر: «التلخيص الحبير» (١/ ٢٧٩)، و«البدر المنير» (٤/ ١٤٢).
[ ١ / ٢٢٨ ]
٣ - الأمر بالالتحاف به إذا كان واسعًا؛ وهو التَّجلُّل به ومخالفة طرفيه، فقيل: الالتحاف به واجبٌ، وقيل: مستحبٌّ، والصَّواب: أنَّه واجبٌ؛ للأمر به في حديث جابرٍ ﵁، وفي معناه حديث أبي هريرة ﵁: «لَا يُصَلِّي أَحَدُكُمْ فِي الثَّوْبِ الوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى عَاتِقِهِ مِنْهُ شَيْءٌ»، فحديث أبي هريرة ﵁ مؤكِّدٌ لقوله في حديث جابرٍ ﵁: «فَالْتَحِفْ بِهِ» وحديث جابرٍ ﵁ مفسِّرٌ لحديث أبي هريرة ﵁، وأنَّ محلَّ النَّهي إذا كان الثَّوب واسعًا.
٤ - عظم شأن الصَّلاة؛ إذ يجب ويستحبُّ فيها من اللِّباس ما ليس في غيرها من الأحوال، قال تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]، وأقلُّ الزِّينة ستر العورة، والزِّيادة على ذلك مستحبَّةٌ، واختُلِف في وجوب ستر العاتق كما تقدَّم.
٥ - يُسر الشَّريعة، ومن ذلك جواز الصَّلاة في الثَّوب الواحد والالتحاف فيه، ولو وجد ثوبًا آخر، كما فعل جابرٌ ﵁؛ إذ صلَّى في ثوبٍ واحدٍ ملتحفًا به، وثوبه الآخر على المشجب، وذكر أنَّه تعمَّد ذلك لتعليم الجاهل (^١).
* * * * *
(٢٢٩) وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂، أَنَّهَا سَأَلَتِ النَّبِيَّ ﷺ: أَتُصَلِّي الْمَرْأَةُ فِي دِرْعٍ وَخِمَارٍ بِغَيْرِ إِزَارٍ؟ قَالَ: «إِذَا كَانَ الدِّرْعُ سَابِغًا يُغَطِّي ظُهُورَ قَدمَيْهَا». أَخْرَجَهُ أبو دَاوُدَ، وَصَحَّحَ الأَئِمَّةُ وَقْفَهُ (^٢).
* * *
هذا الحديث اختُلف في رفعه ووقفه، واللَّفظ الَّذي ساقه المصنِّف هو المرفوع، لكن قوله: «وصحَّح الأئمَّة» يرجِّح أنَّه موقوفٌ، ومعنى كونه موقوفًا:
_________________
(١) ينظر: «صحيح البخاريِّ» (٣٤٥).
(٢) أبو داود (٦٤٠). وممن صحَّح وقفه: أبو داود، والدَّارقطنيُّ، وابن الجوزيِّ، وابن عبد الهادي. ينظر: «التلخيص الحبير» (٤٤٤).
[ ١ / ٢٢٩ ]
أنَّ المسؤول هي أمُّ سلمة ﵂، وهي المجيبة بقولها: «إِذَا كَانَ الدِّرْعُ سَابِغًا يُغَطِّي ظُهُورَ قَدَمَيْهَا».
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - أنَّه يجوز للمرأة أن تصلِّي بدرعٍ وخمارٍ، والدِّرع هو: القميص الَّذي يستر جميع البدن.
٢ - اشتراط أن يكون الدِّرع سابغًا يغطِّي ظهور القدمين.
٣ - وجوب ستر المرأة قدميها في الصَّلاة، وقد اختلف العلماء في ذلك فقيل: يجب، وقيل: يستحبُّ؛ لأنَّ الحديث من قول أمِّ سلمة ﵂ فلا يكون حجَّةً على الوجوب. وهنا ملاحظتان على ترتيب هذه الأحاديث:
أ - كان من المناسب أن يبدأ بحديث جابرٍ وحديث أبي هريرة ﵃؛ لتعلُّقهما بالرِّجال.
