الشروط: جمع شرْط - بسكون الراء - وهو ما تتوقف صحة العقد عليه، والشَّرَط - بفتح الراء - العلامة، وجمعه أشراط، ومنه قوله تعالى: ﴿فَقَدْ جَاء أَشْرَاطُهَا﴾ [محمد: ١٨]، وقول المصنف: «وَمَا نُهِيَ عَنْهُ»، ينبه على أن من البيوع ما يحرم للنهي عنه، ومنها ما فُقد فيه شرط من شروطه.
* * * * *
(٨٧٥) عَنْ رِفَاعَةَ بِنِ رَافِعٍ ﵁؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ: أَيُّ الكَسْبِ أَطْيَبُ؟ قَالَ: «عَمَلُ الرَّجُلِ بِيَدِهِ، وَكُلُّ بَيْعٍ مَبْرُورٍ». رَوَاهُ البَزَّارُ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ (^١).
* * *
هذا الحديث في حكم كسب المال، والكسب يراد به العمل الذي يتوصل به إلى المال، ويراد به نفس المال المكسوب، وهو من إطلاق المصدر وإرادة اسم المفعول، والسؤال في الحديث عن المعنى الأول، كما يدل له جواب الرسول ﷺ.
ويحتمل أن يراد به المعنى الثاني، وجواب الرسول يستلزم بيان حكم المال المكسوب، فإذا كان العمل والتجارة حلالًا، كانت ثمرتهما حلالًا، وإذا كانت حرامًا، كان المال المكتسب حرامًا، فالكسب الذي هو الاكتساب تجري فيه الأحكام الخمسة: الوجوب، والاستحباب، والتحريم، والكراهة، والإباحة.
وفي الحديث فوائد، منها:
١ - اهتمام الصحابة بطيب المكسب.
_________________
(١) البزار (٣٧٣١)، والحاكم (٢١٦٠).
[ ٢ / ١٨٢ ]
٢ - أن طرق الكسب الحلال بعضها أطيب من بعض.
٣ - فضل عمل الرجل بيده عملًا حلالًا، لا دناءة فيه.
٤ - فضل البيع المبرور، وهو الخالي من الغش، والكذب، والكتمان، والغرر، والشبهة.
٥ - الترغيب في الصناعة والتجارة، وهو ما يسمى بالعمل الحُرِّ.
* * * * *
(٨٧٦) وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄؛ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ عَامَ الْفَتْحِ، وَهُوَ بِمَكَّةَ: «إِنَّ اللهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ، وَالْمَيْتَةِ، وَالْخِنْزِيرِ، وَالأَصْنَامِ»، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ شُحُومَ الْمَيْتَةِ، فَإِنَّهَا تُطْلَى بِهَا السُّفُنُ، وَتُدْهَنُ بِهَا الْجُلُودُ، وَيَسْتَصْبِحُ بِهَا النَّاسُ؟ فَقَالَ: «لا، هُوَ حَرَامٌ»، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عِنْدَ ذَلِكَ: «قَاتَلَ اللهُ الْيَهُودَ، إِنَّ اللهَ لَمَّا حَرَّمَ عَلَيْهِمْ شُحُومَهَا جَمَلُوهُ، ثُمَّ بَاعُوهُ، فَأَكَلُوا ثَمَنَهُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١).
* * *
هذا الحديث أصل في النهي عن بيع المحرمات وأكل ثمنها، وفيه من الفوائد:
١ - تأكيد الخبر بذكر زمانه ومكانه.
٢ - عظم شأن فتح مكة في تقرير الأحكام، وقد خطب ﷺ غير مرة، وبيَّن الأحكام المتعلقة بحرمة مكة، وأحكامًا أخرى؛ كالتي في هذا الحديث.
٣ - النهي عن بيع هذه المذكورات.
٤ - تأكيد هذا النهي بالتصريح بلفظ التحريم، وبإضافة التحريم إلى الله ورسوله ﷺ.
_________________
(١) البخاري (٢٢٣٦)، ومسلم (١٥٨١).
[ ٢ / ١٨٣ ]
٥ - أن ما حرمه الله حرمه رسوله، وما حرمه الرسول فقد حرمه الله.
٦ - التلازم بين بعض حقوق الله وحقوق رسوله ﷺ، كالإيمان والطاعة والمحبة والتشريع، مع التفاوت في المرتبة بين الرسول والمرسل، قال تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الأعراف: ١٥٨]. وقال: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٢٤]، وقال: ﴿وَأَطِيعُوا اللّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأنفال: ٤٦]، وقال: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوْا مَا آتَاهُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: ٥٩]، وقال: ﴿مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ﴾ [النساء: ٨٠]، وقال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ [الحشر: ٧].
٧ - جواز عود الضمير إلى أحد المعطوفين، لقوله: «إِنَّ اللهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ» بإفراد الضمير، راجعًا إلى الله، وله نظائر في اللغة، ومنه في القرآن: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا﴾ [التوبة: ٣٤]، ﴿وَاللّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢]، ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ [الجمعة: ١١].
٨ - تحريم الخمر، وتحريم بيعها، وقد لعن رسول الله ﷺ في الخمر عشرةً: عَاصِرَهَا وَمُعْتَصِرَهَا وَشَارِبَهَا وَحَامِلَهَا وَالْمَحْمُولَة إِلَيْهِ وَسَاقِيَهَا وَبَائِعَهَا وَآكِلَ ثَمَنِهَا وَالْمُشْتَرِي لَهَا وَالْمُشْتَرَاة لَهُ (^١).
٩ - تحريم الميتة، وتحريم بيعها.
١٠ - تحريم الخنزير، وتحريم بيعه.
١١ - تحريم بيع الأصنام على هيئتها.
_________________
(١) رواه الترمذي (١٢٩٥)، وابن ماجه (٣٣٨٠)؛ عن أنس ﵁، وصححه ابن الملقن في «البدر المنير» (٨/ ٦٩٩).
[ ٢ / ١٨٤ ]
١٢ - وجوب تحطيم الأصنام تحطيمًا يزيل صورتها.
١٣ - الاستفصال عن بيع شحوم الميتة والانتفاع بها.
١٤ - تحريم بيع شحوم الميتة؛ كسائر أجزائها النجسة، وإن كان ينتفع بها.
١٥ - أن مجرد الانتفاع بالشيء لا يستلزم حل بيعه، كالكلب ينتفع به ولا يحل بيعه.
١٦ - أن من أساليب الذم والتقبيح الدعاء ب «قَاتَلَهُ اللهُ».
١٧ - ذم اليهود بالاحتيال على ما حرم الله، وأنهم السلف لأهل الحيل؛ كما ذكر في هذا الحديث؛ وكاحتيالهم على الصيد في السَّبت، وقد حرمه الله عليهم.
١٨ - قيل: فيه تحريم الانتفاع بشحوم الميتة، وذلك للاختلاف في مرجع قوله ﷺ: «لا، هُوَ حَرَامٌ» قيل: الضمير للبيع، وقيل: لما ذُكر من وجوه الانتفاع؛ من طلاء السفن ودهن الجلود والاستصباح، والأظهر: رجوعه إلى البيع، لأنه موضوع الحديث، فيتعين أنه المسؤول عنه، ويؤيده قوله ﷺ في اليهود: «ثُمَّ بَاعُوهُ».
١٩ - أن ما حُرِّم أكله حُرِّم أكل ثمنه.
٢٠ - جواز استعمال النجاسة على وجه لا يتعدَّى؛ لأن الرسول ﷺ أقرَّهم على الاستصباح وطلاء السفن.
٢١ - تحريم ما مفسدته راجحة على مصلحته، وفي هذا احتمال أدنى المفسدتين لدفع أعظمها، وتفويت أدنى المصلحتين لتحصيل أعلاهما.
٢٢ - أن من كمال الشريعة تحريم كل ما يضر بالإنسان؛ في دينه، وعقله، ونفسه، وماله.
٢٣ - من السنة تحري المناسبات؛ لبيان الأحكام.
[ ٢ / ١٨٥ ]
٢٤ - أن النص على التحريم أبلغ في الدلالة من مجرد النهي.
٢٥ - أن من تعاطى الحيل لتحليل الحرام ففيه شبه من اليهود.
* * * * *
(٨٧٧) وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «إِذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ، وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا بَيِّنَةٌ، فَالْقَوْلُ مَا يَقُولُ رَبُّ السِّلْعَةِ، أَوْ يَتَتَارَكَانِ». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ (^١).
* * *
هذا الحديث أصل في حكم اختلاف المتبايعين.
وفي الحديث فوائد، منها:
١ - أن المتبايعين إذا اختلفا فالقول قول صاحب السلعة، وهو البائع، وذلك إذا لم تكن لأحدهما بينة.
٢ - أن من كانت له بينة حكم له بما توجبه البينة.
٣ - عموم الحديث في كل اختلاف بين المتبايعين.
٤ - أنهما إذا اتفقا على فسخ البيع فلا يحلف واحد منهما.
* * * * *
(٨٧٨) وَعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ؛ نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ، وَمَهْرِ الْبَغِيِّ، وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٢).
* * *
_________________
(١) أحمد (٤٤٤٥)، أبو داود (٣٥١١)، والنسائي (٤٦٤٨)، والترمذي (١٢٧٠)، وابن ماجه (٢١٨٦)، والحاكم (٢٢٩٣).
(٢) البخاري (٢٢٣٧)، ومسلم (١٥٦٧).
[ ٢ / ١٨٦ ]
هذا الحديث أصل في تحريم هذه الأعواض؛ للنهي عنها، وقد جاء وصفها بالخبث، والأعواضُ المحرمة: إما ثمن عين محرمة؛ كالخنزير، أو أجرة منفعة محرمة؛ كالزنا، والكهانة، وعصر الخمر، وحملها لمن يشربها، أو ثمن ما لا يحل بيعه؛ كالكلب.
وفي الحديث فوائد، منها:
١ - تحريم أكل الكلب، وتحريم بيعه، وتحريم ثمنه، وتحريم اقتنائه إلا ما خصه الدليل، وهو كلب الزرع والصيد والماشية، وما يمكن قياسه على هذه المنافع.
٢ - أن ما لا يحل ثمنه لا تحل قيمته.
٣ - تحريم الزنا، وتحريم أجرة الزانية.
٤ - تسمية أجرة الزانية مهرًا، وهو من قبيل المجاز التشبيهي، أي: الاستعارة، فالأصل في المهر أنه اسم للصداق في النكاح، شبه به ما تأخذه الزانية، بجامع أنه عوض عن منفعة البضع.
٥ - تحريم الكهانة، وهي حرفة بعض الدجالين الذين يخبرون ببعض المغيبات، ويستعينون بالجن فيما يخبرون به.
٦ - تحريم ما يأخذه الكاهن على كهانته.