ب - أن يذكر حديث أمِّ سلمة مع حديث عائشة ﵃؛ لتعلُّقهما بلباس المرأة في الصَّلاة.
* * * * *
(٢٣٠) وَعَنْ عَامِرِ بنِ رَبِيعَةَ ﵁، قَالَ: «كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ فَأَشْكَلَتْ عَلَيْنَا الْقِبْلَةُ، فَصَلَّيْنَا، فَلَمَّا طَلَعَتِ الشَّمْسُ إِذَا نَحْنُ صَلَّيْنَا إِلَى غَيْرِ القِبْلَةِ، فَنَزَلَتْ: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]. أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَضَعَّفَهُ (^١).
(٢٣١) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ قِبْلَةٌ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَوَّاهُ البُخَارِيُّ (^٢).
* * *
_________________
(١) الترمذيُّ (٣٤٥).
(٢) الترمذيُّ (٣٤٤). قوله: «وقوَّاه البخاريُّ» يريد بذلك ما نقله الترمذيُّ عن البخاريِّ أنه قال: «حديث عبد الله بن جعفرٍ المخرميِّ، عن عثمان بن محمدٍ الأخنسيِّ، عن سعيدٍ المقبريِّ، عن أبي هريرة أقوى من حديث أبي معشرٍ وأصحُّ».
[ ١ / ٢٣٠ ]
هذان الحديثان يتعلَّقان بحكم استقبال القبلة في الصَّلاة، والقبلة هي: الكعبة والمسجد الحرام، وقد دلَّ الكتاب والسُّنَّة والإجماع على اشتراط استقبال القبلة في الصَّلاة إلَّا ما خصَّه الدَّليل، قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٥٠]، وقال ﷺ: «مَنْ صَلَّى صَلاتَنَا وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا وَأَكَلَ ذَبِيحَتَنَا فَذَلِكَ الْمُسْلِمُ …» (^١) الحديث. وأجمع المسلمون على ذلك إجماعًا قطعيًّا، فمن جحد القبلة كفر، ومن صلَّى متعمِّدًا إلى غير القبلة لم تصحَّ صلاته.
وهذان الحديثان قد ضعَّف التِّرمذيُّ أوَّلهما، وقوَّى البخاريُّ الحديث الثَّاني، ومع ذلك فقد اتَّفق العلماء على مضمونهما.
وفي الحديثين فوائد؛ منها:
١ - أنَّ من صلَّى إلى غير القبلة وقد اجتهد فأخطأ فصلاته صحيحةٌ.
٢ - أنَّ أيَّ جهةٍ أمر الله سبحانه بالتَّوجُّه إليها فهي القبلة، فالكلُّ ملكه، وقوله: ﴿فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]؛ أي: قبلة الله؛ أي: القبلة الَّتي شرع الله، هذا أرجح القولين في الآية، وعلى هذا؛ فلا تكون الآية من آيات الصِّفات.
وقيل: ﴿فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ﴾ وجهه الَّذي هو صفته، ومشى على ذلك ابن القيِّم، واختار شيخه الأوَّل، وهو المأثور عن السَّلف كابن عبَّاسٍ ﵃ وغيره.
والوجه يطلق على الجهة، فإضافة الوجه إلى الله على القول الأوَّل من إضافة المخلوق إلى خالقه، وعلى القول الثَّاني تكون من إضافة الصِّفة إلى الموصوف.
_________________
(١) رواه البخاريُّ (٣٩١)، عن أنس بن مالكٍ ﵁.
[ ١ / ٢٣١ ]
٣ - أنَّه لا فضل لجهةٍ على جهةٍ، فهي في ذاتها متساويةٌ، وإنَّما الفضل في الإيمان بالله وطاعته، كما قال تعالى: ﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ الآية [البقرة: ١٧٧].
٤ - أنَّه يجزئ البعيد في استقبال القبلة جهتها، وهو الواجب، لا عينها، وأمَّا القريب ففرضه استقبال عين الكعبة.