٧ - تسمية أجرة الكاهن حلوانًا، وسمي حلوانًا لأنه يحصل بلا كلفة، مأخوذ من الحلاوة.
٨ - أن المحرمات تتفاوت في التحريم، وتشترك في النهي عنها.
* * * * *
(٨٧٩) وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄؛ أَنَّهُ كَانَ يَسِيرُ عَلَى جَمَلٍ لَهُ قَدْ أَعْيَا، فَأَرَادَ أَنْ يُسَيِّبَهُ، قَالَ: فَلَحِقَنِي النَّبِيُّ ﷺ، فَدَعَا لِي، وَضَرَبَهُ، فَسَارَ سَيْرًا لَمْ يَسِرْ
[ ٢ / ١٨٧ ]
مِثْلَهُ، فَقَالَ: «بِعْنِيهِ بِوقيَّةٍ»، قُلْتُ: لا. ثُمَّ قَالَ: «بِعْنِيهِ» فَبِعْتُهُ بِوقيَّةٍ، وَاشْتَرَطْتُ حُمْلانَهُ إِلَى أَهْلِي، فَلَمَّا بَلَغْتُ أَتَيْتُهُ بِالْجَمَلِ، فَنَقَدَنِي ثَمَنَهُ، ثُمَّ رَجَعْتُ فَأَرْسَلَ فِي أَثَرِي، فَقَالَ: «أَتُرَانِي مَاكَسْتُكَ لآخُذَ جَمَلَكَ؟ خُذْ جَمَلَكَ وَدَرَاهِمَكَ. فَهُوَ لَكَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَهَذَا السِّيَاقُ لِمُسْلِمٍ (^١).
* * *
هذا الحديث يعرف عند العلماء بحديث جمل جابر ﵁، وهو أصل في الاستثناء من المبيع، وقد وقعت قصة جمل جابر ﵁ في غزوة تبوك، وهم قافلون إلى المدينة.
وفي الحديث فوائد كثيرة، منها:
١ - جواز الحمل على الحيوان الذي قد أعيا من الضعف.
٢ - جواز تسييب الحيوان إذا أعيا، وتعذر الانتفاع به.
٣ - تواضعه ﷺ لأصحابه، وحسن رعايته لهم.
٤ - فضيلة جابر ﵁، لدعاء النبي ﷺ له، ومحاورته له في شأن جمله.
٥ - علم من أعلام نبوته ﷺ؛ بعود النشاط إلى الجمل، بضربة النبي ﷺ له.
٦ - التبايع بين النبي ﷺ وأصحابه، كما يتبايعون فيما بينهم، لقول النبي ﷺ: «بِعْنِيهِ بِوقيَّةٍ»، وقول جابر ﵁: «قُلْتُ: لا».
٧ - أن الامتناع من البيع من النبي ﷺ ليس معصية.
٨ - أنه ينبغي لأمير الجيش أن يكون خلفهم ليتعقبهم، ولا يشق عليهم بتقدمه.
٩ - جواز طلب البيع ممن لم يعرض سلعته.
_________________
(١) البخاري (٢٧١٨)، ومسلم (٧١٥) بعد الحديث (١٥٩٩).
[ ٢ / ١٨٨ ]
١٠ - جواز الإلحاح في ذلك، وهي المماكسة.
١١ - جواز قول (لا) للكبير فيما لا يجب له، إلا أن يكون في العرف ما يقتضي استهجان ذلك.
١٢ - بيع جابر ﵁ للجمل من النبي ﷺ.
١٣ - في الحديث شاهد لما وصف به النبي ﷺ من أن الشراء هو أكثر معاملته ﷺ بعد البعثة.
١٤ - جواز الاستثناء في البيع.
١٥ - جواز استثناء منفعة المبيع إلى مسافة معلومة.
١٦ - تسليم المبيع قبل تسليم الثمن.
١٧ - المبادرة بتسليم الثمن بعد قبض المبيع.
١٨ - جواز تأخير التقابض في البيع إلا ما خصه الدليل؛ كما في السلم والربويات.
١٩ - أنه ليس للهبة صيغة معينة، بل تصح بكل ما دل عليها، وهكذا سائر العقود.
٢٠ - كرم النبي ﷺ.
٢١ - الربح العظيم الذي حصل لجابر ﵁، بهذه المعاملة مع النبي ﷺ، حيث جمع له بين جمله وثمنه.
٢٢ - شهرة جابر ﵁، بسبب قصة جمله.
* * * * *
[ ٢ / ١٨٩ ]
(٨٨٠) وَعَنْهُ ﵁ قَالَ: «أَعْتَقَ رَجُلٌ مِنَّا عَبْدًا لَهُ عَنْ دُبُرٍ، لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُ، فَدَعَا بِهِ النَّبِيُّ ﷺ فَبَاعَهُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١).
* * *
هذا الحديث أصل في جواز بيع المُدبَّر، والتدبير: تعليق العتق على الموت، وسمِّي تدبيرًا لأن الموت دُبُر الحياة؛ فالمُدَبَّر: هو من قال له سيده: إذا أنا مت فأنت حر، وقوله: «عَنْ دُبُرٍ» أي عن دبر حياته.
وفي الحديث فوائد، منها:
١ - ثبوت الرق في الإسلام، وهذا معلوم من دين الإسلام بالضرورة، وأدلته من الكتاب والسنة لا تحصى.
٢ - جواز التدبير.
٣ - جواز بيع المدبر.
٤ - أن التدبير حكمه حكم الوصية، لا تنفذ إلا بعد الموت.
٥ - أن للحاكم بيع ما للمدين في قضاء دينه إذا لم يكن له ما يوفي منه.
٦ - أن النبي ﷺ يتصرف بعدة اعتبارات؛ باعتباره نبيًّا ورسولًا، وباعتباره قاضيًا، وواليًا، وقائدًا.
* * * * *
(٨٨١) وَعَنْ مَيْمُونَةَ ﵂ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ؛ أَنَّ فَأْرَةً وَقَعَتْ فِي سَمْنٍ، فَمَاتَتْ فِيهِ، فَسُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْهَا، فَقَالَ: «أَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا، وَكُلُوهُ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ (^٢)، وَزَادَ أَحْمَدُ، والنَّسَائِيُّ: «فِي سَمْنٍ جَامِدٍ» (^٣).
_________________
(١) البخاري (٢٥٣٤)، ومسلم (٩٩٧).
(٢) البخاري (٥٥٣٢).
(٣) أحمد (٢٦٧٩٦)، والنسائي (٤٢٥٩).
[ ٢ / ١٩٠ ]
(٨٨٢) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِذَا وَقَعَتِ الْفَأْرَةُ فِي السَّمْنِ، فَإِنْ كَانَ جَامِدًا فَأَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا، وَإِنْ كَانَ مَائِعًا فَلا تَقْرَبُوهُ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وأبُوْ دَاوُدَ، وَقَدْ حَكَمَ عَلَيْهِ البُّخَارِيُّ وَأَبُو حَاتِمٍ بالوَّهْمِ (^١).
* * *
حديث ميمونة أصل في حكم السمن ونحوه من المائعات إذا وقع فيه حي فمات، ويلاحظ أن رواية الصحيح مطلقة، ليس فيها التقييد بالجامد، ويؤيد تضعيف الزيادة من جهة المعنى أن المائع هو مظنة موت ما وقع فيه، بخلاف الجامد، ولذا أنكر المحققون زيادة «جَامِدٍ» في رواية أحمد والنَّسَائِيِّ، وأما حديث أبي هريرة ﵁ في التفصيل بين الجامد والمائع فقد حكم عليه البخاري وأبو حاتم بالوهم، كما قال الحافظ (^٢).
وفي حديث ميمونة ﵂ فوائد، منها:
١ - أن الفأرة مما ينجس بالموت، لأنها مما له نفس سائلة، بخلاف الذباب ونحوه، مما لا نفس له سائلة، فإنه لا ينجُس ما وقع فيه، ولذا جاء في الحديث: «إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي شَرَابِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ، ثُمَّ لِيَنْزِعْهُ». الحديث (^٣).
٢ - أن المائع إذا وقعت فيه الميتة أو النجاسة ولم تغيره، فإنها تلقى وما حولها، ويبقى الباقي طاهرًا حلالًا، لقوله: «وَكُلُوهُ»، ومعلوم أن هذا يختلف بالقلة والكثرة، في النجاسة وفي المائع.
٣ - جواز بيعه، لأن ما جاز أكله جاز بيعه، وبهذا تظهر مناسبة الحديث لباب البيوع.
_________________
(١) أحمد (٧٦٠١)، وأبو داود (٣٨٤٢)، ينظر: «العلل الكبير» للترمذي (٥٥٣)، و«العلل» لابن أبي حاتم (١٥٠٧).
(٢) «فتح الباري» (١/ ٣٤٤).
(٣) رواه البخاري (٣٣٢٠)، عن أبي هريرة ﵁، وتقدم برقم (١٧).
[ ٢ / ١٩١ ]
٤ - أنه لا فرق في ذلك بين الجامد والمائع، لأن النبي ﷺ لم يستفصل.
٥ - أن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، فإذا زالت النجاسة زال التحريم وثبتت الطهارة والحل.
* * * * *
(٨٨٣) وَعَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ قَالَ: «سَأَلْتُ جَابِرًا عَنْ ثَمَنِ السِّنَّوْرِ وَالْكَلْبِ، فَقَالَ: زَجَرَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^١)، والنَّسَائِيُّ، وزاد: إِلا كَلْبَ صَيْدٍ (^٢).
* * *
هذا الحديث من الأدلة على تحريم ثمن الكلب، وقد تقدم (^٣)، وثمن السِّنَّوْر، وهو: القط، والهر.
وفي الحديث فوائد، منها:
١ - تحريم ثمن الكلب.
٢ - تحريم شرائه.
٣ - تحريم أكله.
٤ - تحريم ثمن السنور.
٥ - تحريم بيعه وشرائه.
٦ - تحريم أكله. وقد ذهب إلى ظاهر الحديث بعض السلف من الصحابة والتابعين، وذهب جمهور الأئمة إلى جواز بيع السنور، وحل ثمنه، وحملوا الحديث على ما لا ينتفع به من السنانير، أو أن النهي للكراهة، والقول بالتحريم أظهر، لقوله: «زَجَرَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ». والزجر: هو النهي بشدة، والله أعلم.
_________________
(١) مسلم (١٥٦٩).
(٢) النسائي (٤٢٩٥).
(٣) تقدَّم برقم (٨٧٨).
[ ٢ / ١٩٢ ]
٧ - حل ثمن كلب الصيد، كما تفيده رواية النَّسَائِيِّ، ولكن هذه الزيادة ضعيفة.