٥ - أنَّ قبلة أهل المدينة ما بين المشرق والمغرب من جهة اليمن، فذكر المشرق والمغرب في الحديث باعتبار أهل المدينة ومن على سمتهم؛ كقوله ﷺ في الحديث: «لَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ ولا تَسْتَدْبِرُوهَا بِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ، وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا» (^١)، وعليه؛ فمن كان محلُّه في المشرق أو المغرب فما بين الشَّام واليمن له قبلةٌ.
٦ - اليسر في هذا الدِّين، كما هو ظاهرٌ من الفائدتين الرَّابعة والخامسة، وفي الحديث الصَّحيح: «إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ» (^٢)، ويدلُّ لذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨].
* * * * *
(٢٣٢) وَعَنْ عَامِرِ بنِ رَبِيعَةَ ﵁، قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٣).
(٢٣٣) زَادَ البُخَارِيُّ: «يُومِئُ بِرَأْسِهِ، وَلَمْ يَكُنْ يَصْنَعُهُ فِي المَكْتُوبَةِ» (^٤).
(٢٣٤) وَلأَبِي دَاوُدَ: مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ ﵁: «كَانَ إِذَا سَافَرَ فَأَرَادَ أَنْ يَتَطَوَّعَ اسْتَقْبَلَ بِنَاقَتِهِ الْقِبْلَةَ، فَكَبَّرَ، ثُمَّ صَلَّى حَيْثُ كَانَ وَجْهُ رِكَابِهِ». وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ (^٥).
* * *
_________________
(١) تقدَّم برقم (١٠٥).
(٢) رواه البخاريُّ (٣٩)، عن أبي هريرة ﵁.
(٣) البخاريُّ (١٠٩٣)، ومسلمٌ (٧٠١).
(٤) البخاريُّ (١٠٩٧).
(٥) أبو داود (١٢٢٥)، بلفظ: «ثمَّ صلَّى حيث وجَّهه ركابه» بدل «حيث كان وجه ركابه».
[ ١ / ٢٣٢ ]
هذان الحديثان في حكم صلاة التَّطوُّع على الرَّاحلة في السَّفر.
وفيهما فوائد، منها:
١ - جواز صلاة النَّافلة على الرَّاحلة في السَّفر، ومن ذلك الوتر، كما جاء في حديث ابن عمر ﵃ (^١).
٢ - أنَّ المكتوبة لا تصحُّ على الرَّاحلة إلَّا عند الضَّرورة؛ كخوفٍ من عدوٍّ أو ضررٍ.
٣ - أنَّ التَّطوُّع على الرَّاحلة لا يشترط له استقبال القبلة، فيصلِّي المسافر حيث توجَّهت به راحلته، وإذا أمكنه استقبال القبلة وهو يسير وجب عليه؛ كما في السَّيَّارة والطَّائرة والسَّفينة؛ لأنَّها في الغالب تسير في اتِّجاهٍ واحدٍ.
٤ - استحباب استقبال القبلة عند تكبيرة الإحرام، لمن يصلِّي على الرَّاحلة في السَّفر.
٥ - أنَّ المتطوِّع على راحلته يومئ بالرُّكوع والسُّجود.
٦ - تيسير الله أمر العبادة على العباد.
٧ - استحباب التَّطوُّع المطلق بالصَّلاة في السَّفر.
٨ - أنَّ صلاة النَّافلة على الرَّاحلة مختصَّةٌ بالسَّفر دون الحضر؛ إذ لم يكن النَّبيُّ ﷺ يتطوَّع على راحلته إلَّا في السَّفر.
٩ - أنَّ السُّنَّة تخصِّص القرآن، وهو قوله تعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٩].
* * * * *
_________________
(١) رواه البخاريُّ (٩٥٥)، ومسلمٌ (٧٠٠).
[ ١ / ٢٣٣ ]
(٢٣٥) وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدٌ، إِلَّا الْمَقْبَرَةَ وَالْحَمَّامَ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَلَهُ عِلَّةٌ (^١).