* * * * *
(٨٨٤) وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: جَاءَتْنِي بَرِيرَةُ، فَقَالَتْ: كَاتَبْتُ أَهْلِي عَلَى تِسْعٍ أَوَاقٍ، فِي كُلِّ عَامٍ أُوقِيَّةٌ، فَأَعِينِينِي، فَقُلْتُ: إِنْ أَحَبَّ أَهْلُكِ أَنْ أَعُدَّهَا لَهُمْ وَيَكُونُ وَلاؤُكِ لِي فَعَلْتُ، فَذَهَبَتْ بَرِيرَةُ إِلَى أَهْلِهَا، فَقَالَتْ لَهُمْ؛ فَأَبَوْا عَلَيْهَا، فَجَاءَتْ مِنْ عِنْدِهِمْ، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ جَالِسٌ، فَقَالَتْ: إِنِّي قَدْ عَرَضْتُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فَأَبَوْا إِلا أَنْ يَكُونَ الْوَلاءُ لَهُمْ، فَسَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ، فَأَخْبَرَتْ عَائِشَةُ النَّبِيَّ ﷺ. فَقَالَ: «خُذِيهَا، وَاشْتَرِطِي لَهُمُ الْوَلاءَ، فَإِنَّمَا الْوَلاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ»، فَفَعَلَتْ عَائِشَةُ، ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي النَّاسِ خَطِيبًا، فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ، مَا بَالُ رِجَالٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللهِ ﷿!؟ مَا كَانَ مِنْ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ، قَضَاءُ اللهِ أَحَقُّ، وَشَرْطُ اللهِ أَوْثَقُ، وَإِنَّمَا الْوَلاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ (^١). وعِنْدَ مُسْلِمٍ: فقال: «اشْتَرِيهَا، وَأَعْتِقِيهَا، وَاشْتَرِطِي لَهُمُ الْوَلاءَ» (^٢).
* * *
بريرة ﵂ أمَة، كانت لبعض الأنصار، ولها زوج مملوك اسمه مُغِيث، وكان مولعًا بحبها، وكانت بريرة ﵂ تتردد على أم المؤمنين عائشة ﵂، وتدخل عليها، والنبي ﷺ حاضر، أو غير حاضر، وكانت فقيرة، وربما تُصدق عليها، فأهدت لبيت النبي ﷺ من صدقتها، وقد كاتبها أهلها، فاستعانت بعائشة ﵂ على دين الكتابة، فاشترتها عائشة ﵂، وأعتقتها، فلما عتقت، خيرها النبي ﷺ بالبقاء مع زوجها، أو فسخ نكاحها، وقد ورد لها ذكر في حديث الإفك، وذلك؛ أن النبي
_________________
(١) البخاري (٢١٦٨)، ومسلم (١٥٠٤).
(٢) مسلم (١٥٠٤).
[ ٢ / ١٩٣ ]
ﷺ سألها عن عائشة ﵂، وهل تعيبها بشيء، فقالت: إنها كالذهب الأحمر، إلا أنها جارية تنام عن عجين أهلها؛ فتدخل عليها الداجن، فتأكله.
هذا مجمل قصة هذه الجارية الحصيفة الرشيدة، وقد اعتنى العلماء بحديث بريرة ﵂ بالشرح، واستنباط الأحكام والفوائد، وممن أفرده بالتصنيف: ابن جرير، وابن خزيمة، على ما ذكره النووي (^١)، وذكر ابن حجر؛ أن بعض المتأخرين بلغ بالفوائد من حديث بريرة ﵂: أربع مئة فائدة، وقد لخص منها جملة في «الفتح» (^٢)، كما ذكر الشيخ محمد ابن عثيمين في شرح البلوغ جملة من الفوائد (^٣)، فيها زيادة على ما ذكرناه، فليرجع إليهما، والله أعلم.
والذي يعنينا في هذا الموضع ما ذكره الحافظ من لفظ الحديث، وهو ما يتعلق بكتابتها، وعتقها، وولائها.
وفي ذلك فوائد، منها:
١ - أن بريرة ﵂ كانت أمة، مملوكة لبعض بيوت الأنصار.
٢ - جواز الرق في الإسلام.
٣ - إقرار الإسلام للرق الذي كان في الجاهلية.
٤ - جريان أحكام الرقيق عليهم.
٥ - جواز بيع الرقيق.
٦ - جواز التجارة في الرقيق.
٧ - جواز عقد الكتابة، وهو أن يشتري المملوك نفسه من سيده.
٨ - جواز البيع إلى أجل.
٩ - جعل ثمن البيع المؤجل نجومًا، أي: مقسَّطًا على آجال معلومة.
١٠ - جواز بيع المكاتب، وشرائه.
_________________
(١) «شرح صحيح مسلم» (١٠/ ١٤٢).
(٢) «فتح الباري» (٥/ ٢٢٦).
(٣) «فتح ذي الجلال والإكرام» (٩/ ٨٥).
[ ٢ / ١٩٤ ]
١١ - مشروعية عتق المملوك.
١٢ - أن عائشة ﵂ اشترت بريرة ﵂؛ لتعتقها، فأعتقتها.
١٣ - جواز تصرف المرأة الرشيدة في مالها، دون الرجوع إلى زوجها.
١٤ - أن ولاء العتيق للمعتِق، وهو علاقة بينهما، توجب الإرث، وقد صح في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: «الْوَلاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ؛ لا يُبَاعُ، وَلا يُوهَبُ، وَلا يُورَثُ» (^١).
١٥ - أن اشتراط أن يكون الولاء للبائع دون المعتِق؛ شرط باطل.
١٦ - أن كل شرط ينافي حكم الله؛ فهو باطل، لا يترتب عليه أثر.
١٧ - أن حكم الله؛ أحق بالاتباع.
١٨ - الإنكار على من يخالف حكم الله.
١٩ - جواز السجع في الخطبة، أو غيرها من الكلام، وأحسنه ما خلا من التكلف.
٢٠ - أن من اشترط في العقد شرطًا باطلًا في الشرع متعمدًا، فتجوز معاقبته بقبول اشتراطه مع العلم ببطلانه، وأنه لا يتحقق مراده، ويصح العقد، ويبطل الشرط.
٢١ - أن الشروط الباطلة لا تتقوى بالكثرة.
٢٢ - أن كتاب الله يطلق على حكمه، من إطلاق الكتاب على المكتوب، كقوله تعالى: ﴿كِتَابَ اللّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٤].
٢٣ - أن الشرط الثابت بأصل الشرع أوكد من الشرط الذي يشترطه المتعاقدان، لقوله: «وَشَرْطُ اللهِ أَوْثَقُ».
٢٤ - ثبوت الولاء للمعتق، سواء أكان رجلًا، أم امرأة، واحدًا كان، أو جماعة.
_________________
(١) رواه الشافعي (٢٣٧)، وابن حبان (٤٩٥٠)، والحاكم (٧٩٩٠)، عن ابن عمر ﵄. وسيأتي برقم (١٠٨٠).
[ ٢ / ١٩٥ ]
(٨٨٥) وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: «نَهَى عُمَرُ عَنْ بَيْعِ أُمَّهَاتِ الأَوْلادِ، فَقَالَ: لا تُبَاعُ، وَلا تُوهَبُ، وَلا تُورَثُ، لِيَسْتَمْتِعْ بِهَا مَا بَدَا لَهُ، فَإِذَا مَاتَ فَهِيَ حُرَّةٌ». رَوَاهُ مَالِكٌ، وَالْبَيْهَقِيُّ، وقال: «رَفَعَهُ بَعْضُ الرُّوَاةِ، فَوَهِمَ» (^١).
(٨٨٦) وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: «كُنَّا نَبِيعُ سَرَارِيَنَا: أُمَّهَاتِ الأَوْلادِ، وَالنَّبِيُّ ﷺ حَيٌّ، لا نَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا». رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّان (^٢).
* * *
هذان الحديثان هما الأصل في بيع أمهات الأولاد، والمراد بأم الولد: هي الأمة التي يطؤها سيدها، وتلد منه ولو سِقطًا فيه خلق إنسان.
وفي الحديثين فوائد، منها:
١ - أن أم الولد لا تكون حرة بمجرد الولادة من سيدها.
٢ - جواز أن يستمتع بها سيدها بالوطء والخدمة.
٣ - أنها تتحرر بموت سيدها.
٤ - أنه لا يجوز لسيدها بيعها.
هذا ما أفاده أثر عمر ﵁، لكن عورض ذلك بحديث جابر ﵁ المذكور، فلذلك اختلف العلماء في بيع أمهات الأولاد: فذهب الجمهور إلى عدم الجواز؛ قائلين بأنه إجماع الصحابة، وأجابوا عن حديث جابر ﵁ بأنه منسوخ، فنهي عمر عن بيع أمهات الأولاد، وإقرار المهاجرين والأنصار على ذلك؛
_________________
(١) مالك في «الموطأ» (٢٢٤٨)، والبيهقي في «الكبرى» (٢١٧٦٤).
(٢) النسائي في «الكبرى» (٥٠٢١)، وابن ماجه (٢٥١٧)، والدارقطني (٤٢٥١)، وابن حبان (٤٣٢٣).
[ ٢ / ١٩٦ ]
دليلٌ على وجود ناسخ، وذهب بعضُ الصحابة وطائفةٌ من العلماء إلى جواز بيع أمهات الأولاد؛ عملًا بحديث جابر ﵁، وأن نهي عمر ﵁ كان اجتهادًا، فسكوت الصحابة عن معارضته من باب إقراره على اجتهاده، والصحيح جواز بيعهن، والأحوط ترك ذلك، والله أعلم.
* * * * *
(٨٨٧) وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄ قَالَ: «نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ بَيْعِ فَضْلِ الْمَاءِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^١)، وزاد في رواية: «وَعَنْ بَيْعِ ضِرَابِ الْجَمَلِ» (^٢).
(٨٨٨) وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ عَسْبِ الْفَحْلِ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ (^٣).
(٨٨٩) وَعَنْهُ ﵁؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ حَبَلِ الْحَبَلَةِ، وَكَانَ بَيْعًا يَتَبَايَعُهُ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ: كَانَ الرَّجُلُ يَبْتَاعُ الْجَزُورَ إِلَى أَنْ تُنْتَجَ النَّاقَةُ، ثُمَّ تُنْتَجُ الَّتِي فِي بَطْنِهَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ (^٤).
(٨٩٠) وَعَنْهُ ﵁؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْوَلاءِ، وَعَنْ هِبَتِهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٥).
(٨٩١) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الْحَصَاةِ، وَعَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٦).
* * *
هذه الأحاديث أصل في تحريم هذه البيوع، ومنشأ التحريم ما فيها من الغرر، والجهالة، أو بيع الإنسان ما لا يحل بيعه.
_________________
(١) مسلم (١٥٦٥).
(٢) مسلم (١٥٦٥).
(٣) البخاري (٢٢٨٤).
(٤) البخاري (٢١٤٣)، ومسلم (١٥١٤).
(٥) البخاري (٢٥٣٥)، ومسلم (١٥٠٦).
(٦) مسلم (١٥١٣).
[ ٢ / ١٩٧ ]
وفي الأحاديث فوائد، منها:
١ - تحريم بيع فضل الماء: وهو ما زاد عن حاجة الإنسان، من ماء عينه، أو بئره، ولم يحزه.
٢ - تحريم بيع فضل الماء على من يحتاج إليه، بل يجب بذله مجانًا، ويجب الإذن بدخول الأرض إلا أن يترتب على دخول الأرض ضرر على مالك البئر.
٣ - أن الماء من الأمور المباحة المشتركة بين الناس.
٤ - تحريم بيع الماء المباح: كماء الغدران والأنهار، وتحريم منعها ممن يطلبها، وفي الحديث الصحيح: «ثَلاثَةٌ لا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، وَلا يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: رَجُلٌ عَلَى فَضْلِ مَاءٍ بِالْفَلاةِ، يَمْنَعُهُ مِنْ ابْنِ السَّبِيلِ» الحديث (^١). وفي الحديث الآخر: «النَّاسُ شُرَكَاءُ فِي ثَلاثٍ: فِي الْكَلأِ، وَالْمَاءِ، وَالنَّارِ» (^٢).
٥ - تحريم بيع عَسْب الفحل: وهو ضرابه للأنثى، سواء قدر بالمرات، أو بالإجارة في مدة معلومة؛ وذلك: لما فيه من الغرر، والجهالة، والبخل بما لا يضر.
٦ - استحباب عارية الفحل للضِّراب، وإذا لم يترتب على الإعارة ضرر فيتوجه القول بالوجوب.
٧ - أن من محاسن الإسلام تحريم هذه المحرمات.
٨ - أن من قبيح الأخلاق بخلَ الإنسان بما لا يضره، وبما لا عمل له فيه.
_________________
(١) رواه البخاري (٢٣٥٨)، ومسلم (١٠٨)؛ عن أبي هريرة ﵁.
(٢) رواه أحمد (٢٣٠٨٢)، وأبو داود (٣٤٧٧)؛ عن رجل من أصحاب النبي ﷺ بلفظ: «المُسْلِمُونَ».
[ ٢ / ١٩٨ ]
٩ - تحريم بيع حَبَل الحَبَلة، وقد فسر: بما يتضمن الجهالة في المبيع، أو في الأجل، فالأول: هو بيع الحمْل، أو حمْل الحمْل، والثاني: تأجيل الثمن إلى وضع الحمل، أو حمل الحمل. وكل هذا متضمن للجهالة، وبعضها أشد من بعض. والحبَلة قيل إنه جمع حابل، أي حامل، على خلاف القياس، وهو قليل. فإن حابلًا وحاملًا -لغير العاقل- تجمعان على حوابل وحوامل.
١٠ - تحريم بيع الولاء، وهبته؛ لأنه علاقة بين السيد والعتيق، كالنسب، وفي الحديث: «الْوَلاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ: لا يُبَاعُ، وَلا يُوهَبُ» (^١).
١١ - تحريم بيع الحصاة، وهو أن يرمي البائع بالحصاة، ويقول للمشتري: ما تبلغه الحصاة هو عليك بكذا، ومن صوره أيضًا: أن يرمي أحد المتبايعين بالحصاة، فيقول: ما تقع عليه هو عليك بكذا، فيكون من جنس الملامسة والمنابذة، وفي هذا من الجهالة ما لا يخفى.
١٢ - تحريم بيع الغرر، والغرر: كل ما يتضمن الجهالة في المبيع أو الأجل، أو العجز عن تسليم المبيع، ويدخل فيه: بيع الحصاة، وبيع حبَل الحَبَلة، وبيع عَسْب الفحل.
١٣ - أن من شروط البيع العلم بالمبيع برؤية، أو صفة.
١٤ - العلم بالأجل إذا كان البيع مؤجلًا.
١٥ - ومن فوائد هذه الأحاديث: حسم الشرع لأسباب الخصومات والمنازعات.
١٦ - أن من خصائصه ﷺ إيتاءه جوامع الكلم، فيكون شاهدًا لقوله ﷺ: «أُوتِيتُ جَوَامِعَ الْكَلِمِ» (^٢).
* * * * *
_________________
(١) رواه الشافعي (٢٣٧)، وابن حبان (٤٩٥٠)، والحاكم (٧٩٩٠)؛ عن ابن عمر ﵄. وسيأتي برقم (١٠٨٠).
(٢) رواه البخاري (٧٠١٣)، ومسلم (٥٢٣)؛ عن أبي هريرة ﵁.
[ ٢ / ١٩٩ ]
(٨٩٢) وَعَنْهُ ﵁؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنِ اشْتَرَى طَعَامًا فَلا يَبِعْهُ حَتَّى يَكْتَالَهُ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^١).
(٨٩٣) وَعَنْهُ ﵁ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، والنَّسَائيُّ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ (^٢). ولأَبِي دَاوُدَ: «مَنْ بَاعَ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ فَلَهُ أَوَكَسُهُمَا، أَوْ الرِّبَا» (^٣).
(٨٩٤) وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لا يَحِلُّ سَلَفٌ وَبَيْعٌ، وَلا شَرْطَانِ فِي بَيْعٍ، وَلا رِبْحُ مَا لَمْ يُضْمَنْ، وَلا بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ خُزَيْمَةَ، وَالْحَاكِمُ (^٤).
(٨٩٥) وأَخْرَجَهُ في «عُلُومِ الْحَدِيْثِ» مِنْ رِوَايَةِ أَبِي حَنِيْفَةَ، عَنْ عَمْرٍو المَذْكُورِ بِلَفْظِ: «نَهَى عَنْ بَيْعٍ وَشَرْطٍ»، ومِنْ هَذَا الوَجْهِ أخرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ في «الأَوْسَطِ»، وَهُوَ غَرِيْبٌ (^٥).
(٨٩٦) وَعَنْهُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الْعُرْبَانِ». رَوَاهُ مَالِكٌ، قال: «بَلَغَنِيْ عَنْ عَمْرِو بْنِ شِعَيْبٍ، بِهِ» (^٦).
(٨٩٧) وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: «ابْتَعْتُ زَيْتًا فِي السُّوقِ، فَلَمَّا اسْتَوْجَبْتُهُ، لَقِيَنِي رَجُلٌ فَأَعْطَانِي بِهِ رِبْحًا حَسَنًا، فَأَرَدْتُ أَنْ أَضْرِبَ عَلَى يَدِ الرَّجُلِ، فَأَخَذَ رَجُلٌ مِنْ خَلْفِي بِذِرَاعِي، فَالْتَفَتُّ، فَإِذَا هُوَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، فَقَالَ: لا تَبِعْهُ حَيْثُ ابْتَعْتَهُ حَتَّى تَحُوزَهُ إِلَى رَحْلِكَ؛ فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى أَنْ تُبَاعَ السِّلَعُ حَيْثُ
_________________
(١) مسلم (١٥٢٨).
(٢) أحمد (٩٥٨٤)، والنسائي (٤٦٣٢)، والترمذي (١٢٣١)، وابن حبان (٤٩٧٣).
(٣) أبو داود (٣٤٦١).
(٤) أحمد (٦٦٧١)، وأبو داود (٣٥٠٤)، والنسائي (٤٦٣١)، والترمذي (١٢٣٤)، وابن ماجه (٢١٨٨)، والحاكم (٢١٨٥).
(٥) الحاكم في «علوم الحديث» (١٢٨)، والطبراني في «الأوسط» (٤٣٦١).
(٦) مالك في «الموطأ» (١٧٨١).
[ ٢ / ٢٠٠ ]
تُبْتَاعُ، حَتَّى يَحُوزَهَا التُّجَّارُ إِلَى رِحَالِهِم». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وأبُوْ دَاوُدَ وَاللَّفْظُ له، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّان، وَالْحَاكِمُ (^١).
* * *
هذه الأحاديث اشتملت على جملة من أحكام البيوع، وبعض البيوع المنهي عنها.
وفي الأحاديث فوائد، منها:
١ - تحريم تصرف المشتري بالطعام قبل قبضه بالكيل، إذا اشتراه كيلًا.
٢ - اشتراط قبض المبيع لجواز تصرف المشتري فيه بالبيع، لقول ابن عباس -لما ذكر النهي عن بيع الطعام قبل قبضه-: «وَلا أَحْسِبُ كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا مِثْلَهُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٢).
٣ - أن من مقاصد الشريعة قطع أسباب النزاع، ومنها التصرف في المبيع قبل قبضه، ولذا جاء النهي عنه.
٤ - تحريم بيعتين في بيعة، وقد اختلف العلماء في معنى ذلك؛ فقيل: هو اشتراط عقد في عقد، كما إذا قال: بعتك داري على أن تبيعني سيارتك، أو تؤجرني دارك. وقيل: المراد ببيعتين في بيعة صورة العينة، وهي: بيع سلعة بثمن مؤجل، ثم يشتريها البائع بثمن نقدًا. وقيل: معنى بيعتين في بيعة: أن تقول: بعتك كذا بألف نقدًا، أو بألفين نسيئة، ثم يتفرقان دون البت بأحدهما. ورُجِّح هذا، لقوله في الرواية: «فَلَهُ أَوَكَسُهُمَا، [وهو أنقصهما، وهو الألف في المثال] أَوْ الرِّبَا». ورجح ابن القيم بهذا اللفظ؛ أن المراد ببيعتين في بيعة مسألةُ العينة، وأن البائع الأول ليس له إلا الثمن الأقل (^٣).
_________________
(١) أحمد (٤٩٨٨)، وأبو داود (٣٤٩٩)، وابن حبان (٤٩٨٧)، والحاكم (٢٢٧١).
(٢) البخاري (٢١٣٥)، ومسلم (١٥٢٥).
(٣) «إعلام الموقعين» (٣/ ١٣٥).
[ ٢ / ٢٠١ ]
٥ - تحريم الربا.
٦ - تحريم الاحتيال على الحرام.
٧ - أن من عَقَد عقْد ربًا فلا يحل له إلا رأس ماله؛ كمن أقرض قرضًا بفائدة، فلا تحل له الفائدة.
٨ - تحريم الجمع بين أمرين جائزين إذا لزم منهما محرم.
٩ - تحريم الجمع بين السلف والبيع، والسلفُ: القرض، والجمع بينهما يتضمن معنى «كُلُّ قَرْضٍ جَرَّ نَفْعًا فَهُوَ رِبًا» (^١)، لأن المقرض ينتفع بعقد البيع، سواء أكان بائعًا أم مشتريًا.