(٢٣٦) وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵃ قَالَ: «نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُصَلَّى فِي سَبْعَةِ مَوَاطِنَ: المَزْبَلَةِ، وَالْمَجْزَرَةِ، وَالْمَقْبَرَةِ، وَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ، وَالْحَمَّامِ، وَمَعَاطِنِ الإِبِلِ، وَفَوْقَ ظَهْرِ بَيْتِ اللهِ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَضَعَّفَهُ (^٢).
(٢٣٧) وَعَنْ أَبِي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيِّ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا تُصَلُّوا إِلَى القُبُورِ، ولا تَجْلِسُوا عَلَيْهَا». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٣).
* * *
هذه الأحاديث تضمَّنت النَّهي عن الصَّلاة في مواضع من الأرض، والأصل: جواز الصَّلاة في جميع المواضع؛ لما ثبت في «الصَّحيحين» من قوله ﷺ: «وَجُعِلَتْ لِي الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا» (^٤)، ويستثنى من ذلك ما قام الدَّليل على تحريم الصَّلاة فيه، فيكون مخصوصًا من عموم الأرض، فقد ثبت النَّهي عن الصَّلاة في المقبرة وإلى المقبرة، وعن الصَّلاة في معاطن الإبل، واتَّفق العلماء على تحريم الصَّلاة في المواضع النَّجسة، وقد دلَّ حديث أبي سعيدٍ وابن عمر ﵃ على النَّهي عن الصَّلاة في سبعة مواضع، ولكنَّ حديث ابن عمر ﵃ لا يصلح للاحتجاج، ولكن من هذه المواضع ما صحَّ النَّهي عنه؛ كالمقبرة ومعاطن الإبل، وكذا الحمَّام عند من صحَّح حديث أبي سعيدٍ ﵁، والمراد بالحمَّام: المكان المعدُّ للاستحمام، وهو الاغتسال بالماء الحارِّ، لا المعدُّ لقضاء الحاجة، كما يعرف الآن، وأمَّا الصَّلاة على ظهر البيت، وهو سطح الكعبة فلا دليل على منع الصَّلاة فيه إلَّا حديث ابن عمر ﵃ وهو ضعيفٌ.
_________________
(١) الترمذيُّ (٣١٧). وأعله بعضهم برواية الثوري المرسلة، وقد روي موصولًا، وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن أسانيده جيدة وقال في «اقتضاء الصراط المستقيم» (٢/ ٦٧٧): «ومن تكلم فيه فما استوفى طرقه».
(٢) الترمذيُّ (٣٤٦).
(٣) مسلمٌ (٩٧٢).
(٤) تقدم برقم (١٣٩).
[ ١ / ٢٣٤ ]
وفي الأحاديث فوائد؛ منها:
١ - أنَّ الأرض كلَّها مصلًّى.
٢ - المنع من الصَّلاة في المقبرة، وقد صحَّت بذلك الأحاديث كقوله ﷺ: «أَلَا فَلَا تَتَّخِذُوا القُبُورَ مَسَاجِدَ، فَإِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ» (^١).
٣ - النَّهي عن الصَّلاة في الحمَّام، وأصحُّ ما جاء فيه حديث أبي سعيدٍ ﵁، وقد اختلف في وصله وإرساله، ورجَّح شيخنا الشَّيخ عبد العزيز بن بازٍ وصله وسلامته من العلَّة (^٢).
٤ - النَّهي عن الصَّلاة في معاطن الإبل، وهي مباركها عند الماء، وقد صحَّ النَّهي عن الصَّلاة فيها، وليس هذا النّهي لنجاسة أبوالها وأرواثها، بل ذلك من جنس الأمر بالوضوء من لحمها، وحكمة ذلك -والله أعلم-: ما جبلت عليه من أخلاق الشَّياطين.
٥ - النَّهي عن الصَّلاة في المزبلة والمجزرة، ولم يأت النَّهي عن ذلك إلَّا في حديث ابن عمر ﵃، وهو ضعيفٌ، لكن ينهى عن الصَّلاة فيهما من أجل النَّجاسة، فإذا كان فيهما موضعٌ لا نجاسة فيه فالأصل صحَّة الصَّلاة.