١٠ - تحريم الجمع بين شرطين في البيع، وقد فسِّر الشرطان بما ليس من الشروط التي هي من مقتضى العقد ولا من مصلحته، وإن كانا صحيحين إذا أفردا؛ كاشتراط المشتري على البائع حملَ الحطب وتكسيرَه. وخياطةَ الثوب وتفصيلَه. وهذا التفسير مرجوح؛ لأنه لا تظهر فيه مفسدة، ولا جهالة، وفسر الشرطان بصورة العينة المتقدمة قريبًا.
١١ - تحريم الربح فيما ليس من ضمان البائع.
١٢ - تحريم بيع ما ليس عند البائع، أي ليس في ملكه، وصورة ذلك: أن يبيع ما ليس عنده بالصفة، فيذهب ويشتريه، ثم يسلمه للمشتري منه. وفسره الجمهور: ببيعِ معيَّنٍ ليس في ملكه؛ كسيارة فلان، فقد يعجز عن تسليمه، والتفسير الأول هو الموافق لحديث حكيم بن حزام، قلت: يا رسول الله، يأتيني الرجل يسألني البيع ليس عندي ما أبيعه، ثم أبيعه من السوق فقال: «لا تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ» (^٢). وظاهر الحديث العموم في المعين وغير المعين، ويخص منه
_________________
(١) رواه الحارث ابن أبي أسامة. ينظر: «بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث» للحافظ أبي بكر الهيثمي (٤٣٧)، وسيأتي برقم (٩٦٧).
(٢) رواه أحمد (١٥٣١١)، وأبو داود (٣٠٥٠٣)، والترمذي (١٢٣٢)، والنسائي (٤٦٢٧)، وابن ماجه (٢١٨٧)؛ عن حكيم بن حزام ﵁. وصححه ابن الملقن في «البدر المنير» (٦/ ٤٤٨).
[ ٢ / ٢٠٢ ]
بيع السلم، فإنه بيع لما ليس عند البائع، بل بيع موصوف في الذمة مؤجل مع تسليم الثمن، والله أعلم. وأما حديث: «نهى ﷺ عن بيع وشرط» فلا يصح سندًا ولا متنًا؛ فإنه مخالف للإجماع على جواز الشرط في البيع، إذا كان لا يحل حرامًا، ولا يحرم حلالًا.
١٣ - النهي عن بيع العُربان، وهو ما يعرف بالعَرَبون، وفيه لغات سوى ما ذكر، وهو تقديم المشتري بعض الثمن على أنه إن جاء ببقية الثمن، وإلا فما أخذه البائع فهو له. وقد اختلف العلماء في ذلك، فذهب الجمهور إلى أنه لا يجوز؛ لهذا الحديث، ولأنه أكل للمال بالباطل، فإن ما يأخذه البائع من المقدم يأخذه بغير حقه. وذهب آخرون إلى جواز العربون، وضعفوا هذا الحديث، قالوا: ومن جهة المعنى فإن المشتري راغب في فسخ البيع، ولو تضمن ذلك ذهاب بعض ماله. وقد فعله بعض الصحابة، وعليه عمل الناس. ومقدار العربون يرجع فيه إلى العرف. وهو ما تجري العادة بتنازل المشتري عنه في سبيل إقالته، فلا يكون العربون إلا يسيرًا بالنسبة لثمن السلعة؛ كنصف العشر فأقل.
١٤ - أن قبض المبيع المنقول يكون بنقله إلى رحل المشتري، وما في حكم رحله.
١٥ - تحريم التصرف في المبيع إلا بعد حيازة المشتري له، فلا يجوز بيع السلع في المكان الذي تبتاع فيه، أي: تشترى.
١٦ - إنكار المنكر باليد وباللسان بالبيان.
١٧ - ذكر الحجة على التحريم عند إنكار المنكر.
١٨ - فضيلة زيد بن ثابت وابن عمر ﵃.
١٩ - أن من مناقب الصحابة التناصح وقبول النصيحة.
[ ٢ / ٢٠٣ ]
٢٠ - شمول الشريعة لأحكام المعاملات المالية، وهو ما يسمى الاقتصاد.
٢١ - الفرق بين سبب الحديث، وسبب رواية الحديث، وقصة زيد مع ابن عمر تضمنت سبب رواية الحديث.
* * * * *
(٨٩٨) وَعَنْهُ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي أَبِيعُ الإِبِلَ بِالْبَقِيعِ، فَأَبِيعُ بِالدَّنَانِيرِ وَآخُذُ الدَّرَاهِمَ، وَأَبِيعُ بِالدَّرَاهِمِ وَآخُذُ الدَّنَانِيرَ، آخُذُ هَذَا مِنْ هَذِهِ وَأُعْطِي هَذِهِ مِنْ هَذَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَا بَأْسَ أَنْ تَأْخُذَهَا بِسِعْرِ يَوْمِهَا مَا لَمْ تَتَفَرَّقَا وَبَيْنَكُمَا شَيْءٌ». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ (^١).
(٨٩٩) وَعَنْهُ قَالَ: «نَهَى ﷺ عَنِ النَّجْشِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٢).
* * *
حديث ابن عمر الأول أصل في جواز بيع الدين على من هو في ذمته، وحديث ابن عمر الثاني أصل في تحريم النجش.
وفي الحديثين فوائد، منها:
١ - جواز التجارة في الحيوان، من الإبل وغيرها؛ لأنه جاء في أصل الحديث الأول: فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وَهُوَ فِي بَيْتِ حَفْصَةَ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، رُوَيْدَكَ أَسْأَلُكَ: إِنِّي أَبِيعُ الْإِبِلَ بِالْبَقِيعِ فَأَبِيعُ بِالدَّنَانِيرِ، وَآخُذُ الدَّرَاهِمَ وَأَبِيعُ بِالدَّرَاهِمِ، وَآخُذُ الدَّنَانِيرَ آخُذُ هَذِهِ مِنْ هَذِهِ وَأُعْطِي هَذِهِ مِنْ هَذِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا بَأْسَ أَنْ تَأْخُذَهَا بِسِعْرِ يَوْمِهَا» الحديث.
٢ - جواز الصرف بين الذهب والفضة.
_________________
(١) أحمد (٦٢٣٩)، وأبو داود (٣٣٥٤)، والنسائي (٤٥٨٢)، والترمذي (١٢٤٢)، وابن ماجه (٢٢٦٢)، والحاكم (٢٢٨٥).
(٢) البخاري (٢١٤٢)، ومسلم (١٥١٦).
[ ٢ / ٢٠٤ ]
٣ - جواز بيع الدين على من هو في ذمته، وإن كان ذهبًا أو فضة.
٤ - أن ثبوت الدين في الذمة ينزل منزلة القبض.
٥ - أنه يشترط في بيع الدين على من هو في ذمته شرطان:
الأول: أن يكون البيع بسعر يوم التبايع، فلا يجوز بأكثر؛ لأنه يدخل في ربح ما لم يُضمن، ويجوز بأقل؛ لأنه في معنى إسقاط بعض الدين.
الثاني: قبض الثمن قبل التفرق، وهذا فيما إذا كان مما يحرم فيه ربا النساء، كبيع الذهب بالفضة، أو الفضة بالذهب، وهو المذكور في الحديث. أما إذا كان عوض الدين مما يجوز فيه بيعه به نسيئة فلا يجب فيه القبض؛ كما إذا أخذ عن الدراهم التي في الذمة ثيابًا، فيجوز التفرق قبل قبضها، كما قرر ذلك الشيخ محمد بن عثيمين ﵀.
٦ - تحريم النَّجْش، وهو أن يزيد في السلعة عند عرضها من لا يريد شراءها، بل لنفع البائع أو مضرة المشتري، أو غير ذلك، فإن علم البائع كان شريكًا في الإثم، وما يأخذه من الزيادة حرام، وإذا علم المشتري فله الخيار، والنَّجْش ضد النصيحة.
٧ - وجوب النصيحة بين المسلمين، وتحريم غشهم.
٨ - تحريم خداع الجاهل والمسترسِل، بالزيادة على ثمن المثل في السلعة؛ لأن ذلك في معنى النَّجْش.
* * * * *
(٩٠٠) وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنِ المُحَاقَلَةِ، وَالْمُزَابَنَةِ، وَالْمُخَابَرَةِ، وَعَنِ الثُّنْيَا، إِلَّا أَنْ تُعْلَمَ. رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلَّا ابْنَ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ (^١).
_________________
(١) أحمد (١٤٩٢١)، وأبو داود (٣٤٠٤)، والنسائي (٣٨٨٠)، والترمذي (١٢٩٠).
[ ٢ / ٢٠٥ ]
(٩٠١) وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ الْمُحَاقَلَةِ، وَالْمُخَاضَرَةِ، وَالْمُلَامَسَةِ، وَالْمُنَابَذَةِ، وَالْمُزَابَنَةِ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ (^١).
* * *
اشتمل هذان الحديثان على جملة من العقود والبيوع المحرمة.
وفيهما فوائد، منها:
١ - تحريم المحاقلة، وهي بيع الزرع بحبٍّ من جنسه؛ من بُرٍّ أو من شعير أو نحوهما، للجهل بالتساوي، وهي من جنس المزابنة، لكن المحاقلة في الزرع، والمزابنة في الثمر.
٢ - تحريم المزابنة، وهي بيع الثمر على رؤوس النخل بخرصه بتمر كيلا، وخُص منها العرايا، فيما دون خمسة أوسق، كما سيأتي.
٣ - تحريم المخابرة، وهي نوع من المزارعة، وهي أن يكون لصاحب الأرض ما ينبت في ناحية، وللمُزارع ما ينبت في الناحية الأخرى، فربما سلم هذا، وهلك الآخر، فيحصل الغبن، كما جاء في حديث رافع بن خديج ﵁: «كَانَ النَّاسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ يُؤَاجِرُونَ بِمَا عَلَى الْمَاذِيَانَاتِ وَأَقْبَالِ الْجَدَاوِلِ فَيَسْلَمُ هَذَا وَيَهْلِكُ هَذَا، أَوْ يَهْلِكَ هَذَا وَيَسْلَمَ هَذَا، وَلَمْ يَكُنْ لِلنَّاسِ كِرَاءٌ إِلَّا هَذَا فَلِذَلِكَ زَجَرَ عَنْهُ، فَأَمَّا شَيْءٌ مَعْلُومٌ مَضْمُونٌ فَلَا بَأْسَ» (^٢). وكما تحرم هذه المزارعة تحرم المساقاة على الشجر، على هذا الوجه. وفي معنى المخابرة كلُّ مزارعة تتضمن الغرر، كالمزارعة بجزء معلوم مما يخرج من الأرض غير مشاع، والمزارعة والمساقاة الجائزتان إجارة الأرض أو الشجر بجزء معلوم مشاع من غلة الأرض أو الشجر، كالربع والثلث، كما يدل لذلك معاملة النبي ﷺ ليهود خيبر بنصف ما يخرج منها من ثمر أو زرع، وعلى ذلك جرى عمل الصحابة، ﵃.