٦ - النَّهي عن الصَّلاة في قارعة الطَّريق وفوق ظهر الكعبة، ولم يرد النَّهي عن ذلك إلَّا في حديث ابن عمر ﵃، وقد أخذ بذلك كثيرٌ من العلماء، والصَّحيح: أنَّه لا تحرم الصَّلاة في سطح الكعبة ولا في قارعة الطَّريق؛ إلَّا أن تترتَّب على ذلك مفسدةٌ شرعيَّةٌ.
٧ - تحريم الصَّلاة إلى القبور.
٨ - سدُّ ذرائع الشِّرك.
٩ - تحريم الجلوس على القبور.
_________________
(١) رواه مسلمٌ (٥٣٢) عن جندبٍ ﵁.
(٢) ينظر: «حاشية الشيخ ابن بازٍ على البلوغ» (١٧٧).
[ ١ / ٢٣٥ ]
(٢٣٨) وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمُ المَسْجِدَ فَلْيَنْظُرْ، فَإِنْ رَأَى فِي نَعْلَيْهِ أَذًى أَوْ قَذَرًا فَلْيَمْسَحْهُ؛ وَلْيُصَلِّ فِيهِمَا». أَخْرَجَهُ أبو دَاودَ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ (^١).
(٢٣٩) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِذَا وَطِئَ أَحَدُكُمُ الأَذَى بِخُفَّيْهِ فَطَهُورُهُمَا التُّرَابُ». أَخْرَجَهُ أبو دَاودَ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (^٢).
* * *
هذان الحديثان أوردهما المؤلِّف في باب شروط الصَّلاة، للاستدلال بهما على أنَّ من شروط الصَّلاة الطَّهارة من النَّجاسة، فيجب على من أراد الصَّلاة أن يطهِّر بدنه وثوبه ومكان الصَّلاة من النَّجاسة، وفي حكم الثَّوب كلُّ ما يلبس على البدن، ومن ذلك: النَّعل والخفُّ.
وفي الحديثين فوائد؛ منها:
١ - أنَّ تطهير النَّعل والخفِّ بدلكهما بالتُّراب.
٢ - وجوب تفقُّد النَّعل والخفِّ قبل الدُّخول في المسجد إذا احتمل أن يكون فيهما قذرٌ.
٣ - وجوب التَّطهُّر من النَّجاسة للصَّلاة.
٤ - أنَّ تطهير النَّجاسة لا يختصُّ بالماء.
٥ - صيانة المسجد من الأقذار.
٦ - استحباب الصَّلاة في النِّعال ونحوها.
٧ - أنَّ المشقَّة تجلب التَّيسير.
_________________
(١) أبو داود (٦٥٠)، وابن خزيمة (٧٨٦).
(٢) أبو داود (٣٨٦)، وابن حبان (١٤٠٤).
[ ١ / ٢٣٦ ]
(٢٤٠) وَعَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ، إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ، وَالتَّكْبِيرُ، وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^١).
(٢٤١) وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ﵁ قَالَ: «إِنْ كُنَّا لَنَتَكَلَّمُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيّ ﷺ، يُكَلِّمُ أَحَدُنَا صَاحِبَهُ بِحَاجَتِهِ حَتَّى نَزَلَتْ: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلّهِ قَانِتِين (٢٣٨)﴾ [البقرة: ٢٣٨]، فَأُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ وَنُهِينَا عَنِ الْكَلَامِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ (^٢).
* * *
هذان الحديثان في حكم الكلام في الصَّلاة، ولحديث معاوية سببٌ، قال معاوية: بينا أنا أصلِّي مع رسول الله ﷺ إذ عطس رجلٌ من القوم، فقلت: يرحمك الله، فرماني القوم بأبصارهم! فقلت: وا ثكل أُمِّياه، ما شأنكم تنظرون إليَّ؟! فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم! فلمَّا رأيتهم يصمِّتونني لكنِّي سكتُّ، فلمَّا صلَّى رسول الله ﷺ، فبأبي هو وأمِّي، ما رأيت معلِّمًا قبله ولا بعده أحسن تعليمًا منه، فوالله ما كهرني، ولا ضربني، ولا شتمني، قال: «إنَّ هذِهِ الصَّلَاةَ …» الحديث.