_________________
(١) البخاري (٢٢٠٧).
(٢) مسلم (١٥٤٧).
[ ٢ / ٢٠٦ ]
٤ - تحريم استثناء شيء من المعقود عليه غير معلوم، كعبد من عبيد، ورأس من قطيع، لما في ذلك من الجهالة المفضية إلى الغرر.
٥ - تحريم المخاضرة، وهي بيع الثمر قبل بدو صلاحه، وقد جاء النهي عن ذلك صريحًا في عدة أحاديث، منها حديث أنس ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى تُزْهِيَ، قال: «حتى تحمارَّ» (^١).
٦ - تحريم الملامسة، وهي بيع الشيء بلمسه، كأن يقول: أي ثوب لمسته فهو عليك بكذا، وهي من بيوع الجاهلية، ولا يخفى ما فيه من الغرر.
٧ - تحريم المنابذة، وهي نوع من بيوع الجاهلية، وهو بيع الشيء بنبذه إلى المشتري، كأن يقول البائع: أي ثوب نبذته إليك، فهو عليك بكذا.
٨ - أن هذه العقود لا تصح، بل هي باطلة؛ للنهي عنها.
٩ - أن هذه الأحكام من صور كمال الشريعة، لما فيها من حماية المسلم من الغرر والمخاطرة.
١٠ - شمول الشريعة لأحكام المعاملات المالية.
١١ - الرد على من يقصر الدين على العبادة التي بين العبد وربه، وأن من يزعم ذلك يؤمن ببعض الكتاب، ويكفر ببعض، فيكون من الكافرين حقًّا.
* * * * *
(٩٠٢) وَعَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَا تَلَقَّوْا الرُّكْبَانَ، وَلَا يَبِيعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ». قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: مَا قَوْلُهُ: «وَلَا يَبِيعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ؟» قَالَ: لَا يَكُونُ لَهُ سِمْسَارًا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ (^٢).
_________________
(١) البخاري (١٤٨٨)، ومسلم (١٥٥٥).
(٢) البخاري (٢١٥٨)، ومسلم (١٥٢١).
[ ٢ / ٢٠٧ ]
(٩٠٣) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَا تَلَقَّوا الْجَلَبَ، فَمَنْ تُلُقِّيَ فَاشْتُرِيَ مِنْهُ، فَإِذَا أَتَى سَيِّدُهُ السُّوقَ فَهُوَ بِالْخِيَارِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^١).
(٩٠٤) وَعَنْهُ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ، «وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا يَبِيعُ الرَّجُلُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ، وَلَا يَخْطُبُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ، وَلَا تُسْأَلُ الْمَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا لِتَكْفَأَ مَا فِي إِنَائِهَا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٢).
(٩٠٥) وَلِمُسْلِمٍ: «لَا يَسُمِ الْمُسْلِمُ عَلَى سَوْمِ الْمُسْلِمِ» (^٣).
* * *
هذه الأحاديث أصل في وجوب رعاية حقوق المسلم على المسلم، وتحريم الاعتداء على حق من حقوقه.
وفيها فوائد، منها:
١ - تحريم تلقي الجالبين للسلع في الطريق قبل أن يصلوا إلى السوق؛ لأنه يؤدي إلى غبنهم؛ لجهلهم بسعر السوق، وسُمُّوا في الحديث ركبانًا لأن الغالب أنهم يأتون راكبين. كما سُمُّوا في الحديث الآخر جَلَبا، من جَلَب الشيءَ، إذا أحضره، هذا على ما قاله بعضهم أن الجَلَب جمع جالب، كخدم جمع خادم. والمشهور في كلام الشراح وأهل اللغة أن الجَلَب مصدر بمعنى اسم المفعول، فالمراد به السلع المجلوبة من متاع وحيوان، وغير ذلك، والمعنيان متلازمان، فتلقي السلع يستلزم تلقي أصحابها، فلا يترتب على هذا الخلاف اللغوي اختلافٌ في المعنى والحكم.
٢ - أن من تُلُقِّي فاشتُري منه فهو بالخيار.
٣ - أن البيع صحيح، لأن النهي لم يرد على البيع نفسه، وإنما على فعل المتلقي.
_________________
(١) مسلم (١٥١٩).
(٢) البخاري (٢١٤٠)، ومسلم (١٤١٣).
(٣) مسلم (١٥١٥).
[ ٢ / ٢٠٨ ]
٤ - تحريم القصد إلى استغلال الجاهل بحال السوق، وأثمان السلع.
٥ - تحريم بيع الحاضر للبادي، وهو أن يكون له سمسارًا، كما قال ابن عباس، والسمسار من يبيع لغيره، وهو ما يعرف اليوم بالدلال. والحاضر هو المقيم في السوق، والبادي هو الوافد إليه، ولهذا البيع صورتان: الأولى: أن يَطلب الحاضر من البادي أن يبيع له؛ لأنه أعلم بالسعر. الثانية: أن يطلب البادي من الحاضر أن يتولى البيع عنه. وقد اتفق العلماء على تحريم الصورة الأولى. ويشهد لذلك قوله ﷺ في رواية: «دَعُوا النَّاسَ يَرْزُقِ اللهُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ» (^١). واختلف العلماء في الصورة الثانية؛ فقال بعضهم بالتحريم لإطلاق الحديث، وقال بعضهم بالجواز؛ لأن البادي إذا طلب من الحاضر أن يتولى البيع، فإن ذلك استنصاح وتوكيل، وهذا هو الصواب، والله أعلم.
٦ - فضل السماحة في البيع، فيكون فيه شاهد لحديث: «رَحِمَ اللهُ امْرَأً سَمْحًا إِذَا بَاعَ، سَمْحًا إِذَا اشْتَرَى» (^٢).
٧ - جواز الشراء من البادي بالرُّخص ما لم يكن فيه غبن.
٨ - الفرق بين المتلقَّى الذي لم يصل إلى السوق، وبين البادي الذي وصل إلى السوق، الجاهل بالسعر؛ فالأول له الخيار إذا وصل إلى السوق، دون الثاني.
٩ - ثبوت خيار الغبن.
١٠ - جواز إطلاق السيد على مالك السلعة، كإطلاق الرب.
١١ - تحريم النَّجْش (^٣).
١٢ - تحريم بيع المسلم على بيع أخيه، كأن يقول لمن اشترى سلعة بمئة: أنا أعطيك مثلها بتسعين، ليفسخ المشتري البيع، ويعقد معه. ومثله الشراء على
_________________
(١) رواه مسلم (١٥٢٢)؛ عن جابر ﵁.
(٢) رواه البخاري (٢٠٧٦)، وابن ماجه (٢٢٠٣) واللفظ له؛ عن جابر ﵁.
(٣) تقدم تفسيره عند الحديث (٨٩٩).
[ ٢ / ٢٠٩ ]
الشراء؛ كأن يقول لمن باع سلعة بتسعين: أنا أعطيك فيها مئة، فالأول ظلم للبائع، والثاني ظلم للمشتري، فيقتضي تحريم ذلك مع الكافر، وذكر الأخ في الحديث خرج مخرج الغالب، ولأن المسلم أعظم حرمة.
١٣ - تحريم خطبة الرجل على خطبة أخيه، وذلك إذا ظهر من أهل المرأة قبول الأول، والرضا به، كما يدل لجواز الخطبة على الخطبة في غير هذه الحال حديثُ فاطمة بنت قيس، حيث ذكرت للنبي ﷺ أنه خطبها معاوية وأبو جهم، ولم ينكر ذلك ﷺ (^١).
١٤ - تحريم طلب المرأة طلاق ضرتها، أو طلاق امرأة من تقدم لخطبتها، وتحريم اشتراط ذلك في العقد عليها، وأن الشرط باطل، خلافًا لمن صححه؛ فإن النهي يقتضي الفساد.
١٥ - تحريم المشورة على الزوج بطلاق امرأته لقطع رزقها.
١٦ - تحريم تخبيب المرأة على زوجها، سواء أكان للإضرار بالزوج، أم لمصلحة المخبب؛ كأن يكون ليتزوجها، وحينئذ؛ فلا تحل له، معاملة له بنقيض قصده، وكل هذه المسائل بالقياس على ما ورد به النص، وقد جاء في الحديث أيضا: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ خَبَّبَ امْرَأَةً عَلَى زَوْجِهَا» (^٢).
١٧ - تحريم التسبب في حرمان المسلم أو المسلمة من الخير الذي هو فيه؛ لأن ذلك من الظلم والعدوان.
١٨ - تحريم سوم المسلم على المسلم، وذلك إذا ركن عارض السلعة إلى صاحب السوم الأول، وظهر رضاه به، والكافر في هذا كالمسلم؛ لأن من حقه الشراء والسوم، ولا يجوز ظلم المسلم ولا الكافر.
١٩ - تحريم الظلم في الأموال وغيرها من الحقوق.
_________________
(١) رواه مسلم (١٤٨٠)؛ عن فاطمة بنت قيس ﵂.
(٢) رواه أبو داود (٢١٧٥)؛ عن أبي هريرة ﵁.
[ ٢ / ٢١٠ ]
(٩٠٦) وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ وَالِدَةٍ وَوَلَدِهَا، فَرَّقَ اللهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحِبَّتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالْحَاكِمُ، وَلَكِنْ في إِسْنَادِهِ مَقَالٌ (^١).
(٩٠٧) وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ أَبِيعَ غُلَامَيْنِ أَخَوَيْنِ، فَبِعْتُهُمَا، فَفَرَّقْتُ بَيْنَهُمَا، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «أَدْرِكْهُمَا، فَارْتَجِعْهُمَا، وَلَا تَبِعْهُمَا إِلَّا جَمِيعًا». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، وقَدْ صَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وابْنُ الْجَارُودِ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ، وَالطَّبَرَانِيُّ، وابْنُ القَطَّانِ (^٢).
* * *
هذان الحديثان أصل في رعاية علاقة القَرابة القُربى بين المماليك بعدم التفريق بينهم عند بيعهم.
وفي الحديثين فوائد، منها:
١ - جواز الرق في الإسلام، وهو من الأحكام القطعية.
٢ - تحريم التفريق بين الوالدة وولدها عند بيعهما، لا سيما إذا كان الولد صغيرًا.
٣ - تحريم التفريق بين الإخوة من المماليك في البيع.
٤ - وجوب رد البيع إذا وقع.
٥ - أن كل ما فيه نقل الملك فهو كالبيع في تحريم التفريق، بخلاف العتق؛ فإنه يجوز عتق أحد الأخوين دون الآخر، والوالدة دون ولدها، والولد دون أمه.
_________________
(١) أحمد (٢٣٤٩٩)، والترمذي (١٥٦٦)، والحاكم (٢٣٣٤).
(٢) أحمد (٧٦٠)، وابن الجارود في «المنتقى» (٥٧٥)، والحاكم (٢٥٧٤)، والطبراني في «الأوسط» (٢٥٦١)، ولم نجده عند ابن حبان.
[ ٢ / ٢١١ ]
٦ - أن السيد ليس مطلق التصرف في مماليكه.
٧ - رعاية الإسلام لمشاعر المودة بين الأقارب.
* * * * *
(٩٠٨) وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: غَلَا السِّعْرُ بِالْمَدِينَةِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ النَّاسُ: يَا رَسُولَ اللهِ، غَلَا السِّعْرُ، فَسَعِّرْ لَنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ اللهَ هُوَ الْمُسَعِّرُ، الْقَابِضُ، الْبَاسِطُ، الرَّازِقُ، وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَلْقَى اللهَ تَعَالَى، وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْكُمْ يَطْلُبُنِي بِمَظْلِمَةٍ فِي دَمٍ وَلَا مَالٍ». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلا النَّسَائِيَّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (^١).
(٩٠٩) وَعَنْ مَعْمَرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَحْتَكِرُ إِلَّا خَاطِئٌ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٢).
* * *
هذان الحديثان أصل في تحريم بعض أنواع الظلم في الأموال، وهما التسعير والاحتكار.
وفيهما فوائد، منها:
١ - تحريم التسعير، وهو تقدير أثمان السلع على البائعين، وإلزامهم بذلك.
٢ - أن الغلاء لا يبيح التسعير، ومعنى غلا السعر أي ارتفعت أثمان السلع.
٣ - أن الغلاء والرُّخص يكون بقدر الله، وهو معنى قوله ﷺ في الحديث: «إِنَّ اللهَ هُوَ الْمُسَعِّرُ».
٤ - أن من أسماء الله المسعر، والقابض الباسط، والرازق.
_________________
(١) أحمد (١٢٥٩١)، وأبو داود (٣٤٥١)، والترمذي (١٣١٤)، وابن ماجه (٢٢٠٠)، وابن حبان (٤٩٣٥).
(٢) مسلم (١٦٠٥).
[ ٢ / ٢١٢ ]
٥ - أنه لا يجوز لولي الأمر التسعير عند الغلاء، إلا أن يكون بتسبب من أصحاب الأموال، كالاحتكار، أما إذا كان الغلاء بسبب قلة السلع وكثرة الطلب فلا يحل التسعير.
٦ - جواز رفع ما يقع من الضرر في الأسواق إلى ولي الأمر.
٧ - أن على ولي الأمر ألا يستجيب لرغبات الناس فيما يخالف الشريعة، بل عليه أن ينبههم إلى ما يجب عليه وعليهم.
٨ - تحريم الاحتكار؛ لأن معنى الخاطئ هو المتعمد للمعصية، والاحتكار هو امتناع التاجر من بيع ما يحتاج إليه الناس انتظارًا لزمن الغلاء.
٩ - الترغيب في التيسير على الناس ببيعهم ما يحتاجون إليه بسعر المثل، وقد روي في حديث: «الْجَالِبُ مَرْزُوقٌ، وَالْمُحْتَكِرُ مَلْعُونٌ» (^١).
* * * * *
(٩١٠) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا تُصَرُّوا الْإِبِلَ وَالْغَنَمَ، فَمَنِ ابْتَاعَهَا بَعْدُ فَإِنَّهُ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ بَعْدَ أَنْ يَحْلُبَهَا، إِنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا، وَإِنْ شَاءَ رَدَّهَا وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٢).
(٩١١) وَلِمُسْلِمٍ: «فَهُوَ بِالْخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ» (^٣).
(٩١٢) وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ، عَلّقَهَا البُخَارِيُّ: «رَدَّ مَعَهَا صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، لَا سَمْرَاءَ» (^٤)، قَالَ البُخَارِيُّ: «وَالتَّمْرُ أَكْثَرُ».
(٩١٣) وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: «مَنِ اشْتَرَى شَاةً مَحَفَّلَةً، فَرَدَّهَا، فَلْيَرُدَّ مَعَهَا صَاعًا». رَوَاهُ البُخَارِيُّ (^٥). وزاد الإسماعيلي: «مِنْ تَمْرٍ» (^٦).
_________________
(١) رواه ابن ماجه (٢١٥٣)؛ عن عمر ﵁.
(٢) مسلم (١٥١٥)، والبخاري (٢١٤٨).
(٣) مسلم (١٥٢٤).
(٤) مسلم (١٥٢٤) (٢٥)، والبخاري (٤/ ٣٦٢) مع «الفتح».
(٥) البخاري (٢١٤٩).
(٦) هذه اللفظة هي في سياق البخاري، وليست من زيادات الإسماعيلي.
[ ٢ / ٢١٣ ]
(٩١٤) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَرَّ عَلَى صُبْرَةِ طَعَامٍ، فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهَا، فَنَالَتْ أَصَابِعُهُ بَلَلًا، فَقَالَ: «مَا هَذَا يَا صَاحِبَ الطَّعَامِ؟» قَالَ: أَصَابَتْهُ السَّمَاءُ يَا رَسُولَ اللهِ. فَقَالَ: «أَفَلَا جَعَلْتَهُ فَوْقَ الطَّعَامِ؛ كَيْ يَرَاهُ النَّاسُ؟ مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّي». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^١).
* * *
هذه الأحاديث أصل في تحريم الغش، وثبوت خيار التدليس، والتدليس في البيع إظهار المبيع بصفة خلاف ما هو عليه.
وفي الأحاديث فوائد، منها:
١ - تحريم الغش في البيع وغيره، ويكون بالتدليس، وكتمان العيب.
٢ - أن من التدليس تصرية البهيمة، وهو جمع اللبن في الضرع؛ لإظهار أنها كثيرة اللبن، وهو التحفيل، ويقال للبهيمة: مُصَرَّاة، ومُحَفَّلة. وأما رواية: «لَا تَصُرُّوا» -بفتح التاء - فهو من الصَّر، وهو ربط ضرع البهيمة، حتى لا تحلب.
٣ - أن من اشترى شاة مصراة أو غيرها، فهو بالخيار؛ إن شاء أمسكها، وإن شاء ردها.
٤ - أن له الخيار ثلاثة أيام.
٥ - أنه إذا ردَّها ردَّها وصاعًا من تمر بدلًا عن اللبن الذي كان موجودًا في ضرعها عند البيع.
٦ - أن تقويم اللبن بصاع من تمر لا يجب غيره على المشتري إلا برضاه.
٧ - أن المشتري إذا أمسك البهيمة لا يجب له على البائع شيء إلا برضاه، فلا يجب أرش لفقد الصفة، وكذا في خيار العيب، فإما الرد وأخذ الثمن، أو الإمساك مجانًا.
٨ - تحريم تصرية البهائم للبيع؛ لأنه من الغش.
_________________
(١) مسلم (١٠٢).
[ ٢ / ٢١٤ ]
٩ - صحة بيع المصراة.
١٠ - وجوب بيان العيب الذي في السلعة.
١١ - جواز كشف المشتري لباطن السلعة؛ لمعرفة حالها، وسلامتها؛ لأن الرسول ﷺ أدخل يده في الطعام، ولم يكتف بنظر ما ظهر.
١٢ - أن الغش من كبائر الذنوب؛ لقوله ﷺ: «لَيْسَ مِنَّا»، ومنه شوب اللبن بالماء للبيع.
١٣ - أن كتمان العيب منكر، فيجب إنكاره.
١٤ - إنكار الإمام والمحتسب على من وقع منه شيء من ذلك.
١٥ - الاقتصار على اللسان في إنكار المنكر، إذا حصل به المقصود.
* * * * *
(٩١٥) وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ حَبَسَ الْعِنَبَ أَيَّامَ الْقِطَافِ، حَتَّى يَبِيعَهُ مِمَّنْ يَتَّخِذُهُ خَمْرًا، فَقَدَ تَقَحَّمَ النَّارَ عَلَى بَصِيرَةٍ». رواه الطَّبَرَانِيُّ في «الأوسط» بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ (^١).
* * *
هذا الحديث أصل في تحريم الإعانة على معصية الله.
وفيه فوائد، منها:
١ - تحريم الخمر، وهو من المعلوم من دين الإسلام بالضرورة، فيكفر جاحده.
٢ - تحريم الإعانة على صناعة الخمر.
٣ - تحريم الإعانة على كل ما يروجها.
٤ - أن حبس العنب أيام قطافه لبيعه على من يصنع منه الخمر من كبائر الذنوب.
٥ - تحريم بيع السلاح أيام الفتنة؛ لما فيه من الإعانة على القتال المحرم.
_________________
(١) «المعجم الأوسط» (٥٣٥٦).
[ ٢ / ٢١٥ ]
٦ - أن من مقاصد الشريعة سدَّ الذرائع إلى الحرام، ففيه شاهد لقاعدة سد الذرائع.
٧ - التعبير بالمُسبَّب عن السبب، لقوله: «فَقَدَ تَقَحَّمَ النَّارَ عَلَى بَصِيرَةٍ»، وقوله: «تَقَحَّمَ» أي أقدم على أمر صعب وشديد. وقوله: «عَلَى بَصِيرَةٍ» أي على علم.
٨ - أن من حبس العنب أيام القطاف ليتخذه زبيبًا أو لغير ذلك من المباح فلا إثم عليه، وإن قدِّر أن يشتريه من يتخذه خمرًا وهو لا يعلم بحاله.
٩ - تأثير المقاصد في حكم الأفعال.
* * * * *
(٩١٦) وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَضَعَّفَهُ البُخَارِيُّ، وأبُوْ دَاوُدَ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ خُزَيْمَةَ، وابْنُ الْجَارُودِ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ، وابْنُ القَطَّانِ (^١).
* * *
هذا الحديث -إذا كان صحيحًا- من جوامع الكلم التي أوتيها النبي ﷺ، وهو أصل في معرفة من يستحق غلة العين، والخراج أصله المنفعة والرزق، قال تعالى: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِين (٧٢)﴾ [المؤمنون: ٧٢].
والخراج في اصطلاح الفقهاء: ما يكتسبه العبد، وهو في الحديث أعم من ذلك، فيشمل كسب العبد، وأجرة الدار والعين، وثمرة الشجر، والمراد بالضمان في الحديث ضمان التلف، ومعنى الحديث أنه يستحق ثمرة العين وغلتها ومنافعها من إذا تلفت كانت من ضمانه، وتتلف عليه، كالمشتري
_________________
(١) أحمد (٢٤٢٢٤)، وأبو داود (٣٥٠٨)، والنسائي (٤٤٩٠)، والترمذي (١٢٨٥)، وابن ماجه (٢٢٤٣)، وابن حبان (٤٩٢٧)، والحاكم (٢١٧٦)، وابن الجارود في «المنتقى» (٦٢٦)، وينظر: «البدر المنير» (٦/ ٥٤١).