وفي الحديثين فوائد؛ منها:
١ - تحريم الكلام في الصَّلاة، واتَّفق العلماء على أنَّ من تكلَّم في الصَّلاة عمدًا بطلت صلاته.
٢ - أنَّ الكلام في الصَّلاة سهوًا أو خطأً لا يبطلها.
٣ - أنَّ الكلام في الصَّلاة كان جائزًا ثمَّ نسخ.
_________________
(١) مسلمٌ (٥٣٧).
(٢) البخاريُّ (١٢٠٠)، ومسلمٌ (٥٣٩).
[ ١ / ٢٣٧ ]
٤ - أنَّ النَّسخ قد يكون بالأشدِّ.
٥ - أنَّ حكم الكلام في الصَّلاة عامٌّ في فرضها ونفلها، وشاملٌ لقليل الكلام وكثيره.
٦ - وجوب التَّكبير والتَّسبيح والقراءة في الصَّلاة، وهذا فصَّلته السُّنَّة.
٧ - أنَّه ليس في الصَّلاة موضع سكوتٍ، وقول أبي هريرة ﵁: «أرأيت سكوتك بين التَّكبير والقراءة؛ ما تقول؟» (^١)، يريد: الإسرار.
٨ - أنَّ ترك نوعٍ من الكلام يسمَّى سكوتًا.
٩ - إطلاق العامِّ وإرادة الخاصِّ في قوله: «ونهينا عن الكلام».
ويؤخذ من سبب حديث معاوية:
١٠ - حسن خلقه ﷺ وحسن تعليمه.
١١ - الرِّفق بالجاهل.
١٢ - أنَّ الرِّفق سببٌ لقبول النُّصح والإرشاد، وأنَّ العنف سببٌ للنُّفرة عن الحقِّ.
١٣ - جواز تنبيه من أخطأ في صلاته بكلامٍ أو غيره؛ وذلك بالإشارة ونحوها.
١٤ - أنَّ من عطس في الصَّلاة يحمد الله لكن لا يشمَّت.
ويؤخذ من قوله: «حتَّى نزلت: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلّهِ قَانِتِين (٢٣٨)﴾ [البقرة: ٢٣٨]»:
١٥ - أنَّ القرآن نزل منجَّمًا.
١٦ - إثبات العلوِّ لله تعالى.
١٧ - أنَّ القرآن منزَّلٌ غير مخلوقٍ.
_________________
(١) البخاريُّ (٧٤٤)، ومسلمٌ (٥٩٨).
[ ١ / ٢٣٨ ]
١٨ - فضيلة صلاة العصر؛ لقوله تعالى: ﴿والصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾.
١٩ - عظم شأن الصَّلاة.
٢٠ - وجوب القيام في الصَّلاة إلَّا ما خصَّه الدَّليل.
٢١ - أنَّ السُّنَّة تفسِّر القرآن.
٢٢ - أنَّ السُّكوت في الصَّلاة من تمام القنوت.
* * * * *
(٢٤٢) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «التَّسْبِيحُ لِلرِّجَالِ، وَالتَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(٢٤٣) زَادَ مُسْلِمٌ: «فِي الصَّلَاةِ» (^١).
* * *
هذا الحديث فيه بيان ما يفعله المسلم إذا نابه شيءٌ في الصَّلاة.
وفيه فوائد، منها:
١ - أنَّ الرَّجل إذا نابه شيءٌ في صلاته يسبِّح، أي يقول: «سبحان الله»؛ كالمأموم إذا سها إمامه فزاد أو نقص في صلاته.
٢ - أنَّ المرأة تصفِّق تصفيقًا يحصل به التَّنبيه ويرشد إلى المقصود.
٣ - أنَّ صوت المرأة فتنةٌ؛ فلذا جاءت السُّنَّة بإرشادها إلى التَّصفيق عند الحاجة.
٤ - جواز صلاة المرأة مع الرِّجال في المسجد أو غيره.
٥ - أنَّ للمرأة -إذا صلَّت مع الرِّجال- أن تنبِّه الإمام إذا لم ينبِّهه الرِّجال.
٦ - جواز الفعل اليسير للحاجة في الصَّلاة.
_________________
(١) البخاريُّ (١٢٠٣)، ومسلمٌ (٤٢٢).
[ ١ / ٢٣٩ ]
٧ - أنَّ الذِّكر المشروع في غير محلِّه من الصَّلاة لا يبطلها، لكن يكره؛ كالتَّسبيح في القعود، لكن إذا دعت إليه الحاجة فلا كراهة؛ لهذا الحديث.
٨ - وقوله في الحديث الآخر: «مَنْ نَابَهُ شَيْءٌ فِي صَلَاتِهِ فَلْيُسَبِّحِ الرِّجَالُ …» (^١)، يدلُّ على أنَّ ذلك لا يختصُّ بصلاة الجماعة؛ بل يشمل الإمام والمأموم والمنفرد.
٩ - الفرق بين الرِّجال والنِّساء في الأحكام في الجملة.
* * * * *
(٢٤٤) وَعَنْ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الشِّخِّيرِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يُصَلِّي وَفِي صَدْرِهِ أَزِيزٌ كَأَزِيزِ الْمِرْجَلِ مِنَ الْبُكَاءِ». أَخْرَجَهُ الخَمْسَةُ، إِلَّا ابْنَ مَاجَه، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (^٢).
* * *
هذا الحديث يدخل في شمائل النَّبيِّ ﷺ، وممَّا يبيِّن كمال عبادته.
وفيه فوائد، منها:
١ - تعظيم النَّبيِّ ﷺ لربِّه.
٢ - كمال إقباله ﷺ على الله في صلاته.
٣ - إجلاله ﷺ لله وشوقه إليه.
٤ - فضل البكاء في الصَّلاة من خشية الله.
٥ - العمل على كتمانه، لكن من غلبه البكاء فكان له نشيجٌ فلا حرج عليه، وأمَّا تعمُّد النَّشيج والصِّياح فينهى عنه؛ لأنَّه تكلُّف ما ليس بمشروعٍ في الصَّلاة.
_________________
(١) رواه البخاريُّ (٧١٩٠)، ومسلمٌ (٤٢١) عن سهل بن سعد الساعدي ﵁.
(٢) أحمد (١٦٣١٧)، وأبو داود (٩٠٤)، والترمذيُّ في «الشمائل» (٣٢٢)، والنَّسائيُّ (٥٤٩)، وابن حبان (٧٥٣).
[ ١ / ٢٤٠ ]
(٢٤٥) وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁، قَالَ: «كَانَ لِي مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ مَدْخَلانِ، فَكُنْتُ إِذَا أَتَيْتُهُ وَهُوَ يُصَلِّي تَنَحْنَحَ لِي». رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَه (^١).
* * *
هذا الحديث يدخل في فضائل أمير المؤمنين عليِّ بن أبي طالبٍ ﵁.
وفيه فوائد، منها:
١ - فضيلة عليٍّ ﵁.
٢ - كثرة دخوله على النَّبيِّ ﷺ، كيف لا وهو أخصُّ أهل بيت النَّبيِّ ﷺ به؟ فإنَّه ابن عمِّه وصهره على فضلى بناته.
٣ - جواز التَّنحنح في الصَّلاة للحاجة، وأنَّه لا يبطلها، ولو قصد به التَّنبيه؛ لأنَّه ليس بكلامٍ، ولو بان حرفان.