[ ٢ / ٢١٦ ]
للسلعة زمن الخيار، فالملك له، والنماء له، ولا يدخل في ذلك ضمان تلف العين لغيره؛ كالأمين إذا تعدَّى أو فرَّط.
* * * * *
(٩١٧) وَعَنْ عُرْوَةَ الْبَارِقِيِّ ﵁؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَعْطَاهُ دِينَارًا يَشْتَرِي بِهِ أُضْحِيَّةً، أَوْ شَاةً، فَاشْتَرَى شَاتَيْنِ، فَبَاعَ إِحْدَاهُمَا بِدِينَارٍ، فَأَتَاهُ بِشَاةٍ وَدِينَارٍ، فَدَعَا لَهُ بِالْبَرَكَةِ فِي بَيْعِهِ، فَكَانَ لَوْ اشْتَرَى تُرَابًا لَرَبِحَ فِيهِ. رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلا النَّسَائِيَّ (^١). وقد أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ضِمْنَ حَدِيْثٍ، وَلَمْ يَسُقْ لَفْظَهُ (^٢).
(٩١٨) وَأَوْرَدَ التِّرْمِذِيُّ لَهُ شَاهِدًا: مِنْ حَدِيْثِ حَكِيْمِ بْنِ حِزَام (^٣).
* * *
هذا الحديث أصل في صحة الوكالة، وتصرف الفضولي، وهو تصرف الإنسان فيما لا يملك ببيع ونحوه.
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - أن من هدي النبي ﷺ شراء ما يحتاجه.
٢ - التوكيل في الشراء.
٣ - دفع الموكل الثمن للوكيل.
٤ - صحة تصرف الفضولي بالإجازة؛ بيعًا وشراء؛ ووجه ذلك أن النبي ﷺ وكل عروة في شراء شاة، وقد حصلت بنصف دينار، ونصف الدينار الآخر ملك للنبي ﷺ، فاشترى به عروة شاة أخرى، ثم باعها بدينار.
٥ - إجازة النبي ﷺ لعروة في تصرفه، بدليل دعائه له.
_________________
(١) أحمد (١٩٣٥٦)، وأبو داود (٣٣٨٤)، والترمذي (١٢٥٨)، وابن ماجه (٢٤٠٢).
(٢) البخاري (٣٦٤٢).
(٣) الترمذي (١٢٥٧).
[ ٢ / ٢١٧ ]
٦ - أن من البركة في البيع الربح، كما في الحديث: «فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا» (^١).
٧ - فضيلة عروة ﵁؛ وذلك من وجوه: ١ - توكيل النبي ﷺ له. ٢ - حسن تصرفه. ٣ - دعاء النبي ﷺ له. وليس ذلك من النبي ﷺ فرحًا بالربح؛ لأن النبي ﷺ لا تعنيه شيئًا، بل إحسانًا إلى عروة، ليدوم توفيقه في التجارة.
٨ - استجابة دعاء النبي ﷺ، لقول الراوي: «لَوْ اشْتَرَى تُرَابًا لَرَبِحَ فِيهِ»، وهذا من أساليب المبالغة.
٩ - مشروعية التضحية بالشاة، وهي الواحدة من الغنم.
١٠ - أن شراء عروة شاتين بدينار، وبيعه إحداهما بدينار لم يكن محاباة من البائع والمشتري للنبي ﷺ؛ لأنه لا يلزم أن يكونا عالمين أن عروة وكيل للنبي ﷺ، بل لم يكونوا يحابون النبي ﷺ لو عاملوه مباشرة، بل يربحون عليه، ولا يربح عليهم، كما جاء في قصة جمل جابر، وقد سبق.
١١ - أن الربح ليس له قدر محدود، ما لم يتضمن الغبن.
١٢ - فيه علم من أعلام نبوته ﷺ، وذلك بإجابة دعائه لعروة ﵁.
* * * * *
(٩١٩) وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ شِرَاءِ مَا فِي بُطُونِ الْأَنْعَامِ حَتَّى تَضَعَ، وَعَنْ بَيْعِ مَا فِي ضُرُوعِهَا، وَعَنْ شِرَاءِ الْعَبْدِ وَهُوَ آبِقٌ، وَعَنْ شِرَاءِ الْمَغَانِمِ حَتَّى تُقْسَمَ، وَعَنْ شِرَاءِ الصَّدَقَاتِ حَتَّى تُقْبَضَ، وَعَنْ ضَرْبَةِ الْغَائِصِ. رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، والبَزّارُ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيْفٍ (^٢).
_________________
(١) رواه البخاري (٢٠٨٢)، ومسلم (١٥٣٢)؛ عن حكيم بن حزام ﵁.
(٢) ابن ماجه (٢١٩٦)، والبزار (٤٩١٣)، والدارقطني (٢٨٣٩).
[ ٢ / ٢١٨ ]
(٩٢٠) وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَا تَشْتَرُوا السَّمَكَ فِي الْمَاءِ؛ فَإِنَّهُ غَرَرٌ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وأشَارَ إِلَى أنَّ الصَّوَابَ وقْفُه (^١).
(٩٢١) وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ تُبَاعَ ثَمَرَةٌ حَتَّى تُطْعَمَ، وَلَا يُبَاعَ صُوفٌ عَلَى ظَهْرٍ، وَلَا لَبَنٌ فِي ضَرْعٍ». رواه الطَّبَرَانِيُّ في «الأوسط». وَالدَّارَقُطْنِيُّ (^٢).
(٩٢٢) وأَخْرَجَهُ أبُوْ دَاوُدَ في «المراسيل» لعِكْرِمَةَ، وَهُوَ الرَّاجِحُ (^٣).
(٩٢٣) وأَخْرَجَهُ أيضًا مَوْقُوفًا على ابْنِ عبَّاسٍ بإسنادٍ قَويٍّ، ورجَّحَهُ الْبَيْهَقِيُّ (^٤).
(٩٢٤) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْمَضَامِينِ، وَالْمَلَاقِيحِ. رواه البَزّارُ، وَفِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ (^٥).
* * *
هذه الأحاديث تضمنت النهي عن أنواع من بيوع الغرر، وإن كانت هذه الأحاديث لم يثبت شيء منها مرفوعًا، بل هي بين ضعيف وموقوف، فمعناها صحيح، لما في هذه البيوع من الغرر والخطر، وقد تقدم في الأحاديث الصحيحة النهي عن الغرر، وعن أنواع منه؛ كبيع الحصاة والملامسة، ومنه ما ذكر في هذه الأحاديث، ومدار الغرر فيها إما الجهل بالمبيع؛ كاللبن في الضرع، وكالحمل في البطن، والمضامين على قول الأكثر ما في أصلاب الفحول، والملاقيح ما في بطون الإناث، وقد تقدم في الأحاديث الصحيحة النهي عن عسب الفحل، وضراب الفحل، وعن بيع حَبَل الحَبَلة (^٦).
_________________
(١) أحمد (٣٦٧٦).
(٢) «المعجم الأوسط» (٣٧٠٨)، و«سنن الدارقطني» (٢٨٣٥).
(٣) «المراسيل» (١٨٣).
(٤) «السنن الكبرى» (١٠٨٥٨).
(٥) «مسند البزار» (٤٨٢٨).
(٦) عند شرح الأحاديث ذوات الأرقام (٨٨٧) و(٨٨٨) و(٨٨٩).
[ ٢ / ٢١٩ ]
وإما عدم القدرة على تسليم المبيع؛ كالعبد الآبق، والجمل الشارد، والسمك في الماء، والطير في الهواء.
وفي الأحاديث فوائد؛ منها:
١ - تحريم بيع الغرر.
٢ - النهي عن بيع العبد الآبق والجمل الشارد.
٣ - النهي عن بيع المغانم قبل قسمها، وعن بيع الصدقة قبل قبضها؛ لأن ذلك من بيع الإنسان ما لا يملك، أو ما لم يتم ملكه عليه، وقد يتضمن الجهالة في المبيع.
٤ - النهي عن بيع السمك في الماء.
٥ - النهي عن بيع الطير في الهواء.
٦ - النهي عن بيع الصوف على ظهر البهيمة، وأجازه بعضهم؛ لأنه ظاهر، يعرفه أهل الخبرة، مقدور على تسليمه.
٧ - تحريم بيع اللبن في الضرع.
٨ - تحريم بيع الثمرة قبل بدو صلاحها، وقد دل على ذلك أحاديث صحيحة، ستأتي.
٩ - النهي عن بيع ضربة الغائص، والمراد ما يخرجه الغائص في البحر من الدرر في الغوصة الواحدة.
١٠ - جواز الغوص في البحر لاستخراج اللآلئ والدرر، إذا كان الغالب السلامة.
١١ - تحريم بيع ما في أصلاب الفحول، وهو بيع ضراب الفحل.
١٢ - تحريم بيع ما في بطون الإناث.
١٣ - تحريم ما يؤدي إلى النزاع والعداوة والبغضاء بين المسلمين.
* * * * *
[ ٢ / ٢٢٠ ]
(٩٢٥) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ أَقَالَ مُسْلِمًا بَيْعَتَهُ، أَقَالَهُ اللهُ عَثْرَتَهُ». رواه أبُوْ دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ (^١).
* * *
هذا الحديث أصل في فضل إقالة المسلم في البيع، والمراد بالإقالة فسخ عقد البيع من البائع لرغبة المشتري، وفي معناه وحكمه إقالة المشتري للبائع إذا ندم على البيع، والإقالة ضرب من السماحة في البيع والشراء، فهي من الإحسان المستحب بين المسلمين، وقال الفقهاء: إنها فسخ وليست عقد بيع آخر، فلا يترتب عليها ما يترتب على البيع من الشفعة، والرد بالعيب، ووجوب التقابض في الصرف، ونحو ذلك.
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - استحباب الإقالة.
٢ - أن الجزاء من جنس العمل، والعثرة من العبد الزلة والذنب، وإقالة الله مغفرته، ومنه: «أَقِيلُوا ذَوِيِ الْهَيْئَاتِ عَثَرَاتِهِمْ» (^٢)، أي زلَّاتهم، بالتجاوز عنهم.
٣ - أن الإقالة من مقتضيات الأخوة الإسلامية.
* * * * *
_________________
(١) أبو داود (٣٤٦٠)، وابن ماجه (٢١٩٩)، وابن حبان (٥٠٢٩)، والحاكم (٢٢٩١).
(٢) رواه البخاري في «الأدب المفرد» (٤٦٥)؛ عن عائشة ﵂.
[ ٢ / ٢٢١ ]