* * * * *
(٢٤٦) وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵁، قَالَ: «قُلْتُ لِبِلَالٍ: كَيْفَ رَأَيْتَ النَّبِيّ ﷺ يَرُدُّ عَلَيْهِمْ حِينَ يُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ وَهُوَ يُصَلِّي؟ قَالَ: يَقُولُ هَكَذَا، وَبَسَطَ كَفَّهُ». أَخْرَجَهُ أبو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ (^٢).
* * *
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - جواز السَّلام على المصلِّي.
٢ - أنَّه يردُّ بالإشارة ولا يتكلَّم.
٣ - أنَّ الإشارة ليست بكلامٍ؛ فمن حلف ألَّا يتكلَّم لم يحنث بالإشارة باليد والرَّأس ونحوهما.
_________________
(١) النَّسائيُّ (١٢١٠)، وابن ماجه (٣٧٠٨).
(٢) أبو داود (٩٢٧)، والترمذيُّ (٣٦٨).
[ ١ / ٢٤١ ]
٤ - صفة ردِّ السَّلام بالإشارة، وهي أن يبسط كفَّه ويجعل باطنها إلى الأرض.
٥ - جواز السَّلام على قارئ القرآن، لكنَّ القارئ يردُّ بالكلام.
٦ - جواز الفعل اليسير في الصَّلاة من غير جنسها للحاجة.
٧ - أخذ العالم ممَّن دونه، وأنَّ هذا لا يزري بالعالم، بل يرفع من قدره.
٨ - حرص الصَّحابة ﵃ على العلم.
* * * * *
(٢٤٧) وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ ﵁ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي وَهُوَ حَامِلٌ أُمَامَةَ بِنْتَ زَيْنَبَ، فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَهَا، وَإِذَا قَامَ حَمَلَهَا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(٢٤٨) وَلِمُسْلِمٍ: «وَهُوَ يَؤُمُّ النَّاسَ فِي المَسْجِدِ» (^١).
* * *
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - حسن خلقه ﷺ ورحمته للصِّغار.
٢ - أنَّ الحركة الكثيرة من غير جنس الصَّلاة لا تبطل الصَّلاة إذا كانت متفرِّقةً.
٣ - فضيلة أمامة بنت زينب ﵃ بنت رسول الله ﷺ.
٤ - حمل المصلِّي ما يحتاج إلى حمله.
٥ - جواز حمل المرأة طفلها في الصَّلاة إذا خشيت أن يشوِّش عليها ببكاءٍ أو غيره.
٦ - التَّعليم بالفعل.
_________________
(١) البخاريُّ (٥١٦)، ومسلمٌ (٥٤٣).
[ ١ / ٢٤٢ ]
٧ - أنَّ الأصل في ثياب الطِّفل الطَّهارة، وجواز حمله ما لم تعلم نجاستها.
٨ - يُسر الدِّين وسماحة الشَّريعة.
٩ - جواز إدخال الصِّبيان المسجد إذا كان لا يترتَّب عليه مفسدةٌ تتعلَّق بالمصلِّين أو المسجد.
* * * * *
(٢٤٩) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «اقْتُلُوا الأَسْوَدَيْنِ فِي الصَّلَاةِ؛ الحَيَّةَ، وَالْعَقْرَبَ». أَخْرَجَهُ الأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (^١).
* * *
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - مشروعيَّة قتل الحيَّة والعقرب؛ لأنَّهما من الحيوانات المؤذية والضَّارَّة، فيقتلن في الحلِّ والحرم.
٢ - جواز قتلهما في الصَّلاة، وذلك إذا عرضا للمصلِّي قريبًا منه، أو بعيدًا وخشي منهما الضَّرر.
٣ - احتمال أدنى المفسدتين لدفع أعلاهما.
٤ - جواز الحركة في الصَّلاة للحاجة والضَّرورة، وذلك من يسر الشَّريعة.
٥ - مجيء الأمر للإباحة والاستحباب.
* * * * *
_________________
(١) أبو داود (٩٢١)، والترمذيُّ (٣٩٠)، والنَّسائيُّ (١٢٠١)، وابن ماجه (١٢٤٥)، وابن حبان (٢٣٥٢).
[ ١ / ٢٤٣ ]